|
|
تهشيم الصنم : قراءة ثقافية فِي عناصر التصميم والتشكيل السردي لِنَصْبِ أَبِي الطَّيِّبِ الْمُتنبيِّ .
كاظم خضير القاضي
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 09:48
المحور:
الادب والفن
تسعى هذه الدراسة إلى اجتراح قراءة نقدية - ثقافية لنصب المتنبي، عبر تفكيك بنيته التشكيلية، واستنطاق عناصره السردية التي استلهمها النحات «محمد غني حكمت» من تضاعيف اشعار المتنبي ؛ جاعلاً من مضامينها البلاغية «عجينةَ الصلصال» التي نفخ فيها روح النصب وملامحه التكوينية؛ ناقلا النص الشعري من حيّز اللغة إلى فضاء الكتلة والتشكيل البصري، ومحققاً تمازجاً بين المرجع الشعري والخطاب البصري. وفي محورٍ موازٍ، تقصّت الدراسة التحوّلات المكانية للنصب، وما شهده من طوافٍ في شوارع بغداد وساحاتها العامة قبل أن يستقرّ في موقعه الأخير؛ إذ كان موضعه الأول قبالة المكتبة المركزية، ثم نُقل إلى ساحة البلاط الملكي ومدخل بيت الحكمة، ليحلّ محلّه تمثال رئيس الدولة «المخلوع». وقد أفضت هذه التحولات إلى تباينٍ دلالي، وتنازعٍ رمزي بين هويّة النصب والفضاء الثقافي الذي أُقحم فيه. بلاغة التصميم والتشكيل البصري لنصب المتنبي : يُمثّلُ نصبُ المتنبي خلاصةَ أفكار وتجارب محمد غني حكمت الإبداعية؛ إذ تجلّت في هذا المنجزِ براعة النحات في تجسيد المعاني الأدبية وتحويلها إلى تعبير فني بصري. فقد انتخب نصوصاً من أشعار المتنبي وأعاد تشكيلها في مجسّم نحتي أودع فيه ملامح الشاعر وسماته النفسية؛ فاستحضر معاني القلقِ والترحال اللذين طبعَا حياة المتنبي، وعبر عنها في قوله: عَلى قَلَقٍ كَأَنَّ الريحَ تَحتي أُوَجِّهُها جَنوباً أَو شَمالا وهذه المعاني نجدها في تفاصيل العباءة* التي صمَّمها النحات للنصب؛ إذ جعلها فضفاضةً وتبدو ممتلئةً بالهواء، لتُظهر المتنبي طائرًا أو محلِّقًا في مواجهة الريح في إحالةٍ بصرية إلى قلقه وترحاله الدائمين. ويمتدّ هذا الإيحاء إلى ملامح الوجه التي وسمت بأخاديد حادّة وعميقة لتظهر المتنبي قوياً ثابت الجنان، وقد حرص النحات على ترسيخ هذا الأثر عبر تفاصيل الرقبة التي جعلها مشدودة لتظهر المتنبي غاضباً متجهِّماً. وفي بُعدٍ دلاليٍّ آخر، عمد النحات إلى خلخلة النسب التشريحية للنصب عبر تضخيم الرأس قياساً إلى الجسد؛ ليشير إلى عبقرية المتنبي وعظمة أفكاره. ثم جنح - بعد ذلك - الى ارساء النصب على قاعدةٍ من الرخام المتراكم وغير المنتظم؛ ليحيلنا إلى المرحلة السياسية المضطربة التي عاصرها الشاعر. ولم تغب عن مخيلة النحات السمات السيكولوجية للمتنبي، لا سيما "نزعة الأنا" وتعظيم الذات؛ إذ عبّر عنها بحركة اليد التي جعلها تُشير إلى صدر الشاعر، لتكون مصداقاً حياً لقوله: أنا الذي نظَر الأعمى إلى أدبي وأسْمعَت كلماتي مَن بهِ صَمَمُ وبهذه التقانات، استكمل النصب حليته الفنية وصار نصاً بصرياً جميلاً: «له من التركيب والفنية مثلما للنص الأدبي حينما يتحلى بحلية البلاغة والمجاز وسائر المعطيات الجمالية، وله وظيفة جمالية يدركها الجميع، سوى أولئك المنتفعين به وظيفياً على المستوى النفعي (التواصلي أو التداولي)، أو الذين لا تعنيهم تلك الوظائف الأولية ويكتفون بجمالية النص». وعلى الرغم من جلاء الإحالات النصية التي استنطقها المبنى الجمالي للنصب، يبقى العمل في جوهره منجزاً نحتياً لا نصاً أدبياً بالمعنى العرفي، غير أن هذه الصفة لا تخرجه من سياق (الجملة الثقافية) وحمولاتها النسقية. ومن هذا المنطلق، تكشف لنا ارتباكاً دلالياً في رؤية النحات الفنية؛ إذ تضمن هذا التشكيل دلالةٍ مضادة للوظيفة التي ينبغي أن ينهض بها الشاعر. فالمعاني التي تؤديها تماثيل الأدباء لا تتعدى في رمزيتها ودلالتها حدود الثقافة والإبداع ، لذا تنعدم «المناسبة الدلالية» في هذا العمل بين السيف والنصب الذي اريد له ان يجسد شخصية المتنبي. وبناءً على ذلك ، لن يكون السؤال عن التفاصيل التي جسدها النصب او الجملة الثقافية، وإنما عما هو (غير موجود)؛ ونعني به (شاعرية المتنبي) أو القيمة المغيبة التي جعلتنا ندرك فوضى العلاقة بين «صيغة التمثال» و«جوهر الشاعر». لقد اقحمنا النحات في مأزقٍ إدراكي عندما انتخب صفاتٍ فرعية تمثل قيم البداوة واسقطها على هذا المجسم ، في حين يُفترض في هذا العمل ان يجسد تفاصيلاً تكوينية ذات ابعاد حضارية، وينبغي عُرفاً أن يكون نُصُب المتنبي رمزاً ثقافياً. ولعل النحات وجد في قصائد المتنبي ما يوحي بقيم الفروسية والبداوة، فعبر عنها بالسيف الذي ورد في قوله: الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني والسيفُ والرمحُ والقرطاسُ والقلمُ وهذه المعاني – بِحمُولتِها الرامزةِ إلى الفحولة – تتماهى مع أيديولوجيا السلطةالتي وجدت في شخصية المتنبي الأنموذج القومي الذي ينبغي أن يكون شاخصاً في ساحات العاصمة بغداد؛ فهو - بحسب تعبير القصيمي - «عربيٌّ جداً». وهذه الصفة، أو القيمة الرمزية، تضمن له أن يكون مجاورًا لمنابر التوجيه الثقافي، لأنه «مالئ الدنيا وشاغل الناس» ويبدو أن محمد غني حكمت كان مدركاً لفحوى الرسالة التي أرادت السلطة تمريرها إلى الجماهير عبر هذا المنجز ؛ لذا جعل بنيته الشكلية قابلة للتموضع في سياقاتٍ مكانية متعددة، بيد أنّ النسق الرمزي الذي انتظم حوله بقي ملازما لمركزية السلطة، لذا لم يكتسب هذا التمثال بُعداً جماهيرياً أو شعبياً يضاهي أعمالاً فنية اخرى كتب لها البقاء عقب زوال النظام البائد . ان تفاصيل هذا النصب، وما يشوبها من اغتراب دلالي دفعت النحاتين إلى تحطيم قيمه الشكلية والسعي إلى إيجاد نُصُب بديلة غير متواطئة رمزياً مع السلطة. وهذا ما دفع النحات (سعد الربيعي) الى تحقيقه و انجازه في النصب الذي اقامه في شارع المتنبي؛ اذ تخلّى فيه عن السيف الذي كان يتوشّح خاصرة التمثال القديم، ليقدّم أنموذجًا فنيًا جديدًا، غير متواطئ في تفاصيله الشكلية مع السلطة او القيم البدوية. لقد سعى (سعد الربيعي) الى تقويض النسقية السلطوية عبر تحرير المتنبي من عبء (السيف) الذي كان يتوشّح خاصرته، لعدم اتساقه مع الوظيفة المعرفية للرمز. ولم يتوقف التحول عند نزع السلاح، بل تجاوزه إلى إعادة صياغة لغة الجسد؛ فبينما كانت يد تمثال محمد غني حكمت تومئ بمركزيةٍ و ثوقية نحو (الذات) لترسيخ نزعة الأنا والفحولة القومية التي تبنتها أيديولوجيا السلطة، جاءت يد المتنبي في نصب الربيعي مرفوعةً نحو الأعلى في إشارةٍ انفتاحية تحيل إلى علوّ الكلمة وانعتاق المعنى، بدلاً من انحباسه في نرجسية (الأنا) أو انضباطه تحت سلطة (السيف). لقد قدّم الربيعي أنموذجًا فنيًا جديدًا، غير متواطئ في تفاصيله الشكلية مع القيم البدوية أو السلطوية، ليعبّر عن وظيفة ثقافية تختلف كليًا عن تلك التي نهض بها التمثال القديم؛ إذ تحول المتنبي من (بطلٍ قوميٍّ) مجندٍ لخدمة الخطاب الرسمي، إلى (شاعرٍ إنساني) يمثل ضمير المثقف الساعي للحرية، وهي الرؤية التي اختزلها الربيعي ببيت من الشعر نقشه أسفل النصب، يقول فيه المتنبي : أنا الذي نظَر الأعمى إلى أدبي وأسْمعَت كلماتي مَن بهِ صَمَمُ وعلى هذا النحو؛ صار لدينا تمثالان، أو شاهدانِ شكليّانِ على طبيعة الأنساق الثقافية التي صاغت الاذواق وشكّلت التصوّرات والأحكام الجمالية و كلاهما يكشف عن بنية الحركة التي تتجسّد عبرها الصورة الإنسانية، ويبين الكفاءة التي تجعل الفنان يقدم صورةً تُشابهنا أو تتجاوب مع إيقاع عصرنا ؟ ويبقى هذا التباين الجمالي مرتهناً بطبيعة «الذات» المنتجة للعمل الفني؛ فهي إما فردية ساخطة وعاجزة، أو معبّرة عن قوة جماعية تاريخية أو اجتماعية كبيرة، وتتمحور رسالتها حول بناء المستقبل. فالفن إما أن يكون هروبيًا أو ثوريًا، وهذا ما يُبرز الطابع المزدوج للحركة الخلّاقة التي أنتجت هذين النموذجين: الجماهيري بتفاصيله الشعبية، والمؤسساتي المحكوم بإسقاطات السلطة والإيديولوجيا التي تريد إيصالها وترسيخها في أذهاننا. وقد مورست هذه الثنائية – مثلما رأينا – على شاعرٍ بعينه هو المتنبي، بعيداً عن واقعه التاريخي؛ إذ لم يجهد النحاتانِ نفسيهما بمحاكاة شخصيته أو تجسيد ملامحه الشكلية الواقعية، بل سعيا لإيجاد معادل موضوعي لرسالةٍ ضمنية تعبّر عن «المتنبي الظاهرة» لا «المتنبي الإنسان» الذي اجتمعت فيه صفات متباينة وتجاذباتٌ حادّة تضافرت فيها الفروسيةُ والإلهامُ الشعري والقداسة؛ اذ «لُقّب هذا الشاعر في حياته بالإمام، واعتبره المعجبون به خليفةً لله في أرضه» .وأُتخذَ قبره مزارًا للتبرك وبذل النذور ، واحتُفي به حفاوة المريدين بالأولياء أو القديسين؛ إذ كان أهالي الساحل السوري وما زالوا يقيمون له موسماً شعائرياً في تقليدٍ خاصّ توارثوه جيلاً بعد جيل . ومن هذا المنطلق، يبرز تمثال المتنبي بوصفه جملةً ثقافية كاشفة عن ثنائيات متعارضة، تعكس توتراً حاداً بين الجماعات، او بتعبير اخر بين سطوة الظاهرة التاريخية وسِيولة الرمزية الثقافية: الشعبي / مقابل / السلطوي «الإيديولوجي» الديني (المقدس) / مقابل / البشري (المدنس) الرمزي / مقابل / الحقيقي الثابت / مقابل / المتحرك الجماعي / مقابل / الفردي وهذه الثنائياتُ تكشف عن المفارقة الجوهرية بين القيمة الروحية التي خلعتها الذاكرة الشعبية على المتنبي، والقيمة الرمزية التي ارادت السلطة تمريرها عبر النصب؛ الأمر الذي خلق فجوةً دلالية بين «شاعرية المتنبي» و «أيديلوجيا المؤسسة». وكلاهما قد شوه الواقع التاريخي للمتنبي وذلك بخلق حالة من الوهم؛ إذ عملت الأيديولوجيا على إنتاج صورة مغايرة لطبيعة الشاعر بغية إدماج الأفراد في نسق السلطة الثقافي. و استبطنت وظيفة الإدماج هذه آلية التبرير لتسهيل عملية الاندماج، غير أن إنتاج الوهم هو النتيجة الحتمية لفساد هذا التبرير؛ فالتبرير عندما يفتقر للمنطق يلجأ إلى الأوهام والأساطير ليقدم لنا صورةً معكوسة عن الواقع . لذا؛ تبقى العلاقة بين الحالتين اعتباطية، مع وجود فارقٍ جوهري: وهو أن النصب (الرسمي) محكومٌ بالفناء، بينما يتعهد الوجدان الشعبي تلك «الأيقونة الروحية» بالخلود. ومن الشواهد النسقية التي جسدت هذا المعنى، قبة (أبي سُورة) أو (سيد أحمد) -التي عُرفت بالمتنبي لاحقاً-؛ وهي قبة طينية تعهدتها الأجيال بالعناية لكونها مزاراً شعبياً وموضعاً لبذل النذور، مما يؤكد أن ديمومة الرمز مرتهنةٌ بمدى اتساقه مع ضمير الجماعة لا مع إرادة المؤسسة. وهذه الشواهد النسقية تكشف الفجوة بين المتنبي الإنسان، والمتنبي الرمز الذي جسده الخيال الفني. وان التقابل الثنائي بينهما محكوم دائما بالمسافة التاريخية بين المدون الشعري الذي استُلهم منه النصب وبين الوسيط الرمزي المتمثل في اللغة . فالواقع التاريخي، بحسب ما يتمثله الخيال، لا يظهر إلا عبر هذا الوسيط، مجسّدًا في الكتابة التي تستمد نظامها وسلطتها من اللغة، مما يؤثر في حقيقة هذا الواقع ومواصفاته. ومن جانب اخر ، إن الخيال ليس سوى علاقة الوعي بشيء «موضوع» يقع خارجه، إذ يقدم عالمًا آخر بديلاً للعالم الواقعي.ومهمة الفن لا تتوقف على إعادة او نقل العالم مثلما هو، بل التعبير عن آمال الجماعات، والسعي إلى استخلاص الطابع الإنساني العام، الذي يمنح العمل الابداعي صيغه جماعية خالدة، وليس قيمة فردية تنتسب إلى ذات قابلة للتحديد أو إلى أيديولوجية تطوعه للدعاية. فاعلية النسق المضاد في بنية النصب التذكاري: تندرج الأعمال التشكيلية التي جسدت شخصية المتنبي ضمن سردية تاريخية متصلة، تشكّلت ملامحها الأولى في ستينيات القرن الماضي عقب الإعلان عن اكتشاف قبر المتنبي*. وقد تبلورت هذه السردية في إطار المشروع القومي الذي سعى جاهداً إلى توظيف الرموز التراثية لخدمة خطاب السلطة وترسيخ تصور مركزي للهوية والذاكرة. وفي هذا السياق أُقيمت المهرجانات والندوات التي ركَّزت على إرث المتنبي ومكانته في الوجدان العربي، بالتوازي مع مشروعٍ واسع لطباعة ديوانه وتوزيعه داخل العراق وخارجه. ولم تقتصر هذه الانشطة على الجوانب الأدبية فحسب، بل توسعت لتشمل إطلاق اسم المتنبي على معالم بارزة في بغداد والمدن العراقية الاخرى ؛ في محاولة من السلطة لترسيخ حضور المتنبي في الفضاء العام وتعزيز رمزيته في المجتمع. ولكن هذا الترويج لم يصدر عن رؤية ثقافية تنظر بعمق إلى رمزية المتنبي، بل كانت استجابة لحاجة أيديولوجية آنية. لذا لم تمكث هذه الاقحامات طويلاً اذ كشفت المتغيراتِ اللاحقة عن تعارضاتٍ خفية بين الخطاب الرسمي والنسق الثقافي المضاد الذي جسدته الذاكرة الشعبية بما تختزن من ثراءٍ وعمق للمتنبي وشخصيته الشعرية. وقد تجلّى هذا التوتر بوضوح في النصب التذكاري الذي شُيّد بأمر السلطة في موضعٍ سادِر من ضواحي مدينة النعمانية، يُعرَف بمرقد «أحمد أبي سورة»؛ وهو مزار شعبيّ «محليّ/تقليدي» كانت الأعراب تتبرّك به وتُزجيه النذور . والمفارقةُ في هذا المرقد او المقام انه لا يختلف في طبيعته عن المزارات المحلية التي سعت السلطة إلى تقويضها بدعوى انها زائفة او مجعولة، ولكن هذا المرقد حظي بعنايةٍ استثنائية عندما زعمت السلطةُ أنَّه يضمُّ رفات المتنبي، الأمر الذي دفعها إلى تجديد بنيانه. لقد سعت السلطةُ، عبر استراتيجية «إعادة تأثيث وترميز المكان»، إلى قولبة الموقع بما يوائم نزعتها القومية ويخدم خطابها الرسمي، بيد أن جغرافيا المكان تختزنُ دلالاتٍ متجذرة (دينية واجتماعية محلية) عصيّة على المحو، مما أفضى في نهاية المطاف إلى ازدواجيةٍ حادة في المعنى؛ فالمكان صار يرتدي قناعين: قناع الرمز الثقافي القومي الذي أرادته السلطة، وقناع الوليّ الشعبي الذي استوطن ذاكرة الناس. ففي الوقت الذي أُريدَ للموقع أن يتحول إلى فضاءٍ ثقافي (رسمي)، لم ينفك الأهالي عن التعاطي مع صفته الدينية وعلى وفق وظيفته الرمزية القديمة، وهذا يدلُّ - بلا شك - على أنَّ المعنى الجديد (المقحم) لم يُلغِ المعنى القديم، بل اصطدم به؛ ليتحول الموقعُ إلى بؤرة احتدامٍ وصراع بين نسقين متضادين، مما يؤكد أن الذاكرة الشعبية تأبى المحو أو التغييب. وقد تجلّى ذلك واضحا في العناصر التكوينية التي ارادت السلطةُ ان تؤسس عبرها القيمة الرمزية المستحدثة للمكان؛ فقد عمد المصممُ الى استحداث «قبة إسلامية» و«أساطين عالية» لإعادة تشكيل هوية الموقع، بيد أن هذا التصميم نأى بالنصب عن صِلته بالمتنبي. و من يتحر تفاصيل النصب لن يجد فيه ما يُعبّر عن المتنبي سوى اسمه، و ابيات من شعره نقشت على السياج المحيط بالنصب ؛ ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إنَّ العناصر التكوينية لهذا النصب شكّلت - في جوهرها - نسقاً مضاداً للأيديولوجيا التي تبنتها السلطة، ومن شواهد ذلك «القبة» نفسها، التي تعد رديفاً للمقدس . ومن هذا المنطلق، صار المقام ساحة للصراع والتفاوض على المعنى والسلطة. وفي حدود هذه التحولات يمكن النظر الى المرقد بوصفه فضاء تعبيرياً يجمع بين الديني والسياسي. ويؤدي وظائف مختلفة تتفاوت في قيمتها و موقعها على البنية الهرمية التي تنتظم فيها، وتمليها عادة حاجات المجتمع ومعايره ورغباته التي تخضع جميعا للتغير والتطور. ومن زاوية اخرى يُعدّ هذا التحوّل مثالًا واضحًا لألية الهدم والبناء الرمزي، التي كانت تمارسها السلطة على المشيدات والرموز الثقافية بغية تحوّلها إلى أدوات لترسيخ سردية السلطة وتثبيت مشروعها «القومي المتطرف».
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تشكيل النص في المفهوم البنيوي
-
قصة قصيرة :(ذاكرة مدرسة)
المزيد.....
-
الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي
...
-
أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي
...
-
تحت ظل الشيخوخة
-
قراءة مبسطة لديوان(النُوتِيلَا الْحمرَاء)للكاتب أسامة فرج:بق
...
-
هل توقف قلبه؟ ومتى؟.. توضيح حول الحالة الصحية للفنان هاني شا
...
-
الضيق في الرؤيا السؤال!
-
الأرجنتين: بوينس آيرس تمزج الإيمان بموسيقى التكنو تكريما للب
...
-
العائلة الملكية البريطانية تختار مؤرخة لكتابة سيرة الملكة ال
...
-
ضمن فعاليات مهرجان زهرة المدائن التاسع عشر... ملتقى المثقفين
...
-
قراءة في رواية(غريب ولكن..)للكاتب: أسامة فرج .بقلم: عادل الت
...
المزيد.....
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
-
رحلتي في ذاكرة الأدب
/ عائد ماجد
-
فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال
...
/ أقبال المؤمن
-
الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير
/ أقبال المؤمن
-
إمام العشاق
/ كمال التاغوتي
-
كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين
/ ياسر جابر الجمَّال
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو
...
/ السيد حافظ
-
أحافير شاب يحتضر
/ المستنير الحازمي
المزيد.....
|