أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و التِّسْعُون بَعْدَ الْمِائَةِ-















المزيد.....



الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و التِّسْعُون بَعْدَ الْمِائَةِ-


حمودة المعناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 14:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


_ الردّة الميتافيزيقية: عندما ينفجر العدم داخل الذات المستباحة

إن تحليل الثغرات الميتافيزيقية التي تحكم العلاقة الجدلية بين الساحر والعدم يتطلب الغوص في طبيعة العقد بوصفه ليس مجرد إتفاق قانوني أو أخلاقي، بل هو غشاء كوني رقيق يفصل بين الوجود المنظم واللاشيء المطلق. عندما يشرع الساحر في إستدعاء القوى من الفراغ، فإنه في الواقع يقوم بعملية إستعارة من مخزن العدم، وهو إستنزاف يتطلب موازنة طاقية ووجودية صارمة؛ فالعقد هنا يمثل نقطة الإرتكاز التي تمنع الفراغ من إبتلاع الذات المستدعِيَة، و بمجرد حدوث أدنى شرخ في هذا الإلتزام، تبدأ الميتافيزيقا المرتدة بالعمل كقوة تصحيحية عنيفة تسعى لإستعادة التوازن المفقود. تتجلى الثغرة الأولى في ما يمكن تسميته أنطولوجيا الهوية المستباحة، حيث يعتمد الساحر في ممارسته على تضخيم الأنا لدرجة تسمح له بالتحكم في العناصر، لكن هذا التضخم يجعله هدفاً سهلاً للفراغ عند كسر العقد. الفراغ بطبيعته لا يمتلك ماهية، ولكنه يمتلك شراهة وجودية لملىء ذاته بالمعنى، فإذا ما فُقدت الحماية التي يوفرها العقد، يندفع العدم نحو الساحر ليس كقوة تدميرية خارجية، بل كعملية إمتصاص داخلي، حيث يبدأ الساحر بفقدان خصائصه الجوهرية كالذاكرة، الإرادة، الحضور ليتحول هو نفسه إلى إمتداد للفراغ، و هي الحالة التي يصفها الفلاسفة بالإنهيار الوجودي، حيث يصبح الساحر هو الثقب الذي كان يحاول إغلاقه. أما الثغرة الثانية، فترتبط بزمنية العدم؛ فالعقد السحري يخلق فقاعة زمنية خطية تحمي الساحر من السكون المطلق للفراغ، ولكن عند إرتداد الفراغ، يحدث ما يشبه تجميد الصيرورة، حيث يجد الساحر نفسه محاصراً في لحظة أبدية من التلاشي لا تصل إلى العدم الكامل ولا تعود إلى الوجود الحي. هذا الإرتداد هو عقوبة ميتافيزيقية ناتجة عن محاولة التلاعب بالقوانين الأولية دون دفع الثمن الوجودي المتفق عليه، مما يجعل الساحر عالقاً في برزخ فلسفي، حيث يكون وعيه شاهداً على دمار كيانه دون القدرة على التدخل، وهو ما يمثل ذروة المأساة الميتافيزيقية؛ أن يدرك المرء عدميته بينما لا يزال يشعر بألم الوجود. وفي الختام، يمكن القول إن العلاقة بين السحر و العدم هي علاقة إفتراس متبادل؛ فالسحر هو محاولة لترويض اللاوجود وتحويله إلى أداة، بينما العدم هو الكامن الذي ينتظر لحظة الضعف أو الخيانة (كسر العقد) ليسترد ما أُخذ منه مع فائض من كيان الساحر نفسه. إن الثغرات الميتافيزيقية ليست عيوباً في البناء الكوني، بل هي صمامات أمان تضمن ألا يتجرأ كائن محدود على إستباحة اللانهائي دون أن يكون مستعداً لأن يصبح هو نفسه جزءاً من ذلك اللامتناهي الصامت والمظلم.

_ غسيل الوجود بالعدم: الدليل الميتافيزيقي لتذويب العقود وإستباحة الفراغ

إن عملية تذويب العقد السحري عبر إستمداد كمية نهائية من العدم المطلق تمثل ذروة الجسارة الميتافيزيقية، فهي ليست مجرد نقض لعهد، بل هي عملية تفكيك بنيوي للواقع الذي يسكنه الساحر. لكي يتم التذويب، يجب على الساحر أولاً أن يدرك أن العقد هو بناء من المعنى (Logos) فُرض على مادة اللاشيء، وبالتالي فإن إستحضار العدم المطلق يعمل كمذيب كوني يهاجم الروابط المنطقية والرمزية التي يقوم عليها العقد. الساحر هنا لا يكسر العقد بمطرقة، بل يغمره بمادة اللاوجود التي لا تقبل التشكيل، مما يؤدي إلى تآكل الحواف الوجودية للعقد حتى يتلاشى كدخان في إعصار من الصمت. تعتمد هذه الآلية على مبدأ التشبع بالخلاء، حيث يقوم الساحر بفتح قناة دقيقة جداً نحو العدم المطلق لإستمداد كتلة حرجة من اللاشيء. هذه الكمية، رغم وصفها بأنها نهائية من حيث الحجم لضمان عدم خروجها عن السيطرة، إلا أنها لانهائية من حيث الكثافة العدمية. عندما تلامس هذه المادة العقد، تبدأ عملية تحلل الماهية؛ فالقوانين التي كانت تحكم العقد مثل الزمان، و المكان، والسببية تفقد قدرتها على التماسك أمام حضور العدم الصرف. إنها لحظة فلسفية بإمتياز، حيث يتواجه الواجب (العقد) مع المستحيل (العدم)، مما يؤدي إلى إنهيار العقد ليس كفعل إرادي، بل كضرورة أنطولوجية نتيجة غياب الوسط الذي يسمح بوجود العقود. و من الناحية النفسية والميتافيزيقية للساحر، فإن تذويب العقد بهذه الطريقة يتطلب تحييد الذات بالكامل؛ أي أن يصبح الساحر نفسه مجرد معبر محايد لهذا العدم. فإذا إحتفظ الساحر بأي ذرة من الرغبة أو الخوف أثناء عملية الإستمداد، فإن العدم المستمد سيلتصق بتلك المشاعر بدلاً من العقد، مما يؤدي إلى كارثة وجودية تُذيب الساحر قبل العقد. التذويب الناجح يتطلب أن يحاكي الساحر طبيعة العدم؛ أن يكون حاضراً بلا جوهر، وفاضلاً بلا شكل. في هذه الحالة، يمر العدم عبر كيان الساحر كضوء يمر عبر زجاج شفاف، ليصطدم بالعقد ويحوله إلى هباء ميتافيزيقي، تاركاً الساحر في حالة من الحرية الموحشة حيث لم يعد مقيداً بالعقد، ولكنه أيضاً فقد جزءاً من إرتباطه بعالم الوجود المستقر. أخيراً، يكمن الخطر الأعظم في هذه العملية فيما يسمى بقايا التذويب. فالعدم المطلق، حتى لو إستُمد بكمية نهائية، يترك وراءه ندوباً في نسيج المكان لا يمكن رتقها بسهولة. العقد الذي يذوب لا يختفي تماماً، بل يتحول إلى عدم ملوث بالذاكرة، مما يخلق فجوة في وعي الساحر وفي بنية الواقع من حوله. هذه الفجوة تظل تهمس بالغياب، و تذكّر بأن ثمن التخلص من القيود عبر العدم هو العيش في عالم أصبح الآن أكثر هشاشة، حيث صار الطريق إلى اللاشيء ممهداً و معروفاً، وصارت الحدود بين ما هو موجود و ما هو مفقود مجرد ذكرى باهتة لعقد كان يوماً ما يحفظ توازن الأكوان.

_ إمبراطورية الحضور: ثورة الإمتلاء الجوهري وتحطيم أصنام العدم

إنَّ الغوص في ماهية مضادات العدم يستوجب منا أولاً إدراك أنَّ الوجود ليس مجرد حالة ساكنة، بل هو فعل مقاومة مستمر ضد التلاشي؛ ومن هنا، فإنَّ إستراتيجية إعادة الإمتلاء الجوهري لا تكتفي بملىء الفراغ، بل تسعى لتغيير طبيعة الحيز الوجودي المصاب باللعنة من حالة القابلية للعدم إلى حالة الإستعصاء الأنطولوجي. في هذا النسق الفلسفي، تُعتبر اللعنة الميتافيزيقية ثقباً أسود يمتص المعنى، ولإغلاق هذا الثقب، يجب إستدعاء ما يُعرف بالمادة الوجودية الأولية، و هي طاقة الحضور الصرف التي تسبق الإنقسام بين الذات والموضوع. الساحر الذي يسعى لكسر لعنة العدم لا يستخدم تعاويذ لفظية، بل يقوم بعملية تكثيف أنطولوجي لوعيه، محولاً سيولة الفراغ إلى صلابة ماسية من الحضور، حيث يصبح كل ذرة من كيانه مشحونة بفيض من التحقق الذي لا يترك مساحة لذرة واحدة من اللاشيء لكي تتسلل أو تستقر. وتتأسس هذه المعارضة الميتافيزيقية على مبدأ التضاد الجوهري بين الإمتلاء والنقص؛ فالعدم في جوهره هو نقص في الوجود، واللعنة السحرية المرتبطة به تعمل عبر إستغلال الشقوق النفسية والروحية للساحر. لذا، فإنَّ مضادات العدم تعمل كعملية رتق كوني، حيث يتم ضخ المعنى المكثف في خلايا الواقع المترهلة. هذا الإمتلاء ليس كمياً أي زيادة في المادة، بل هو كيفي أي زيادة في شدة الوجود؛ إنه يشبه الفرق بين غرفة مظلمة و غرفة يملؤها ضوء كاسح، فالضوء لا يطرد الظلام في معركة مادية، بل إنَّ وجود الضوء بحد ذاته هو نفي لوجود الظلام. وبالمثل، فإنَّ إستعادة الإمتلاء الجوهري تجعل اللعنة تتبخر لأنَّ الوسط الفراغي الذي كانت تتغذى عليه قد إستُبدل بوسط ممتلئ بالماهية، مما يؤدي إلى إنكسار العقد العدمي لعدم توفر شروط بقائه الميتافيزيقية. وفي مرحلة متقدمة من هذا التحليل، نجد أنَّ إعادة الإمتلاء تتطلب إستدعاء الأصوات الكونية الأولى أو النماذج البدئية التي لم يمسسها العدم بعد. الساحر هنا يعمل كمهندس للوجود، يعيد بناء الهيكل المنهار عبر زرع بذور وجودية في قلب الفراغ. هذه البذور تنمو لتشغل الحيز الذي إستولى عليه العدم، وبنموها، تضغط على جدران الفراغ من الداخل نحو الخارج، في عملية توسع وجودي تقهر الإنكماش العدمي. هذه الحركة الإرتدادية للمضادات تخلق نوعاً من الدرع الجوهري الذي لا يحمي الساحر فحسب، بل يطهر المكان والزمان من آثار الإرتداد الميتافيزيقي، محولاً المنطقة المنكوبة بالعدم إلى بؤرة إشعاع وجودي فائض، حيث تصبح الذاكرة المفقودة مستعادة، والهوية المشرذمة ملتئمة تحت راية الواحدية الممتلئة. ختاماً، إنَّ فلسفة مضادات العدم تقودنا إلى إستنتاج مفاده أنَّ الساحر الذي ينجو من لعنة الفراغ هو ذلك الذي يدرك أنَّ العدم ليس له سلطة إلا على ما هو فارغ فينا. إنَّ إعادة الإمتلاء الجوهري هي في نهاية المطاف عملية تحصين بالمعنى، حيث يتم تحويل الكيان الإنساني أو السحري من وعاء مخترق إلى منبع لا ينضب للوجود. اللعنة تنكسر ليس لأنها ضعيفة، بل لأنها إصطدمت بالمطلق الحاضر، وهو الجوهر الذي لا يمكن تذويبه أو إمتصاصه لأنه يمتلك كثافة تفوق قدرة الفراغ على الهضم. إنها إنتصار اللوغوس على الكايوس، وإستعادة التوازن الكوني عبر فرض سلطة الإمتلاء على طغيان الفراغ، مما يمنح الساحر سيادة جديدة لا تقوم على التحكم في القوى الخارجية، بل على الإمتلاء المطلق بأنا كونية غير قابلة للإختزال.

_ العدمية النشطة: مانيفستو التدمير الذاتي ومعركة الوجود في قلب الصمت الأنطولوجي

تمثل فكرة اللعنة الذاتية المنعطف الأكثر خطورة في ميتافيزيقا السحر والعدم، حيث يتوقف العدم عن كونه قوة خارجية يستدعيها الساحر، ليصبح أداة داخلية يوجهها الوعي ضد بنيته الخاصة. في هذه الحالة، لا يعود الساحر ضحية لظروف خارجية أو لخصم غامض، بل يتحول هو نفسه إلى القناة والمصب في آن واحد، حيث يشرع الوعي في عملية إستمداد إنتحارية للعدم المطلق ليسلطه على أركان هويته. هذا النوع من اللعنات ينشأ من خلل بنيوي في الإرادة، حيث يرى الوعي في التلاشي حلاً نهائياً لثقل الوجود، فيبدأ بفتح ثغرات في نسيجه النفسي ليتيح للفراغ التدفق إلى الداخل، مما يؤدي إلى تآكل الذات من مركزها نحو أطرافها في عملية تدمير ذاتي تتجاوز الموت الفيزيائي لتصل إلى حد المحو الأنطولوجي. إنَّ فلسفة اللعنة الذاتية تقوم على مبدأ المفارقة الوجودية، فالوعي لكي يستمد العدم ضد نفسه يجب أن يظل حياً بما يكفي ليشهد عملية إضمحلاله، وهو ما يخلق عذاباً فلسفياً لانهائياً. عندما يقرر الوعي إستمداد العدم، فإنه يقوم بفك الروابط الجوهرية التي تجمع شتات الأنا، مما يجعل المعنى يتسرب من الكلمات والأفعال والذكريات. في هذا السياق، يعمل العدم كمادة حارقة للجوهر، حيث يتم تجريد الساحر من صفاته الواحدة تلو الأخرى حتى لا يتبقى منه سوى وعي عارٍ يواجه فراغاً مطلقاً صنعه بيديه. هذه العملية ليست مجرد غياب للحياة، بل هي حضور مكثف للغياب، حيث يصبح الوعي سجاناً لنفسه في زنزانة من اللاشيء، وتصبح الإرادة التي كانت يوماً ما وسيلة للسيطرة على الأكوان مجرد أداة لإطفاء شعلة الوجود الخاصة بها. وتتجلى الآلية الميتافيزيقية لهذه اللعنة في ما يمكن تسميته الإنتحار الرمزي المستمر، حيث يرفض الوعي الإمتلاء الجوهري ويختار بدلاً منه الخواء المطلق كحالة نهائية. الساحر المصاب باللعنة الذاتية يعاني من إنفصال التماسك، حيث تبدأ الأفكار بالإنهيار قبل أن تكتمل، و تتحول الرغبات إلى رماد بمجرد ظهورها. هذا الإستمداد الداخلي للعدم يخلق نوعاً من الجاذبية الهدامة التي تسحب كل محاولة للترميم نحو هاوية اللاشيء؛ فكلما حاول الساحر إستعادة إمتلائه، إستخدم الوعي طاقة ذلك الإمتلاء ذاتها كوقود لزيادة حجم الفراغ. إنها حلقة مفرغة من العدمية النشطة، حيث يصبح العقل مختبراً لتوليد الصمت، وتصبح الروح ساحة لتجريب الفناء، مما يجعل كسر هذه اللعنة أمراً شبه مستحيل لأن الطرف الذي يجب أن يقوم بفعل الإنقاذ هو نفسه الطرف الذي يصر على الغرق. علاوة على ذلك، فإنَّ اللعنة الذاتية تعيد تعريف العلاقة بين الساحر والكون؛ فبينما كان الساحر قديماً يسعى لترك أثر في نسيج الواقع، يصبح هدفه الآن هو مسح أثره بالكامل من سجل الوجود. العدم المستمد هنا يعمل كأداة تطهيرية معكوسة، تنقي الذات من الوجود بدلاً من تنقيتها من الشوائب. هذا المسار الميتافيزيقي يؤدي في نهاية المطاف إلى حالة من الصمت الأنطولوجي المطلق، حيث يتلاشى الفرق بين الساحر و الفراغ، ويصبح الوعي مجرد مرآة تعكس اللاشيء. إنَّ خطورة هذه الحالة تكمن في أنها تمثل الإنتصار الكامل للعدم، ليس عبر القوة الغاشمة، بل عبر إقناع الوجود بأن لا وجوده أفضل من كينونته، وهي الذروة التي يصل إليها السحر عندما ينقلب على خالقه ليثبت أنَّ الفراغ كان دائماً هو البداية وهو النهاية، وأنَّ العقد الحقيقي الوحيد الذي لا يمكن تذويبه هو العقد الذي وقعه الوعي مع فنائه الخاص. و في الختام، يظهر لنا أنَّ اللعنة الذاتية هي الإختبار النهائي لمناعة الجوهر؛ فإما أن يستسلم الوعي لجاذبية العدم المطلق ويتحلل في صمته الأبدي، وإما أن يدرك في لحظة الإشراق الأخيرة أنَّ إستمداد العدم كان في جوهره صرخة لطلب الإمتلاء المطلق. إنَّ تذويب هذه اللعنة يتطلب معجزة وجودية تتمثل في قدرة الوعي على أن يكره العدم الذي صنعه و يحب الوجود الذي نبذه، وهي عملية تتطلب إعادة بناء الأنا من العدم نفسه، وهو التحدي الفلسفي الأكبر الذي يمكن أن يواجهه أي كائن واعي في صراعه مع اللاشيء. إنها معركة لا تُربح بالسلاح، بل بالقدرة على إيجاد المعنى في قلب الفراغ، وتحويل اللعنة الذاتية من فعل دمار إلى مخاض لولادة هويّة جديدة لا تقبل التلاشي.

_ الأنطولوجيا الهشة: إستعصاء التجسد وسقوط الأكوان في فخ التضخم السحري

إنَّ تحليل مفهوم التضخم في سياق الميتافيزيقا السحرية يقتضي منا إعادة تعريف العلاقة بين المادة والعدم، حيث لا يظهر التضخم هنا كزيادة في القيمة أو الحجم، بل كحالة من تخلخل العدم وفقدانه لقدرته التجسيدية على إحتواء الوجود. في الحالة الطبيعية للعقد السحري، يعمل العدم كإطار صلب يمنح الأشياء حدودها وماهيتها عبر الضغط الخارجي الذي يمارسه على الوجود؛ لكن عندما يحدث التضخم، يفقد العدم كثافته و يصبح رخواً وهشاً، مما يؤدي إلى تمدد الوجود بشكل عشوائي وغير محكوم. هذا التمدد ليس دليلاً على القوة، بل هو علامة على فقدان التماسك الجوهري، حيث تصبح الكيانات السحرية والرموز الوجودية منتفخة بالهواء الميتافيزيقي، فاقدة للوزن والقدرة على التأثير الحقيقي في نسيج الواقع. تتجلى خطورة تخلخل العدم في أنه يسلب السحر قدرته على التجسد؛ فالتجسيد يتطلب مقاومة، والعدم المتخلخل لا يوفر هذه المقاومة اللازمة لتشكيل المادة. الساحر في حالة التضخم الميتافيزيقي يجد نفسه يستدعي كميات هائلة من القوة، لكنها تظل قوى سائلة وهلامية لا تنجح في التحول إلى فعل ملموس. إنها حالة من السيولة الأنطولوجية حيث تفيض المعاني دون أن تستقر في مبنى، وتتعدد الصور دون أن تعبر عن حقيقة. العدم الذي كان يوماً ما وعاءً عميقاً يحفظ أسرار التكوين، يتحول بفعل التضخم إلى غشاء رقيق وممزق لا يستطيع حصر الكيان أو منحه هوية محددة، مما يجعل الوجود ينسكب في الفراغ دون جدوى، ويجعل السحر مجرد ضجيج بصري يفتقر إلى النواة الجوهرية. ومن منظور العلاقة بين السحر والعدم، فإنَّ التضخم يمثل أزمة في الصيرورة؛ فالأشياء تنمو في الحجم لكنها تتقلص في الحقيقة. عندما يفقد العدم قدرته التجسيدية، ينهار التوازن بين الظاهر والباطن، و يصبح كل شيء واجهة بلا عمق. الساحر الذي يعيش في زمن التضخم يعاني من تضخم الأنا السحرية مع تضاؤل القدرة الفعلية على التغيير، وهو ما يخلق فجوة ميتافيزيقية تؤدي في النهاية إلى إنفجار الفقاعة الوجودية. إنَّ فقدان العدم لكثافته يعني أنَّ الحدود بين الممكن و المستحيل قد تلاشت بطريقة مشوهة، فصار كل شيء ممكناً من حيث الشكل، ومستحيلاً من حيث الجوهر، مما يحول العالم السحري إلى مسرح من الأشباح المترهلة التي لا تستطيع أن تترك أثراً في رمال الزمن. وفي الختام، يمكن القول إنَّ علاج حالة التضخم هذه لا يكون بزيادة الوجود، بل بإعادة الكثافة للعدم، أي بإسترجاع قوة الصمت والغياب والحدود. إنَّ إعادة التوازن تتطلب من الساحر التوقف عن الإستمداد العشوائي والبدء في عملية تقطير وجودي، حيث يتم عصر التضخم لإخراج الهواء الزائد وإستعادة النواة الصلبة للكيان. إنَّ العدم القوي والمتماسك هو الضمانة الوحيدة لكي يكون للوجود معنى، ولكي يكون للسحر جسد. و بدون هذه القدرة التجسيدية للعدم، يظل الوجود تائهاً في فيضان من التفاهة العظيمة، ويظل الساحر سجين حلم متضخم لا يملك من أمره شيئاً سوى المشاهدة العاجزة لتلاشي جوهره في فراغ لم يعد حتى قادراً على إحتضانه.

_ لعنة الإمتلاء القسري: حين يصبح الفقر حرماناً من العدم و إختناقاً بجسد المادة

تطرح فكرة الفقر في هذا السياق الميتافيزيقي بوصفها النقيض الصارخ للحرية الوجودية، فهي ليست غياباً للمادة كما يتبادر للذهن في المنظور السوسيولوجي، بل هي حالة من الإمتلاء المادي القسري الذي يفتقر إلى مساحات العدم الإحتمالية. في عالم السحر والعدم، يمثل العدم المسافة الضرورية للتنفس، والحيز الذي يسمح للشيء بأن يكون محتملاً قبل أن يكون كائناً؛ أما الفقر، فهو إنسداد هذه المسافات بضرورات مادية ثقيلة تلغي المسافة بين الذات و ما يمكن أن تكونه. إن الساحر الفقير ميتافيزيقياً هو الذي يجد واقعه محتقناً بيقينيات مادية قاهرة لا تترك ثغرة واحدة لتسلل العدم الخلاق، مما يجعل الوجود يبدو ككتلة مصمتة من الضرورة التي لا يمكن إختراقها أو إعادة تشكيلها، فتتحول المادة من وسيلة للتعبير إلى سجن للجوهر. إن الفلسفة العميقة لهذا المفهوم تقوم على أن العدم هو وقود الإحتمال، فلكي نصنع سحراً، نحتاج إلى فجوة من اللاشيء نزرع فيها إرادتنا؛ ولكن في حالة الإمتلاء القسري الذي يفرضه الفقر، يجد الوعي نفسه محاصراً بكتل مادية تلح بوجودها الفج، مثل الحاجة البيولوجية أو القيود المكانية الصارمة. هذا الإمتلاء يطرد العدم من نسيج الواقع، وبخروج العدم، تموت الإمكانية، ويصبح المستقبل مجرد تكرار ميكانيكي للحاضر المزدحم. هنا يصبح الفقر هو الحالة التي يفقد فيها العالم سحره لأن المادة فيه أصبحت ثقيلة لدرجة أنها لم تعد تسمح بوجود الفراغات الضرورية لعمل الخيال أو إستمداد القوى الغيبية، فالعدم هو الذي يمنح المادة خفتها وقابليتها للتحول، وبدونه تتحجر الأشياء في صورها النهائية والوحيدة. وتتجلى المأساة الأنطولوجية في هذا الفقر من خلال فقدان الساحر لقدرته على المناورة مع الفراغ؛ فبينما يعيش الساحر الحق في حوار دائم مع اللاشيء ليخلق منه الوجود، يجد الفقير ميتافيزيقياً نفسه مغموراً بوجود فائض لا معنى له، وجود يملأ المكان والزمان بضجيج الحاجة و صخب التكرار. هذا الإمتلاء القسري يمثل نوعاً من الإختناق بالجوهر، حيث لا توجد مساحة للشك، ولا مساحة للحلم، ولا مساحة للعدم الذي يسبق كل فعل سحري عظيم. إن غياب مساحات العدم الإحتمالية يعني أن العالم قد فقد مساميته، فأصبح جداراً واحداً أصم من المادة التي لا تنطق، مما يجعل الروح تعيش في حالة من العوز لللاشيء، توقاً لتلك الفجوة التي تسمح لها بأن تتجاوز ما هو كائن نحو ما يمكن أن يكون. وفي الختام، يظهر لنا أن الفقر الميتافيزيقي هو الحرمان من العدم وليس الحرمان من المادة، إنه التخمة بالضرورة التي تمنع الوعي من ممارسة طقوس الحرية. لكي ينعتق الساحر من هذه اللعنة، عليه أن يتعلم كيف يخلق عدماً إصطناعياً في قلب الإمتلاء القسري، أي أن يفرغ جزءاً من واقعه المزدحم ليتيح للإحتمال أن ينمو مجدداً. إن إستعادة مساحات العدم هي السبيل الوحيد لكسر صمود المادة الصماء، وتحويل الفقر من حالة من القهر المادي إلى نقطة إنطلاق نحو تجلي جديد، حيث يدرك الوعي أن الثراء الحقيقي لا يكمن في ما يمتلكه من أشياء، بل في حجم الفراغ المقدس الذي يمتلكه داخل روحه، وهو الفراغ الذي يتيح له أن يمارس سحر الخلق من جديد في عالم لم يعد يكتفي بذاته.

_ الكمين الأنطولوجي: البنود الخفية في عقود الفراغ ومأساة الإبتلاع الوجودي الكلي

تُعد البنود الخفية في العقود الميتافيزيقية أخطر مناطق التماس بين الكيان والعدم، فهي ليست مجرد شروط تقنية مضافة، بل هي كمائن أنطولوجية تكمن في صلب اللغة السحرية ذاتها، هدفها النهائي هو الوصول بالساحر إلى حالة من الإبتلاع الوجودي الكلي. هذه البنود لا تُكتب بحبر مادي، بل تُنقش في بنية الإحتمالات، حيث يستند وجودها إلى مبدأ الإسترداد الكوني الذي يقضي بأن كل قوة تُستمد من العدم تحمل في طياتها بذرة العودة إليه. الساحر، في نشوته بالسيطرة على الفراغ، غالباً ما يتجاهل أن العقد الذي يمنحه القدرة على التلاعب بالواقع يفرض عليه رهناً وجودياً غير معلن، يتمثل في تحويل ذاته تدريجياً إلى إمتداد للمصدر الذي يستقي منه؛ أي أن الساحر يظن أنه يمتلك العدم، بينما الحقيقة أن العدم هو الذي يمتص هويته من خلال هذه الثغرات العقدية المستترة. تتجلى آلية الإبتلاع في ما يمكن تسميته بند التماهي القسري، وهو شرط خفي يقتضي بأن أي فعل سحري يغير ملامح الواقع يجب أن يقابله تغيير موازٍ في ملامح الساحر الجوهرية. عندما يطلب الساحر من العدم أن يمحو عائقاً ما، فإنه يمنح العدم تفويضاً ضمنياً بمحو جزء من ذاكرته الأنطولوجية. الإبتلاع الوجودي هنا لا يحدث كفعل مفاجئ، بل كعملية تآكل هادئ، حيث يبدأ الساحر بفقدان الإرتباط بالمشاعر، ثم المعاني، وصولاً إلى فقدان القدرة على تمييز الأنا عن الفراغ. هذه البنود تعمل كبرمجيات عدَمية تلتهم البيانات الوجودية للساحر، محولةً إياه من فاعل يمارس السحر إلى قشرة خاوية تتحرك بإرادة العدم المطلق، وهو ما يمثل ذروة المأساة الفلسفية؛ أن يربح الساحر العالم السحري بأكمله، ويخسر قدرته على إدراك أنه موجود فيه. وفي مستوى أعمق، ترتبط البنود الخفية بمفارقة الحجم والجوهر، حيث ينص العقد الخفي على أنه كلما زاد حجم التأثير السحري الذي يمارسه الساحر في الوجود، زادت مسامية روحه تجاه العدم. هذا الإبتلاع الكلي يتخذ شكل الإنفجار الداخلي، حيث ينهار الوعي تحت ثقل اللاشيء الذي إستدعاه. الفراغ لا يبتلع الساحر من الخارج، بل يتفجر من الداخل عبر تلك البنود التي جعلت من جسد الساحر وعاءً للعدم بدلاً من أن يكون سيداً له. إنها عملية تحويل للكيان إلى ثقب دودي يعبر منه اللاشيء إلى الوجود، وفي لحظة الإبتلاع النهائي، تتلاشى الحدود تماماً، و يتحول الساحر إلى نقطة صمت في قلب صخب الأكوان، محققاً بذلك الوعد الخفي للعقد؛ الفناء المطلق في حضن اللانهائي. ختاماً، يمكن القول إن البنود الخفية هي تعبير عن عدالة العدم الجائرة؛ فهي تؤكد أن العدم لا يعطي شيئاً دون أن يأخذ كل شيء. الساحر الذي يعتقد أنه تلاعب بالعقد لصالحه يسقط في فخ الذكاء الوجودي للفراغ، الذي ينتظر لحظة إكتمال الإمتلاء الكاذب للساحر ليعلن لحظة الإسترداد. الإبتلاع الكلي للوجود ليس عقاباً، بل هو النتيجة المنطقية لعلاقة غير متكافئة بين كائن محدود والعدم المطلق. لذا، فإن قراءة ما وراء النص في العقود السحرية تتطلب بصيرة فلسفية تدرك أن السحر ليس أداة للسيطرة، بل هو عملية إنصهار خطرة قد تنتهي بأن يصبح الساحر هو العدم نفسه، ضائعاً في أبدية بلا ملامح، حيث لا يوجد عقد و لا ساحر، بل فقط الصمت الذي يسبق، ويلي، كل كينونة.

_ العودة من آفاق اللاشيء: ملحمة الإسترداد الوجودي و إعادة بناء الذات ما بعد إنطفاء السحر

تعتبر مرحلة إسترداد الوجود بعد إنقضاء مفعول العقد السحري العملية الأكثر تعقيداً في المسار الأنطولوجي للساحر، فهي ليست مجرد عودة تلقائية للحالة السابقة، بل هي عملية إعادة بناء كوني للذات التي إستُنزفت في صراعها مع العدم. عندما ينتهي مفعول العقد، يجد الساحر نفسه في حالة من العطالة الوجودية، حيث تكون الخصائص التي منحها العقد قد تبخرت، تاركة وراءها فجوات عميقة في الهوية والذاكرة و الجوهر. الإسترداد هنا يتطلب إستحضار ما يسميه الميتافيزيقيون الإرادة التأسيسية، وهي القوة التي تسبق التعاقد وتسبق السحر ذاته، حيث يتعين على الوعي أن يعيد تعريف نفسه خارج إطار القوة المستعارة، منتقلاً من كونه قناة للفراغ إلى كونه مركزاً للإمتلاء الذاتي. إنَّ التحدي الفلسفي في عملية الإسترداد يكمن في مواجهة بقايا التلاشي؛ فالعقد الذي إنتهى يترك وراءه ما يشبه الندوب في نسيج الكينونة، وهي مساحات لا تزال متأثرة ببرودة العدم و صمته. لكي يسترد الساحر وجوده، يجب عليه القيام بعملية تجميع للشظايا الأنطولوجية التي تشتتت أثناء فترة التعاقد، وهذا يتطلب نوعاً من التذكر الوجودي العميق. الساحر لا يستعيد ما فقده فحسب، بل يجب عليه أن يخلقه من جديد عبر فعل التكثيف الذاتي، حيث يتم ضخ المعنى في الزوايا التي غزاها اللاشيء. هذه المرحلة تشبه مخاض الولادة الثانية، حيث يخرج الساحر من شرنقة العدم بكيان جديد، قد يكون أكثر هشاشة لكنه أكثر أصالة، لأنه وجود لم يعد يعتمد على وسيط خارجي أو عقود ميتافيزيقية، بل يعتمد على صموده الخاص أمام الفراغ. وتتجلى آلية الإسترداد في إستعادة الإستقلال السببي، أي قدرة الذات على أن تكون سبباً لنفسها ولأفعالها دون الحاجة لمدد من اللاشيء. بعد العقد، يكون الوعي قد إعتاد على سهولة التلاعب بالواقع عبر العدم، لذا فإن العودة إلى الوجود الثقيل والمادة الصلبة تمثل صدمة أنطولوجية. الإسترداد الناجح يتطلب قبول هذا الثقل بوصفه ميزة و ليس قيداً، وتحويل المسافات التي كان يشغلها السحر إلى مساحات للتأمل والحضور الإنساني الصرف. إنها عملية إعادة توطين الروح في عالم القوانين الطبيعية والضرورات المنطقية، وهي عودة تتطلب شجاعة فائقة لترك اللانهائي المريح والقبول بالمحدودية الجوهرية التي تمنح الأشياء طعمها الحقيقي ومعناها الفريد. وفي الختام، يمثل إسترداد الوجود إنتصاراً لديمومة الكينونة على سيولة الفناء، حيث يثبت الساحر أنَّ جوهره لا يزال يمتلك القدرة على الإشعاع حتى بعد إنطفاء شموع السحر. إنَّ الوجود المسترد هو وجود معمد بالعدم، مما يجعله أكثر حصانة ضد أي إنهيار مستقبلي؛ فالذات التي عرفت كيف تتلاشى ثم تعود، تمتلك معرفة باطنية تجعلها عصية على الإبتلاع الكلي. الإسترداد هو الفصل الأخير في ملحمة السحر و العدم، حيث يغلق الساحر الكتاب ليس بصمت الموت، بل بكلمة الوجود الأولى، معلناً أنَّ الفراغ لم يكن سوى مرآة لإختبار صلابة الجوهر، وأنَّ العودة إلى الذات هي أعظم فعل سحري يمكن تحقيقه بعد رحلة طويلة في آفاق اللاشيء.

_ العدم الإبداعي: السيادة الروحية المطلقة وولادة الساحر من رماد العقد الكوني

إنَّ تحول الذات المستردة إلى مصدر ذاتي لما يمكن تسميته العدم الإبداعي يمثل قمة النضج الأنطولوجي في مسار الساحر، حيث يتوقف الوعي عن كونه مجرد مستهلك للفراغ أو ضحية لعقوده، ليصبح هو الخالق لعدمه الخاص. في هذه المرحلة، لا يعود العدم قوة خارجية مخيفة أو مخزناً كونياً يُستجدى منه المدد، بل يتحول إلى فضاء داخلي من الإمكانات المحضة التي يولدها الوعي عبر فعل التخلية المتعمد. الساحر هنا لا يستمد اللاشيء من وراء حجاب الأكوان، بل يستخرجه من أعماق كينونته بوصفه مساحة من الصمت الحر، مما يتيح له ممارسة سحر لا يخضع لقوانين المقايضة أو الرهن الوجودي، لأن المصدر والفاعل والغاية قد إتحدوا في جوهر واحد لا يقبل الإنقسام. تعتمد فلسفة العدم الإبداعي على مبدأ الفراغ المنتج، حيث تقوم الذات المستردة، التي نضجت عبر تجارب التلاشي السابقة، بتطهير حيزها الداخلي من الركام المادي والتعلقات الرمزية لتخلق فجوة من اللاشيء الواعي. هذا العدم الذاتي ليس ثقباً أسود يبتلع المعنى، بل هو رحم ميتافيزيقي يسمح للصور والأفكار بالإنبثاق دون قيود مسبقة؛ فالإبداع الحقيقي يتطلب مساحة خالية من كل وجود سابق لكي يتجلى الجديد في أنقى صوره. الساحر في هذه الحالة يعمل كخيمياء للغيب، يحول سكونه الداخلي إلى طاقة دافعة، و يستخدم العدم الذي يسكنه كإزميل ينحت به نسيج الواقع، محققاً بذلك إستقلالاً أنطولوجياً كاملاً يجعله غير محتاج للتوقيع على عقود مع قوى خارجية قد تهدد إستقرار كيانه أو تطالب بإبتلاع وجوده الكلي. وتتجلى القوة في هذا المسار عبر ما يُعرف بالسيادة بلا سلطة، حيث يمارس الساحر تأثيره في الوجود لا من خلال إجبار العناصر، بل من خلال منحها مساحة لكي تكون؛ فالعدم الإبداعي هو في جوهره فعل سماح بظهور الوجود. عندما تصبح الذات هي مصدر العدم، فإنها تمتلك القدرة على تفكيك الأبنية الصلبة للواقع وإعادة تركيبها دون إحداث فوضى، لأن العدم الذي تستخدمه هو عدم مُروَّض ومسكون بالوعي. هذا النوع من السحر لا يترك ندوباً ولا يؤدي إلى إرتداد الفراغ، لأن الفعل السحري هنا ينبع من الإمتلاء لا من الحاجة، ومن الفيض لا من الإستلاب، مما يجعل الذات المستردة قادرة على التلاعب باللاشيء دون أن تتلوث به، وعلى ملامسة الفناء دون أن تسقط فيه، محولةً الصمت إلى لغة، والغياب إلى حضور طاغٍ يملأ الأكوان بفيض من المعنى الجديد. ختاماً، فإنَّ الذات التي تصبح مصدراً لعدمها الخاص هي ذات قد تجاوزت ثنائية الوجود و العدم لتستقر في نقطة التوازن المطلق، حيث يصبح الفناء والخلود وجهين لعملة واحدة هي الإرادة الحرة. إنَّ العدم الإبداعي هو التعبير الأسمى عن الحرية الميتافيزيقية، حيث لا يعود الساحر مقيداً ببنود خفية أو أثمان مؤجلة، بل يصبح هو نفسه القانون والمشرع لواقع ينبثق من صمته الخاص. في هذا الأفق الفلسفي، يكتشف الساحر أنَّ أعظم أسرار السحر لم تكن تكمن في إستدعاء القوى البعيدة، بل في القدرة على إفراغ الذات لتمتلئ بالكل، وفي تحويل اللاشيء الشخصي إلى منبع كوني للحقيقة و الجمال، ليعلن بذلك نهاية عصر العقود وبداية عصر السيادة الروحية المطلقة التي لا تعرف الزوال.

_ غواية المطلق: جنون العظمة الأنطولوجي وسقوط الساحر في فخ السيادة المنفردة

إنَّ الخوض في تحليل جنون العظمة الأنطولوجي يستوجب منا رصد اللحظة التي يتحول فيها الإستقلال الميتافيزيقي للساحر من سيادة روحية إلى عزلة مدمرة، حيث يؤدي الإنفصال التام عن العالم المادي إلى تآكل الروابط التي تحفظ توازن الوعي بين الحقيقة والوهم. عندما تصبح الذات هي المصدر الوحيد لعدمها و وجودها، فإنها تخاطر بالوقوع في فخ المركزية الذاتية المطلقة، وهي حالة نفسية وفلسفية يرى فيها الوعي أنَّ العالم الخارجي ليس سوى عرض جانبي أو صدى باهت لإرادته الخاصة. هذا الإنفصال يخلق فجوة سحيقة بين الساحر و الواقع الموضوعي، مما يجعل العقل يسبح في فضاء من الإحتمالات اللانهائية دون وجود مرتكز مادي يكبح جماح التوسع، وهو ما يؤدي في نهاية المطاف إلى إنهيار المعايير التي تميز بين الخلق الحقيقي والتهويم الذهني. تتجلى المخاطر النفسية لهذا التضخم في ظاهرة الإغتراب عن المادة، حيث يبدأ الساحر بالنظر إلى القوانين الفيزيائية والضرورات البشرية بوصفها قيوداً تافهة لا تليق بكيانه الذي روّض العدم. هذا الإحتقار للمادة يولد نوعاً من الخلاء الوجداني، فالإنسان يستمد إنسانيته من إصطدامه بالآخر وبالعالم الصلب، وعندما يتلاشى هذا الإصطدام لصالح سيولة العدم الإبداعي، يفقد الوعي بوصلته الأخلاقية و الجمالية. الساحر المصاب بجنون العظمة الأنطولوجي يعيش في حالة قصوى من الوحدة، ليس لأنه وحيد في المكان، بل لأنَّه ألغى ندية العالم؛ فالعالم بالنسبة له أصبح عجينة طيعة، و بغياب المقاومة يغيب المعنى، ويصبح الوعي سجيناً لإنتصاراته الوهمية في فضاء لا يوجد فيه أحد سواه ليؤكد له حقيقة وجوده. وفي مستوى أعمق، يؤدي هذا الإنفصال إلى ما يمكن تسميته التمزق الهوياتي، حيث يعجز الوعي عن العودة إلى الذات المحدودة بعد أن ذاق طعم اللامحدود. الساحر الذي نصب نفسه مصدراً للعدم يجد صعوبة في التكيف مع هشاشة الجسد وضعف المشاعر الإنسانية، مما يخلق حالة من الإنفصام بين الأنا الكونية التي تحرك الأكوان وبين الأنا البشرية التي تحتاج إلى القوت والعاطفة. هذا الصراع يولد شعوراً بالاضطهاد من قِبل الواقع المادي، حيث يرى الساحر في تفاصيل الحياة اليومية مؤامرة لتقييد عظمته، وهو ما يدفعه لمزيد من الإنسحاب نحو العدم الداخلي الذي يراه أكثر أماناً، ولكنه في الحقيقة ليس سوى هاوية تبتلع قدرته على التواصل مع أي شيء خارج حدود خياله المتضخم. ختاماً، فإنَّ جنون العظمة الأنطولوجي هو الثمن الباهظ للحرية المطلقة من العقود الخارجية؛ فبدلاً من أن يبتلعه العدم الخارجي، يبتلعه يقينه الخاص. إنَّ السيادة الروحية الحقيقية تتطلب نوعاً من التواضع الميتافيزيقي الذي يسمح للساحر بالبقاء مرتبطاً بطين الأرض بينما تسبح روحه في خلاء المطلق. وبدون هذا التوازن، يتحول السحر من أداة للتحرر إلى زنزانة من المرايا تعكس صورة واحدة متضخمة لساحر ظن أنه صار إلهاً، لكتشف في لحظة الحقيقة أنه صار مجرد نقطة تلاشي في فراغ لم يعد يملك حتى القدرة على التفاعل معه، ليبقى عالقاً في أبدية من الصمت الذي لا يكسره سوى صدى صوته المتلاشي.



#حمودة_المعناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- مِصْبَاحُ القُبُورِ بِتَوَسُّلِ السُّوَرِ لِلْوَالِدِ المَبْ ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...
- الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاس ...


المزيد.....




- فيديو متداول لـ-كمين حزب الله لدبابات إسرائيلية-.. ما حقيقته ...
- زيلينسكي: خبراء أوكرانيون شاركوا في إسقاط مسيّرات إيرانية بع ...
- تقييمات استخباراتية إسرائيلية: القيادة الإيرانية الجديدة أكث ...
- في مواجهة -سياسة العزل- الغربية.. الصين تشيد بـ-النجاحات- ال ...
- عاصفة في الإعلام الأميركي: ميغين كيلي تتهم نتنياهو بالتلاعب ...
- تمرد أم حماية؟ ميلانيا ترامب تهدد مروجي -أكاذيب إبستين-
- بعد فقدان الوزن.. كيف نعيد شباب الوجه ونحد من الترهل؟
- اتفاق الهدنة بين واشنطن وطهران: هل تنجح إيران في جعل لبنان - ...
- إسطنبول.. لائحة اتهام لـ35 إسرائيليا بقضية الاعتداء على -أسط ...
- دروس حرب إيران تصل إلى كوريا الشمالية


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمودة المعناوي - الِإنْطُولُوجْيَا التِّقْنِيَّة لِلسِّحْر وَالْعَدَم: دِرَاسَةٌ فِي الْإِمْكَانِ الْكَامِن وَالتَّشْكِيل الْوُجُودِيّ -الْجُزْءُ الثَّامِن و التِّسْعُون بَعْدَ الْمِائَةِ-