ضحى عبدالرروف المل
الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 12:04
المحور:
الادب والفن
ليست المشكلة في المال نفسه، فالمال أداة قد تبني مستشفى كما قد تبني سجناً، وقد تُطعم جائعاً كما قد تُحوّل قلباً كاملًا إلى صحراء باردة. المشكلة الحقيقية تبدأ حين يتسلل المال بهدوء إلى تعريف الإنسان لنفسه، حين لا يعود المرء يرى قيمته فيما يفكر به أو يشعر به أو يقدّمه، بل فيما يملكه فقط. هناك لحظة نفسية خطيرة لا تحدث دفعة واحدة، بل تنمو مثل صدعٍ صغير داخل الروح، لحظة يظن فيها الإنسان أن حسابه البنكي ليس مجرد رصيد، بل مقياس لحجمه الإنساني. عندها يبدأ شيء خفي بالتآكل وهو التواضع أولًا، ثم القدرة على رؤية الآخرين كبشر متساوين، ثم تلك البساطة النقية التي تجعل الإنسان يشعر أن قيمته لا تحتاج إلى برهانٍ مادي كي تكون حقيقية. يصبح كل شيء قابلًا للقياس بالأرقام كالاحترام، المكانة، حتى المحبة نفسها. كأن العالم يتحول تدريجياً إلى سوق ضخمة، لا إلى حياة.
الغريب أن أكثر الناس التصاقاً بصورة القوة المالية يكونون أحياناً أكثرهم خوفاً من الداخل. لأن الإنسان الواثق فعلًا لا يحتاج أن يعلن قيمته كل دقيقة. وحده المرتاب من ذاته يبالغ في عرضها. لهذا يبدو الاستعراض المالي في كثير من الأحيان محاولة دفاع نفسي أكثر منه تعبيراً عن نجاح حقيقي. كأن بعض البشر يبنون حول أنفسهم جدراناً من الماركات والسيارات والألقاب حتى لا يسمعوا ذلك الصوت الداخلي الذي يسألهم في الليل من أنت لو اختفى كل هذا؟. السؤال مرعب، ولذلك يهرب كثيرون منه بالضجيج. فكلما شعر الإنسان بفراغ داخلي أكبر، احتاج إلى زخرفة خارجية أكثر. ولهذا نرى أحياناً أشخاصاً يملكون كل مظاهر الرفاهية، لكنهم يعيشون توتراً دائماً، لأن صورتهم أمام الناس أصبحت أهم من حقيقتهم أمام أنفسهم.
المجتمع بدوره يشارك في صناعة هذا الوهم بشكل جماعي. فمنذ الطفولة يتعلم الناس أن الثروة تعني التفوق بطريقة غير مباشرة. الطفل يرى كيف يُعامل صاحب النفوذ، وكيف تُفتح الأبواب لمن يملك، وكيف تُمنح الهيبة أحياناً لمن يرتدي ماركات أغلى لا لمن يحمل عقلًا أعمق. تتشكل في الوعي الجمعي معادلة خفية وهي كلما امتلكت أكثر، أصبحت أكثر أهمية. ومع الوقت تتحول هذه الفكرة إلى مرض اجتماعي صامت. لا يعود الإنسان يسأل: هل هذا الشخص حكيم؟، بل كم يملك؟. لا يعود النجاح مرتبطاً بالنضج أو الأخلاق أو المعرفة، بل بالقدرة على الاستهلاك والاستعراض. وهكذا يصبح المجتمع نفسه مصنعاً لإنتاج بشر يربطون قيمتهم الذاتية بالأشياء لا بالمعاني.
لكن الحياة تمتلك دائماً قسوتها الخاصة في كشف الأوهام. لأن المال، مهما بدا قوياً، يبقى تافهاً أمام الزمن والمرض والخسارة والموت. هناك لحظات يسقط فيها كل شيء دفعة واحدة، فيكتشف الإنسان أنه أمضى عمره يبني صورته فوق أرض متحركة. كم من شخص كان يشعر أنه أعلى من الجميع لأنه يملك أكثر، ثم وجد نفسه عاجزاً أمام غرفة مستشفى أو خيانة مقرّب أو وحدة قاتلة داخل بيت فاخر. في تلك اللحظات تحديدا، تتغير معايير الأشياء بشكل عنيف. يصبح وجود إنسان حقيقي بجانبك أغلى من كل الأرقام. تصبح الطمأنينة أثمن من النفوذ. يصبح النوم دون خوف رفاهية لا تُشترى. هناك حقائق لا تعترف بالبنوك أصلًا، لأن الروح البشرية لا تُقاس بالعملة.
والأخطر من وهم التفوق المالي أنه لا يفسد الفرد فقط، بل يفسد العلاقات نفسها. حين يدخل المال إلى العلاقات بوصفه معياراً للقيمة، تختفي العفوية بالتدريج. تتحول الجلسات إلى مقارنات خفية، والكلمات إلى استعراضات ناعمة، والاهتمام إلى نوع من التقييم الطبقي غير المعلن. فجأة يصبح بعض الناس قادرين على النظر إلى الآخرين من الأعلى فقط لأن ظروفهم المادية أفضل. لا يشعرون بذلك دائمًا بشكل مباشر، لكنه يتسلل إلى نبرة الصوت، إلى طريقة الحديث، إلى الإشارات الصغيرة التي تقول: أنا في مستوى آخرى وهنا تبدأ الكارثة النفسية للعلاقات الإنسانية، لأن الكرامة لا تتحمل الشعور الدائم بالدونية. البشر قد يصبرون على الفقر، لكنهم ينهارون حين يشعرون أنهم يُعاملون كقيمة أقل.
والمفارقة أن الثروة الحقيقية غالباً ما تكون أكثر هدوءا. الأشخاص العميقون فعلًا لا يحتاجون إلى تحويل نجاحهم إلى سلاح نفسي ضد الآخرين. لأنهم فهموا شيئا مهما الإنسان لا يصبح أكبر عندما يجعل من حوله أصغر. العظمة الحقيقية ليست في القدرة على إبهار الناس، بل في القدرة على جعلهم يشعرون بإنسانيتهم قربك. هناك بشر يدخلون المكان بثياب بسيطة لكنهم يتركون أثراً من الاحترام والدفء لا يتركه أصحاب القصور. السبب ليس أنهم يملكون أقل، بل لأنهم لم يسمحوا لما يملكونه أن يبتلع جوهرهم الإنساني. المال في يد الإنسان الناضج يتحول إلى وسيلة للحياة، لا إلى هوية كاملة يعيش داخلها.
وربما لهذا السبب تحديداً يبدو بعض الفقراء أكثر راحة من بعض الأثرياء. ليس لأن الفقر جميل، بل لأن الإنسان الذي لا يربط قيمته بالمظاهر يعيش أخفّ نفسيا. لا يحتاج أن يثبت نفسه كل يوم، ولا يخاف باستمرار من خسارة صورته الاجتماعية. أما من بنى ذاته كلها على الثروة، فإنه يعيش في حالة دفاع دائم. أي خسارة مالية تصبح تهديداً وجوديا، لا مجرد أزمة مؤقتة. كأن المال لم يعد شيئاً يملكه، بل شيئاً يملكه من الداخل. لهذا يتحول بعض الناس مع الوقت إلى حرّاس قلقين لصورتهم الاجتماعية، لا إلى بشر يعيشون حياتهم بحرية حقيقية.
الأدب والسينما والتاريخ مليئة بشخصيات ظنت أن الثروة ستمنحها شعورا بالعظمة، لكنها انتهت إلى الفراغ. لأن الإنسان لا يستطيع أن يملأ الجوع الروحي بالأشياء مهما كثرت. يمكن شراء بيت ضخم، لكن لا يمكن شراء دفء حقيقي داخله. يمكن شراء سرير فاخر، لكن لا يمكن شراء نوم هادئ. يمكن شراء إعجاب الناس، لكن لا يمكن شراء الحب الصادق. كل شيء مادي يملك حدوداً واضحة، بينما احتياجات الروح أعمق بكثير من السوق. ولهذا يشعر كثيرون، بعد سنوات طويلة من الجري خلف الصورة الاجتماعية، أنهم تعبوا من لعب دور الإنسان الناجح أكثر مما استمتعوا بالحياة نفسها.
في نهاية مقالي هذا اسمحوا ان اطرح هذا السؤال وهو هل التقدير كم يملك الإنسان؟ ام ماذا فعل بما يملك، وماذا فعل المال بروحه قبل أن يفعل هو شيئاً بالعالم؟. فالثروة قد تكشف النبل كما قد تكشف الفراغ، وقد تُظهر إنسانية الشخص كما قد تفضح ضعفه . لكن الخطأ الأكبر أن يتحول المال إلى مقياس للتفوق البشري، لأن ذلك يعني أن الإنسان اختصر وجوده كله في شيء يمكن أن يختفي في لحظة. وربما أكثر المشاهد حزناً ليس إنساناً فقيراً يبحث عن لقمة، بل إنساناً يملك كل شيء ويقضي عمره خائفاً من أن يكتشف الناس أنه بدون ثروته… لم يعرف يوماً من يكون....
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟