|
|
دعوة إلى تغيير المناهج الدراسية في مجال اللغة العربية
يونا شيفر
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 16:12
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
مقدمة الأرجح أن القارئ سيتساءل: من أين صَبَّ الله علينا هذا اليهودي ليقول لنا في لغتنا كيت وكيت، فيكون ردي عليه أنني إنما أخاطب عقله، وهو مصدر عظمة العرب في عصورهم تلك الذهبية التي مضت وانقضت، خدمةً للغة هي وقود عقلي، بها يتَّقِد وبغيرها يخمد. إذن، في قديم الزمان وسالف العصر والأوان قضت عليَّ مَدرسة حيفاوية أن أدرس اللغة العربية فسلكت طريقها متثاقل الخطى أولًا، معتبرًا إياها وسيلة لخدمة وطني وسطًا، متفانيًا فيها آخرًا موقنًا أنها هي الوقود الذي لطالما كنت أفتقده لعقلي. وما أعجبني في بداية المشوار، وما زال يعجبني حتى اليوم، في هذه اللغة أنها ذات ثراء لا نهاية له في المفردات، الأمر الذي يجعل طرق التعبير بها لانهائيًّا أيضًا، حيث تبثُّ إحساسًا بجواز كل فكرة وقول؛ كل ما في الأمر أن يطلق المرء العنان لعقله ثم تظهر الكلمات من تلقاء نفسها من أجل التعبير عن الصور الذهنية بسلاسة، إمَّا باللسان أو بالحبر. صحيح أن قواعدها كثيرة ولكن معظمها يبدو منطقيًّا مساهمًا في خلق منظومة بديعة، بخلاف بعض اللغات الشرق أوسطية التي قد تمزقت العلاقات بينها وبين المنطق منذ بُعِثت بعد ضجعة الموت. نعم، إنها لغة صعبة ولكنها ليست صعوبة يفتخر بها من يعجز عن فهمها مِمَّن يُفتَرَضُ أن يكونوا أهلَها، بل صعوبة تحضُّ على الطموح إلى الترقِّي بالعقل ليكون جديرًا بخلق أفكاره بها. وبعد مطالعتي لبعض الروايات المعاصرة كانت تراودني الفكرة أن أحذو حذو طه حسين في فرنسا فأتردد على المدارس العربية حتى أتعلم مع أهل هذه اللغة كيف أتقنها. ثم طعنت في السن أو بالأحرى طعنتني السنون فتعرفت على المناهج الدراسية في شرقي القدس وغربي البلاد واهتديت إلى التعليم في قسم اللغة العربية بكلية كان يجدر بها أن تُسمَّى (جزئية)، حيث وجدت أهل العربية يفتخرون بها لفظًا ويهينونها فعلًا، يزدهون بصعوبتها وهم راسبون في قعر قاموسها عاجزين عن إبصار جمال نظامها والتمتُّع بحلِّ رموزها، يحتفلون بها في كل مناسبة ولا يفقهون أنهم إنما يقيمون لها حفلات تأبين. وهناك وقفت أيضًا على تأثير المناهج الدراسية في معاملتهم للغتهم و(عدم) ضلوعهم بثقافتهم.
مأساة اللغة العربية لقد نظرت في تلك المناهج محلقًا تارة متعمِّقًا غاطِسًا تارات، باحثًا عن موادَّ تُثري معارفي منقِّبًا عن طرق في التحليل تكون زيتًا لعجلات ذهني، ولكنني سرعان ما عدت بنصف خُفِّ حُنين بعدما تجلَّت لي مأساة اللغة والثقافة العربيتين على سبعة مستويات متشابكة: أسلوب مخاطبة التلميذ، وإرساء الأسس تمهيدًا للإقلاع إلى القاموس، والمعجم اللغوي، والنحو، والصرف، والأدب، والإنشاء والإجابة عن الأسئلة. 1. أسلوب مخاطبة التلميذ: إن أسلوب مخاطبة التلميذ يتضمن نوعًا من التعالي من ناحية مؤلفي الكتب المدرسية، خاصة في مجال النحو والصرف، فإن بعض التدريبات تتضمَّن أبياتًا من الشعر أو جملًا من الأدب القديم تحتوي على مفردات ومعانٍ تكون صعبة على التلاميذ الذين لم يتلقَّوْا سابق الإرشاد إلى كيفيَّة الغوص فيها وحلِّ أسرارها. من خلال هذا الأسلوب يبدو وكأن المؤلف يبثُّ في ذهن التلميذ الرسالة الضمنية الآتية: "أيها التلميذ، انظر إلى فوق، هل تراني؟! نعم، أنا هناك على قمة الجبل! طبعًا لن تستطيع أن ترتقي إلى مكاني ولكنني سأخبرك من علُ كيف تمضي في طريقك متوهِّمًا أنك تحقق التقدُّم". طريقة الخطاب الضمنية هذه من شأنها أن تزرع اليأس في قلب التلميذ النجيب ناهيك عن التلميذ الخامل خالقةً نوعًا من النفور من اللغة العربية وعدم الرغبة في اكتناه أسرارها والتمكُّن منها وإتقانها. 2. إرساء الأسس: إن المناهج الدراسية على اختلافها تُبطن نقطة انطلاق مستحيلة وهي أن التلميذ، بصفته عربيًّا وُلِدَ وترعرع بين قومه وشعبه وفي بلاده، لا شكَّ في أنه يعرف لغته حق المعرفة مُلِمًّا بها كل الإلمام ولذلك يمكن الاستغناء عن بعض الأركان كما سأُبَيِّن لاحقًا والإقدام على تعليم اللغة في مستوًى يليق باللغويين المحترفين. إني لأرى ذلك في طريقة تعليم النحو لمن لم يَحْظَ حتى بعد اثنتي عشرة سنة من الجلوس في المدرسة باكتساب أدنى مهارة في قراءة مستقلة للنصوص العربية من نثر وشعر، فللأسف يوجد تجاهل تام للعلاقة الوثيقة القائمة بين مهارات القراءة والقدرة على التحليل النحوي الذي يعتمد على فهم المقروء. 3. المعجم اللغوي: كيف يُبْحِر البحَّار وهو قابع في كِسر بيته المغلق النوافذ لم يَشُمَّ رائحة البحر ناهيك عن الوقوف على المرفأ على مقربة من قارب ضئيل اتفق له أن ألقى مرساته هناك، وكل ما يعرفه هذا البحار عن البحر استقاه من صورة رسمها رسَّام أعمى ضمَّنها ما سمعه من العجائب في بعض الخمّارات؟ وكيف يقلع التلميذ إلى بحر اللغة العربية وهو لا يدري من لسان العرب إلا ما نُمِيَ إليه من أنه عنوان لشيء يُزيِّن الرفوف؟ وأنَّى له أن يستنجد بمنجد أو بمعجم يتوسط له مع المفردات المستغلقة عليه، ومن كُلِّفَ بتدريسه وإكسابه العلمَ يحار وترتعد فرائصه كلما اضطُرَّ للوقوف بين يدي هذا النوع من الكتب بعد أن فشلت مساعيه في تَسَوُّل المراد من زملائه وأترابه، لأنه إنما لُقِّن وجوب الإعجاب بهذه اللغة وعظمتها ولم يُدَرَّب على خوض أسرارها بنفسه. منذ الصِّغَر إلى الصفوف الثانوية يجري زقُّ معاني الكلمات في فم التلميذ إما عبر الشروح في هامش النص أو عن طريق المعلِّم، وقليلة هي الحالات التي يُطلب فيها من التلميذ مراجعة المعجم بنفسه. نعم، قد يتحدث المعلم عن المعاجم والقواميس المختلفة، ولكن هذا الحديث إنما يكون كالحديث عن البحر دون تعليم السباحة ثم الملاحة ثم الإبحار فيه. 4. النحو: اللغة العربية بناءٌ هائل مشيَّد الأركان متين الأسس منسَّق القوالب تندمج فيه وبه جميع الدقائق والصغائر مكوِّنةً لَبِناتٍ منسجمةً متداخلة متكاملة. والعادة عند الإقدام على تشييد البناء أن توضع خطة شاملة مفصَّلة تفصيلًا دقيقًا حيث يكون العمل بموجبها دون ترك أصغر محلّ للارتجال، ثم توضع الأسس تدريجيًّا تمهيدًا لإقامة حيطان الطابق الأول التي تُسند السقف، وهكذا دواليك إلى إتمام عملية البناء. أما العمارة التي تعبِّر عنها الكتب المدرسية في هذا المجال فيبدو أن مهندسيها وضعوا خطتها لتبدأ عملية البناء من السطح بل من الأثاث وكأن عملية البناء سهلة جدًّا ليس فيها حاجة لكبير شرح ويمكن الاستغناء عن السقائل بل والدرجات أو حتى المصاعد. للأسف، كلما حاولت أن أبصر العمارة الجميلة الفاخرة بُؤْتُ بخيبة الأمل حيال ما تجلَّى لعيني من موادّ بناء وحصوات مكوَّمة على بعضها البعض مُكَوِّنةً تلًّا من الغبار لعلَّه يمُتُّ بصِلةٍ ما إلى النقاط الدالَّة على الحروف، لا إلى ما يجب تركيبه من هذه الحروف. يتَّضح هذا الأمر في مجال النحو من خلال عدة أعطاب منها عطبان رئيسان: (أ) طريقة شرح المواضيع والقواعد بشكل موجز ومقتضب ومقصِّر لا يغطِّي جميع الحالات النحوية المتعلقة بالموضوع المعيَّن ويقتصد بتوفير النماذج الملائمة لكل حال. ممَّا يَضطرُّ المعلمِّين إلى ردم الفجوات بين القاعدة والاستخدام الفعليّ والأدهى من ذلك – إن الاقتضاب يَضطرُّ أحيانًا التلاميذ أنفسهم إلى الاستقراء من القاعدة إلى حالات لم يتناولْها الشرح. على سبيل المثال، فيما يتعلق بالجمل الشرطية يجد المعلم (لا التلميذ!) نفسه مُضطرًّا إلى إعادة قراءة الشروح عدة مرات كي يفهم كيف يقدم على طرح الموضوع بشكل واضح على تلاميذه؛ (ب) التعسير المتعمد في النماذج والتدريبات بما لا يطابق مستوى المعلومات لدى التلاميذ وقدرتهم على استيعاب موادّ جديدة: هذا التعسير يتجلى من خلال استخدام نماذج وإعطاء تدريبات مأخوذة عن القرآن والحديث والشعر القديم وتتضمن معانيَ تحتاج إلى الشرح ومفردات كان يجدر بالتلميذ أن يراجع القاموس من أجل الوقوف على معانيها، لو عرف أن هذا واجبه، فقليل هم المعلمون الذين يهيبون بتلاميذهم إلى مواجهة هذا التحدي وأقل هم الطلاب الذين يتصدَّوْنَ له من تلقاء أنفسهم. هذا التعسير من شأنه أن يُنشِئَ عند التلاميذ نوعًا من الإحساس بالاغتراب تجاه اللغة العربية القديمة عامة وليس فقط تجاه قواعد النحو لهذه اللغة. لعل المؤلفين آثروا استخدام مثل هذه النماذج والتدريبات من أجل توثيق العلاقات بين التلاميذ وثقافتهم، ولكن نظرًا لعلوِّ المستوى قد يكون السبب في تعمُّد التعسير هو الافتخار بالمستوى الرفيع للكتب انطلاقًا من الشعار الخاطئ القائل إنه كلما كان الشيء أصعب كان أحسن وأفضل، أو حتى الافتخار بمستوى المعلومات لدى المؤلفين أنفسهم. 5. الصرف: إن الناظر من الخارج يرى اللغة العربية نظامًا متكامل البنيان متناسق الأركان، سُلِكَت لآلِئُهُ في أوزان وأُفرِغت في قوالب مستحكمة بإلهام من الرحمن، مِمَّا يجعلها قدوة لسائر اللغات التي يكون الاستثنائيُّ في صرفها هو الشائعَ، لولا أن ما كان منظومًا قد انتثر وما كان مستحكمًا قد تفتَّت على مرِّ الأزمان في الأذهان. وخير مثال على هذا العطب هو طريقة تعليم صرف الأفعال من حيث التكثيف، وكأن أصحاب المناهج ومؤلفي الكتب المدرسية لم يسمعوا بالحكمة السائرة التي تقول إن من طمع في الكل فاته الكل. هكذا تتناول الكتب تصرُّف الأفعال الصحيحة والمعتلَّة في جميع الأوزان بشكل متزامن، مِمَّا قد يتسبَّب في اختلاط كيفيَّة التصريف لدى التلاميذ وينأى بهم عن الاستعمال الصحيح للأفعال. بدلًا من التصريف المنهجيّ، يتمّ عرض هذه المسألة من خلال وزن فَعَلَ ومن هنا يُحَمَّلُ التلاميذ مسؤولية القياس إلى كيفية التصريف في سائر الأوزان، بمساعدة الوقوف على الحروف الزائدة الخاصة ببعض الأوزان. ولم أتطرق هنا إلى عجز الكتب المدرسية في تعليم الوقوف على الجذور والضمائر والصِّيَغ بشكل تصبح معه هذه الأمور جزءًا لا يتجزأ من صندوق أدوات التلاميذ عند إقدامهم على التعبير عن أنفسهم. 6. الأدب: عندما درَّست في تلك الكلِّية المذكورة أعلاه فوجئت، بل صُعِقت، بعجز الطلاب (وهم معلِّمو الأجيال الصاعدة-في الهاوية، على ما يبدو) عن الصمود أمام صفحات من روايات قصيرة أو طويلة ألَّفها لهم ولغيرهم كبار المؤلفين المعاصرين، فأدبروا عنها قراءةً وتقاعسوا عنها فهمًا. وممَّا أدهشني أكثر أنهم كانوا يجهلون أسماء أساطين الأدب العربي المعاصر من أمثال الأديب المصري توفيق الحكيم. ثم زالت عني الصدمة حين تمعَّنت في الكتب المدرسية الشاملة لفنون اللغة العربية دون أن تفيد في أيٍّ منها، فوجدت فيها النزر اليسير من النصوص الأدبية المُدْمَجة والمتصرَّف بها، تلك التي يمكن دمجُها في كتاب مدرسي واحد. التلميذ، إذن، لا يتدرب إلا على قراءة ما يتيسَّر له من صفحات معدودة وَيُعْفيه المتنفِّذون بالمناهج من إذكاء نار عقله وإشعال نوره بقراءة القصص القصيرة والروايات خارج ذلك الكتاب الشامل، لغرض في نفسهم مشبوه. نعم، تحتوي الكتب المدرسية على قصائد وأنواع أخرى من الشعر العربي، مضافًا إليها شرح الكلمات الصعبة ممَّا يجعل التلميذ في غِنًى عن مراجعتها في القاموس بنفسه حتى في مرحلة ما بعد الصفوف الأولى، ولكن تلك الأشعار وإن ظهرت كاملة بخلاف الأعمال النثرية إلا أن النظم يلتقي بالنثر في التحليل السطحي الظاهر وعدم الاستقصاء في شرح المعاني المبطنة خاصة إذا كانت "غير مريحة" من الناحية السياسية أو الاجتماعية، فكأن هناك ضرورةً لتفادي الخلافات. وكعادة العرب في القرون الأخيرة التي صاروا فيها إلى الانحطاط قياسًا إلى الذين كانوا قبلًا يسعَوْنَ في ركابهم، فالشكل أهم من المعنى حيث يكثر الهروب بل الفرار من التحليل المتعمِّق للأفكار والشخصيات إلى التشديد على الأسلوب فالنحو والصرف ففهم المقروء على أيسر وجوهه. 7. الإنشاء والإجابة عن الأسئلة: قال القدماء بما قلَّ ودلَّ زاعمين أن ما قلَّ وكفى خيرٌ مِمَّا طال وما وفى، ثم توالت العصور ونسي العرب سِرَّ لغتهم الساميَة فجهلوه تمامًا مُبَجِّلينَها بألسنتهم مُهينينَها في دفاترهم. فهذه السهام الفكرية التي صوَّبها الجاحظ أو التوحيدي وغيرهما فأصابوا المعاني وأغراضهم في ذهن القارئ وباللفظ السلس الذي يأخذ المتمعِّنَ من عقله ويوحي له المعنى حتى قبل البدء بملاحقة الكلمات التي تستغلق عليه، هذه السهام عادت في العصور الأخيرة خوازيق لا تصيب إلا اللغة العربية نفسها ابتداءً بالتلاميذ مرورًا بالطلَّاب فالمعلمين فأصحاب الأقلام الصحافية فالمثقفين إلى بعض الأدباء. إن الناظر للإنشاءات والأجوبة يواجه جُمَلًا ذات تراكيب ركيكة لا رابط بينها إلا فكرةٌ غامضة تجول في خاطر الكاتب فيدور قلمه حولها دون استقرار لأنه إنما يعجز عن الإمساك بها وإلصاقها بورقته، ناهيك عن إيصالها بحذافيرها إلى المتلقِّي. هذا مع التكرار الزائد لتلك الأفكار التي أفلح بعد لَأْي في التقرب منها أملًا منه أن التكرار يشذب المعنى وإن كان مفلولًا من أصله. وغنيٌّ عن القول إن هذا الأسلوب يوهم القارئ بطول الكلام مِمَّا يكون أحيانًا أهمَّ من إفادته.
الاعتماد الكلي للدارس على المدرس أجل، من كثرة عيوبها يبدو أن المناهج الدراسية قد حادت عن الجادّة فصيَّرت حضارةً بأكملها أطلالًا دارسة، خبرًا مبتورًا بعد عين انطفأ نورها من زمن مديد، ولكن المناهج ليست وحدها المذنبة بإفساد حضارة العرب وإيقاف تقدُّمِهِم بل إغرامِهِم على التأخر المستمرّ، فمن يُسْأَلُ عن الذنب يجب أن يكون الذي جعل التلاميذ على ما هم عليه من خمول حتى يطيعوا كل أمر قبل سماع فحواه وبهذا يكونون عجينة باليد التي تسيِّرهم كما تشاء وتقرر لهم مصيرهم وإن كان في طالحهم. وقد يقول القائل كيف وقفت على خمول التلاميذ واستعدادهم العقلي للانصياع الآليّ؟ أما الجواب فيكون أنني رأيت التلاميذ والطلبة الكُلِّيِّين من بعدهم آلاتٍ كاتبةً وحافظة للموادِّ التي تُتلى عليهم لتقوم بعد ذلك بلفظ القدر المحفوظ من المعلومات على أوراق الامتحان أسوةً بالحاسوب في لفظ المعطيات. نعم، قد تكون لهم آراء من بنات أفكارهم وقد يعبِّرون عنها شفهيًّا؛ أما كتابيًّا فقلَّما انقادوا وراء خيالهم إلى ما بعد الحدود المتاحة. وما أَرْوَعَهُمْ مادَّةً للحكَّام المنزِّهين نفوسهم عن المساءلة! إن اعتماد التلميذ الكُلِّيَّ على المعلم لا يتجلَّى فقط من خلال تلقي المعلومات بل يجد تعبيره أيضًا في النظر إلى المعلم على أنه المصدر الوحيد الموثوق به للمعلومات، فله القدرة العجيبة على استقائها من منابعها أو قد وُلِدَ مشحونًا بها، وإن كانت متوفرة في الكتب أو على الشبكة المعلوماتية. الظاهر أنه من كانت القراءة من غير طباعه انصرف عن المقروء الذي لا يرغب في الاجتهاد من أجل استيعابه فاتَّجه إلى المسموع أو نصف المسموع (على "كتاب الوجوه" أو على "ما الخبر") ولو ليُرضي إحساسه ببذل أدنى الجهود. وإزاء هذا الوضع لا أدري لماذا أذكى المُعْجَمِيُّون عيونهم في طلب الكلمات والتعابير وجمعها وشرحها، ولماذا طاف الباحثون البلدان سعيًا وراء مختلف فنون العلم. وجملة القول إنني لا أعرف لماذا إذن سهر المؤلفون على تحبير نفثاتهم في اللغة والأدب، ما دام العرب يتجاهلون الكلمة المكتوبة ويُصِرُّون على البقاء في طور النقل الشفهي، فكأن الحضارة العربية ظلت على بعض العادات القديمة – تلك التي آثرت السماع والإلقاء على القراءة والكتابة، وفضَّلت القطوف الدانية على بذل الجهود في الارتقاء إلى الثمرات العالية. وعليه، فما دام الناشئ يتعوَّد على البحث عن الإجابات – مهما سهُل منالُها – عند غيره دون الاستقلال بنفسه وقيامه برحلات إلى الصفحات إثراءً لعلمه وإرواءً لعطشه، فإنه سيظل في مرتبة المتلقي للمعلومات (ثم للتعليمات) حتى في عهود ما بعد المدرسة.
الهروب إلى العامية ويوجد أيضًا أمر الهروب إلى العامية بشكل يبدو أن لا رجوع عنه، فبالرغم من التشبُّث الظاهر بلغة الله وأحكامه وسُنَّة الرسول وتعاليمه لقد انحطَّ شأن اللغة العربية لدرجة أصبحت فيها العامية المحلية هي لغة التدريس في موادِّ النحو والصرف ناهيك عن الأدب. وهذه أهم الأسباب التي وقفتُ عليها لهذا الهروب (وبعضها إنما يرجع إلى ضعف الملكة اللغوية في التي هي أفصح): - المعجم اللغوي موجود في متناول اللسان وبالتالي يكون التلميذ معفيًّا من عبء اللجوء إلى القواميس. - ليونة النحو والصرف في العامية على عكس خشونتهما في الفصحى. - الإثارة في مقابل الملل الذي يصاحب الكتابة والنطق بالفصحى، طبعًا لدى غير المتمكِّنين منها. - حرية التعبير، وأعني بهذا الخطاب المباشر دون اللف والدوران مع نبذ القوالب المعهودة الهادفة إلى التعمية. - الكسل، أي نبذ الأداة الأفضل لصالح الأداة الأسهل بسبب الرغبة عن بذل الجهود في التصحيح والتصليح والنفور من الاستماع إلى الملاحظات والأخذ بها. ويتكلَّل هذا الهروب بالشعور بالاغتراب حيال الفصحى كما يبدو أحيانًا من خلال بعض الأفلام والمسلسلات والمسرحيات حيث تكون الفصحى من مميِّزات الأجانب.
* * *
التشخيص فالمعالجة كل هذه الثقوب الكبيرة، الحاضرة الظاهرة والمغضوض عنها، والتي دسست أصابعي فيها لأبرزها يمكن رتقها طالما تم الاعتراف بثلاثة حقائق هي: أ) الفصحى ليست اللغة الأم للعرب، فأول ما يصل إلى آذانهم ألفاظ في لهجة مسقط الرأس، ولذلك فهم يجهلون قواعد هذه اللغة وتراكيبها وقوالبها ومفرداتها. ب) ليس الناشئ بسيبويه حتى يُلِمَّ بدقائق اللغة العربية ولطائفها قبل وقوفه على مميِّزاتها وقراءته لنصوصها وممارسته لأساليبها الفنِّية. ج) إن القائمين على وضع المناهج الدراسية ينقلون العلم والمعرفة وكأنهم يحتكرونهما حيث يصرِّدونهما بأصعب شكل حتى لا يشاركهم التلاميذ علومهم فَيُرْبوا عليهم. أما المعلمون فبعضهم يشعر بأن علمه وقفٌ عليه إما لأنه إنما يكون على معرفة عامة بالوشل القليل من فيض اللغة العربية، أو لأنه يؤمن بأن علمه يمنحة السلطة على الذين هم دونه علمًا وكأنه نموذج مصغَّر لسلطان عتيّ. د) اللغة العربية هي لغة العلم والخيال والإبداع وتحدي المسلَّمات والحرية في التفكير والتعبير. إنها لغة إطلاق وليست لغة تقييد وانغلاق. وكيف إذن يكون السبيل إلى الإصلاح؟ بادئ بدء يجب التخلي عن أسلوب التعالي الصريح أو الضمنيّ، وتبديله بتطبيق عقيدة نشر العلم والرغبة الحقة في أن يكون التلميذ أفضل من معلمه، أي أغزر علمًا وأوسع آفاقًا. هذا من شأنه أن يشعِر التلميذ بأنه ليس مجرد إناء يأتي المدرسة ليملأه غيرُهُ حيث تقتصر وظيفته هو على سَدِّ الإناء منعًا للتسرب، بل هو عقل نامٍ يَؤُمُّ المدرسة ليعمل على تطويره وإنضاجه، ليأخذ المعلومات من أجل الاستزادة منها بنفسه حسب الأدوات والوسائل التي يتلقاها في كل مرحلة من مراحل الدراسة. ثم هناك أمر قد يبدو شكليًّا ولكنه يحمل في طياته خطوة هامة في سبيل إدخال النظام في عقل التلميذ عند إقباله على دراسة هذه اللغة: من المستحسن تخصيص كتاب منفصل للمواضيع المختلفة في مادة اللغة العربية – النحو، والصرف، والأدب (وفهم المقروء). حاليًّا تتضمن الكتب المدرسية كافة المواضيع مما يتسبَّب في خلط المواضيع وما هو أدهى من ذلك – المبالغة في اختصار الشروح والأمثلة والبخل في إعطاء النصوص الأدبية. أما الفصل ففضله معروف، فإلى جانب المتَّسَع الذي يُتاح للشروح والأمثلة والتدريبات والسَّيْر المتَّئِد في طرق هذه اللغة كي تصبح القواعد بسيطة ومفهومة وراسخة ومنقوشة على الحجر في ذهن التلميذ، ستنطلق النصوص الأدبية من سجونها المدرسية هذه الضيقة ومن الأيادي المتصرفة بها إلى مجلدات مستقلة أو حتى إنها ستظهر بكامل أبَّهتها بصورتها الأصلية، كتابًا كان أو مجموعة قصص. وفيما يتعلق بإرساء الأسس للبنيان العظيم حتى لا يتم تخطي المراحل بدعوى – وإن كانت ضمنية – أن اللغة العربية هي لغة الأم ولذلك لا شك أن الناشئ يُلِمُّ بقوالبها ومعظم قواعدها، فعندي أنه يجب الانطلاق من نقطة لطالما تجاهلها القائمون على تعليم اللغة العربية: إن التلميذ لا يدري من أمر لغته شيئًا وعلى ضوء هذه الحقيقة من المستحسن معاملته وكأنه ليس عربيًّا بل أجنبيًّا يخطو أولى خطواته في هذه اللغة. أجل، إنها لمُقاربة غريبة ولكنها تستند إلى حقيقة محزنة وهي أن لغة الأم الحقيقية لمعظم العرب إنما هي اللهجة المحكية في محلات ولادتهم وليست لغة القرآن الكريم، فهذه الأخيرة ما هي إلا لغة أجنبية بالنسبة إليهم. وقد يكون هذا هو المفتاح للتعليم الصحيح لهذه اللغة وفنونها وآدابها حيث ينبغي العمل على إكسابها من نقطة الصفر مع التخلي عن أي افتراضات مسبقة. أما المعجم اللغوي فالخطوة الأولى في سبيل إثرائه هي التشجيع على قراءة الكتب منذ الصغر وأكثر من هذا – الحثّ على البحث المستمرّ والمستقلّ عن معاني الكلمات الجديدة عبر الغوص في القواميس المختلفة تمديدًا لآفاق التلميذ وتوسيعًا لعطنه. وهنا يبرز دور المعلم الحق الذي يرسِّخ في وعي الناشئ أنه ليس متلقِّيًا فحسب بل هو أيضًا مسؤول عن تثقيف نفسه بشكل إيجابي، مِمَّا سَيُسْهِمُ في المستقبل في تكوين مجتمع يفكِّر بنفسه لا بما يُراد له أن يفكر، مجتمع متكتِّل من أفراد مستقلِّين.
تدريس النحو والصرف ونصل إلى قضية البنيان المتهدِّم بسبب أساليب تدريس النحو والصرف، فبعد مطالعاتي للكتب المدرسية وحضوري للدروس في المدارس والكليات رسخ لدي الانطباع بأن التلميذ يتلقى دروسه مباشرة عن سيبويه كي يصبح نسخةً له طِبْقَ الأصل، حيث يكلَّف التلميذ بترديد جمل طويلة تحكي قصص الحالات الإعرابية حافظًا صياغاتها عن ظهر قلب، باذلًا في حفظها مجهودًا قد يكون أكبر من مجهوده في فهم الجمل وتحليلها. هل هذا هو الأسلوب المفيد في تعليم النحو؟ لو كان كذلك لما كرَّره، بل اجترَّه، المحاضرون في الكليات والجامعات معيدين الموادّ التي كان من المتوقع تقصِّيها في المدرسة. إن التحليل النحوي في اللغة العربية صعب، وهذا أمر متَّفق عليه، وعليه فمن المستحسن ألا يتم تعسيره أكثر وخاصة في مرحلة المدرسة، فما كل تلميذ بسيبويه ولا كل حافظ لقوالب الشروح النحوية بفاهم للظواهر النحوية، ولا كل ناشئ بواقع في حب اللغة العربية حيال هذا التعسير المقصود. وقد يكون الحل هنا هو تدريس جميع الظواهر النحوية بشكل بسيط حيث يقف التلميذ على الظاهرة ويشير إليها بكلمة (مبتدأ) أو كلمتين (نائب الفاعل) أو ثلاث (مفعول به ثالث) فوق اللفظ أو تحته في الجملة. مثلًا: اِرْتَقَى زَيْدٌ فِي السُّلَّمِ دَرَجَاتٍ فعل فاعل مفعول به وإذا سئل التلميذ لماذا لم تتلقَّ كلمة (درجات) تنوين الفتح، فعليه أن يجيب باختصار معتمدًا على القواعد التي تخص جمع المؤنث السالم. كذلك من المستحسن تدريب التلميذ على التشكيل التامّ للجمل وإعراب الظواهر البارزة فيها، مثلًا: كان عمر طالبا للعلم طلبا (وطبعًا ستكون الجمل في المراحل المتقدمة أطول بكثير). ومن شاء أن يتعمق في علوم هذه اللغة فليَؤُمَّ الجامعة، فهي المحل الصحيح لتعليم الأسلوب القديم في التحليل النحوي والوقوف على لطائف الظواهر النحوية وفلسفة التحليل النحوي عند قدماء النحويين. في نفس السياق، يجب أن تكون الشروح مستفيضة بحيث تغطي جميع الحالات النحوية استنادًا على أمثلة لكل ظاهرة، مما يساعد على تفهيم التلميذ بدلًا من تلقينه كما يجري اليوم. أما التدريبات فينبغي مراعاة درجة الصعوبة فيها بشكل تصاعديّ من الأسهل نحو الأصعب، من جُمل قصيرة إلى جُمل أطول انتهاءً بجمل مأخوذة من النصوص الأدبية في الصفوف العُليا. وإذا سأل السائل ماذا سيكون مصير التدريبات المأخوذة عن الشعر القديم، فهو فخر الأدب العربي وذروته، قلت إن التلميذ في المرحلة المدرسية من حياته لا يحتاج إلى تحليل الأبيات الشعرية نحويًّا ما لم يساعدْه هذا التحليل على فهم المعاني. هنا أعتقد أن التحليل النحوي للأبيات الشعرية محله الطبيعي هو الجامعة أيضًا نظرًا للضرورات الشعرية وإجازات الشعراء. أما في مجال الصرف فقد يبدو الحل سهلًا وخاصة في تصريف الأفعال: فكما أن الرياضيات تفرض على التلميذ حفظ جدول الضرب بأنواعه المختلفة قبل البدء بالعمليات الحسابية، فهكذا يكون من المفيد أن تفرض اللغة العربية حفظ جداول الصرف في كل وزن وفي كل مجموعة حسب مراحل التدريس، ابتداءً من الفعل التامّ مرورًا بالفعل المضاعف وانتهاءً بالفعل المعتلّ بأنواعه المختلفة، طبعًا مع الحرص على التدرُّج في التعليم والتدريب المتكرر على كل اشتقاق وتنوُّع، إضافة إلى إكساب التلميذ القواعد التي تساعده على دمج الحفظ بالفهم حتى يكون قادرًا على معرفة أصول الأفعال مهما كانت صعبة. وإحدى الوسائل التي يمكنه أن يستعين بها في هذا الشأن إنما هي المعجم. كذلك من الضروري المُضيّ في تعليم تصرُّف الفعل حسب الأوزان الرئيسة وهي: فَعَلَ، فَعَّلَ، فاعَلَ، أَفعَلَ، تَفَعَّل، تَفاعَلَ، انفَعَلَ، افْتَعَلَ، افْعَلَّ، اسْتَفْعَلَ (مع التعرّض لقضية الهمزة في الأوزان الأربعة الأخيرة)، بدل التعليم حسب الفعل المجرد والمزيد الثلاثي والرباعي إلخ. ومن ثَمَّ سيتعلم التلميذ، بمساعدة المعلم والكتاب، كيف يحلِّل الفعل من ناحية الجذر والوزن والصيغة والضمير، مثلًا: الفعل الأصل الوزن الصيغة الضمير رَ رءي فَعَلَ الأمر المخاطَب
أما الطريقة الحالية التي تنطوي عليها الكتب المدرسية في معالجتها لمادة الفعل فتبدو هي الأخرى ملائمة أكثر لطلاب علم اللغة العربية في المرحلة الجامعية. وقبل الانتقال إلى اقتراحاتي في تلافي الأعطال في تعليم الأدب، نثره ونظمه، أرى أن هناك قاسمين مشتركين بين النحو والصرف، هما: أ- ضرورة التبسيط في سبيل المعرفة الحقة للقواعد التي تحرِّك اللغة العربية حتى يتيسر للناشئة الخروج بها من محفوظات الدماغ إلى إبداعاته، من سجن الورقة المطبوعة إلى حرية اليراع، من التلقي إلى الإلقاء. ب- ضرورة تقديم النماذج الوافية في شرح الظواهر المختلفة، حيث يكون لكل ظاهرة نموذج (أو أكثر من واحد) خاص بها فلا يجد التلميذ نفسه ضائعًا أمام "حكمة عليا" يعجز عن إدراكها عندما يقدم على التدريب، الذي يجب أن يغطي بدوره جميع الظواهر والحالات.
الأدب: منثوره ومنظومه وها قد وصلت إلى الأدب. كان الأدب في عصور قد خَلَت عبارة عن الأخذ من كل علم بطرف، ثم ألبسه العرب معنى حديثًا مجاراةً للغرب عندما بُهروا بالحضارة الغربية وثقافتها، ولكن مهما يكن من أمر فما زالت تلك الحكمة القديمة تنطبق عليه:
اطلبوا الأدب فإنه مادَّة للعقل، دليل على المروءة، صاحب في الغربة، مؤنس في الوحشة، حلية في المجلس.
إن مادة الأدب هي المجال الذي تشترك فيه سائر ملكات التلميذ اللغوية والفكرية من الإلمام بالنحو والصرف إلى الفهم والتحليل وصولًا إلى القدرة على الإنشاء فالإبداع. وحتى يتسنَّى للتلميذ تطوير ملكاته هذه يتوجب عليه الإكثار من قراءة النصوص الأدبية في كل مرحلة من مراحل التعليم، ابتداءً من الصفوف الأولى. وهنا يأتي دور المنهاج الدراسي في تشجيع التلميذ على القراءة من خلال وضع قوائم لأمهات المؤلَّفات –القصص القصيرة والروايات والقصائد القديمة والحديثة (وبعض المؤلفات الفلسفية، إن أمكن) – التي يجب على كل خرِّيج مدرسة أن يكون قد قرأها. كذلك من المستحسن أن يتضمن المنهاج القراءة الواسعة مع طرح الأسئلة البسيطة عن كل نص أو إعطاء وظيفة صغيرة تتعلق بالنص أو بالأديب، فقط من أجل التأكُّد من قيام التلميذ بالقراءة، بالإضافة إلى المسابقات المعلوماتية داخل كل مدرسة وبين المدارس المختلفة مع إعلان النتائج على ملأ الشبكات الاجتماعية إلخ. هذا في المراحل الأولى، أما المراحل المتقدمة فهنا يمكن تدريس النص الأدبي في مجموعات صغيرة على غرار أسلوب الجيكسو حيث يتم الوقوف على المعاني الظاهرة والمبطنة والأساليب الفنية الرئيسة، مع التعرف على المصطلحات البلاغية والأدبية الأساسية حتى يتمكن التلميذ من تحليل الأعمال الأدبية المختلفة، ومنها الفارق بين الكاتب/المؤلف والراوي، الذي يقع الكثيرون في خطأ خلطها. أقول الأساليب الفنية الرئيسة والمصطلحات الأساسية لأن العادة في تدريس الأدب وبحثه عند العرب هي تفضيل الشكل على المعنى، وبعبارة أوضح – التوسّع في دراسة الوسائل البلاغية والمحسِّنات اللفظية على حساب دراسة الموضوعات – في سبيل التملص من نقاش قضايا "غير مريحة"، مع أن نقاش المعاني والمضامين أكثر تشويقًا في مرحلة المدرسة. أما بالنسبة للشعر فيمكن جمعه في مختارات – حسب المراحل الدراسية – وتتضمن هذه المختارات مختلف الفنون الشعرية من كافة العهود. هنا يكون من المستحسن ترك الشعر القديم (بما فيه الموشح والسماط) للصفوف الثانوية فهو الأصعب ويحتاج إلى المراجعة الدائمة للمعاجم القديمة. أما البحور فيجوز المرور بها من أجل المعرفة العامة، دون الوقوف عندها، على أن يكون الغوص فيها من نصيب طالب الأدب العربي في الجامعة. وإن كان واجب التلميذ القراءة والفهم والتلقي عن المعلم، فواجب المعلم فتح المجال على مصراعيه أمام النقاش الحر في الصف، الخالي من القيود الفكرية والمجتمعية، والتصدي لكافة إمكانيات تحليل النص حتى في المواضيع والقضايا التي تُعتبر حسَّاسة. وقبل الختام يوجد أمرا الإنشاء والإجابة عن الأسئلة وهما في الحقيقة أمر واحد. هنا يبرز التمكن من اللغة العربية ليس فقط من ناحية استعمال التراكيب والقوالب التقليدية بل من ناحية بلورة الفكرة وإرغامها على النزول إلى الورقة بصورة واضحة تمام الوضوح. هناك طرق لإكساب القدرة على الإنشاء والكتابة، ولكنها جميعًا لن تفيد بدون توفير الإطار العام الذي يفتقر إليه كل من تدور في خلده فكرة ما، ألا وهو إلغاء التابوهات ورفع القيود وإزالة الحدود عن المواضيع وسبل التعبير عنها وتقبل النزعات النقدية والرغبة في الحيد عن المقبول لدى التلاميذ بغية إطلاق حرية التفكير والتعبير والإفلات من قيود المتنفِّذين أيًّا كانوا. فهذه هي الروح الحقيقية لهذه اللغة!
الخاتمة قد يقول بعض القراء: "من أين صَبَّ اللهُ علينا هذا الغريب الوقِح المقزِّز الذي تحدِّثه نفسه بتشكيل مناهجنا على شاكلة الغرب وتوجيهنا إلى ما لا قبل لنا به ولا حاجة بنا إليه؟" فأقول: "أراك نسيت القاعدة الأولى في ازدهار العرب وبَذِّهم غيرَهم، ألا وهي كسر القيود الداخلية وتجاوز الحدود الفكرية وتحطيم المسلَّمات والأعراف الخاطئة والمُضِيّ إلى حيث لم يمضِ إلا شجعان الألِبَّاء وعلى رأسهم الرسول – صلى الله عليه وسلم – حين خطَّ للأمة العربية طريقًا جديدًا على رغم أنف رؤسائها وأولئك الذين كانوا يرتاحون إلى خمولهم وغيابهم عن الساحة الحضارية. يا ليت المسلمين قلَّدوا الرسول – صلى الله عليه وسلم – فكرًا وليس فقط دينًا". لطالما قال العرب لأنفسهم وفيها إن اللغة العربية الفصحى أصعب اللغات، ففوجئوا إزاء الأجانب الذين يلِمُّون بها ويتقنونها وكأنهم وُلِدوا فيها لأنهم – أي العرب – أضاعوا سر امتلاكها فعاملوها وما زالوا على أنها وقف عليهم وليست كائنًا حيًّا يستحسَن، بل يجب، القيام عليه ثم أصبحوا وهم لا يحسُّون بأنها إن لم تفارقهم فكأن قدِ.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
زوجة خليل الحية تروي قصة فقدها 4 أولاد و5 أحفاد بنيران الاحت
...
-
وزراء دفاع 40 دولة يبحثون تأمين الملاحة بمضيق هرمز
-
-بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي
...
-
-وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران
...
-
112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي
...
-
الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
-
رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
-
بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
-
تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
-
ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-..
...
المزيد.....
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
-
محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|