أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ثوريا عريبي - العالم الوحش وسيولة القيم















المزيد.....

العالم الوحش وسيولة القيم


ثوريا عريبي

الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 20:06
المحور: الارهاب, الحرب والسلام
    


هي حالة عصيبة يمرّ بها العالم اللّحظة، تشهد أجزاؤه على الأرض جوراً كبيراً وظلماً طاغياً حوّل يومياتنا إلى حزنٍ وقلق، قد يؤدي إلى كآبة وانهيار شديد أو جنون أكيد، حروبٌ شرسةٌ تقودها الامبراطوريات الطاغية التي نصّبت نفسها شرطيا على العالم، أو لِنقُل إلهاً يُشرّع لهم الحلال والحرام، يعذّب من يشاء ويُدخل جنّته من يشاء، مشاهد دموية يومية أبتْ أن تتوقف ولو لِلحظة، فما الذي أوصلنا إلى كلّ هذا الدمار والانحطاط الروحي والأخلاقي والمادي. ما الذي أصاب الانسان ليصل إلى كل هذا المكر والشر؟! يعيث في الأرض فسادا بِبصمِ حماقاته ليقول أنا الأقوى!! وأنا ربُّكم الأعلى!
فما أصل كل هذا الشر الكامن في العالم؟؟
إنّ خريطتنا الادراكية والتي رسمت عالمنا في ثنائيات متعارضة مُستمدةً تماسكها من مركز صلبٍ إلهي أو بشري يحدّد معالمها وحدودها، فالشر في الوجدان الانساني هو عكس الخير، كما الجمال عكس القبح، والنور عكس الظلام، والانسانية عكس البربرية، ومع اختفاء المراكز الصلبة الإلهية أو البشرية قد يتحول الشرّ من الصلابة إلى السيولة!! ذاك الشر الذي يظهر كصديق مُعين لا كشيطان لعين، فهو إحدى القوى الناعمة التي تُوظفُ سياسة الإغواء بدل الإكراه، فهو يأخذ شكل السوائل كلها وإذا ما اعترض طريقه عقبات فسرعان ما يتسلّل إلى هاته العقبات فيقوم بترطيبها ونقعها ومن ثمّ العمل على تآكلها وإذابتها ثم امتصاص المادة المذابة، هكذا يزداد قوة إلى قوته، فتصعب مقاومته لتوغله في نسيج الحياة اليومية والترسخ في عمقها.
بعد النهضة الأوروبية فتح اكتشاف المناهج العلمية الجديدة أُفقاً واسعا للإنسان، إذ بفضلها أصبح تعامله مع الظواهر الطبيعية مختلفا ومتميّزاً بالفاعلية والابتكار، فتمّت سيطرته على الطبيعة وكشف أسرارها وتحدّى جبروتها بالتجهيزات التقنية الهائلة، فقويَّ إيمانه بتحقيق التقدم الكامل، وغير المحدود، وإيجاد حلول لكل المعضلات إذا ما تمّ إخضاعها للتفسير العلمي إخضاعا تاما. فتبنى فلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر اعتقادا راسخا حاملين لواءه وبكل ثقة وحماس أنّ تحقيق الكمال الانساني أمرٌ ضروري وحتمي بمجرد الاحتكام للمعطيات العلمية. بيد أن هذه الاعتقادات سرعان ما تبدّدت وأُعيد النظر فيها، فالعلم لم يكن فقط نعمة بدخوله الحياة الانسانية بل تحوّل إلى نقمة بأثره الهدّام لاحقا، فمن المفكرين من تنبأ بخطى العلوم والتقنيات المتسارعة وضررها كالمفكر جون جاك روسو(1712-1772) بتساؤله: "هل أدى تقدم العلوم والتقنيات إلى إفساد الأخلاق أم إلى إصلاحها؟! " وفعلا قد أخفق الانسان من حيث يدري أولا يدري في جعل المنهج العلمي أداة لترقية حضارة انسانية ديمقراطية، ما جعل مفكري وفلاسفة القرن العشرين يتراجعون عن فكرة التقدم نتيجة للكوارث الانسانية المروّعة الناتجة عن الحروب من تدمير للبيئة واستخدامات للأسلحة النووية!
فقد بُرِّر التطور العلمي والثورة الصناعية من قِبل مُستغليه بضرورة التوسيع والبحث عن أسواق جديدة، ومعها المزيد من الموارد الطبيعية والثمينة والتي لا تتوفّر إلا بالسطو والنهب والاعتداء على شعوب أخرى واستعبادها والنيل من خيراتها فقد كانت حجَجُهم جاهزة ومُبيّتة. وكلّ هاته الآثار جعلت روّاد النظرية النقدية يحملون معول النقد الجذري والصارم للمجتمع الصناعي بمختلف مظاهره السياسية والاجتماعية والثقافية، وذلك بزعزعة الأساس الذي شُيّدت عليه ألا وهو العقلانية الأداتية المرتبطة بفكرة السيطرة على الطبيعة، بل وقد شملت الانسان ذاته. كما حاول الفيلسوف الألماني ماكس هوركهايمر Horkheimer (1895-1973) M. فهم الأسباب والعوامل المؤدية لسقوط الانسانية في الدرك الأسفل والمرعب من البربرية والوحشية القاتمة.
يقول المفكر الانجليزي "جود" :" أنّ العلوم الطبيعية منحتنا القوة الجديرة بالآلهة ولكننا نستخدمها بعقول الأطفال والوحوش".
لقد نمت القوة والعلم في الدول الغربية بعد النهضة وارتقت لكن كان ذلك على حساب الدين والأخلاق اللّذان انخفضا لدرجة الانحطاط، فالعقلانية الغربية لم تصنع العلوم والتكنلوجيا فقط بل أقامت منطقاً جديداً يقوم على الاقصاء والابعاد والتقتيل، حيث أدت هذه العقلانية إلى إقرارٍ للإنسانية. لكن هذه الانسانية أتت مشطورة ذات قطبين، انسانية مجنّدة يعمل العقل على تطويرها والدفاع عنها، وانسانية أخرى منبوذة بل وقام هذا العقل بافنائها وتصفيتها وإبادتها كلما اقتضى الأمر ذلك. ما يُلخّص وجود أخلاقيات براغماتية تأخذ شكل فلسفة القوة والهيمنة للأقوياء وفلسفة التكيّف والاذعان للضعفاء، هذا التحوّل الذي أصبحت فيه كل القيّم الانسانية تجارية. فوجدنا أنفسنا تائهين وسط حطام انسانية قوامها أسلحة تزداد مواصفاتها التقنية يوماً بعد يوم من أجل ماذا ؟! من أجل تدمير العالم وفقط !!
هناك دولاً ولدت من الحرب والهيمنة حاضيةً بقوة عسكرية هائلة، متطلّعة لمزيد من القوة ومتعطّشة لتوسيع أراضيها وثرواتها، ما يدفع إلى حروب مستمرة آخذةً صفة النهب والتقتيل. فلنأخذ مثلا أمريكا التي بنت مجدها على أنقاض حضارات وجماجم الأبرياء في كل أرجاء المعمورة، فكان تسلّطها انطلاقا من خطيئتها الأولى من خلال إبادة هنود أمريكا والأرقاّء السود والتمييز العنصري، وحماية طغاة أمريكا اللاتينية الأكثر دموية في العالم ومن ثمّ على امتداد العالم كلّه، فبعدما تمّ القضاء على النازية الهمجية لهتلر أرادت أمريكا على غرار حلفائها تقديم دليل واضح ورادع على قوتها التدميرية وهيمنتها فواصلت جرائمها في حقّ الانسانية في هيروشيما وناكازاكي (1945م) لتحصد آلاف الأرواح، وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي الموصوم ب"امبراطورية الشر" في قاموس الأمريكيين كان من السهل البحث عن عدو جديد ووضعه ضمن القائمة لأهدافهم الحربية وهو " الاسلام" والذي أخذ نفس المصطلح " امبراطورية الشر" ومع انتشار الاسلام في العالم قاطبة، كان هذا سبباً كافياً على اعلان الحرب الشاملة من قِبل أمريكا وحلفائها في كل بقاع الأرض بأساليب شتى وذرائع مقيتة فتوالت ضحاياهم من غواتيمالا إلى الفييتنام ومن نيكاراغوا إلى العراق ومن يوغسلافيا إلى أفغانستان والقائمة طويلة، فقد صارت الحرب سمة تأسيسية وحالة عادية في الاستراتيجية العالمية فلا يستمر ولا ينتعش هذا النظام العالمي الجديد الذي تتزعّمه أمريكا إلا بالحرب والعنف والتدمير.
والعجب كلّ العجب أنّ ما نلحظه ونعيشه من حروب وأهوال ورعب هو في مفهوم الدول الامبريالية وأمريكا "السلام العالمي" !! الذي بدأ بالمؤسسات الواهمة للعالم بتطبيق العدالة والمساواة والحرية وحقوق الانسان وكرامته، مبرّرين التدخلات السافرة في شؤون الدول خصوصا النامية والمغلوب على أمرها، ليُختتم هذا كله بسقوط الأقنعة والدخول في المواجهة المباشرة بحروبٍ أكثر دمويةٍ يتمّ تمويلها عسكريا وسياسيا وإعلاميا، فقد صار افتعال الحروب واستمرارها من أسهل القرارات بل ومن الأولويات، ويتخلّل ذلك سهولة تضليل الرأي العام العالمي وحشده وإقناعه بضرورة الحرب، وما يحدث إلا أن تُفتعل أزمة يكون ضحيتها آلاف العشرات من الأرواح البريئة كقربان سياسي.
كان قد تساءل الفيلسوف روجيه غارودي (Roger Garaudy1913-2012) في كتابه" الولايات المتحدة الأمريكية طليعة الانحطاط " فيم إذا كان بإمكان الولايات المتحدة تحقيق حلمها وبسط نظامها الخاضع" للسوق الحرة" على العالم كله؟! أقول ومن وجهة نظري قد تحقق تساؤل المفكر الكاتب وتحقق حلم أمريكا في بسط نظامها على العالم كله بالحديد والنار، فقد اضطرت وحدانية السوق إلى تحطيم أي نظام يحمل قيما غير القيم التجارية ضاربة بذلك كل المفاهيم والقيم التي تغنّت بها في مواثيقها الدولية عن الهوية والحرية ومعاني الكرامة الانسانية بما في ذلك معنى الحياة.
ومن خلال ما سردناه فإنّ العلم لم يكن أبدا سببا في اندلاع حروب أو نشوب نزاعات فهذه الأخيرة كانت موجودة بوجود الانسان على البسيطة، لكن لنقُل أنّ العلم وتقنياته لم يُستغل ولم يُسخّر لخدمة غايات انسانية، فهو لم يقضِ على همجية الانسان بل ضاعف قوّتها ، ممّا أنتج صراعا دائما بين الأمم.
وباتت العودة إلى انسانيتنا أمراً ضروريا بل واجبا على كل المجتمعات وبالخصوص المجتمعات الاسلامية، فلا أعدل ولا أرحم بالإنسان من أخذه بدستور خالقه وراعيه على هاته الأرض، وتحقيق خلافته فيها بكل وعي وإيمان، هذا إذا رغبنا في السير نحو طريق النجاح وتحقيق سلام عالمي والولوج إلى نيّر الحضارة من جديد وهو ما نحتاج إليه اليوم وبشدّة، فحين نستقرئ واقعنا نجد أنّ أزمتنا مضاعفة وذلك لأسباب لا يسمح المقام بذكرها، وإذا ما أرادت الأمة العربية والاسلامية التحاقها بالركب الحضاري فيلزمها لذلك سيرٌ طويل وزادٌ ليس بالقليل، وعليها تدارك الكبوة التي وقعت فيها حين تمّ استيراد مظاهر الحداثة الغربية بأشكالها ومضامينها بما لا يتوافق والخصوصية الثقافية التي تُميّز مجتمعاتنا، ومن الأجدر والأولى زراعة الوعي وإيجاده في أفرادها وتربية الجماهير العقلية والمدنية والسياسية كي تنتج رجالا وقادة قادرين على حمل قيمها ومبادئها الخاصة إلى الانسانية جمعاء، وكي لا تكون الأمة عرضة لأي تهريج أو دعاية أو سخرية.



#ثوريا_عريبي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العالم الوحش وسيولة القيم


المزيد.....




- إدارة ترامب تُعلّق -مؤقتاً- البتّ في طلبات الهجرة.. و مصدر ي ...
- شركة -لافارج- الفرنسية تستأنف إدانتها بتمويل تنظيم الدولة في ...
- عقوبات أممية على شقيق حميدتي مع تصاعد القتال في السودان
- إيران وإبستين وغرينلاند.. هكذا قرأ -بوليتيكو- خطاب ملك بريطا ...
- صورة ترمب على جوازات السفر الأمريكية في الذكرى 250 للاستقلال ...
- واشنطن تعلن استهداف البنية التحتية المصرفية الموازية لإيران ...
- ترامب يحدد أولوياته مع إيران: نعم للحصار لا لاستئناف الحرب
- -إسرائيل ربما تكون الدولة الوحيدة التي تربطها علاقة خاصة بأم ...
- تراجع تاريخي في شعبية ترامب بسبب غلاء المعيشة وحرب إيران
- تعثر مفاوضات إنهاء الحرب بين واشنطن وطهران وملف هرمز يبقى عا ...


المزيد.....

- حين مشينا للحرب / ملهم الملائكة
- لمحات من تاريخ اتفاقات السلام / المنصور جعفر
- كراسات شيوعية( الحركة العمالية في مواجهة الحربين العالميتين) ... / عبدالرؤوف بطيخ
- علاقات قوى السلطة في روسيا اليوم / النص الكامل / رشيد غويلب
- الانتحاريون ..او كلاب النار ...المتوهمون بجنة لم يحصلوا عليه ... / عباس عبود سالم
- البيئة الفكرية الحاضنة للتطرّف والإرهاب ودور الجامعات في الت ... / عبد الحسين شعبان
- المعلومات التفصيلية ل850 ارهابي من ارهابيي الدول العربية / خالد الخالدي
- إشكالية العلاقة بين الدين والعنف / محمد عمارة تقي الدين
- سيناء حيث أنا . سنوات التيه / أشرف العناني
- الجدلية الاجتماعية لممارسة العنف المسلح والإرهاب بالتطبيق عل ... / محمد عبد الشفيع عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الارهاب, الحرب والسلام - ثوريا عريبي - العالم الوحش وسيولة القيم