|
|
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
ك كابس
باحث يساري من اليونان
(K. Kaps.)
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 21:28
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
ترجم المقال من اليونانية
يُمثّل مقال رزكار عقراوي إسهاماً طموحاً ومتعدد الأبعاد في تحليل الذكاء الاصطناعي. يسعى الكاتب إلى تفكيك التصوّر السائد القائل بـ«حياد» التكنولوجيا، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي ينتظم بشكل عضوي في علاقات الإنتاج الرأسمالية، ويعمل أداةً لإعادة إنتاج الهيمنة الطبقية بأساليب أكثر تعقيداً وأقل وضوحاً. ولا تقتصر أهمية النص على مجرد إدانة عامة للاستخدام الرأسمالي للذكاء الاصطناعي، بل يتناول المقال طيفاً واسعاً من الموضوعات: تحوّل العمل وتكثيف الاستغلال عبر الأتمتة، ودور البيانات بوصفها شكلاً جديداً من أشكال رأس المال، والتشكيل الخوارزمي للوعي والسلوك الاجتماعي، فضلاً عن تركّز القوة التكنولوجية في أيدي الدول والمؤسسات الاحتكارية. وتبرز إلى جانب ذلك قضايا الهيمنة الأيديولوجية في الفضاء الرقمي، وأشكال الرقابة والسيطرة الجديدة، وامتداد الاستغلال إلى «الفضاء الرقمي» ذاته بوصفه حقلاً لإنتاج القيمة. ولا يقف المقال عند حدود التشخيص، بل يطرح الحاجة إلى توجّه بديل «يساري» في تطوير الذكاء الاصطناعي، يرتكز على الرقابة الديمقراطية والملكية الجماعية والتوجّه الاجتماعي للتكنولوجيا. ومن ثَمّ، يستوجب أي تناوُل نقدي للنص أن يأخذ بالحسبان ليس فحسب تماسكه النظري ومنطلقاته الأيديولوجية، بل أيضاً اتساع الموضوعات التي يفتحها. غير أن هذه المحاولة النقدية لا تسعى إلى تغطية كل هذه الجوانب تغطيةً شاملة، بل تتوقف انتقائياً عند بعض نقاط المقال، مُقدِّمةً جملةً من الأفكار الأولية، تاركةً حتماً جانباً قضايا أخرى لا تقل أهمية وتستحق تحليلاً مستقلاً.
ينطلق مقال عقراوي من نقطة بداية دقيقة: الذكاء الاصطناعي ليس تكنولوجيا محايدة، بل يتطور في سياق علاقات اجتماعية محددة، وبخاصة في سياق الرأسمالية. هذه الملاحظة مهمة، لكنها تحتاج إلى صياغة أكثر تحديداً؛ فالذكاء الاصطناعي لا يعمل داخل «الرأسمالية» بوصفها مجرداً، بل داخل أشكال مختلفة من رأس المال وفي خضمّ التنافسات القائمة بينها. ففي الصناعة، يُستثمَر الذكاء الاصطناعي لتنظيم الإنتاج بصورة أكثر فاعلية والسيطرة على العمل. وفي التجارة والقطاع المالي، يُسرّع دوران البضائع ويُسهم في إدارة المخاطر. وفي الوقت ذاته، تُسيطر المنصات الرقمية الكبرى على نفوذ استثنائي، إذ تتحكم في البيانات والبنية التحتية والوصول إلى الأسواق. وهكذا، لا يكون الذكاء الاصطناعي مجرد أداة، بل جزءاً لا يتجزأ من استراتيجيات التراكم الرأسمالي المعاصرة.
1. الذكاء الاصطناعي في ضوء نظرية القيمة من منظور النظرية الماركسية، تكمن النقطة الجوهرية في أن القيمة تنتجها العمالة الحيّة. فالآلات، مهما بلغت درجة تطورها، لا تُنتج القيمة بمفردها،¹ بل تنتظم في مسيرة يظل فيها العمل عاملاً حاسماً. ولا ينفي هذا أهمية التكنولوجيا، لكنه يُعيننا على فهم دورها. وتزداد المسألة تعقيداً مع ظهور أشكال جديدة من العمل. فالعمل الرقمي والمعرفي² لا ينقضان نظرية القيمة، بل يجعلانها أكثر إلحاحاً؛ إذ لا يكفي الاعتراف بأنها ضرب من العمل، بل لا بد من تحديد ما إذا كانت تنتظم مباشرةً في مسيرة إنتاج فائض القيمة وكيف تتم هذه الانتظام، أم أنها تؤدي وظيفة داعمة في تشكيل هذا الفائض وتحقيقه.³ ويتجلى ذلك بوضوح إذا ما نظرنا إلى الكيفية التي يُوظَّف بها الذكاء الاصطناعي على أرض الواقع. ففي الإنتاج على سبيل المثال، لا تُنتج الأنظمة التي توجّه العمال في المستودعات أو منصات التوزيع قيمةً بذاتها، بل تُنظّم العمل وتُسرّعه وتجعله أكثر كثافةً وخضوعاً للسيطرة. وفي مجال التداول، لا تُوجد الأنظمة التي تقترح المنتجات أو تُعدّل الأسعار قيمةً جديدة، غير أنها تُسهم في تصريف البضائع بوتيرة أسرع وتزيد من احتمالية تحقيق الربح. وبهذا المعنى، يتدخل الذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من دورة رأس المال ذاتها. وفي الوقت نفسه، لا تُفضي الأتمتة بالضرورة إلى تقليص العمل تقليصاً مجرداً؛ فهي تُلغيه في بعض المواضع، وتُحوّله وتُزيحه في مواضع أخرى. وتظهر أشكال جديدة من العمل حيث لا يبدو ذلك جلياً، كتمييز البيانات وترقيمها، والإشراف على المحتوى، وتدريب الأنظمة ذاتها. وهكذا يتقلص العمل في قطاعات بعينها، ويُعاد توزيعه في قطاعات أخرى، ويغدو في مجمله أكثر تشتتاً وتفتتاً.⁴ وثمة عنصر بالغ الأهمية آخر يتمثل في دور البيانات. فرغم أنها لا تُشكّل مصدراً مستقلاً للقيمة، فإنها تؤدي دوراً محورياً في الطريقة التي يُنظَّم بها الإنتاج ويتحقق الربح. ومن خلالها، تستطيع المؤسسات تسريع دوران البضائع، والحدّ من حالة عدم اليقين، وتعزيز السيطرة على العمل.⁵ غير أن استثمار البيانات لا يجري في ظروف تكافؤ في الوصول إليها، بل يتمركز في أيدي عدد قليل من المؤسسات الكبرى التي تتحكم في البنى التحتية الأساسية وأنظمة الذكاء الاصطناعي. وهكذا يرتبط هذا التكنولوجيا ارتباطاً وثيقاً بأشكال النفوذ الاحتكاري.⁶ وإذا نظرنا إلى الصورة الكلية، يتبيّن أن الذكاء الاصطناعي لا يؤثر فحسب في وظائف بعينها، بل ينتظم في الحركة الشاملة لرأس المال من الإنتاج إلى التداول فالاستهلاك. وفي هذا السياق تبرز تناقض جوهري: من جهة، تُعلي التكنولوجيا من الإنتاجية، ومن جهة أخرى تُشدّد الضغوط المرتبطة بمسيرة إنتاج القيمة ذاتها.⁷ ويسعى رأس المال إلى مواجهة هذا التوتر عبر آليات معروفة، كتكثيف العمل، وخفض التكاليف من خلال نقل الإنتاج إلى بلدان ذات عمالة رخيصة، والتوسع في أسواق جديدة، وتسليع البيانات. يُقرّ مقال عقراوي بكثير من هذه التطورات، بيد أنه لا يربطها بصورة منهجية بنظرية القيمة. فبدون هذا التحليل، يبقى المنطق الاستدلالي للمقال عرضة لأن يظل سطحياً؛ إذ يغدو «الاستغلال» مصطلحاً عاماً يكاد يكون أخلاقياً، يصف المظالم والمفارقات لا الآليات الاقتصادية المحددة التي ينتج عبرها الربح. وبهذه الطريقة يضيع الميزة الرئيسية للمقاربة الماركسية: القدرة على ربط التجارب الاجتماعية ببنية إنتاج القيمة. وربما يكون هذا هو الجانب الأكثر إثارةً للاهتمام في المسألة برمّتها: لا يُشكّل الذكاء الاصطناعي وسيلةً لتعزيز الرأسمالية حسب، بل يُمثّل أيضاً ساحةً تغدو فيها تناقضات الرأسمالية أكثر وضوحاً: التناقض بين العمل والأتمتة، وبين الإنتاج الجماعي للبيانات والاستيلاء الخاص عليها، وبين الإسهام المنتشر لكثيرين وتركّز الربح في أيدي قلّة.
2. حدود تصوّر الذكاء الاصطناعي بوصفه آلية هيمنة موحّدة تتعلق المسألة الثانية في تحليل المقال بالطريقة التي يُقدَّم بها الذكاء الاصطناعي كمنظومة هيمنة متجانسة وموحّدة في جوهرها. فالصورة التي يُرسيها المقال هي أنه سواء أكان الأمر يتعلق بالمصانع، أم المستشفيات، أم الإدارة العامة، أم منصات العمل، فإن الذكاء الاصطناعي يعمل بالأسلوب الأساسي ذاته بوصفه آلية رقابة وسيطرة. ولا تبدو هذه المقاربة اعتباطية؛ فالتنظيم الخوارزمي للعمل والمعلومات يمتد فعلاً إلى حقول متزايدة. لكن إذا بقينا عند هذا المستوى من التعميم، تفوتنا حقيقة جوهرية: لا يُشكّل الذكاء الاصطناعي آلية موحّدة، بل مجموعة من الأشكال التكنولوجية المتباينة المنتظمة في علاقات اجتماعية غير متكافئة ومحددة. من المنظور الماركسي، الذي يشترط التحليل الملموس للأوضاع الملموسة، لا وجود لـ«الذكاء الاصطناعي» بوصفه كلاً مجرداً؛ ثمة تطبيقات جزئية منتظمة في حقول إنتاج وسلطة مختلفة. فالخوارزمية التي تُنظّم العمل في مستودع شيء، والنظام الداعم للتشخيصات الطبية في مستشفى عام شيء آخر، والنظام الذي يُنظّم ظهور المحتوى على منصات التواصل الاجتماعي شيء ثالث مغاير. فإن عُومل كل ذلك كتعبير عن «هيمنة خوارزمية» موحّدة، طُمست الفوارق التي تُحدد أسلوب ممارسة السلطة من جهة، ومواطن الانكسار المحتملة من جهة أخرى. كل ظاهرة اجتماعية تنطوي على تناقضات متعددة، لكن في كل لحظة تاريخية محددة يكتسب أحدها دوراً حاسماً يؤثر في الاتجاه العام للتطور. وفي حالة الذكاء الاصطناعي في ظل الرأسمالية المعاصرة، يتمثّل هذا التناقض الرئيسي في التناقض القائم بين الطابع الاجتماعي المتصاعد لإنتاج المعرفة والبيانات والاستيلاء الرأسمالي الخاص عليها. يبدو هذا جلياً بصورة خاصة في النماذج اللغوية الكبرى. فهي تتدرب على كميات هائلة من البيانات التي يُنتجها بصورة جماعية المستخدمون والعمال والمجتمعات العلمية والكتّاب وعامة النشاط الرقمي اليومي لملايين البشر. ومع ذلك، تستولي على نتاج هذا الإنتاج الجماعي حفنة من الشركات الكبرى. هنا يتبلور التناقض الجوهري: إنتاج اجتماعي من جهة، واستيلاء خاص من جهة أخرى. ولا يتجلى هذا التناقض بصورة متجانسة، بل يُتوسَّط بالعلاقات الاجتماعية الخاصة بكل حقل، آخذاً أشكالاً مختلفة: من النشاط الرقمي المجاني والتمييز الهشّ للبيانات إلى خصخصة المعرفة العلمية وتعزيز السيطرة في فضاء العمل.⁸ وهذا التمايز ليس ثانوياً. فالتكنولوجيا مرتبطة ارتباطاً مباشراً بتركّز رأس المال وتمركزه. إذ تعمل المنصات الرقمية الكبرى وشركات الذكاء الاصطناعي كعقد احتكارية تتحكم في البيانات والبنى التحتية والخوارزميات. ومن ثَمّ، ليس الشكل الذي يأخذه كل تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي محايداً، بل يتوقف على موضعه داخل هذه البنية السلطوية. ويتضح هذا من خلال أمثلة ملموسة: فالعامل في منصة توزيع لا يواجه «الذكاء الاصطناعي عموماً»، بل خوارزمية بعينها تنظّم الطلبيات والوقت وفي نهاية المطاف دخله. في المقابل، قد يُوظّف طبيب في منظومة صحية عامة أنظمة دعم في اتخاذ القرارات تنتظم في إطار مؤسسي مختلف وتنطوي على تناقضات من نوع آخر. وتعميم أن «الذكاء الاصطناعي يُراقب في كل مكان بالطريقة ذاتها» لا يُعين على استيعاب هذه الفوارق. لا يتطور الذكاء الاصطناعي بصورة متجانسة لا تقنياً ولا اجتماعياً. ففي حقول بعينها كمنصات العمل، يرتبط ارتباطاً مباشراً بتكثيف الاستغلال، بينما في حقول أخرى كالبحث الطبي أو بعض الخدمات العامة، تبرز أشكال أكثر تعقيداً تتعايش فيها الحاجات الاجتماعية مع القيود الرأسمالية. وهذا التفاوت ما هو إلا تعبير عن البنية الذاتية للمنظومة. ولهذا دلالة سياسية مباشرة: فإذا قُدِّمت الهيمنة على أنها متجانسة تماماً وحاضرة في كل مكان، أضحى غير واضح أين تتمركز القوة بالتحديد وأين يمكن أن تنشأ الشقوق والانكسارات. غير أن التحليل السياسي لا يمكن أن يقتصر على الإدانات العامة، بل يستوجب تحديد النقاط المحورية لتركّز السلطة. فعلى سبيل المثال، يختلف ثقل السيطرة على البيانات في منصة تواصل اجتماعية كبرى عن ثقل توظيف نظام محلي لإدارة مستشفى. فالحالة الأولى تثير قضايا تتعلق بتسليع الانتباه وتشكيل الخطاب العام، بينما تُعنى الحالة الثانية أساساً بتنظيم الخدمات مع هامش مختلف من حدود التدخل وإمكانياته. من هذا المنظور، لا تتساوى التناقضات في حدّتها أو ثقلها في كل مكان. مما يعني أن التدخل السياسي لا يمكن أن يكون مجرداً وموحّداً، بل ينبغي أن يُحدد أين يزداد التناقض بين الإنتاج الاجتماعي والاستيلاء الخاص حدّةً، وأين يمكن أن يتحوّل إلى ساحة نضال. القصور الرئيسي في المقال لا يكمن في كونه يعترف بالذكاء الاصطناعي أداةً للهيمنة، بل في ميله إلى تقديمه آليةً موحّدة خالية من التمايزات الداخلية. فالمقاربة الماركسية الصارمة تُظهر أن الذكاء الاصطناعي يُشكّل حقلاً تأخذ فيه الهيمنة أشكالاً متعددة. وهكذا يغدو التحليل أكثر تحديداً وأجدى سياسياً: ليس فقط لأنه يكشف وجود الهيمنة، بل لأنه يُعين على تحديد أين تتشكّل وكيف، ومن ثَمّ أين يمكن أن تتطور أشكال المقاومة والمواجهة.
3. الذكاء الاصطناعي حقلاً للتناقض: من الوظيفة الرأسمالية إلى التحوّل الاجتماعي تبلغ النقاش حول الذكاء الاصطناعي في مقال عقراوي ذروته عند تناقض ظاهري: من جهة، يُقدَّم الذكاء الاصطناعي على أنه مندمج بعمق في علاقات الإنتاج الرأسمالية، ومن جهة أخرى يُترك الباب مفتوحاً لإمكانية أن يكون أداةً للتحرر الاجتماعي. والمشكلة ليست في كون هذه الصورة المزدوجة «خاطئة»، بل في عدم تحليلها بالكفاية بوصفها تناقضاً يستدعي التفسير. إذا انطلقنا من مبدأ أساسي في الماركسية، وهو أن وسائل الإنتاج ليست أدوات محايدة، وإنما تتشكّل داخل علاقات اجتماعية محددة وتحمل آثار هذه العلاقات في طريقة اشتغالها، فالذكاء الاصطناعي ليس استثناءً. فهو يتطور برؤوس أموال استثمارية تطالب بعائد، ويتدرب على بيانات جُمعت عبر أنشطة مُسلَّعة، ويُطبَّق في بيئات يكون فيها المعيار الأساسي هو رفع الإنتاجية وزيادة الربح. فحين تُنظّم خوارزمية بعينها العمل في مستودع أو تُحدد مسارات سائق في منصة، لا تعمل بشروط محايدة؛ بل تُجسّد حاجة رأس المال إلى خفض التكاليف، وتسريع الإيقاعات، والإمساك بالعمل الحي، وتكثيف الاستغلال. من هذه الزاوية، الذكاء الاصطناعي رأسمالي «بنيوياً» بالفعل، لا بمعنى أنه أبدي وثابت، بل لأن شكله الراهن منغرس فعلاً ومُشكَّل داخل علاقات الإنتاج الرأسمالي هذه. لكن المشكلة تظهر حين يُلمَح في الوقت ذاته إلى أن التكنولوجيا ذاتها يمكن إعادة توجيهها نحو غايات اجتماعية بيُسر نسبي. فإذا كان الذكاء الاصطناعي مندمجاً بهذا العمق في منطق التراكم، فليس بديهياً أن بإمكانه ببساطة «تغيير الأيدي» ليعمل بصورة مختلفة. كل ظاهرة اجتماعية تنطوي على جوانب متناقضة. وفي حالة الذكاء الاصطناعي، أحد هذين الجانبين هو وظيفته الرأسمالية: توظيفه لتكثيف العمل، والسيطرة، وزيادة فائض القيمة. وهذا هو الجانب المهيمن في اللحظة الراهنة. لكنه ليس الجانب الوحيد. فالتكنولوجيا ذاتها تقوم على المعرفة الجماعية، والعمل العلمي، والبيانات التي يُنتجها ملايين البشر. وبهذا المعنى، تُجسّد ضرباً من التعاون الاجتماعي يتخطى الحدود الضيقة للمؤسسة. هذا الجانب الثاني لا ينقض الأول، بل يقيم داخله في حالة توتر معه. فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي «رأسمالياً» أم «يمكن أن يصبح» اجتماعياً، بل: أي جانبي التناقض هو المهيمن، وتحت أي ظروف يمكن أن تتبدّل هذه الهيمنة؟ في الرأسمالية المتقدمة، تتمركز وسائل الإنتاج الأساسية في يد احتكارات كبرى. والذكاء الاصطناعي اليوم ليس متفرقاً في وحدات صغيرة مستقلة، بل تتحكم فيه شركات قوية تمتلك البيانات والبنى التحتية والقدرة الحسابية. مما يعني أن مسألة «استعادة الذكاء الاصطناعي» ليست مسألة تقنية، بل سياسية بعمق، أي مسألة مواجهة قوة اقتصادية مُركَّزة. فهي لا تتعلق فقط بكيفية استخدام التكنولوجيا، بل بمن يتحكم في شروطها المادية. لنتأمل مثالاً بسيطاً: نظام ذكاء اصطناعي مُوظَّف في مؤسسة ما يُنظّم العمل على أساس السرعة والدقة وخفض التكلفة. فالمسارات والأوقات وحتى «توقفات» العمال تُحسب لرفع الإنتاجية. فإذا انتقل هذا النظام إلى سيطرة جماعية، لا يكفي أن يبقى على حاله، بل لا بد من تغيير معيار «التحسين» ذاته؛ بدلاً من تعظيم الربح، يُستهدف التخفيف من كثافة العمل، وتحقيق توزيع أفضل للوقت، وخدمة الحاجات الاجتماعية. لكن هذا يعني تغيير البيانات المُجمَّعة، والأهداف المُحدَّدة، والقيود المُدرجة في الخوارزمية. أي إنه يعني تحويل البنية التقنية ذاتها. هنا تتجلى العلاقة الجدلية بين قوى الإنتاج وعلاقاته. فالذكاء الاصطناعي بوصفه قوة منتجة لا يتطور في فراغ، بل يتشكّل داخل علاقات اجتماعية محددة تحكم أهدافه ومعاييره ومقاييسه وتوجّه اشتغاله.⁹ وفي الوقت ذاته، يميل تطوّره بدوره إلى إعادة تشكيل هذه العلاقات، مُعزِّزاً أشكال التنظيم والسيطرة القائمة على العمل أو مُحوِّلاً إياها.¹⁰ وهكذا لا تكون العلاقة خارجية بل داخلية: إذ تنقش العلاقات الاجتماعية نفسها في تصميم التكنولوجيا، بينما تُعيد هذه التكنولوجيا بدورها إنتاج تلك العلاقات وتعديلها. ومن ثَمّ، حتى في ظروف تغيير السلطة السياسية أو الإطار المؤسسي، لا تبقى التكنولوجيات القائمة محايدة، بل تحمل في طياتها العلاقات الاجتماعية السابقة وتستلزم تحويلاً فاعلاً لتعمل بصورة مغايرة. وهذا يُتيح لنا تجنّب مفارقتين مبسِّطتين كثيراً ما تطلّان في هذا النقاش: الأولى فكرة أن التكنولوجيا محايدة وأنه يكفي «توظيفها على الوجه الصحيح»، والثانية فكرة أنها رأسمالية بعمق درجة يستحيل معها التغيير. الواقع أشد تعقيداً: الذكاء الاصطناعي مُشكَّل من الرأسمالية، لكنه ينطوي أيضاً على إمكانيات لا تنحصر فيها. ومآل هذا التناقض غير محسوم سلفاً. إذن، النقطة المحورية هي مرحلة الانتقال. وهنا يترك المقال فراغاً. فكرة أن اليسار يجب أن «يستعيد» الذكاء الاصطناعي مشروعة كتوجّه، لكنها تبقى مجردة إن لم تقترن بنظرية ملموسة في كيفية حدوث ذلك. مثل هذه النظرية لا تتعلق فقط بتغيير الملكية أو السيطرة، بل بتحويل الشروط المادية التي تُصمَّم داخلها التكنولوجيا وتعمل: معايير التقييم، وأشكال العمل التي تُنظّمها، وأساليب اكتسابها للمعرفة الجماعية وتوظيفها. من سيغيّر معايير التصميم؟ من سيتحكم في البيانات؟ كيف ستتحول البنى التقنية ذاتها؟ هذه ليست أسئلة ثانوية، بل هي صميم المشكلة. المقاربة الماركسية المتسقة ملزمة بتناول الذكاء الاصطناعي شكلاً محدداً تاريخياً لتطور رأس المال، يُجسّد علاقات استغلال بعينها ويندرج في الوقت نفسه في تناقضات نمط الإنتاج الرأسمالي ذاته. وهذه التناقضات، لا أي «استخدام» خارجي للتكنولوجيا، هي الأرضية التي يمكن فوقها طرح أسئلة التحول الاجتماعي. وفي المحصلة، يعكس التناقض الذي يرصده المقال تناقضاً حقيقياً في صميم التطور الرأسمالي المعاصر؛ فالذكاء الاصطناعي أداة لتعميق الاستغلال وتجسيد للمعرفة الجماعية في آنٍ معاً. وما إذا كان سيظل الأول أم سيتحول إلى شيء مختلف لا يتوقف على «حسن توظيفه»، بل على الحركة الشاملة للصراع الطبقي، وعلى أي قوة اجتماعية ستفرض معاييرها على تنظيم الإنتاج ذاته. وبهذا المعنى، الرهان الحقيقي ليس التكنولوجيا في ذاتها، بل السيطرة الاجتماعية على شروطها المادية والتقنية. وهذا ليس مسألة نظرية فحسب، بل سياسية بعمق.
4. الذكاء الاصطناعي والاستغلال والهيمنة الأيديولوجية: وحدتها يربط المقال الذكاء الاصطناعي بتكثيف العمل من جهة، وبتشكيل الوعي عبر السيطرة على المعلومات من جهة أخرى. تحليل الذكاء الاصطناعي بوصفه آليةً للاستغلال وآليةً للهيمنة الأيديولوجية في آنٍ واحد لا يُشكّل في ذاته إشكالاً، بل يتسق تماماً مع التقليد الماركسي الذي لا يقصر هيمنة رأس المال على حقل الإنتاج، بل يُقرّ بها أيضاً على صعيد إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية. غير أن المسألة لا تكمن في مجرد التعايش بين هذين المستويين، بل في طريقة ارتباطهما ببعضهما. في المادية التاريخية، لا تُشكّل الأيديولوجيا قوةً مستقلة تؤثر في المجتمع من الخارج، بل تُنتج داخل علاقات الإنتاج المادية ذاتها وتُعيد إنتاج تلك العلاقات على صعيد الوعي. مما يعني أن تحليل الوظيفة الأيديولوجية للذكاء الاصطناعي ينبغي أن ينطلق من الطريقة التي ينتظم بها هذا الأخير في مسيرة إنتاج القيمة وإعادة إنتاج رأس المال. إذا نظرنا بدقة أكبر إلى كيفية اشتغال المنصات الرقمية المعاصرة، يتضح أن الخوارزميات لا تُصمَّم أساساً لـ«ضبط الوعي» بطريقة مجردة؛ بل تُصمَّم لتعظيم مقاييس اقتصادية قابلة للقياس: وقت البقاء، والتفاعل، والعائدات الإعلانية. فالخوارزمية التي تقترح مقاطع الفيديو أو الأخبار لا تهدف مباشرةً إلى تشكيل قناعات سياسية، بل تهدف إلى إبقاء المستخدم في المنصة أطول وقت ممكن. بيد أنه من خلال هذه المسيرة بالذات تنبثق نتائج أيديولوجية: تتعزز معلومات بعينها وتتلاشى أخرى، وتغدو أشكال بعينها من الخطاب مهيمنة. هنا يقع الآلية الوسيطة الجوهرية: الأثر الأيديولوجي لا يستقل عن الوظيفة الاقتصادية، بل هو من نواتجها. فتسليع الانتباه لا يعني أن التجربة والوعي ينتجان قيمةً مباشرة، بل يُشكّلان حقلاً للاستثمار المحتمل لا يتفعّل إلا عبر أشكال محددة من العمل الإنساني: تطوير الخوارزميات، وإنتاج المحتوى، وتحليل البيانات، والاستهداف الإعلاني. القيمة لا تنبع من الانتباه في ذاته، بل من العمل المُنظَّم اجتماعياً الذي يجعله قابلاً للاستثمار. وبهذا المعنى، لا «يُضيف» الذكاء الاصطناعي الهيمنة الأيديولوجية فوق الاستغلال، بل يُدرجها في مسيرة إنتاج القيمة وتداولها. فإن لم تتضح هذه العلاقة، بدا الذكاء الاصطناعي وكأنه قوة شبه مستقلة لضبط الوعي. وهنا ننتقل من المادية إلى ضرب من المثالية التكنولوجية، حيث تبدو الهيمنة منبثقة من أنظمة المعلومات لا من العلاقات الاجتماعية التي تُنتجها. أكد لينين أن الهيمنة الأيديولوجية للطبقة الحاكمة لا تنبثق تلقائياً، بل تُنظَّم عبر آليات بعينها: الدولة، ووسائل الإعلام، والمؤسسات. اليوم، تُشكَّل أيضاً عبر اشتغال المنصات الرقمية. إذ تُحدد شركات كبرى ما يغدو مرئياً، فيما تُروّج الخوارزميات لتصورات بعينها على أنها بديهية. وهذه المسيرة ليست آلية، بل تقوم على عمل إنساني وتُدرج في الممارسات اليومية للاستخدام، مُشكِّلةً طريقة تفكيرنا وإدراكنا للعالم. لم تكن المسألة الجوهرية وجود الهيمنة الأيديولوجية فحسب، بل كيفية ارتباطها بالصراع الطبقي. فإذا أوحى تحليل الذكاء الاصطناعي بأن الهيمنة تُمارَس في كل مكان بالطريقة ذاتها، في الإنتاج والاستهلاك والثقافة والحياة اليومية، دون أولويات أو تراتبية، نشأت إشكالية استراتيجية حادة؛ لأن النضال السياسي لا يمكن خوضه في «كل مكان على النحو ذاته»، بل يستلزم تحديد النقاط المحورية التي تتمركز فيها القوة المادية لرأس المال. من هذه الزاوية، يظل الإنتاج واستغلال العمل الحقلَ المركزي. فالمنصات والبيانات والخوارزميات لا تلغي هذه القاعدة، بل تُعيد هيكلتها. ولا يعيش سائق في منصة توزيع «التلاعب الأيديولوجي» أولاً ثم الاستغلال؛ بل يعيش الاستغلال عبر آلية خوارزمية تُنظّم سلوكه في الوقت نفسه. الأيديولوجيا والاقتصاد ليسا مستويين منفصلين، بل لحظتان في المسيرة ذاتها. لنتعمق خطوةً إضافية، مُسلِّطين الضوء على العلاقة الجدلية بين البنية التحتية والبنية الفوقية. أكد ماو أنه على الرغم من كون القاعدة الاقتصادية حاسمة «في التحليل الأخير»، فإن البنية الفوقية، من سياسة وأيديولوجيا وثقافة، يمكن أن تؤدي دوراً محورياً في ظروف بعينها. ولهذا أهمية خاصة في فهم الذكاء الاصطناعي. اليوم، معمارية الخوارزميات، ما يُقاس وما يُبرز وما يُخفى، ليست محايدة. قد تُعزز أشكالاً بعينها من السلوك الاجتماعي وتُضعف أشكالاً أخرى. وفي أوقات التوتر الاجتماعي، قد يؤثر هذا فعلاً في مجريات الصراعات. فالظهور أو الإخفاء لتحركات إضراب في وسائل إعلام رقمية ليس مسألة تقنية فحسب، بل قد يؤثر في مسار الصراع الطبقي ذاته. بيد أن التشديد على دور الوعي لا يعني انفصاله عن قاعدته المادية. بل يعني أن النضال يُخاض في آنٍ واحد على مستويات متعددة، مع عناصر «رئيسية» و«ثانوية» متباينة في كل لحظة. والخطأ سيكون في قلب هذه العلاقة والظن بأن السيطرة على المعلومات هي الحقل الأول للصراع بمعزل عن الإنتاج. فإن حدث ذلك، تبدّل موضوع التحليل ذاته؛ إذ تتراجع الطبقة العاملة بوصفها الطبقة المنتجة للقيمة إلى الخلفية، وتحلّ محلها مجموعة عامة من «المستخدمين» أو «مستهلكي المعلومات». وهذا التحول ليس بريئاً، فهو يُجرّد مفهوم الاستغلال من دلالته ويُحوّل النقد إلى مسألة «وصول إلى المعلومات» أو «سيطرة على البيانات»، مُبعِداً إياه عن علاقات الإنتاج. المقاربة الماركسية الصارمة ملزمة بتجنّب هذا التحول. فالذكاء الاصطناعي ينبغي تحليله أولاً بوصفه شكلاً من أشكال تنظيم العمل¹¹ والاستثمار الرأسمالي للقيمة،¹² يمتد في الوقت نفسه إلى حقل إعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية.¹³ ووظيفته الأيديولوجية ليست مستقلة، بل مُدرجة في هذه المسيرة. ومن هنا تنبثق صورة استراتيجية أكثر وضوحاً: ليس الصراع منتشراً في «كل مكان»، بل يتمركز حيث يُنظّم الذكاء الاصطناعي الاستغلال ويُكثّفه: في مواضع العمل، والمنصات، وبنى البيانات التحتية. وفي الوقت ذاته يمتد إلى مستوى الأيديولوجيا حيث تتشكّل شروط الإدراك والفعل. ووحدة هذين المستويين ليست رفاهية نظرية، بل شرط لفهم أين وكيف يمكن التدخل بفاعلية. وبهذا المعنى، المطلوب الأساسي ليس مجرد إدانة الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً للهيمنة، بل رسم خريطة للآلية المحددة التي تربط إنتاج القيمة بإنتاج الوعي. عندها فقط يمكن تحديد النقطة التي يمكن عندها للصراع الطبقي أن يغدو فاعلاً حقاً.
5. الكود المفتوح والتنظيم والرقابة الديمقراطية: الإمكانيات والحدود يقترح المقال حلولاً من قبيل: الكود المفتوح، والشفافية، والأنظمة «المحايدة» المُدارة ديمقراطياً، فضلاً عن التنظيم الدولي للذكاء الاصطناعي بما يخدم المجتمع. تبدو هذه المقترحات للوهلة الأولى واقعية وقابلة للتطبيق تقنياً؛ إذ توجد بالفعل نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة المصدر تُتيح شفافية أكبر في آليات اشتغال الخوارزميات.¹⁴ لكن من المنظور الماركسي يُطرح سؤال أعمق: هل يمكن للتكنولوجيا أن تصبح «محايدة» في سياق منظومة غير محايدة بنيوياً؟ تجربة المنصات الرقمية تُظهر أنه حتى حين يكون الكود مفتوحاً، تظل القوة الفعلية متمركزة في البنى التحتية: البيانات والخوادم وشبكات التوزيع وملكية المنصات ذاتها.¹⁵ بمعنى آخر، «الشفافية» لا تُلغي العلاقة الطبقية. فأشكال التنظيم، حتى «المحايدة» منها تقنياً، تُجسّد دائماً علاقات اجتماعية بعينها. إذن، المشكلة لا تتعلق فحسب بالوصول إلى الكود، بل بمن يتحكم في توجيه الإنتاج وبأي معايير. فكرة التنظيم الدولي تكشف أيضاً عن إشكالية قائمة: الذكاء الاصطناعي لا يتطور وطنياً بل داخل شبكات التنافس الاحتكاري العالمية. فتطوير النماذج الكبرى للذكاء الاصطناعي يستلزم موارد حسابية هائلة متمركزة في دول وشركات قليلة. وإن أخذنا مقترحات عقراوي بجدية: الكود المفتوح والشفافية والرقابة الديمقراطية والتنظيم الدولي للذكاء الاصطناعي، فالسؤال الجوهري ليس ما إذا كانت هذه الأمور جيدة أو مرغوبة، بل ما إذا كانت قادرة فعلاً على تغيير علاقات القوة التي تتطور داخلها التكنولوجيا. وهنا الواقع أشد عسراً مما يبدو في النظرية. المثال الأول هو تاريخ «البرمجيات الحرة» ذاته. فمنصات كنظام Linux انطلقت بوصفها مشاريع جماعية غير تسليعية بروح التعاون والمجتمعية. لكنها اليوم بنية تحتية أساسية لكبرى المؤسسات الرأسمالية في العالم كـAmazon وGoogle وMicrosoft. أي أن المنظومة «المفتوحة» لم تعِق تمركّز رأس المال، بل اندمجت فيه كلياً. من المنظور الماركسي، ليس هذا مفارقة: رأس المال لا يكترث بشكل الملكية على مستوى الكود، بل بالسيطرة على شروط الاستثمار. فما دامت البنى التحتية ومراكز البيانات والأسواق والشبكات في أيدي قلة، لا يُلغي «الانفتاح» الاستغلال. المثال الثاني يتعلق بوعد «الشفافية» ذاته. كثيراً ما تُعلن شركات عن أجزاء من خوارزمياتها أو تُوفّر أدوات تُفسّر جزئياً كيف يتوصل نظام ذكاء اصطناعي إلى قرار ما. لكن هذه الممارسات لا تُقدّم سوى فهم محدود دون الكشف عن الآلية الكاملة للاشتغال. النقطة الجوهرية هي أن القوة لا تتمركز حصراً في الكود، بل أساساً في البيانات والبنية التحتية الحسابية. وهكذا، حتى حين يبدو نموذج ما «شفافاً»، فإن اعتماده على مجموعات بيانات غير متاحة وموارد متمركزة يُبقي القوة الفعلية حكراً على نخبة ضيقة. فالنماذج اللغوية الكبرى التي طورتها شركات كـOpenAI أو Google ليست مجرد أكواد، بل أنظمة مركبة تُدرج بيانات وبنى تحتية واستثمارات هائلة. وبهذا المعنى، كثيراً ما تشتغل «الشفافية» بوصفها مسيرة جزئية خاضعة للسيطرة: تُوهم بالانفتاح دون أن تُغيّر تمركّز القوة، مُسهمةً في شرعنة البنى القائمة أكثر من إسهامها في ديمقراطية حقيقية. وعلى مستوى التنظيم الحكومي، تبدو الأمثلة كاشفة بالقدر ذاته. سعى الاتحاد الأوروبي إلى تنظيم الذكاء الاصطناعي عبر أطر من قبيل قانون الذكاء الاصطناعي AI Act.¹⁶ ومع ذلك، حتى أكثر التنظيمات تقدماً تنتهي غالباً إلى اشتغال «قواعد اللعبة» التي تُثبّت السوق لا آليات قلبه. فتجربة أنظمة كـGDPR وAI Act تُظهر أن الشركات الكبرى تمتلك الموارد للامتثال والتأثير في التشريعات وتحميل التكاليف لغيرها، بينما يُعاني اللاعبون الأصغر أو المشاريع الجماعية في الاستجابة، إذ تفرض شروط الامتثال موارد وهياكل تنظيمية كثيراً ما تعجز عنها. وهكذا، قد يُعزز التنظيم تمركّز رأس المال.¹⁷ والبُعد الدولي أشد دلالةً. فكرة قواعد دولية موحّدة للذكاء الاصطناعي تصطدم بالطابع التنافسي للرأسمالية المعاصرة. إذ تُظهر أمثلة كالقيود الأمريكية على تصدير الرقائق إلى الصين، والنماذج التنظيمية المتباينة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين،¹⁸ والصراعات حول سيادة البيانات،¹⁹ أن «التنظيم» يشتغل أيضاً أداةً للقوة الجيوسياسية. وليس هذا صدفة: في طور الإمبريالية، تُشكّل التكنولوجيا سلاحاً في المنافسة بين الاحتكارات وبين الدول، لا حقلاً محايداً للتعاون. وثمة أمثلة أكثر «يومية» على إخفاق فكرة الرقابة الديمقراطية. فقد أرست منصات التواصل الاجتماعي آليات «حوكمة مجتمعية» أو «تغذية راجعة من المستخدمين».²⁰ ومع ذلك، تُتخذ القرارات الأساسية المتعلقة باشتغال الخوارزميات على أساس الربحية. ما يُعرض وما يبقى في الهامش لا يُقرَّر ديمقراطياً، بل وفقاً لمقدار ما يستقطب من انتباه ويجلب من عائدات إعلانية. بمعنى أن «مشاركة» المستخدمين تُدرج في مسيرة إنتاج القيمة ذاتها، لا تقلبها. تكشف هذه الأمثلة شيئاً أعمق: حتى حين يتبدّل «الشكل»، من كود مفتوح وشفافية وتنظيم، تواصل البنى التكنولوجية ذاتها حمل العلاقات الاجتماعية القديمة. فمنظومة صُمِّمت لتعظيم الكفاءة والتنبؤ والسيطرة لا تتحول تلقائياً إلى أداة للتحرر الجماعي لمجرد أنها باتت «مفتوحة» أو «مُنظَّمة»؛ فهذا يستلزم إعادة تصميم الأهداف ومعايير الاشتغال ذاتها، وهو ما لا يمكن أن يحدث بدون تغيير علاقات الإنتاج. وخلاصة القول، هذه الأمثلة السلبية لا تعني أن مقترحات الشفافية والكود المفتوح والتنظيم عديمة الجدوى، بل تعني أنها في ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية تميل إلى الاندماج والتقلّص. ببساطة: قد تُحسّن جوانب من المنظومة، لكنها تعجز عن تغيير صميمها. وهذا الصميم من المنظور الماركسي ليس سوى إنتاج فائض القيمة والاستيلاء عليه. فإن لم تُطرح هذه المسألة، يبقى النقاش حول «ذكاء اصطناعي ديمقراطي» قاصراً على مستوى أشكال الإدارة، دون أن يمسّ العلاقات المادية التي تُحدد كيف تعمل التكنولوجيا ولمن.
6. من الاستخدام إلى التصميم: التكنولوجيا حقلاً للصراع الاجتماعي والطبقي يؤكد المقال أن اليسار لا يحتاج إلى رفض التكنولوجيا، بل إلى استيعابها في العمق والسعي إلى توجيهها لصالح العمال. وهذا الاستيعاب ليس مسألة «تحديث»، بل شرط أساسي للفعل السياسي الجوهري. فإذا رُفضت التكنولوجيا كلياً على أنها رأسمالية، اشتدّت الصعوبة في فهم كيفية تنظيم العمل والاتصال والسلطة اليوم. في المقابل، حين نعرف كيف تشتغل هذه الأنظمة، يمكننا اكتشاف منطقها ونقاط إمكانية الطعن فيه. ففي مواضع العمل على سبيل المثال، تُوظَّف خوارزميات تُحدد الإيقاعات والتقييمات والأوضاع. فبدون استيعاب هذه الآليات، يعجز العمال عن الرد عليها أو رفضها أو تغييرها. وهكذا، يُعمّق الجهل التفاوتات في نهاية المطاف. معرفة التكنولوجيا وحدها لا تحل المشكلات، لكنها ضرورية؛ فبدونها يبقى كل مسعى سياسي سطحياً، لأنه لا يمسّ الأساليب الجوهرية التي تُنتج بها القوة وتُصان. وهذا الموقف مرتبط بتصوّر التكنولوجيا حقلاً للصراع الطبقي، حيث يمكن توظيف التكنولوجيا ذاتها بأساليب مختلفة. فأنظمة مراقبة العمال يمكن استثمارها مثلاً لتسجيل أوضاع العمل وتنظيمها بهدف الفعل الجماعي. غير أنه يبقى أمراً جوهرياً التمييز بين استخدام التكنولوجيا وتصميمها. فالاستخدام يتعلق بطريقة الاستفادة من منظومة ما في ظروف محددة، بينما يُحدد التصميم إمكانياتها في مرحلة تشكّلها الأولى. فتكنولوجيا ما قد تبدو محايدة في استخدامها، لكنها تُجسّد علاقات اجتماعية بعينها منذ بنيتها ذاتها. ومثال ذلك: نظام ذكاء اصطناعي في مستودع قد يُقدَّم أداةً لتنظيم العمل، لكن إن صُمِّم ليقيس الوقت باستمرار ويُقلّص «الوقت الميت» ويُعظّم إيقاع الإنتاج، فإنه يُجسّد في جوهره منطق الانضباط والتكثيف.²¹ التمييز بين «الاستخدام» و«البنية» لا يُلغي أهمية الاستخدام، لكنه يُقرّر أن الاستخدام لا يكون حراً تماماً قط. إذ تعمل البنية نوعاً من «السياسة الصامتة»: تُوجّه وتُقيّد وكثيراً ما تُعيد إنتاج التفاوتات حتى حين لا تكون ثمة نية صريحة لذلك. من هذا المنظور، لا يتعلق الصراع الطبقي بتنظيم التكنولوجيا واستخدامها فحسب، بل بطريقة إنتاجها ذاتها: من يُصمّمها، ولأي غايات، وبأي بيانات، ووفق أي معايير تقييم. وهكذا، حتى الأنظمة التي تستهدف «الإنتاجية» أو «التفاعل» أو «انخراط المستخدمين» تُجسّد منطقاً اجتماعياً بعينه كالسيطرة الإدارية أو تسليع الانتباه. وبالمقابل، قد تعتمد مشاريع الكود المفتوح على بنى تحتية كبرى للحوسبة السحابية كـAmazon Web Services وMicrosoft Azure وGoogle Cloud، مُعيدةً إنتاج علاقات التبعية لرأس المال المتمركز. وفي المحصلة، التكنولوجيا ليست مجرد موضوع معرفي يمكن «إخضاعه» عبر الاستيعاب. فالتكنولوجيات ليست مطاطة تماماً؛ إذ تتطور داخل ظروف اجتماعية واقتصادية محددة وتُجسّد علاقات الإنتاج المناظرة لها. ولهذا السبب، لا يتحقق تحويلها على مستوى المعرفة أو الاستخدام وحده، بل يستلزم سيطرة سياسية وقوة على البيانات والبنى التحتية وآليات الإنتاج الأساسية. وثمة تحديد إضافي: حتى بعد التغييرات على المستوى السياسي، تواصل التكنولوجيات حمل العلاقات الاجتماعية التي نشأت في ظلها. لذلك لا تتحوّل تلقائياً، بل تستلزم إعادة تشكيل مستمرة عبر التدخل العملي والاجتماعي. وهذه المسيرة ليست خطية أو فورية، بل تتكشّف عبر صراعات إذ تسعى قوى اجتماعية متباينة إلى إعادة تشكيل طريقة اشتغال الأنظمة التقنية. وتنشأ في هذه المسيرة مقاومات متعددة: من البنى المؤسسية القائمة، ومن التصميم التقني ذاته للأنظمة، ومن المصالح المتعارضة أو المُدرجة بالفعل في هذه الأنظمة. وهكذا، لا يُشكّل التوظيف الاجتماعي للتكنولوجيا تطبيقاً بسيطاً للقرارات السياسية، بل حقلاً لتفاوض دائم وصراع متجدد. وبهذا المعنى، «إخضاع» التكنولوجيا ليس حدثاً آنياً بل مسيرة تحويل ممتدة. فحتى حين يتبدّل من يمارس السلطة، لا تتكيّف التكنولوجيا تلقائياً، بل تستلزم إعادة تصميم وإعادة تأسيس للمعنى في الممارسة، عبر نضال اجتماعي وسياسي متواصل.
وخلاصةً، يُقدّم مقال رزكار عقراوي رؤية واسعة ومتعددة الأبعاد لدور الذكاء الاصطناعي في المجتمع المعاصر، رابطاً التكنولوجيا بمسائل العمل والسلطة والتنظيم والصراع الطبقي والتفاوتات والفاعل السياسي والوعي. ويُلمَح فيه، ولو ضمنياً، إلى أن علاقات الإنتاج تُعاد إنتاجها ما دامت علاقات السلطة الداعمة لها بقيت بلا تغيير. بيد أن قيمته تكمن أساساً في كونه يفتح نقاشاً واسعاً ويطرح أسئلة لا أجوبة يسيرة أو فورية لها. وقد وقفت هذه القراءة النقدية عند جوانب بعينها من المقال، تاركةً جانباً أخرى يمكن أن تكون موضوع نقاش إضافي. وبهذا المعنى، يعمل نص عقراوي أكثر بوصفه منطلقاً للتأمل، لا شيئاً يُستنفد في قراءة واحدة. وهذا ربما يكون العنصر الأجوهر فيه.
******************************************** * النص محاولة نقدية لمقال رزكار عقراوي «الذكاء الاصطناعي، إعادة إنتاج هيمنة الطبقة الرأسمالية بوسائل أكثر تطوراً»، المنشور في 7 يناير 2026 في موقع Radical Politics بعنوان: «Artificial intelligence, reproducing capitalist class domination by more sophisticated means»، على الرابط: https://radicalpolitics.org/2026/01/07/artificial-intelligence-reproducing-capitalist-class-domination-by-more-sophisticated-means/
الحواشي ¹ الآلات لا تنقل إلى المنتج إلا القيمة التي تحتويها في الأصل. وبهذا المعنى، ينتمي الذكاء الاصطناعي، شأنه شأن كل تكنولوجيا، إلى ما سمّاه ماركس «رأس المال الثابت». ² العمل المعرفي: عمل يكون «الأداة» الرئيسية فيه العقل لا الجسد. كالبرمجة وتصميم البرمجيات وتحليل البيانات والبحث والكتابة. العمل الرقمي: عمل منتظم مباشرةً في البنى التحتية الرقمية، يُؤدّى عبر المنصات الرقمية بتوظيف الأنظمة الحسابية. كتمييز البيانات والإشراف على المحتوى. ³ إن وُصم كل أثر رقمي، كل تفاعل وتواصل اجتماعي وتعبير ثقافي واستهلاك للمحتوى ومجرد استخدام منصة أو حضور في الفضاء الإلكتروني، بأنه عمل منتج، انفصل مفهوم العمل عن علاقة الأجر، وعن إنتاج السلعة، وعن وقت العمل الاجتماعي الضروري، وعن إنتاج فائض القيمة. ومعه تفقد التفرقة بين العمل المنتج وغير المنتج معناها. وتتحول نظرية القيمة إلى ادعاء عام بأن كل نشاط إنساني ينتج أثراً اقتصادياً. عامل يُمَيِّز صوراً لتدريب نظام ذكاء اصطناعي، يتقاضى أجراً من شركة، يُسهم في منتج سيُباع، وينتج فائض قيمة. «مستخدم عادي» يتصفح ويضغط ويُسجّل إعجاباً. لا يتقاضى أجراً لكنه ينتج بيانات. هذا ليس عملاً منتجاً بالمعنى الماركسي، لكنه يُساعد على التداول ويزيد الأرباح. ⁴ أمثلة: في الرعاية الصحية، الذكاء الاصطناعي المُوظَّف لإدارة المواعيد أو تحديد أولويات الحالات يبدو مُؤتمتاً للعمل الإداري، لكنه في الواقع يُفرز متطلبات جديدة: موظفون يتحققون من دقة البيانات ويُصحّحون الأخطاء ويديرون الحالات غير المألوفة للنظام. يزداد أيضاً عمل التسجيل: يُخصص المتخصصون الصحيون وقتاً أطول لإدخال البيانات وتوحيدها. في الصناعة، المصانع «الذكية» تُقلّص العمل في بعض الأدوار وتُحوّله في أدوار أخرى: عمال يتولون الرقابة والصيانة والتدخل عند الأعطال. وتنشأ طبقة كاملة من العمل خارج المصنع: تحليل بيانات الإنتاج، والمراقبة عن بُعد، وتطوير الخوارزميات واختبارها. في السياحة، الحجوزات الآلية تُقلّص ظاهرياً الحاجة إلى الموظفين، لكن ثمة عمل خفي: إدارة المحتوى، والتحديث المستمر للأسعار، والتعامل مع الحالات التي يعجز النظام عن معالجتها، ومراقبة التقييمات. والضغط ينتقل إلى أدوار أخرى كالتنظيف والخدمة. في التعليم، أنظمة التصحيح الآلي لا تُقلّص دور المعلم بل تُغيّره: يُفسّر بيانات المنصة، ويرصد العوائق أمام الطلاب، ويتدخل تربوياً. وخلف هذه الأنظمة عمل لا يُرى: مُصمّمو التمارين، ومُصنّفو الإجابات، ومُدرّبو النماذج. في كل هذه القطاعات، يتكرر النمط ذاته: ينقل الذكاء الاصطناعي العمل من المستوى المرئي إلى شبكة نشاط أكثر انتشاراً وتفتتاً. ⁵ البيانات ليست فئة متجانسة في أصلها وشكلها القيمي. في أبسط أشكالها، هي آثار رقمية لنشاط المستخدمين لا تُنتج في إطار عمل مأجور. في هذه الحالة لا تُجسّد عملاً سابقاً ولا تمتلك شكلاً قيمياً ابتداءً، بل هي «موضوع عمل» قابل للاستثمار لاحقاً. غير أن جزءاً مهماً منها يُنتج منتَجاً ثانوياً للمسيرة الإنتاجية ذاتها، داخل وقت العمل المأجور وكضرورة مرافقة له. وفي هذه الحالة يُجسّد هذا الجزء بالفعل عملاً ويحمل ملامح قيمة. تتحقق الاستثمار الكامل للبيانات حين يُحيط بها رأس المال في أنظمة ملكية وسيطرة، محوّلاً إياها إلى «مادة خام غير مادية» لإنتاج المنتجات والخدمات الرقمية. ⁶ الرأي القائل بأن الشركات التقنية الكبرى تتمتع بتفوق لا يُقهر في الذكاء الاصطناعي بسبب ما تمتلكه من بيانات يظل موضع جدل. فرغم التراكم الهائل لدى شركات كـGoogle وMeta، يبقى التنافس حاداً، إذ يمكن لشركات أصغر وشركات ناشئة أن تُتفوّق عبر خوارزميات مبتكرة أو تجربة مستخدم أفضل أو التخصص. وتقنيات كالبيانات التوليدية تُقلّص الأهمية النسبية للحجم. ومع ذلك، تُدرج هذه التكنولوجيا مع تمركّز رأس المال وأشكال القوة الاحتكارية ارتباطاً وثيقاً. ⁷ من جهة، تجد المؤسسات كل الحافز لاستبدال العمال بالآلات. ومن جهة أخرى، إن كانت العمالة الحيّة المصدر الوحيد للقيمة، فإن تقليصها يُقوّض قاعدة الربح. الفكرة المركزية في النظرية الماركسية: كلما تعاظم ثقل الآلات نسبةً للعمل، أي ما يُسمّى ارتفاع التركيب العضوي لرأس المال، زادت الضغوط على معدل الربح. ⁸ فعلى سبيل المثال، تتدرب النماذج الكبرى على كتب ومقالات وأعمال فنية تمثّل إنتاجاً اجتماعياً ومتراكماً تاريخياً، لكن الاستثمار يتم من قِبَل الشركات دون تعويض مباشر للمبدعين. أو حين يُوظَّف الذكاء الاصطناعي للمراقبة والقرارات الإدارية، تأتي البيانات من المجتمع لكن الاستخدام قد يُعزز السيطرة الحكومية أو يخدم مُقاولين خاصين. ⁹ في بيئة المؤسسة، ما هو «قابل للقياس» يرتبط في الغالب بالربح والكفاءة وزيادة الاستخدام، لا بالنفع الاجتماعي أو العدالة أو رفاه العمال. ¹⁰ يُعيد الذكاء الاصطناعي «تشكيل العلاقات الاجتماعية» لأنه يجعل السيطرة أكثر استمرارية ودقة، وينقل السلطة إلى أنظمة خوارزمية، ويُغيّر معايير تقييم العمل، ويُفرز أشكالاً جديدة من تنظيم العمل. وتكشف أمثلة بعينها هذا التحول: التنظيم الخوارزمي: تُسنَد المهام وتُنظَّم إيقاعات العمل وتُحدَّد الأولويات آنياً عبر الذكاء الاصطناعي، مما يجعل السلطة أكثر لاشخصية واستمرارية وصعوبةً في الطعن. التكثيف: تتيح البيانات والمستشعرات مراقبة دقيقة: زمن الاستجابة، والحركات، والأداء في الدقيقة. التقييم: تُقيَّم أداءات العمال بمؤشرات رقمية تؤثر على الرواتب والترقيات بل والفصل. منصات العمل: تُحدد الخوارزميات من يعمل ومتى وبأي شروط. ¹¹ الذكاء الاصطناعي يُغيّر كيفية تنظيم العمل والسيطرة عليه: أتمتة المهام، ومراقبة العمال، وتوزيع العمل خوارزمياً، وتكثيف الإنتاج، وخفض تكاليف العمل. ¹² المقصود شكل تنظيم المسيرة التي يسعى رأس المال عبرها إلى النمو، أي إنتاج المزيد من الربح/فائض القيمة. يُستخدم الذكاء الاصطناعي لرفع الإنتاجية وخفض تكاليف العمل وتعزيز السيطرة على السوق والبيانات. ¹³ الذكاء الاصطناعي لا يؤثر فحسب في العمل داخل المصنع أو المؤسسة، بل في الحياة الاجتماعية اليومية وعلاقات القوة: تشكيل السلوكيات، والرقابة، وإنتاج الأيديولوجيا، وإعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية، والتأثير في التعليم والإعلام والاستهلاك. ¹⁴ توجد نماذج ذكاء اصطناعي مفتوحة أو شبه مفتوحة المصدر كـLLaMA وMistral وStable Diffusion تُتيح للمستخدمين والباحثين التنزيل والتعديل والتحقق من الاشتغال. غير أن هذه الشفافية جزئية في الغالب، إذ لا تشمل بيانات التدريب أو السياق الإنتاجي الكامل. وهكذا حتى النماذج «المفتوحة» تُؤكد أن التكنولوجيا لا تغدو تلقائياً محايدة أو تحريرية بمجرد الوصول إليها. ¹⁵ أمثلة كـAndroid ونماذج الكود المفتوح والشبكات اللامركزية كـMastodon تُظهر أن الكود المفتوح لا يعني بذاته لامركزية القوة. فرغم توافر الكود، تبقى السيطرة متمركزة في يد من يمتلك البيانات والبنية التحتية الحسابية وشبكات التوزيع. ¹⁶ قانون الذكاء الاصطناعي. https://artificialintelligenceact.eu ¹⁷ أرسى نظام GDPR قواعد صارمة للبيانات الشخصية. الشركات الكبرى تكيّفت، أما الأصغر فواجهت تكاليف باهظة وانسحب بعضها من السوق الأوروبية. تُظهر الدراسات أن GDPR أدى إلى انخفاض حجم الداخلين الجدد في أسواق الإعلان والبيانات وتعزيز المنصات المهيمنة. ويُدرج قانون AI Act تقييمات مخاطر ومتطلبات توثيق تُرفع تكاليف الشركات الكبرى لكنها تستطيع استيعابها، في حين يعجز اللاعبون الأصغر عن المواكبة. ¹⁸ الاتحاد الأوروبي مع AI Act يُصنّف الأنظمة حسب درجة المخاطر. الولايات المتحدة تعتمد أكثر على آليات السوق والابتكار بتنظيم «ناعم» ومتقطع. الصين تُطبّق رقابة حكومية مشددة مع التركيز على الاستقرار السياسي والمراقبة. ليس ثمة إطار مشترك بل نماذج تنظيمية متنافسة. ¹⁹ الاتحاد الأوروبي يُروّج لسياسات «السيادة الرقمية» وقيود على نقل البيانات لتقليص التبعية للشركات الأمريكية. الولايات المتحدة تعتمد على قوة شركاتها. الصين تحتفظ بسيطرة وطنية مشددة على البيانات. أي أن البيانات الجوهرية للذكاء الاصطناعي تصير موضوع منافسة بين الدول. ²⁰ هي أساليب لإشراك المستخدمين في اشتغال المنصات، أساساً عبر البلاغات والتقييمات وبيانات الاستخدام. لكن هذه المشاركة محدودة، إذ لا تُصاحبها سيطرة حقيقية على القواعد أو الخوارزميات أو البنى التحتية. فهي أشبه بإدراج المستخدمين في اشتغال المنظومة لا بسيطرة ديمقراطية فعلية. ²¹ مثال معروف: أنظمة ذكاء اصطناعي مُوظَّفة للتوظيف في شركات كبرى. رغم تقديم «الاستخدام» على أنه تحسين محايد، استندت بيانات التدريب إلى أنماط توظيف تاريخية تحمل تفاوتات جندرية وعرقية وطبقية. فتعلّم النظام إعادة إنتاج هذه التفاوتات. ومثال آخر في شبكات التواصل الاجتماعي: تصميم الخوارزميات يُعظّم وقت البقاء والتفاعل والعائدات الإعلانية، مما يُفضي إلى تعزيز المحتوى المتطرف وخلق فقاعات معلوماتية وانتشار المعلومات المضللة لأنها تُثير ردود فعل عاطفية أقوى. ومثال ثالث في أنظمة الشرطة التنبؤية: تعتمد على بيانات تاريخية تعكس أنماط المراقبة المكثفة في الأحياء الفقيرة، فيُنبئ النظام بـ«جرائم» في المناطق ذاتها التي كانت خاضعة للمراقبة أصلاً، مُكوِّناً حلقة مفرغة تُعيد إنتاج التفاوتات وتُعمّقها.
رابط المقال باليونانية https://antigeitonies3.blogspot.com/2026/05/rezgar-akrawi.html
#ك_كابس (هاشتاغ)
K._Kaps.#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
المزيد.....
-
من تكلم خان… كلمات شهيد معلم ومثقف ملتزم وناشط نقابي قتل تحت
...
-
From Ahura Mazda to Hormuz: What US Power Fails to See
-
Lessons from the Saharan Deluge and the Early Signs of Green
...
-
How Trump Is Burning America’s Invisible Capital
-
Neither “Black” Nor “White”: Coming to Grips with Anti-Asian
...
-
The U.S.-China Tech Race, Resource Wars, and the Cost of Mil
...
-
كيف يمكن للعمال أن يصبحوا ثوريين
-
جيل Z في ثورة: من دكا إلى كاتماندو
-
عدد جديد من مجلة مراسلات أممية ( أبريل 2026)
-
Could Trump’s Iran Fiasco Be America’s Suez Crisis?
المزيد.....
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
-
المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة
/ شادي الشماوي
-
كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|