حسن أيت عوماز
الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 00:14
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
لم يكون ظهور مفهوم التنمية مجرد صدفة عابرة، بل تشكل كضرورة تاريخية افرزتها التحولات التي شهدها النظام العالمي ما بعد الحرب العالمية الثانية. في هذا السياق ظهرت مؤسسات مالية دولية وعلى رأسها البنك الدولي كفاعل محوري وجهاز ناظم للسياسات التنموية عبر العالم منذ تأسيسه كمؤسسة مساهمة في تنمية الدول التي خربتها الحرب. متبنيا مقاربة اقتصادية لتشخيص وضعية الدول المستفيدة من تدخلات البنك الدولي، وتقديم نموذج تنموي مبني على مؤشرات تختزل التنمية في النمو الاقتصادي وإعادة الاعمار ورفع معدلات الناتج الداخلي.
هذه النظرة الاقتصادية للتنمية التي تبناه البنك الدولي لم تأتي من فراغ، بل هي نتيجة موضوعية لطبيعة وللخلفية المعرفة له، من خلال هيمنة الخبراء الاقتصادين وسيطرتهم على مراكز الأبحاث داخل البنك وكذا المراكز التابعة له على الصعيد المحلي، جعل النماذج التنموية للبنك تنظر الى التنمية من زاوية اقتصادية تركز على النمو الاقتصادي دون استحضار الابعاد الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المعنية بالتدخل. الامر الذي كشف عن فجوة تنموية حادة في هذه المجتمعات، فبينما كانت الأرقام تشير الى انتعاش في معدلات النمو الاقتصادي، كان الواقع الاجتماعي للدول المستهدفة يعكس تفاقما في حدة الفوارق الاجتماعية واتساع رقعة الفقر والتهميش.
امام هذا الوضع وما رفقه من انتقادات اكاديمية لا سواء من طرف من يشتغلون داخل هذه المؤسسة او من خارجها وتحت ضغط الإخفاقات التنموية نتيجة تبني النمذجة الاقتصادية في المشارع التنموية، اتجه البنك الدولي الى ادماج المسألة الاجتماعية كبعد أساسي في معادلة التنمية، من خلال فتح المجال لخبراء من مختلف العلوم الاجتماعية الغير الاقتصادية. الامر الذي يطرح تساؤلات حول أسباب وطبيعة هذا التحول، هل يمثل انتقالا نحو تبني البنك الدولي لمقاربة تنموية شاملة لمختلف الابعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية ؟، ام ان تبني المسألة الاجتماعية من طرف البنك مجرد شعار يرفعه لضمان استمرارية النموذج الاقتصادي العالمي؟
##سياق حضور المسألةُ الاجتماعية لدى البنك الدولي.
إن عبارة البنك الدولي غير دقيقة. إذ ان المؤسسة تسمى رسميا مجموعة البنك الدولي وتشمل: البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية والجمعية الدولية للتنمية، الشركة المالية الدولية، الوكالة المتعددة الأطراف لضمان الاستثمار، والمركز الدولي لإدارة النزعات المتعلقة بالاستثمارات، وفي نشراتها الرسمية تستعمل المجموعة عبارة البنك الدولي للدلالة على: البنك الدولي لإعادة الإعمار والتنمية والجمعية الدولية للتنمية. تتجلى مهمتها من خلال تقديم وإنجاز تقارير والبرامج التدخلية لفائدة الدول الفقيرة، هذه البرامج تحمل خلفية معرفية وفلسفية تستمدها من التوجه المعرفي الاديولوجي للبنك، هذا التوجه الذي كان تحت سيطرة المقاربة الاقتصادية الكمية، وكان النموذج التنموي يهدف إلى تقديم مساعدة مالية للدول الأعضاء لتحقيق تنمية اقتصادية تتمثل في الزيادة في الناتج الداخلي العام ونصيب الفرد منه او النمو الاقتصادي السريع المعبر عن نفخة اقتصادية، واستمر هذا الوضع إلى حدود الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، سيعمل البنك على إدماج مقاربة جديدة إلى جانب المقاربة الاقتصادية لإنجاز وتقديم نموذج تنموي جديد يأخذ مختلف ابعاد الحياة الإنسانية بعين الاعتبار. وقد تزامنا هذا الأمر مع إعلان الحق في التنمية بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة للتنمية 4 ديسمبر 1986 وينص على أن التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف، وبموجبه يحق لكل إنسان ولجميع الشعوب المشاركة والإسهام في تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، فكرية سياسية والتمتع بها، وعلى أن الإنسان هو الموضوع الرئيسي في أي نموذج تنموي. وقد صاحب هذا الإعلان اهتمام مختلف العلماء والمفكرين من مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية سواء داخل المؤسسات التي تقدم نفسها كراعي للتنمية على المستوى المحلي أو العالمي او خارجها، ليتم النظر إلى التنمية من زوايا متعددة ولم تعد تختزل فيما هو اقتصادي، هذا الاعلان يمكن اعتباره بمثابة دعوة إلى تجاوز الطرح الاقتصادي الذي كان طرحا ميتافيزيقيا على حد وصف عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران. هذا الطرح الاقتصادي في يتناوله لمجموعة من المشاكل الاجتماعية باعتماد مؤشرات إحصائية وكمية، على سيبل المثل الفقر الذي يربطه البنك بالدخل والاستهلاك ويعني حسب تعريف البنك الدولي سنة 1990 عدم القدرة على بلوغ الحد الادنى للمعيشة، فبالرغم من ان الاستهلالك والدخل من المؤشرات المهمة في تحديد الفقراء الا ان هذا التحديد لا يخلو من المشاكل، حيث ظلت قصيرة في رصد الابعاد الانسانية، والنفسية، والثقافية والاجتماعية للظاهرة، بما انها اختزلت الفقر في الحرمان المادي فقط. في حين يمكن النظر إلى الفقر كظاهرة بنيوية متعددة الأبعاد والأسباب شأنه شأن باقي المشكلات الاجتماعية التي كانت تعيش على إيقاعها الدول المستفيدة من تمويلات والبرامج التنموية للبنك. فقد ظهرت دراسات ومقاربات لم تعد تأخذ البعد الاقتصادي في تحليل المشاكل الاجتماعية كبعد أساسي، بل أصبحت تمزج بين ما هو اقتصادي واجتماعي، ثقافي، هنا نستحضر إسهامات المفكر الهندي الأصل امرتيا صن الذي قدم فهم جديد للتنمية وكذلك مسألة الفقر من خلال مجموعة من الإنجازات العلمية على رأسها كتاب له بعنوان التنمية حرية. كما أنه مخترع مؤشر التنمية البشرية الذي اعتمدته برامج الأمم المتحدة للتنمية البشرية.
فأمرتيا صن يتحدث عن الفقر كحرمان من القدرة والحرية، بدل ربطه بالدخل المباشر فقط، بل بربطه أيضا بالمعطيات المختلفة التي تحول دون توليد القدرات لدى الأفراد لتحسين ظروف عيشهم ويعطي نموذجا على ذلك بالبطالة التي هي أداة لمنع سبل توليد هذه القدرات، فالحرمان النسبي من حيث الدخل يمكن ان يفضي الى الحرمان من حيث القدرات. كما يمكننا استحضار تقديم أمارتيا صن لفهم جديد للتنمية، ينبني هذا الفهم على توسيع قاعدة الحريات والقدرات الموضوعية للناس متجاوزا بذلك النظريات التقليدية، التي تختزل التنمية في محددات اقتصادية، كما هو الأمر لدى البنك الدولي الذي يرى أن التنمية عبارة عن نمو اقتصادي للدول، وعلى هذا الأساس يقدم تمويلات وبرامج تدخلية لفائدة الدول الأعضاء تجعل النمو الاقتصادي غياتها النهائية. هذا الفهم الجديد الذي يقدمه صن لا يأخذ النمو الاقتصادي كغاية في ذاته والحلقة الاساسية للتنمية، بل يجعل من هذه الاخيرة شاملة لمختلف جوانب الحياة الانسانية وتقوم على مؤشرات مرتبطة بالقدرة والفعالية ونوعية الحياة التي ينبغي ان نعيشها. ان ربط امرتيا صن التنمية بالحرية والقدرة، ساهم في تجديد الخطاب الليبرالي في مجال اقتصاد التنمية، لان النتائج الغير المرضية لسياسيات التقويم الهيكلي التي قدمها البنك الدولي لمجموعة من البلدان ضمن ما يعرف بالعالم الثالث بداية سنوات الثمانينات من القرن الماضي. الأمر الذي جعل البنك ينفتح على المقاربة الانثروبولوحيا والسوسيولوجيا لما يراه من فائدة منها لإبراز دور الأبعاد الثقافية والاجتماعية في مسارات التنمية. وتتجلى أهمية حضور الخلفية السوسيولوجيا داخل البنك الدولي، في إعطاء الأهمية للإنسان والمجتمع، وتقديم نموذج تنموي جديد يجمع بين الأبعاد الإجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتراهن على فهم طبيعة السياقات والشبكات الإجتماعية ورهانات الأفراد وتطلعاتهم قبل الشروع في اي برمجة للمشاريع وتنفيذها.
##نقد اهتمام البنك الدولي بالمسألة الاجتماعية.
وبالرغم من تأكيد البنك الدولي على ضرورة أخذ المسألةُ الإجتماعية بعين الاعتبار وحضورها ضمن نموذجه التنموي الجديد، إلا أن هناك انتقادات ترى ان هذا الحضور ليس إلا تسويق اعلامي يعزز من تدخلات البنك التنموية التي تخدم المصالح الاقتصادية للبنك، وضمان إستمرار هيمنة الإقتصاد العالمي
وبالعودة إلى مسألة الفقر لا بد من إستحضار أن البنك الدولي قد خصص نسبة قليلة من خبراءه لهذه المسألة تمثلت في 7٪ وهي أدنى نسبة، مقارنة بالنسبة المخصصة للوحدات التي تعنى بتنمية رأس المال والاقتصاد والتجارة، بالرغم ان بعض الباحثين فإن البنك يهدف إلى وضع استراتيجيات لمكافحة الفقر على أساس تمكين الفقراء. هذا التناقض تعززه وجهات نظر نقدية وجهة لبنك الدولي التي ترى ان اهتمامه بالفقر وجل المشاكل الإجتماعية مجرد بروباغندا يخفي من ورائها فلسفة رأسمالية متوحشة.
في هذا الصدد يرى جوزيف ستيغليز الذي شغل منصب نائب رئيس البنك أن السياسات التي يتبناه البنك، ليست إلا انتصارا للجشع، مؤكدا ان المسألةُ الإجتماعية لا تتجاوز مستوى التنظير ووضع الخطط، بينما يكشف الواقع عن استفحال الفقر لدى شعوب البلدان المدنية للدول القوية المساهمة في البنك الدولي. نفس الأمر بالنسبة للإقتصادي المغربي نجيب اقصبي الذي يرفض كل الاطروحات التي ترى حضور المسألة الإجتماعية في سياسات البنك، إذ يعتبر أن التوجه الإديولوجي للبنك يشتغل لصالح السوق والرأسمال والقطاع الخاص، على حساب الخدمة العمومية والطبقات الفقيرة وكل ما هو اجتماعي. كما يرى منطق البنك لتقدم الدول هو أن تفسح المجال للأغنياء كي يغتنوا أكثر وان تمكن الثروة من أن تزداد، مما سيرفع من وثيرة الاستثمار وخلق مناصب شغل وارتفاع الدخل، وبالتالي تحقيق الازدهار، الذي يمكن عبره القضاء على الفقر. وهذا المنطق مجرد أسطورة. رغم ان البرامج ذات البعد الاجتماعي خصوصا الفقر الذي أضحى هدف البنك هو محاربته، من خلال خطب رؤسائه الكثرة، إلا أن الفقر في تزايد حسب العديد من الاقتصادين.
##خاتمة: المسألة الاجتماعية ضمن خطابات البنك واستمرار النزعة الاقتصادية في ارض الواقع.
لا يمكن إنكار أنّ خطابات البنك الدولي قد شهدت، في السنوات الأخيرة، تحوّلات لافتة نحو إدراج قضايا ذات أبعاد اجتماعية، إلّا أن الانتقادات المرتبطة بالآثار الضارة لسياساته التنموية ما تزال، مع ذلك، مرتفعة. فبينما تطورت البرامج التنموية، لتبدو أكثر استجابةً للواقع الاجتماعي، ظلت الغايات الاقتصادية للبنك دون تغيير يُذكر، ومتماسكة في طابعها النيوليبرالي. حيث أنّ هذا التحول من هيمنة المقاربة الاقتصادية إلا دمج المقاربة السوسيو_أنثروبولوحبا، لم يواكبه تحوّل جوهري في السياسات. فمع أنّ بعض التدابير جرى تعديلها، إلّا أنّ هذه التغييرات لا تمثّل خروجاً عن الإطار النيوليبرالي الأوسع، الذي لا يزال يُعطي الأولوية لتحقيق لاستقرار الاقتصادي الكلّي. وضمن هذا الإطار، لا تزال السياسات الاجتماعية تُستخدم إلى حدٍّ كبير بوصفها آلية تعويضية، لا كنهجًا شاملاً قائمًا على حق الإنسان في التنمية وجوهرها الأساسي. وبما أن الإطارين المالي والاقتصادي الكلي يظلّان، في مجملهما، ثابتين دون تغييرٍ يُذكر، يبرز السؤال التالي: لماذا يتغير. أنّ اعتماد نماذج أكثر انفتاحًا على السياسات ذات التوجه الإجتماعي ظلت الافتراضات الاقتصادية الأساسية على حالها
لائحة المراجع
. نورالدين لشكر، البنك الدولي: التنمية بين الخبرة والسيادة، قراءةِ في بعض مسارات التدخل بالبلدان النامية: حالة المغرب.
امرتيا صن، التنمية حرية: مؤسسات حرة وإنسان متحرر من الجهل والمرض والفقر.
محاضرات الأستاذ عبد المالك ورد : سوسيولوجيا الفقر والهشاشة.
#حسن_أيت_عوماز (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟