أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أليساندرا تشياتيني - الجمهورية التكنولوجية ل بالانتير تحتاج إلى الفكر الرجعي لتبرير نفسها ذاتيا - على ضوء مقالة رزكار عقراوي حول الفاشية الرقمية















المزيد.....


الجمهورية التكنولوجية ل بالانتير تحتاج إلى الفكر الرجعي لتبرير نفسها ذاتيا - على ضوء مقالة رزكار عقراوي حول الفاشية الرقمية


أليساندرا تشياتيني
مفكرة و أكاديمية وباحثة اشتراكية إيطالية

(Alessandra Ciattini)


الحوار المتمدن-العدد: 8701 - 2026 / 5 / 8 - 15:55
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


علّقت مصادر صحفية مختلفة من اليمين واليسار خلال الأيام الأخيرة على “البيان” الذي نشرته شركة بالانتير تكنولوجيز، وقد اعتبره بعضهم بحق بيانا سياسيا، تُطرح فيه رؤية جديدة للمجتمع، تتجسد في مسار معين للرأسمالية الرقمية، يفضي إلى ما سمّاه البعض بالفعل “العبودية التكنولوجية”. إن مشاريع شركة بالانتير تُظهر بوضوح مدى زيف الادعاء القائل بحياد العلم والتكنولوجيا، إذ يتم تطويرهما وبناؤهما دائما وفق أهداف سياسية واجتماعية محددة؛ وهو الادعاء نفسه الذي أعيد طرحه في زمن اللقاحات المستخدمة لمكافحة الجائحة الأخيرة، والذي أدى إلى انقسام تبسيطي بين مؤيدي اللقاح ومعارضيه، وهو أمر يستحق اليوم نقاشا هادئا ومتزنا.

ولمن لا يعرف، فإن “بالانتير” ـ وهي كلمة واردة في رواية “سيد الخواتم” وتعني “الذين يراقبون من بعيد” ـ هي شركة تكنولوجية كبرى تُستخدم منتجاتها في أنظمة القمع وانتهاك حقوق الإنسان. وتمارس هذه الأنشطة، إلى جانب بالانتير، مختلف شركات التكنولوجيا العملاقة. وتتباهى بالانتير بسجل يتضمن إدانتين على الأقل: واحدة من منظمة العفو الدولية، وأخرى من منظمة هيومن رايتس ووتش.
ولا يثير الدهشة أن تكون هذه الشركة، التي أطلقها مليارديرات ينتمون إلى اليمين المتطرف، على صلة وثيقة بغوغل وأمازون ومايكروسوفت، وجميعها متورطة في الأنشطة التجسسية نفسها. وقد تعاونت معها عبر تزويد الجيش الإسرائيلي بالبيانات لتدمير غزة وإبادة الفلسطينيين، كما زودت قوات الهجرة والجمارك الأميركية بالمعلومات لتسريع اعتقال المهاجرين المراد ترحيلهم، وساعدت في اعتقال المشاركين في الاحتجاجات الكبرى في مينيابوليس.
إن البيان المذكور أعلاه، الذي قدمه أيضا بيتر ثيل في روما يوم 26 مارس الماضي، يعرض مشروعا لتحالف فاشي رقمي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات التي نقدمها نحن أنفسنا مجانا، من أجل إنتاج أدوات للتلاعب ومكافحة عدم الانصياع الأيديولوجي، وإبقاء السكان تحت المراقبة والسيطرة، كما فعلت السلطة دائما عندما انفصلت عن التنظيم الاجتماعي، وإن بوسائل مختلفة.

ووفقا للكاتب رزكار عقراوي، الكردي الأصل، ، ومؤسس ومنظر “اليسار الإلكتروني”، وهي مجموعة تهدف إلى تطوير معرفة اليسار بالتقنيات الحديثة واستخدامها، فإن هذا البيان نابع من التحالف بين قومية اليمين المتطرف والنخب التكنولوجية المرتبطة بوادي السيليكون الذي يجري تمجيده كثيرا. وقد وحّد هذا التفاهم ما يسمى بحركة “التسارع التكنولوجي”، التي لا تريد وضع أي حدود، وخاصة أخلاقية، أمام الابتكارات التقنية، والمكونة من جميع أولئك المليارديرات الذين حضروا الاحتفال الكبير بانتخاب ترامب مثل إيلون ماسك وجيف بيزوس ومارك زوكربيرغ وغيرهم، مع مجموعة “ماغا” المتناقضة.
وكما أظهرت قطيعة ماسك/ترامب، فإن الطرفين لا يتفقان على كل شيء، لكنهما يتفقان تماما على إلغاء أي آلية سياسية أو قانونية تضع حدودا أمام التراكم الرأسمالي، الذي يحتاج اليوم إلى انتشار أدوات السيطرة وصقلها. وقد جعلت أسباب متعددة هذا الخيار ضروريا: صعود قوى قادرة على منافسة القلب العابر للأطلسي، الذي ابتلع عبر السنوات دولا مهمة كانت خارجه مثل اليابان، والأزمة الملازمة للنظام الرأسمالي بسبب تحوله المالي، وتراجع الأرباح في المجال الإنتاجي، وضعف السيطرة على المواد الخام الضرورية قبل كل شيء للمجمع الصناعي العسكري، إضافة إلى إفراغ ما يسمى بالأنظمة الديمقراطية من مضمونها.

وحدهم العميان اليوم يمكنهم الادعاء بأن ما يسمى بالديمقراطية الليبرالية ما زالت قائمة في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، التي دخلت طور الانحدار، حيث يُفترض أن “الشعب” يمارس السلطة عبر ممثليه. وللأسف، أصبح من الواضح أكثر فأكثر أن الطبقة العابرة للقوميات الحالية، التكنوقراطية والمالكة الحصرية للعالم الرقمي، تعلن عداءها الصريح للقانون الدولي وللديمقراطية الليبرالية، لسبب بسيط هو أن كليهما، رغم تفريغهما من مضمونهما، ما زالا يضعان حدودا أمام سلطتها وهيمنتها على العالم؛ وهي سلطة تركزت منذ عقود في أوليغارشية عابرة للقوميات تزداد ضيقا وانحصارا. وكما رأينا في الآونة الأخيرة، فإن هذه الأوليغارشية، بفضل موقعها المتميز، تواصل مراكمة الثروات رغم أجواء الأزمات الكارثية، لأنها تستفيد من السياسات الحربية للدول، ولأنها تعرف كيف ومتى تضارب في البورصة، بعد أن تكون قد اطلعت مسبقا على التصريحات الهذيانية للمسيح الجديد المسمى دونالد ترامب. ولا ينبغي الاعتقاد بأن هذه الخيارات هي فقط نتيجة جنون هذا الأخير، الذي لا شك في أنه غير سليم عقليا؛ بل إنها تنبع بالأحرى من التناقض الجذري بين الطموحات المنفلتة لهذه الأوليغارشية وبين مبدأ الواقع الذي يجب أن تعقد معه تسويات، إن لم ترد أن تختفي معنا جميعا في محرقة نووية.
وهذا التناقض الذي يراد حله يؤدي إلى اللاعقلانية، كما حدث في الماضي خلال أزمة إمبريالية خطيرة أخرى، أي الفترة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، حين جرى اللجوء إلى أطروحات غير عقلانية بالكامل لدعم الهيمنة المطلقة للطبقات العليا، مثل قول نيتشه إن “العبودية ضرورية لكل حضارة حقيقية”.

ينتمي بيتر ثيل، المؤسس المشارك لشركة بالانتير وأحد ممولي ترامب، إلى معسكر مؤيدي “التسارعية” و”التنوير المظلم”، وقد تميز بنشر الأسس الفكرية لهذا المشروع السياسي الذي يتماهى مع “الجمهورية التكنولوجية” الجديدة، والتي يتمثل هدفها في تسريع تطوير التطبيقات العسكرية بواسطة الذكاء الاصطناعي، لكي تتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على هيمنتها على العالم.
ينبغي قراءة بيان بالانتير، الذي حصد ملايين المشاهدات، في محاولة لكشف المصالح التي يسعى إلى خدمتها، ومعرفة أي جماعة نخبوية تمت صياغته لصالحها، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضا أن النخب العابرة للأطلسي لم تعد تمتلك هدفا مشتركا، كما يتضح من الانقسام الأميركي/الأوروبي. إن هذا الجزء من الرأسمالية، المتجذر في رأس المال الاحتكاري والمالي العابر للقوميات، يخوض هو الآخر صراعا وجوديا، لأنه إذا لم يتمكن من ضمان التوسع المستمر، وهو شرط وجوده، سواء عبر المطالب الأكثر عبثية اليوم أو عبر مطالب قُدمت سابقا باعتبارها “حقوقا”، فإنه يواجه خطر الزوال. ولهذا السبب بالذات يحتاج إلى جهاز أيديولوجي قائم على تأكيد عدم المساواة بين البشر، وعلى تفوق “الغرب المسيحي”، وعلى الدور المقدس وغير القابل للنقاش للزعيم. ومن الواضح أنه يجد هذه البضائع الفكرية القديمة، الصالحة دائما في ظروف معينة، في الفكر اليميني الأكثر أصالة.

ويُعتقد أن الملهم الرئيسي للبيان هو ألكسندر كارب، المدير التنفيذي لشركة بالانتير، والمؤلف المشارك مع نيكولاس زاميسكا لكتاب بعنوان: “الجمهورية التكنولوجية: القوة الصلبة، المعتقدات الناعمة، ومستقبل الغرب” (2025)، والذي يعتبره شكلا جديدا من التنظيم الاجتماعي يتناسب مع عصر الثورة الرقمية.
ويتألف البيان من 22 نقطة، تبدو بعضُها متسامحة ومعتدلة، مثل الحديث عن الاحترام والتفهم، لكن فقط تجاه السياسيين الذين لا ينبغي انتقادهم، وذلك للحفاظ بطبيعة الحال على تفوقهم السياسي والأخلاقي. والهدف الواضح من هذا الطرح هو وضع السياسيين على منصة مقدسة تجعلهم بمنأى عن فقدان السمعة والاحتقار، اللذين أثارتهما مثلا فضائح قضية إبستين، والتي لم تؤد حتى الآن إلى تحقيقات جدية مع المسؤولين والمتورطين فيها. ويتكرر هذا المفهوم في النقطة التاسعة التي تنص على أنه ينبغي إظهار قدر أكبر من التسامح تجاه من يكرسون أنفسهم للحياة العامة. وهنا يعود الموضوع المحبب للاعقلانية في القرن العشرين، أي الفارق السحيق بين الأرستقراطية والعامة.

وسأكتفي بالتعليق على بعض النقاط فقط من هذا البيان المقلق. فالنقطة الأولى تتضمن العبارة التالية:
“إن النخبة الهندسية في وادي السيليكون تتحمل واجبا أخلاقيا بالمشاركة في الدفاع الوطني”.
ومن الواضح أنه حين يجري الحديث عن “واجب أخلاقي”، وفي هذه الحالة عن الدفاع عن “الوطن”، فلا مجال للاعتراض أو الاختلاف، ويصبح على جميع العلماء أن ينخرطوا في هذه المعركة الجنونية.
أما النقطة الخامسة فتقول إن:
“المسألة ليست ما إذا كانت أسلحة قائمة على الذكاء الاصطناعي ستُبنى، بل من الذي سيبنيها”،
وهي بذلك تعتبر أن هناك طريقا واحدا فقط، هو طريق الخيار العسكري والعدواني. إنهم يقولون لنا بوضوح إنه لا توجد بدائل أخرى، كما يتضح أيضا من النقطة السادسة التالية، التي تؤكد مجددا أن الخدمة العسكرية يجب أن تكون إلزامية وعامة. وهو توجه تسير نحوه بالفعل العديد من الدول الأوروبية، وفي مقدمتها ألمانيا، التي تسعى إلى بناء أكبر جيش أوروبي، ربما على غرار ذلك الجيش الذي أُطلق سابقا لغزو “المجال الحيوي”.
ولسوء حظهم، ولسوء حظنا نحن قبلهم، فإن هذه الطبقة الحاكمة المحبطة والهاذية لا تدرك أن خوض الحرب، التي لا يسمح بها القانون الدولي إلا في حالة التعرض لعدوان، يتطلب قوة صناعية ومالية لا يمتلكها الاتحاد الأوروبي مجتمعا، ولا حتى الولايات المتحدة. وعندما أستخدم هذا التعبير، فأنا لا أقصد الوسائل التقنية أو المال فحسب، بل أيضا وقبل كل شيء “المادة البشرية”، التي بدأت أخيرا تدرك ما الذي يختبئ وراء مفهومي “الوطن” و”الأمن القومي”: أي الإثراء الفاحش لقلة قليلة، وإخضاع أعداء ليسوا أعداءنا نحن بل أعداءهم هم، وفرض رقابة صارمة على السكان لإقناعهم أولا بالتضحية والتخلي عن “الكماليات” من أجل توجيه الموارد المحدودة إلى الاستثمارات العسكرية، ثم دفعهم لاحقا لتقديم “لحم المدافع” الضروري. إننا نتحدث عن سكان نشأ جزء منهم داخل ما يسمى “مجتمع الاستهلاك”، واعتادوا على اتباع رغباتهم العابرة والتهرب من أي شكل من أشكال الانضباط، ويراد لهم اليوم أن يذهبوا للقتال في الوحل وهم يحملون حقائب وزنها خمسون كيلوغراما، من دون عزيمة حقيقية ومن دون أي “روح قتالية”، وهو الأمر الذي يشتكي بعضهم من غيابه في صحف مرموقة.
وتتطلب هذه العملية ليس فقط الإكراه العنيف، بل أيضا خلق توافق خفي بمساعدة وسائل الإعلام وشخصياتها، مثل فيديريكو رامبيني وكارلو كاليندا، اللذين ما زالا حتى اليوم يملكان الجرأة على “دعوة المواطنين إلى حمل السلاح” للدفاع عن المسؤولين عن الكارثة الهائلة التي تسببوا هم أنفسهم فيها. ومن جهة أخرى، ليس من قبيل الصدفة أن تضغط بالانتير من أجل إجبار الجميع على التجنيد في معركتهم، لأن الشركة نفسها ستجني مليارات الدولارات من إعادة فرض الخدمة العسكرية الإلزامية.

وكما يكتب رزكار عقراوي:“الواجب على الجميع، والربح لقلة قليلة”.

وتعتبر النقطة الثامنة شديدة الدلالة، إذ ترسم ملامح مجتمع عبودي حين تقول:
“لا ينبغي أن يكون الموظفون العموميون كهنوتنا. فأي شركة تدفع لموظفيها بالطريقة نفسها التي تدفع بها الحكومة الفيدرالية لموظفي القطاع العام ستجد صعوبة في البقاء”،
أي ستجد صعوبة في ضمان الأرباح المنشودة.
ومن النقاط المهمة أيضا النقطة الثانية عشرة، التي تعلن أن عصر الردع، والعصر الذري، يقتربان من نهايتهما، ليفسحا المجال لعصر جديد من الردع القائم على الذكاء الاصطناعي، والذي سيكون التحكم فيه بيد أصحاب هذا البيان، ولحسن الحظ ليس بالكامل.
أما النقطتان الثالثة عشرة والرابعة عشرة فهما غير قابلتين للتحمل حقا. فمن يستطيع الادعاء بأن لا دولة في تاريخ العالم روّجت للقيم التقدمية أكثر من الولايات المتحدة؟ أو أن الولايات المتحدة قدمت فرصا للباحثين عن الثروة أكثر من أي بلد آخر؟ ثم تأتي الكذبة الأكثر وقاحة:
“إن القوة الأميركية جعلت سلاما طويلا بشكل استثنائي ممكنا”.
نعم، باستثناء الحروب التي أشعلتها في جميع القارات، من كوريا إلى إيران، وباستثناء سياسات “الفوضى الخلاقة”، والتفكيك، وزعزعة الاستقرار حتى داخل أوروبا، والحرب الطبقية ضد العمال والمهاجرين. ووفقا لبعض التقديرات المقبولة، فإن الحروب الناتجة عن السياسة الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تسببت في مقتل 40 مليون شخص، من دون احتساب ضحايا العقوبات ونهب الموارد والجرحى والمشوهين والمهجرين. ويمكن القول إن الولايات المتحدة لم تهاجم إلا البلدان غير القادرة على الرد بقوة، كما يفعل الآن إيران، وحتى في هذه الحالات لم تتمكن من تحقيق النصر، كما أنها لم تشعل حربا مباشرة مع الاتحاد السوفييتي رغم استفزازها المستمر له.
وفي النقطة السابعة عشرة من البيان يرد أن:
“على وادي السيليكون أن يؤدي دورا مهما في مواجهة الجريمة العنيفة”،
وهو ما يعيد التأكيد بقوة على استخدام العنف ضد من يُنظر إليهم باعتبارهم مجرمين، كما في الحالة المأساوية للشعب الفلسطيني. لكن هناك ما هو أكثر من ذلك. فكما فعل ترامب عندما أنشأ مجلسه الشخصي للسلام، فإن الجمهورية التكنولوجية تطمح إلى وضع الدور القسري للدولة بصورة علنية في أيدي القطاع الخاص، رغم أن الدولة نفسها، كما نعلم، لم تكن يوما محايدة، وإن كانت السياسة حتى عقود قليلة مضت تتمتع بقدر من الاستقلالية. إننا ننتقل من “الدولة الدنيا” مباشرة إلى “الدولة الخاصة”، التي لن تستطيع بطبيعتها ضمان أي حق أو حماية، بل ستضمن فقط إفلات مالكها من العقاب.
أما النقطة العشرون، التي تدعو إلى احترام المعتقدات الدينية، فلا ينبغي فهمها بوصفها دفاعا عن حرية التعبير، وهو ما يتناقض أصلا مع بقية نقاط البيان، بل باعتبارها إعلانا عن ضرورة التحالف مع الأصولية الدينية، سواء كانت بروتستانتية أو كاثوليكية أو صهيونية أو غير ذلك. والسبب بسيط: لأن الأصولية سلطوية وعدوانية وفاشية، تماما كالأيديولوجيا التكنولوجية.
ويتجلى هذا التلازم الجوهري، الذي يناقض الدعوة السابقة إلى احترام المعتقدات الدينية، بشكل واضح في النقطة الحادية والعشرين، التي تميز بين ثقافات أنتجت تقدما حيويا وثقافات “مختلة ومتراجعة”، تماما كما كان يفعل دائما منظرو الإمبراطوريات الاستعمارية.

إن مضامين البيان تدفع إلى التفكير في سلسلة من القضايا البالغة الأهمية المتعلقة بالنظام الرأسمالي وتطوره. ويرى بعضهم أننا أمام قطيعة هائلة بين المرحلة الحالية، التي يجسدها ترامب، والمراحل الرأسمالية السابقة مثل الكينزية الجديدة والنيوليبرالية، ومن هذا التحليل يستخلصون الأمل في العودة إلى المرحلة السابقة، أي ما يسمى “الرأسمالية الإنسانية”. وقد جرى اعتماد المقاربة نفسها عندما بدأ الحديث في ستينيات القرن الماضي عن “المجتمع ما بعد الصناعي” بوصفه نقيضا للمجتمع الصناعي السابق.
ومن وجهة نظري، لا يمكن إنكار أن العقود الأخيرة شهدت تحولات جذرية، لكنها تحققت ضمن استمرارية عميقة، وكانت النتيجة الانفجارية للتناقضات الكامنة في النظام الرأسمالي، مثل إزالة التصنيع التي اختيرت لخفض تكاليف العمل، وأحيانا للعثور على عمال مؤهلين ومنضبطين.

وبصيغة أخرى، نحن أمام مشهد يشبه إلى حد بعيد ما وصفه جورجي لوكاتش بتفصيل دقيق في كتابه الشهير “تحطيم العقل” (1959، الطبعة الإيطالية)، حيث رسم صعود وترسخ الأنظمة النازية والفاشية، المدعومة بأدبيات فلسفية واسعة تتأمل بشكل درامي أزمة الإمبريالية المعاصرة والتهديد الحتمي الذي تمثله القوى المنافسة وجماهير العمال.
ولم تكن تلك الأنظمة تمتلك وسائل المراقبة والتلاعب والسيطرة المتطورة التي يمتلكها اليوم الرأسمالية الرقمية، لكنها استخدمت بكثافة كل الوسائل المتاحة لها آنذاك مثل الراديو والسينما والطقوس الجماهيرية الضخمة ومختلف أجهزة الدولة من ثقافة وتعليم وحتى الترفيه. وفي الواقع، جاءت القفزة الكبرى عندما لم تعد السلعية مقتصرة على العمل وإنتاج السلع الأساسية لإعادة إنتاج المجتمع، بل غزت الحياة اليومية بأكملها ووقت الفراغ أيضا، بحيث نجحت “الصناعة الثقافية” في تحويل وقت الفراغ ذاته إلى فائض قيمة.

وفي هذا السياق، أختلف مع رزكار عقراوي، وكذلك مع ميشيل فوكو وإن كان يتحدث عن حقبة أخرى، حين يرى أن السيطرة في ظل الرأسمالية الرقمية أصبحت داخلية، لأننا نحن أنفسنا نشغل أنظمة السيطرة التي قمنا باستبطانها عبر استخدام الأدوات الرقمية التي تديرها خوارزميات مجهولة بالنسبة إلينا. ومن وجهة نظري، فإن كل نظام سلطة حاول دائما أن يتم استبطانه داخليا، ولكن بالوسائل المتاحة له في زمنه، والتي كانت فعالة جدا أيضا لأن شروط الحياة كانت مختلفة. فمصطلح “الدعاية” نفسه عمره نحو خمسمئة عام، وكتاب “المقنعون الخفيون” لفانس باكارد، المخصص لدراسة التلاعب النفسي عبر الإعلانات، نُشر عام 1957، كما أن سيغموند فرويد تناول الإقناع اللاواعي في كتابه “تفسير الأحلام” عام 1899، والأمثلة لا حصر لها.

وكل ذلك يثبت أن أدوات القسر ضرورية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التوافق الناتج عن الإقناع والسيطرة الخفية وتماهي الضحية غير الواعية مع جلادها. وهي نتائج يمكن تحقيقها بوسائل مختلفة تختلف فعاليتها بحسب الظروف التاريخية والسياق. فعلى سبيل المثال، لم تعد حرومات الكنيسة الكاثوليكية اليوم تمتلك تأثيرا كبيرا، ولهذا السبب تتجنب الكنيسة إعلانها.
وفي الختام، فإن التكنولوجيا ليست محايدة، ويمكن تطويرها لأهداف مختلفة عن تلك التي تفرضها الرأسمالية الرقمية، مثل تعزيز المساواة بدلا من ترسيخ الهرمية. وإذا انتُزعت من ملكية اليمين العابر للقوميات، فقد تستطيع تحرير الإنسان من العمل المغترب، وإعادة تنظيم الإنتاج لتلبية احتياجات الجميع، وتحويل العمل إلى نشاط ممتع وقادر على إعادة تشكيل الإنسان ذاته. والخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي إلغاء الملكية الخاصة للمنصات الرقمية.
لكن الجمهورية الرقمية الأرستقراطية تحتاج، لكي تبرر نفسها ذاتيا، إلى الفكر الرجعي كي تعيد تأكيد “إرادة القوة” التي لا تشبع أبدا، وهو فكر يكشف بوضوح أهدافها الحقيقية.

****************************

ترجم من الانكيزية
https://libcom.org/article/technological-republic-palantir-needs-reactionary-thought-self-justify

مقال رزكار عقراوي
The explicit manifesto of digital fascism: Palantir and the alliance of monopoly capital with the far Right
https://mronline.org/2026/04/25/the-explicit-manifesto-of-digital-fascism-palantir-and-the-alliance-of-monopoly-capital-with-the-far-right/
********************************************
أليساندرا شياتيني
أستاذة ومفكرة إيطالية بارزة في علم الأنثروبولوجيا الثقافية، درّست لعقود طويلة في جامعة سابيينتسا في روما، إحدى أعرق الجامعات الأوروبية. متخصصة في دراسة الحياة الدينية الشعبية في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وفي تاريخ الفكر الفلسفي والأنثروبولوجي حول ظاهرة الدين. تدرّس حالياً في جامعة أنطونيو غرامشي الشعبية، وعضو في اللجنة العلمية لمجلة "ماركسيزمو أوغي" المرجعية في الفكر اليساري الإيطالي. أسهمت في بناء جسور التعاون الأكاديمي والثقافي بين جامعة سابيينتسا وعدد من الجامعات الكوبية والمكسيكية واللاتينية أمريكية. كاتبة غزيرة الإنتاج، تكرّس اليوم قلمها لتحليل أزمة الرأسمالية المعاصرة والتحولات في العلاقات الدولية. من أبرز مؤلفاتها: "أنثروبولوجيا الأديان" (1997)، و"الجائحة في سياق القرن الحادي والعشرين" (2021)، و"الاستغلال والهيمنة في رأسمالية القرن الحادي والعشرين" (2023). صوت أكاديمي يساري لا يهادن، يجمع بين الصرامة العلمية والانحياز الواضح لقضايا العدالة الاجتماعية والتحرر.



#أليساندرا_تشياتيني (هاشتاغ)       Alessandra_Ciattini#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجمهورية التكنولوجية ل بالانتير تحتاج إلى الفكر الرجعي لتبر ...


المزيد.....




- From Ahura Mazda to Hormuz: What US Power Fails to See
- Lessons from the Saharan Deluge and the Early Signs of Green ...
- How Trump Is Burning America’s Invisible Capital
- Neither “Black” Nor “White”: Coming to Grips with Anti-Asian ...
- The U.S.-China Tech Race, Resource Wars, and the Cost of Mil ...
- كيف يمكن للعمال أن يصبحوا ثوريين
- جيل Z في ثورة: من دكا إلى كاتماندو
- عدد جديد من مجلة مراسلات أممية ( أبريل 2026)
- Could Trump’s Iran Fiasco Be America’s Suez Crisis?
- مرة أخرى، بصدد الصراع بين سلطة التعيين وسلطة الانتخاب


المزيد.....

- أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي / ك كابس
- روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي ... / بول هوبترل
- بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة / كلاوديو كاتز
- فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية / ادوارد باتالوف
- كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي - ... / شادي الشماوي
- هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر ... / شادي الشماوي
- ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج ... / رزكار عقراوي
- المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة / شادي الشماوي
- كراسات شيوعية :صناعة الثقافة التنوير كخداع جماعي[Manual no74 ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - أليساندرا تشياتيني - الجمهورية التكنولوجية ل بالانتير تحتاج إلى الفكر الرجعي لتبرير نفسها ذاتيا - على ضوء مقالة رزكار عقراوي حول الفاشية الرقمية