أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظر سنان - حكاية سرطان إيرث














المزيد.....

حكاية سرطان إيرث


ناظر سنان

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 08:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحكاية بدأت في حوالي منتصف القرن العشرين حين كانت تعيش سيدة في منتصف العمر تدعي إيرث، يعيش جسدها كما تعيش الأجساد الطبيعية؛ خلايا تموت وأخرى تولد، وأنسجة تتجدد، وجهاز مناعي يقظ. كانت المعارك الصغيرة - بين خلايا الجهاز المناعي والخلايا المشبوهة - تحدث باستمرار، وغالبا ما كانت تنتهي بانتصار الجسد واستعادة توازنه.

لكن ذات يوم، ظهرت كتلة سرطانية في غدة تُعرف بالغدة الزعترية. لم تكن تلك الكتلة قد نشأت في الغدة أصلًا، بل جاءت من أنسجة بعيدة، وبعد أن فشلت في الاستقرار هناك وطردتها أجهزة المناعة التابعة لتلك الأنسجة، وجدت في الغدة الزعترية ملاذا مناسبا، إذ إنها أقل امتلاء بالخلايا المناعية من غيرها. حاولت الخلايا المناعية القريبة القضاء عليها، واندلعت معركة طويلة استمرت سنوات. سقط الكثير من الخلايا السرطانية، لكن بدلا من أن تضعف، كانت تتكاثر بسرعة أكبر، فيحل بدل كل خلية هالكة عدد أكبر وأكثر شراسة. ومع مرور الوقت، بدا وكأن الغدة الزعترية قد استسلمت للأمر الواقع؛ توقفت عن مقاومة وجود هذه الخلايا الغريبة، واستمرت في أداء وظائفها وكأن شيئا لم يكن. لكن السرطان لم يكن مسالما، بل أخذ ينمو بصمت، يضغط على خلايا الغدة ويزيحها تدريجيا.

بدأت إيرث بالشعور بأعراض كالألم المزمن، فقررت زيارة طبيب الذي فحصها وطلب منها عمل تحليل دم وصور إشعاعية. عرف الطبيب أن ماتعاني منه إيرث هو ورم سرطاني خبيث. ولسوء حظ السيدة إيرث أن الطبيب – الغير مختص بعلاج الأورام - لم يهتم بالقضاء على هذا السرطان، بل كان همه أن تظل إيرث تزوره وتدفع ثمن الفحوصات. وصف لها بعض الأدوية المسكنة للآلام فظنت - بعد أيام قليلة - أن المرض في طريقه للزوال بفعل تلك الأدوية ولم تعلم أن الورم قد ازداد حجمه حتى لم يتبق من الخلايا الزعترية سوى مايقارب الـ 25%. ليس هذا فحسب، بل حتى أن أنسجة أخرى ملاصقة لها تهتكت قليلا وصارت أضعف مما كانت عليه من قبل.

ازدادت شدة أعراض إيرث ولم تعد المسكنات تجدي نفعا فقررت رؤية طبيب آخر الذي بدأ بمحاولات علاجية جديدة مما أعطاها بعض الأمل في الشفاء. قام الطبيب بحقن إيرث بمركب ينشط الأنسجة المجاورة للغدة الزعترية ويجعلها تفرز أجساما مضادة تحارب الورم. كانت محاولة جريئة وأظهرت نجاحا مبدئيا إلا أنه لم يستمر كثيرا فتلك الخلايا العنيدة استمرت بالتكاثر السريع وتمكنت من تثبيط عمل الأنسجة القريبة حتى أن إنتاج الأجسام المضادة تضاءل ولم يعد فعالا كما كان.

مع مرور الوقت، اكتشف الطبيب أمرا أخطر؛ بعض الأعضاء الكبيرة في جسم إيرث كالكبد – الذي ظهر فيه خلايا توأما للسرطان في الزعترية - تقوم أنوية بعض خلاياها بإرسال أجسام مضادة قوية، كان دورها تثبيط عمل أي خلايا مناعية تحاول مهاجمة الورم المستوطن في الزعترية. استغل الورم السرطاني هذه القوة المساندة وبدأ يتسلل لكل أجهزة الجسم. كم هو خبيث هذا السرطان!

ومع التقدم المذهل في علم الأحياء الجزيئي، اكتشف الطبيب أمرا آخر لا يقل غرابة، وهو أن خلايا الكبد الطبيعية والتي كانت تعمل بمعزل عن المعركة الدائرة هناك أدركت أن أنويتها المنتخبة طبيعيا تأتيها إشارات، واسمها المختصر أيباك، لترسل المساعدة للورم. والمفارقة أن هذه الإشارات نفسها كانت ترسَل أصلًا من الخلايا السرطانية المتغلغلة داخل نسيج الكبد، وكأن المرض يصنع أسباب بقائه بنفسه في دائرة مغلقة لا تنتهي!

لم يعد السرطان مجرد ورم في غدة صغيرة، بل أصبح قوة تسيطر على الجسد كله تقريبا. تسللت خلاياه إلى معظم الأعضاء، وأصبحت تمسك بمفاصل القرار الحيوي فيه. وليس هذا فحسب، بل يبدو أن الأنسجة القريبة من الغدة الزعترية، والتي كانت يوما ما تدافع، عنها أصبحت تحارب بعضها البعض. حتى الآن لم يعرف السبب المؤكد لهذه الظاهرة الجديدة لكن هناك أبحاث تحقق في تورط الورم الخبيث في هذا الانقلاب من أجل بقائه.

يتآمر ويخلق طرقا مفاجئة من أجل بقائه! عجيب بالفعل. يؤكد المختصون أنها حالة فريدة لم يشهدها الإنسان في تاريخه من قبل.

أما إيرث، فما زالت تتألم، وما زالت تشعر بثقل المرض في كل جزء من جسدها، لكنها لم تفقد الأمل بعد. لا تزال تناشد الأطباء وتدعو الله أن تأتي معجزة تقضي على هذا الورم الخبيث، وتعيد لجسدها عافيته وصحته.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- إلهان عمر وتصريح -الحرب العالمية الحادية عشر- ما حقيقته؟
- القضاء الأمريكي يلاحق جيمس كومي بتهمة تهديد حياة ترمب
- -الملك تشارلز يوافقني الرأي بشأن عدم امتلاك إيران أسلحة نووي ...
- أبرز خمس نقاط في الخطاب التاريخي للملك تشارلز أمام الكونغرس ...
- ما الذي يريده ترمب وترفضه إيران في أي مفاوضات محتملة؟
- مراجعات قضائية.. هكذا سُجّل آلاف الضحايا المدنيين في كولومبي ...
- ساعر في -محادثة مغلقة-: لهذا خاضت إسرائيل حرب إيران
- اعتراف إسرائيلي: ترامب هو السبب الرئيسي لعدم ضم الضفة
- -المسيّرات- تغير نمط الهجمات الإرهابية بدول الساحل الإفريقي ...
- إدارة ترامب تُعلّق -مؤقتاً- البتّ في طلبات الهجرة.. و مصدر ي ...


المزيد.....

- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ناظر سنان - حكاية سرطان إيرث