أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هند محسن حلمي - حين يصبح الصمت اعترافًا… والأنا حارسًا يمنع الحقيقة من الظهور














المزيد.....

حين يصبح الصمت اعترافًا… والأنا حارسًا يمنع الحقيقة من الظهور


هند محسن حلمي

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 13:22
المحور: الادب والفن
    


الأنا حين تصير آخرًا: تمزّقات الهوية في ديوان حكايا الجسد
«استفتِ قلبك
علَّه أن يُفتيك»
(الديوان، ص 72)
بهذه الجملة التي تبدو للوهلة الأولى أقرب إلى حكمةٍ وجدانية، يفتتح الديوان أفقه على سؤالٍ وجوديّ عميق، يتجاوز حدود النص ليصيب جوهر الإنسان نفسه:
من الذي يملك حق الحكم داخلنا؟
ومن الذي يتكلم حين نظن أننا نتكلم؟
إن إحالة الفتوى إلى “القلب” بدلًا من “العقل” ليست مجرد انحياز عاطفي، بل هي خلخلة مبكرة لمفهوم اليقين. فالقلب، بخلاف العقل، لا يُصدر أحكامًا نهائية، بل يختبر، يتردد، يتألم، ويُعيد النظر. وهنا تحديدًا، تبدأ الذات في التحول من كيانٍ ثابت إلى كيانٍ متحوّل، من هويةٍ جاهزة إلى هويةٍ تُصاغ عبر التجربة.
بهذا المعنى، يمكن قراءة الديوان بوصفه رحلة تفكيك لا بناء، رحلة هدم للأنا الصلبة، تمهيدًا لإعادة تشكيلها عبر علاقتها بالآخر، لا عبر انعزالها عنه. إنها كتابة لا تثق في الاكتمال، بل تنحاز إلى النقص بوصفه الحقيقة الوحيدة الممكنة.
الأنا: سلطةٌ تتآكل من الداخل
في “حكايا الجسد”، لا تظهر الأنا بوصفها مركزًا متماسكًا، بل ككيانٍ مأزوم، يتصدّع كلما حاول أن يبدو قويًا.
يقول الشاعر:
«أجالس نفسي
أفتح باب الحديث
يُغلقه الأنا»
(الديوان، ص 92)
هذا المشهد البسيط ظاهريًا، يكشف عن مأساة داخلية مركّبة:
الذات تريد أن تتكلم… لكن الأنا تمنعها.
الاعتراف يوشك أن يولد… لكن هناك من يخنقه.
هنا، لا يكون الصمت اختيارًا، بل نتيجة قمعٍ داخلي.
الأنا لا تقوم بوظيفتها المفترضة كحامية، بل تتحول إلى سلطة رقابية، تُغلق كل باب قد يؤدي إلى كشفٍ حقيقي.
وهذا ما يجعلنا نقترب من تصور جاك لاكان حول “وهم الأنا”، حيث تبدو الأنا ككيانٍ متماسك، بينما هي في الحقيقة بنية هشّة، تخشى التفكك، فتُمارس القمع بدل المواجهة.
الأنا في هذا الديوان ليست صوت الذات…
بل الحاجز بينها وبين نفسها.
حين يتحول الآخر إلى مرآةٍ مشروخة
لا يتعامل الديوان مع “الآخر” بوصفه كيانًا خارجيًا منفصلًا، بل يكشف عن حضوره العميق داخل الذات نفسها.
إنه ليس “شخصًا آخر”… بل بعدٌ آخر من الأنا.
في هذا السياق، تتجلى رؤية إيمانويل ليفيناس، الذي يرى أن الآخر ليس موضوعًا للمعرفة، بل شرطًا لها. فالذات لا تُدرك نفسها إلا حين تصطدم بما ليس هي.
لكن “حكايا الجسد” يذهب أبعد من ذلك:
الاصطدام هنا لا يحدث في الخارج… بل في الداخل.
في قصائد مثل “دوائر” و“هل نلتقي”، لا يكون اللقاء ممكنًا، ليس لأن الآخر بعيد، بل لأن الذات نفسها لم تكتمل بعد.
فاللقاء الحقيقي لا يتعطل بسبب المسافة… بل بسبب الانقسام.
الآخر هنا ليس تهديدًا…
بل كشفًا.
ليس نقيضًا…
بل انعكاسًا مشوّهًا لما نحاول إخفاءه.
إنه مرآة، لكنها لا تعكس صورتنا كما نريد… بل كما نحن.
الجسد: حين يكتب الصمت لغته الخاصة
إذا كانت الأنا تمنع، واللغة تعجز، فإن الجسد يتدخل بوصفه المساحة الأخيرة للبوح.
في هذا الديوان، لا يكون الجسد مجرد وعاء للروح، بل نصًا موازٍ للنص، بل أحيانًا النص الحقيقي.
الجسد هنا:
ما ينطق حين تصمت الكلمات
ما يبوح حين تُغلق الأنا باب الحديث
ما يسجّل الألم حين تفشل اللغة في وصفه
وهذا التصور يتقاطع مع رؤية ميشيل فوكو، الذي يرى في الجسد ساحة تتقاطع فيها السلطة والمعرفة. لكن الديوان يمنح الجسد بعدًا أكثر حميمية:
ليس فقط مساحة للسلطة… بل مساحة للمقاومة.
الجسد لا يخضع… بل يفضح.
لا يصمت… بل يتكلم بطريقة مختلفة.
إنه الأرشيف الذي لا يمكن تزويره.
الذاكرة التي لا تُكتب بالحبر… بل بالأثر.
“أنا الآخر”: لحظة الانكشاف الكبرى
من أكثر لحظات الديوان كثافة وصدقًا، تلك التي تعترف فيها الذات بانقسامها:
«ومن ألف عام… أنا الآخر»
هذه العبارة ليست مجرد انزياح شعري، بل لحظة وعي حاد، تدرك فيها الذات أنها لم تكن يومًا واحدة.
أن ما كانت تظنه “أنا”… لم يكن سوى جزء.
هذا الاعتراف، رغم قسوته، يحمل في طيّاته خلاصًا ما.
لأن إدراك الانقسام… هو بداية الوعي.
وهنا تتقاطع الرؤية مع طرح بول ريكور، الذي يرى أن الهوية لا تُبنى إلا عبر الآخر، وأن الذات لا تُدرك نفسها إلا من خلال الاختلاف.
الآخر هنا لم يعد تهديدًا…
بل ضرورة.
لم يعد خصمًا…
بل طريقًا للفهم.
الشكل بوصفه امتدادًا للأزمة
لا تتجلى هذه التمزقات فقط في المعنى، بل تنعكس بوضوح في البنية الأسلوبية للنص:
التكثيف اللغوي: ليس جمالًا بل ضغطًا، كأن الكلمات تُنتزع انتزاعًا
البياضات النصية: ليست فراغًا، بل صمتًا مشحونًا بما لم يُقل
الأسئلة المفتوحة: ليست بحثًا عن إجابة، بل اعترافًا بعدم وجودها
وهذا ما يتقاطع مع رؤية صلاح فضل، الذي يرى أن الشكل في الشعر الحديث لم يعد مجرد وعاء، بل شريكًا في إنتاج المعنى.
في “حكايا الجسد”، لا يُقال المعنى فقط…
بل يُبنى عبر الصمت، والفراغ، والانقطاع.
الخاتمة: حين يصبح الانقسام شكلًا من أشكال الحقيقة
في النهاية، لا يقدّم هذا الديوان إجابات بقدر ما يوسّع مساحة الأسئلة.
إنه لا يسعى إلى ترميم الذات… بل إلى كشف شروخها.
هنا:
الأنا ليست مركزًا… بل أزمة
الآخر ليس خطرًا… بل ضرورة
الجسد ليس حضورًا ماديًا… بل لغة بديلة
إن “حكايا الجسد” ليس ديوانًا عن الهوية…
بل عن فقدانها.
ليس عن الاكتمال…
بل عن الاستحالة.
إنه نصّ يجرؤ على الاعتراف بأن الإنسان ليس كيانًا واحدًا، بل تعددية خفية، صراع دائم، وحوار لا ينتهي بين أصواتٍ لا تتفق.
وفي هذا الاعتراف تحديدًا…
يولد الوعي.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هند محسن حلمي - حين يصبح الصمت اعترافًا… والأنا حارسًا يمنع الحقيقة من الظهور