أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد فَنامي - اللغة العربية من منظور اللسانيات دراسة تحليلية وصفية















المزيد.....



اللغة العربية من منظور اللسانيات دراسة تحليلية وصفية


محمد فَنامي

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 18:11
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ملخص المقالة باللغة العربية:
تناولت هذه الدراسة المقالة، التي جاءت تحت عنوان " اللغة العربية من منظور اللسانيات: دراسة تحليلية وصفية"، ظاهرة النمو اللغوي، مع التركيز على ثلاث آليات رئيسية تشمل: التوليد، والتصحيف، والانقراض. وقد سعت الدراسة إلى إبراز أثر هذه الآليات في تطور الألفاظ، وتغير التراكيب النحوية، وتنوع أساليب التعبير في هذه اللغة. وقد اعتمد الباحث في هذه الدراسة على منهجية التحليل والوصف، مع مراعاة أسس علم اللغة الحديث، لما يوفره هذا العلم من فهم دقيق وموضوعي لتجدد المفردات اللغوية وتنوع الأساليب وتوسعها، إضافة إلى دراسة تفاعل اللغة مع المجتمع والثقافة، ومواكبة مستجدات التمدن والمعرفة العلمية المعاصرة. وأسهمت الدراسة في تمكين الباحث من استيعاب حركة اللغة الداخلية والخارجية، وكشف المؤثرات التاريخية والثقافية، وفهم الآليات التي تقود التغيير اللغوي ضمن اللغة نفسها، بالإضافة إلى تحديد التأثيرات الخارجية عليها.

الكلمات المفتاحية: النمو اللغوي – آليات – العربية – اللسانيات.
Résumé en français:
Cet essai, intitulé « Mécanismes de croissance de la langue arabe d un point de vue linguistique : une étude analytique et de-script-ive », examine le phénomène de croissance linguistique en se concentrant sur sept mécanismes principaux : l analogie, la dérivation, l’acronymie, l emprunt, le néologisme, la déformation lexicale et l extinction des lexies ou la désuétude. L étude vise à mettre en lumière l impact de ces mécanismes sur l évolution du vocabulaire, les changements des structures grammaticales et la diversification des styles d expression en arabe. Le chercheur emploie une méthodologie analytique et de-script-ive, conforme aux principes de la linguistique moderne. Cette discipline offre une compréhension précise et objective du renouvellement du vocabulaire, de la diversification et de l expansion des styles, de l interaction de la langue avec la société et la culture, et de son adaptation aux développements de la civilisation moderne et des connaissances scientifiques. L étude permet au chercheur de comprendre les dynamiques internes et externes de la langue, de mettre au jour les influences historiques et culturelles, de comprendre les mécanismes qui sous-tendent le changement linguistique au sein même de la langue et d identifier les influences externes qui s exercent sur elle.
Mots clés: Développement du langage – mécanismes – arabe – linguistique.



المقالة مشتملة على مبحثين قبلهما مقدمة وتليهما خاتمة ثم بعدها أهم النتائج.

مقدمة
تُعدّ اللغة العربية من أقدم اللغات الحيّة وأكثرها ثراءً على المستويين البنيوي والدلالي، وقد شهدت عبر تاريخها الطويل مسارا متجددا من التطور والتكيف مع حاجات الناطقين بها وتحديات العصر. ويُعزى هذا النمو إلى جملة من الآليات اللغوية التي أسهمت في إثراء معجمها وتوسيع طاقتها التعبيرية، بما يضمن لها القدرة على استيعاب المفاهيم المستحدثة ومواكبة التحولات الثقافية والمعرفية. وفي هذا الإطار، تتناول هذه الدراسة التحليلية الوصفية ثلاث آليات رئيسية هي: الانقراض، والتصحيف، والتوليد، مبرزةً دور كل منها في تشكيل البنية المعجمية والنحوية للعربية، وفي تنويع أساليب التعبير. كما تسعى إلى الكشف عن التفاعل بين هذه الآليات بوصفه عاملا محوريا في استمرارية اللغة وحيويتها، بما يفتح آفاقا أوسع لفهم عملية النمو اللغوي في ضوء اللسانيات الحديثة. وتنقسم الدراسة إلى مبحثين رئيسيين: مفهوم نمو اللغة، وآليات نمو اللغة.
المبحث الأول: مفهوم نمو اللغة
النموّ في اللغة مصدر مشتق من فعل نَمَا ينمُو نموًّا ونمى ينمي نماء لغة، أي زاد وارتفع (الفيروزآبادى، 2005).
ومن الكلمات التي تحمل معنى النمو كلمة التطور التي تعني "التغيّر التدريجيّ الذي يحدث في بنية الكائنات الحية وسلوكها، ويُطْلق أيضا على التغيّر التدريجيّ الذي يحدث في تركيب المجتمع أو العلاقات أو النظم أو القيم السائدة فيه" (مصطفى وآخرون، د.ت / 2: 570).
فالنمو والتطور كلمتان مترادفتان، كلتاهما يوصل إلى نتاج، وهو: التغير الذي يحتوي على معنى الانتقال والتحول من حال إلى حال أخرى أرفع وأرقى من سابقتها.
ويقول ابن فارس في لفظة طور إن " الطَّاء وَالْوَاو وَالرَّاء أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ الِامْتِدَادُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ" (ابن فارس، 1979 / 3: 430).
أما النمو في الاصطلاح، فهو التغيّر الحادث لجميع الكائنات الحية من أجل تمام نضجها؛ فكل كائن حي ينمو ونموه يعني ازديادَ مكوناتِ جسمه وتطوّرَه وتغيره من حال إلى حال (عمر، 2008).
وهو: "تتابع لمراحل معينة من التغيرات التي يمر بها الكائن الحي في نظام واتساق" (عبد المعطي وقناوي، د.ت / 1: 29).
النمو هو العملية التي من خلالها يمر الكائن الحي بتغيرات منظمة ومتلاحقة تؤثر في شكله ووظائفه، ويشمل جميع الكائنات الحية بما فيها البشر؛ يعني أن هذه التغيرات يظهر تأثيرها على الجوانب التكوينية والوظيفية للكائنات الحية البشرية وغير البشرية على حد سواء. والمصطلح الفرنسي المستخدم كمقابل للنمو عند اللسانيين المحدثين هو "développement" (الفهري، 2007).
يدل النمو حسب التعاريف السابقة على عدم ثبوتِ كلِّ ذاتٍ تَصدق فيها هذه الدلالة على حال واحدة لا تتغير. فهذه الظاهرة منطبقة على الكائنات الحية كلِّهن جُمَعَ، سواء أكان هذا الكائن إنسانا أم غير إنسان بشرط أن يعتريه من الحوادث والتغيرات ما يمكن أن يعتري أمثاله من ولادة أو نشأة وترعرع وصِبا وكِبر أو حياة ومرض وقوة وضعف وانقراض أو موت.
هذا، فالنمو الخاص بالإنسان أو بغيره من الحيوانات والنباتات معروف. أما الجانب الآخر للنمو غير الإنساني، فمن مظاهره اللغة البشرية بصفتها كائن حيٌّ. فاللغة تنمو؛ ويقصد بالنمو بهذا الصدد انتقال اللغة من طور إلى طور أحسن وأفضل، على أساس أن اللغة بهذا الانتقال قد أدت وظيفتها على خير وجه فقابلت حاجات الإنسان المتجددة في حياته الفكرية والمادّية، ولم تقف عاجزة أو جامدة عن مواكبة الحركة الدائبة في المجتمع الذي يحتضنها" (خليل، 1985: 16).
فنمو اللغة حسب هذا التعريف هو تغيرها وتحولها من حال إلى حال أخرى تبعا لحاجات المجتمع التي لا تزال تتجدد تجددا مستمرا.
فللغة اتجاه طبيعي يميل بها إلى التغير، وهذا الاتجاه تشترك فيه جميع اللغات على نطاق العالم، ولا يستقل بزمان أو مكان، وإنما يلازم اللغة طول حياتها. فهي لا تسكن هامدة بحال من الأحوال، بل تنمو ونموها من حيث متنها وأساليبها؛ أصواتها وتراكيبها ومفرداتها ودلالاتها في تغير مستمر. هكذا يُثبت البحث اللغوي القديم والحديث نشاط ظاهرة النمو والتطور في حياة اللغة (عبد التواب، 1997).
ذلك لأن اللغة تعتبر ككائن حي خاضع لناموس الحياة على حد قولهم، وهي تنمو وتتطور ولها بداية ونهاية، وفترات ضعف وقوة، كما يكون لها ترعرع وصبا وهرم، يحدث لها ما يحدث لغيرها من سائر الكائنات الحية؛ والكائن الحي لا يستقر على حال ثابتة دون تغير. وإنما تجري عليه لوازم الحياة وتقلبات الدهر. وهكذا تكون اللغة أيضا، أيُّ لغة من اللغات البشرية. فكون اللغة كائنا حيا ذات قابلية النمو والتطور واقع مشهود على مر التاريخ، إذ هناك لغات انتقلت من وضع اللهجة إلى لغات أدبية مشتركة أو لغات فصيحة، وهناك لغات أخرى كانت نشأتها نتيجة لانفكاك الأسرة التي كانت تضمها؛ هي عملية تحدث حين تنفك الأسرة اللغوية فتنحدر منها فصائل لغوية مختلفة تحتفظ كل فصيلة بشيء من الصفات يعود بها إلى أصلها، كما هي الحال في العربية والعبرية والحبشية وغيرها من اللغات الساميّة. كما أن هناك لغات عرفت تغيرا داخليا عبر موادّها ومستوياتها المختلفة.
فاللغة، كما يقول فريحة، "من الحياة الإنسانية وللحياة الإنسانية، وبدون الإنسان لا كيان للغة، فإن عاش عاشت وإن مات ماتت" (فريحة، 1981: 63).
لأن حياة اللغة ملازمة لحياة أصحابها ومن اتخذها من الأمم والمجتمعات وسيلة الاتصال والتفاهم في معاملاتهم المختلفة، فهي "تحيا بحياة أهلها وتموت بموتهم، وتزهو بزهوهم وتنحط بانحطاطهم" (زيدان، 2012: 79). فهي، بعبارات أخرى:

تحيا على ألسنة المتكلمين بها، وهم من الأحياء، وهي لذلك تتطور وتتغير بفعل الزمن، كما يتطور الكائن الحي ويتغير وهي تخضع لما يخضع له الكائن الحي في نشأته ونموه وتطوره، وهي ظاهرة اجتماعية، تحيا في أحضان المجتمع، وتستمد كيانها منه، ومن عاداته وتقاليده، وسلوك أفراده، كما أنها تتطور بتطور هذا المجتمع، فترقى برقيه وتنحطّ بانحطاطه. (عبد التواب، 1997: 9)

فاللغة تحيا كما يحيا الإنسان أو الحيوان، وتنمو كما ينموان؛ ونموها ازدياد مفرداتها وتجدد معانيها وارتقائها، وتوالد موادّها، وتكاثر كلماتها، وتوسع صياغاتها، فتتمكّن بذلك من التعبير عن الجديد من الأفكار، والمستحدث من وسائل الحياة. ولا تزال هذه هي وضعيتها ما دامت الحياة تستمر بها وبمن يتكلم بها.
وكون اللغة كائنا حيا قول لم ينفرد به علماء العربية، بل قد قال به غيرهم من العلماء، قالوه في حق اللغات البشرية كلها. قال اللغوي الفرنسي أَرْسِينْ دارمستيتير في مقدمة كتابه "حياة الألفاظ":
«S’il est une vérité banale aujourd’hui, c’est que les langues sont des organismes vivants dont la vie, pour être d ordre purement intellectuel, n en est pas moins réelle et peut se comparer à celle des organismes du règne végétal ou du règne animal» (Darmesteter, 1887, p. 3).
حسب هذا الرأي، فإنّ ابتكار كلمات جديدة وتطوير معانٍ جديدة من الكلمات الموجودة يُجسّد هذه الحيوية اللغوية. فالأمر لا يقتصر على معرفة الحقائق الصوتية أو الصرفية فحسب، بل يتعداه إلى فهم اللغة كنظام ديناميكي، يتكيف ويتحول باستمرار. لذا، تعكس هذه المقولة رؤيته للغة ككيان حيّ، دائم الحركة، حيث يدلّ تحوّل الكلمات والبنى على استمرارية اللغة وتطورها عبر الأجيال.
ويؤكد هذا اللغوي أن اللغات كائنات حية، إذ يعتمد بقاؤها على استخدامها وتناقلها، فبيّن أن اللغات تتطور وتتغير، وقد تموت إذا توقف تناقلها. وهكذا يُشبه دارمستيتر اختفاء اللغات بموت كائن حي. فاللغة ليست مجرد أداة مجردة، بل هي حية ما دامت تُنطق وتُتناقل بين المتحدثين. وعندما يختفي آخر متحدث بها، تتوقف اللغة عن الوجود "حيوية". ويُوضح هذا الموقف بمثال اللغة الكورنية (Cornique):
«C est de la même façon que disparaissent les langues ainsi le Cornique, dialecte breton qui florissait jadis en Cornouailles, a disparu avec la dernière femme qui le parlait, vers 1821» (Darmesteter, 1887, p. 170) .
يقول إنه عندما لا يبقى للغة متحدثون أحياء، فإنها تنقرض نهائيا، تماما كالكائن الحي. وإلى جانب الحكاية التاريخية، تُبرز هذه الملاحظة أهمية توثيق اللغات والحفاظ عليها حتى لا يُفقد عنصر أساسي من عناصر الثقافة والفكر الإنساني. غالبا ما يصبح انقراض اللغة رسميا بوفاة آخر متحدث أصلي لها، كما في حالة اللغة الكورنية التي ذكرها للاستشهاد، حيث توفيت آخر متحدثة بها حوالي عام 1821م.
يوضح هذا الانقراض ظاهرة أوسع نطاقا، وهي موت اللغات عندما يتوقف تناقلها بين الأجيال أو عندما تفقد أهميتها الاجتماعية والثقافية في المجتمعات التي تتحدثها. يُجسّد اختفاء هذه اللغة الآليات العامة لانقراض اللغات: تناقص عدد المتحدثين بها، وفقدان التناقل بين الأجيال، وهيمنة لغة الأغلبية. وقد ذكر إبراهيم السامرائي عدة حالات للغات الفانية أو المختفية قضت عليها نواميس الكون (السمرائي، 1981).
فمسار تطور اللغة يشبه إلى حدٍّ كبير تطور المجتمعات الإنسانية بما في ذلك الجانب الحضاري والثقافي، ويستند هذا التشابه إلى أنَّ هذه المجتمعات تمرّ بتغيرات تدريجية من حالة إلى أخرى أو من مرحلة إلى أخرى، واللغة أيضا تسير في مسارٍ موازٍ لهذا التطور. فاللغة، شأنها شأن المجتمعات البشرية والحضارات، تتطور وتتغير عبر الأزمنة، فتارةً تتقدم وتارةً تتغير، معبّرة عن التحولات الثقافية والاجتماعية.
وفي هذا المعنى يقول زيدان إن "اللغة كائن حي نامٍ خاضع لناموس الارتقاء، تتجدد ألفاظها وتراكيبها على الدوام" (زيدان، 2012: 8).
أي أنها ليست ثابتة بل تنمو باستمرار، وأن نموها بدأ منذ ما قبل التاريخ، مرورا بالعصور الجاهلية والإسلامية وما تلاها، مع الأخذ بعين الاعتبار التأثيرات الخارجية الناتجة عن اختلاط العرب بشعوب وأمم أخرى. لقد تجلّت مظاهرُ نمو هذه اللغة من خلال اكتمال نشأتها وتكوّن بنيتها، وانفصالها عن لغتها الأم الساميّة، وتفرعها إلى لهجات متعددة، وتحولها من حالة اللهجة إلى لغة نموذجية أدبية مشتركة. وتشمل هذه المظاهر أيضا فترات الانتكاس والانحدار أثناء أزمنة التدهور، تليها فترات من الازدهار والتقدم في غُضُون عصر النهضة الأخيرة، فضلا عن مراحل تطورها المختلفة كنتيجة لتأثير العوامل الطبيعية وسنن الحياة (زيدان، 2012).
في ضوء ما تقدم من أقوال القدماء والمحدثين التي سعت إلى بيان معنى النمو اللغوي، واعتبارا لتفصيلاتهم المبينة للكيفية التي تتم عبرها عملية هذا النمو، يستنتج الباحث أن نمو اللغة: هو التغيّر المطرد لهذه اللغة ونهضتها تحت عملية شاملة لجميع المستويات. وهو أمر طبيعي عفوي حتميّ في اللغات البشرية المكتوبة والمنطوقة، وحدوثه راجع لفعل الزمن واختلاف أوضاع المجتمع وكذلك الرغبة في التعبير عن الجديد من الأفكار، والمستجدّ من وسائل الحياة.
المبحث الثاني: آليات نمو اللغة العربية
وضّح العلماء العرب والباحثون في العربية آليات النمو اللغوي التي تُساهم في تطوير العربية لتصبح قادرة على استيعاب الحضارات الأخرى والأمور المستحدثة، ومن أبرز هذه الآليات: القياس، الاشتقاق، النحت، الارتجال، الاقتراض، المجاز، الانقراض، القلب والإبدال، التصحيف، التوليد.
ولما ذكر إبراهيم أنيس طرائق نمو اللغة، وكان يعني بها هذه الآليات، قال إنها هي "تلك التي أمدتنا بفيض زاخر من الألفاظ والأساليب، وجعلت من لغتنا العربية أغزر اللغات السامية مادة، وأكثرها تنوعا في الأساليب، وأدقها في القواعد" (أنيس، 1978: 6).
فاللغة إن لم تُوظّف هذه الآليات التنموية تجمد ومآلها إلى الموت أقرب. فهذه العوامل هي التي تُغَذّي اللغات وترويها لتبقى فيها الحياة والحيوية. وما كانت الظواهر اللغوية مثل الترادف والاشتراك اللفظي والتضاد لتستفيض في اللغة لو لا نشاط الوسائل المذكورة. كان القدماء قد بحثوا فيها بمنهجهم، فجاء المحدثون وبحثوا فيها بمنهج مغاير لذلك المنهج. ستتناول هذه الدراسة بعضا من هذه الآليات للتعريف بها وبيان دورها في باب نمو اللغة العربية.
الانقراض:
يقال انقرض الشيء إذا انقطع، والقوم إذا ذهبوا بحيث لم يبق منهم أحد (مصطفى وآخرون، د.ت).
وقال الرازي في مادة "قَرَضَ" إن كلمة انقرض تعني دَرَج أي مات، ويقال درج القوم إذا ماتوا وذهبوا دون أن يبقى لهم أثر (الرازي، 1995).
ومن العلماء من استخدم دلالة الموت والفناء والاندثار وغير ذلك في حق الألفاظ مشيرا إلى أن اللفظ ينقرض ويموت فيذهب أثره عن الاستعمال. فهؤلاء العلماء جعلوا هذه الظاهرة إحدى الوسائل المسؤولة عن نمو اللغة حيث تناولوها بالبحث المستقل ضمن مؤلفاتهم، وسعوْا إلى بيان العلاقة الموجودة بين الظاهرتين: انقراض الكلمات ونمو اللغة. فانقراض الكلمات حسب هذا التيار هو استغناء أصحاب اللغة والناطقين بها عن بعض الاستعمالات لأسباب مختلفة.
والانقراض يعنى به في مجال الدراسات اللغوية هجر اللفظ وتركه وإخراجه عن الألفاظ المستعلة في اللعة؛ و"هو أن تهجر الكلمة فتزول من الاستعمال وتندثر، كأسماء الأيام والشهور في الجاهلية، وهذا من اصطلاحات المعاصرين" (الصاعدي، 1419هـ: 358).
هذا الشكل من النمو اللغوي أشار جرجي زيدان إلى وقوعه في اللغة العربية حتى قبل الإسلام في العصر الجاهلي حيث ذكر مجموعة من الألفاظ فأعقب قائلا إن "هذه الأسماء وأمثالها أهملها العرب قبل الإسلام بعد أن استبدلوها بأسماء دخيلة، فعلوا ذلك عفوا بلا تواطؤ أو قصد وإنما هو ناموس النمو يقضي عليهم بذلك" (زيدان، 2012: 25).
ويقال إنه "لا يوجد في اللغة كسب دائم من النمو والتجديد يوفر لها ثراء نهائيا فكل تجديد أو نمو في جانب يقابل بنوع من الخسائر في الجانب الآخر، واللغة في هذا تشبه الكائن الحي" (خليل، 1985: 141).
واللغة، كسائر الكائنات الحية، حين تنمو وتتطور تزيل بشكل تلقائي كل ما كان من كيانها ثم تَحوّل إلى فضْلة تعيق بصلاح حياتها وحسن نشاطها؛ ولأنها لا تحتمل مثل هذا العبء الذي يتمثل في بعض ألفاظها، تسعى إلى إزالة هذه الألفاظ وإبعادها عن كيانها كما يزيل الجسم الحي ويبعد عنه الخلايا التي لم تعد تفيده لا في حياته ولا في حيويته ولا في غير ذلك في شيء. إلا أن الخلية المبعَدة عن الجسم لعدم فائدتها لن تعود أبدا، بحال من الأحوال، تشتغل في نفس الجسم أو في جسم آخر. أما ألفاظ اللغة المستغنى عنها في مدة من الزمن، فمن الممكن عودتُها إلى أصلها للعمل في بعض الأحايين.
تحدث عملية نمو اللغة عن طريق ظاهرة انقراض الكلمات حين يسعى المجتمع لاستعاضة هذه الكلمات بأخرى، ثم الرجوع إلى تلك الكلمات مجددا بدافع الحاجة إلى المفردات لغرض التعبير، وفي كلتي الحالتين تحدث هذه العملية. يحصل النمو في الحالة الأولى بحصول التغيير في اللغة مع تنظيفها عن الفضلات والزوائد التي تتضايق بها، كما تكون هناك فسحة المجال لنشأة ألفاظ أخرى. تنشأ ألفاظ جديدة عن طريق عملية داخلية أو خارجية. ويحصل النمو في الحالة الثانية بحصول التغيير في اللغة أيضا، ويكون هذا التغيير في رجوع أصحاب اللغة إلى ألفاظها القديمة التي تركتها ولم تستعملها منذ أمد بعيد. وليس من الضروري أن تعود تلك الألفاظ وتستعمل في اللغة بمعانيها القديمة، بل من الجائز الرجوع إليها بدلالات جديدة.
ولانقراض اللفظ صورتان: الأول أن تذهب هذا اللفظ كله مع شكله ودلالته، والثانية أن تذهب دلالته ويبقى شكله مستعملا دالاًّ على معنى غير معناه الأصلي. وتؤخذ كمثال للصورة الثانية الألفاظ العربية الجاهلية التي ظهرت في أثواب جديدة في عهد الإسلام تاركة أثوابها القديمة. والمعلوم من أنواع الانقراض بالنسبة لأقسام الكلمة هو الانقراض المتعلق بالاسم والانقراض المتعلق بالفعل، ولم يثبت النوع الذي يتعلق بالحروف (الصاعدي، 1419هـ).
قال دارمستيتير بهذا الصدد مبينا كيف يمكن أن تُنسى الألفاظ ثم تختفي بالكلي، وكيف يمكن أن يفوز بعض الألفاظ بالخلود بجانب ألفاظ أخرى مستحدثة:
«De même, dans la disparition des mots, il faut distinguer des mots qui s’oublient par ce qu’ils désignent des choses qui disparaissent, et les mots qui font place à d’autres pour exprimer des idées durables. Dans les premiers, il y a perte d’un fait et perte d’un mot dans les seconds il y a déplacement dans l’expression d’un fait qui reste» (Darmesteter, 1887, p. 151).
في المقطع المذكور، يميز أرسين دارمستيتر بين نوعين من اختفاء الكلمات في اللغة على العموم:
- الاختفاء المرتبط بالشيء الذي تدل عليه الكلمة: تُنسى بعض الكلمات لأن الحقائق التي تدل عليها قد زالت. في هذه الحالة، يحدث فقدان متزامن للحقيقة والكلمة التي تدل عليها؛ كمصطلح يدل على تقنية حرفية أصبحت الآن بالية، أو مصطلح متعلق بطقوس ديانة قديمة لم تعد مشروعة.
- الاختفاء المرتبط بالاستخدام للتعبير عن أفكار راسخة: تُستبدل كلمات أخرى ليس لأن مرجعها قد زال، بل لأن كلمة أخرى تعبر عن الفكرة نفسها بشكل أفضل. هنا، تبقى الحقيقة، لكن الكلمة تشهد تحولا في تعبيرها؛ ككلمة قديمة تُستبدل بمرادف أكثر شيوعا أو دقةً لوصف مفهوم لا يزال موجودا.
فاختفاء الكلمات قد ينتج إما عن زوال الحقائق التي تُشير إليها، أو عن التطور المعجمي الضروري لتمثيل الحقائق الثابتة بشكل أفضل. هذا التمييز يُؤكد أن اللغة ليست جامدة؛ بل تتكيف مع احتياجات التواصل ومع ثبات أو تغير الحقائق التي تصفها، مما يسمح للباحثين وغيرهم بتتبع التحولات الثقافية والمعرفية عبر الزمن.
قيل إن هناك عوامل معينة تدفع بالكلمات العربية إلى الانقراض، ويعد من ذلك عدم فصاحة الكلمة، وابتذالها، واختفاء مدلول الكلمة من القيم والعادات والأفكار وغير ذلك مما كانت هذه الكلمة تعبر عنه. وقد يكون العامل من خارج اللغة؛ مثل انتشار لغة أخرى قوية، أو الظروف القسرية كالاستعمار وعواقب الحروب بين الشعوب وغير ذلك. ولكن من الكلمات ما هو لازم البقاء ولا يعتريه الاختفاء والفناء، ومن ذلك ألفاظ الوحي التي في القرآن الكريم، وكذلك ألفاظ صحيح السنة النبوية الشريفة، وهي تتمتع بمناعة خارجية تقيها من الذهاب فهي لن تموت. وألفاظ أخرى من غير هذين المصدرين فيها من قوة المعنى وعذوبة اللفظ وجرسه ما يشكل لها نوعا من المناعة الداخلية، فمثل هذه الألفاظ تظل مستعملة في اللغة للأبد، ولا يؤثر فيها طول الزمن ولا انقلاب أحوال المجتمع (الصاعدي، 1419هـ).
فالانقراض ظاهرة تدريجية تتلاشى فيها الألفاظ من الاستخدام اليومي لتصبح غير مستخدمةٍ في نهاية المطاف، مما يؤدي إلى موت اللغة بالكامل أو جزئيا.
التصحيف:
التصحيف في اللغة العربية هو تحويل الكلمة من هيئة مألوفة إلى أخرى غيرها، سواء بالكتابة أو القراءة، نتيجة الخطأ في رسم الأحرف أو سماعها أو تشابهها. وقد عرفه معجم اللغة العربية المعاصرة بأنه "تحريف كلمة بتحويل وضع حروفها أو تحويل أحدها إلى آخر يشبهه في الرسم ويخالفه في النَّقْط (أو هو باختصار) خطأ في قراءة الصُّحف أو غيرها" (عمر، 2008 / 2: 1272).
ويحدث غالبا بسبب تشابه بعض الحروف العربية كالباء والتاء والثاء والياء والنون، أو خطأ في النقط والحركات، أو نتيجة النقل من مخطوط إلى آخر. كما أشار إليه زيدان بقوله "هو التبادل بين الحروف المتشابهة شكلا كالباء والتاء والثاء والنون والياء، أو الجيم والحاء والخاء، أو الدال والذال، أو الراء والزاي، أو السين والشين" (زيدان، 2012: 33).
يقول زيدان معللا سبب حدوث هذه الظاهرة إن "الغالب أن ذلك التصحيف لم يحدث إلَّا بعد تدوين اللغة، لأنه خطأ بقراءة الخطوط" (زيدان، 2012: 33).
يعني أن هذه الأخطاء المتأتية من أثر ظاهرة التصحيف لم تكن في الأصل من النطق، بل من النقل الكتابي للغة الشفهية إلى شكل مكتوب يمكن قراءته من قبل الآخرين. فقبل تدوين اللغة العربية في صدر الإسلام، كانت اللغة تنتقل شفهيا من جيل إلى جيل، وكانت القراءة والفهم شفويين، مما قلل من الأخطاء الكتابية لأن النطق المباشر كان هو المرجع الأساسي. عندما بدأ تدوين اللغة وكتابة القرآن والنصوص الأدبية والعلمية، ظهر التصحيف نتيجة اختلاف فهم الخطوط أو حذف الحركات الإعرابية، أو التشابه بين بعض الحروف، خاصة قبل تطوير المصطلحات والخطوط فيما بعد.
ثم ذكر ألفاظا قال إنها قريبة الدلالة أو تحمل معنى واحدا: "فمن أمثلة ما ورد بمعنًى واحد وسببه التصحيف قولهم: رجل صلب وصلت، والدبر والدير، والكرت والكرب، ورغات ورغاب، والجلجلة والحلحلة، وجاض وحاص، والنافجة والنافحة … وهو كثير، وقد ذكر منه علماء اللغة مئات" (زيدان، 2012: 33).
يرى أن الكلمات المذكورة مثل: "صلب ووصلت"، "الدبر والدير"، "الكرت والكرب"، وغيرها، هي أمثلة على ألفاظ عربية وردت بمعنى واحد نتيجة للتصحيف اللغوي، أي اختلاف الكتابة أو اللفظ دون تغيير المعنى الأصلي. ومجموعة هذه الألفاظ تمثل حالة التصحيف التي تؤدي إلى تعدد صيغ الكلمة نفسها دون تغيير معناها.
ويرى أيضا أنها ظاهرة شائعة في اللغة العربية القديمة، حيث سجل العلماء مئات الأمثلة. وهذه الحالات غالبا ما توضح غنى اللغة ومرونتها في الكتابة والنطق، وكيف يمكن للحروف المتقاربة صوتيا أو شكلا أن تنتج اختلافا شكليا لم يمس المعنى. وأثره في نمو المعجم العربي له إيجابيات كبيرة، كما أن له أثر فعال في نمو اللغة وازدياد ثروتها المفرداتية، لكونه أحد "أسباب زيادة النمو في اللغة العربية" (زيدان، 2012: 33).
ورغم كونه خطأ، فإن التصحيف ساهم بشكل غير مباشر في زيادة نمو اللغة العربية وتحوّلها إلى وعاء غني بالألفاظ والمعاني بتنوع الصيغ اللغوية. إذ بظهور صيغ مختلفة للكلمات نفسها، تزداد اللغة العربية ثروة ومرونتها، حيث تتوسع المعاني مما يجعل الكلمة تحمل معاني جديدة أو سياقات إضافية يمكن للأدباء والكتّاب استعمالها.
لذلك، يمكن القول إن التصحيف كان سببا من أسباب نمو اللغة العربية في ألفاظها وأساليبها، سواء عن طريق مباشرة بظهور كلمات جديدة، أو غير مباشرة بتوسيع نطاق استخداماتها وتراكيبها، حتى أصبح في نهاية المطاف جزءا من تاريخ تطور اللغة العربيّة. كما أنها تلعب دورا بارزا في تعزيز حيوة اللغة وتجديد ألفاظها ودلالاتها عبر العصور.
التوليد:
يشير لفظ التوليد في مجال البحث اللغوي إلى عملية خلق وحدات معجمية جديدة من الكلمات والمصطلحات، تلبية لاحتياجات اللغة والمجتمع.
وهذا اللفظ مصدر آت من وَلّد يولّد، وهو بمعنى إخراج شيء من شيء آخر أو من أصل الشيء ذاته، وهو بمعنى الإنشاء والاستخراج والاستحداث، ويدل في اصطلاح اللسانيين، على نوع من الاشتقاق يهدف إلى إحداث ألفاظ جديدة (عمر، 2008).
وللتوليد مفهومه وبُعده التاريخي في أعمال القدماء اللغوية، وهم عنوْه بمصطلح المولّد المستعمل عندهم في دراساتهم، وهو "ما لم يعرفه أهل اللغة ولم ينطقوا به من الكلام وإنما استعمله المولّدون وجَرَوْا عليه في منظومهم ومنثورهم والمولّدون ليسوا من أهل اللغة الذين يحتج بهم في إثبات كلمها وصحة صياغها ولا يحتج بذلك إلا بكلام الجاهلي أو المخضرم" (المغربي، 1947: 62).
هذا التعريف للفظ المولّد يتطابق مع مفهومه في دراسات القدماء، فما لا أصل له من الألفاظ والعبارات في الشعر الجاهلي أو النثر الجاهلي وكذلك فيما قاله المخضرون (الذين عاصروا الفترتين الجاهلية والإسلام) من شعر ونثر، فمثل هذا عدّوه مولّدا.
وكانوا في البداية يعنون به نوعا من الكلام، حيث أطلقوا تسمية المولّد على كل لفظ غريب غير أصيل في لغة العرب، وكذلك تطلق هذه التسمية على كلام لم تألفه العرب في حديثهم ومخاطباتهم، يقال لذلك كله مولّد، بمعنى غير أصيل. فاللفظ أو الكلام المعني بالمولد، فهو المعني بالمُحْدَث أيضا. فالمولّد له حالتان: الأولى أن يكون من غير كلامهم القديم، أي ليس له أصل عندهم في لغتهم المتعارفة بينهم في جاهليتهم، والثانية أن يكون له أصل في كلامهم، ولكنه محدث طارئ على اللغة المألوفة. سواء أكان هذا المولد لفظا أو دلالة أو تركيبا أو ضربا من التعبير. وقد اعتبر بعضهم مولدا ما كان سببه التغير، وذلك في صيغة اللفظ أو مخالفة هذا اللفظ للقياس أو اللحن الملحق به أو عاميته. ويفهم من هذا الموقف القديم أن التوليد نوع من التغير اللغوي، ومن القدماء من سعى إلى الربط بينهما؛ أي بين مفهوم التوليد والتغير اللغوي، كثعلب. وللتمييز بين المولد اللفظي أو الكلامي وما ليس منه، يتخذون كلام العرب وخصائصه مقياسا ومعيارا في حكمهم على ذلك (خليل، 1985).
فهذا ما يقصد بالتوليد عند علماء اللغة العربية القدماء، ووجهة نظرهم هذه تتغاير عن موقف المحدثين من علماء اللغة اللسانيين، إذ يقول أحدهم "نريد بالمولّد ألفاظا عربية تنوعت دلالتها للتعبير عما حدث من المعاني التي اقتضاها التمدّن الحديث في الإدارة أو السياسة أو العلم أو غير ذلك" (زيدان، 2012: 74).
هذا هو تعريف المحدثين لكلمة المولّد، وهو تعريف جرجي زيدان لهذا المصطلح، فيتبين أن بينه وبين التعريف السابق الذي أورده عبد القادر المغربي في كتابه " الاشتقاق والتعريب" فرق كبير في مفهوم المصطلح المولّد وما يقصد به من الألفاظ وغيرها.
والذي قال به زيدان من تعريف هذا المصطلح تردد مثله على أقلام غيره من الكتاب، والأقرب إليه قول القائل إن المولَّدَ "لفظ عربي البناء أعطى في اللغة الحديثة معنى مختلفا عما كان العرب يعرفونه، مثل: الجريدة، المجلة، السيارة، الطيارة" (ظاظا، 1971: 79).
وقاعدة التوليد عند اللسانيين هو "أن الكلمة الواحدة تعطي من المعاني والدلالات بقدر ما يتاح لها من الاستعمالات" (قلعجي وقنيبي، 1988: 22).
فتغير معنى اللفظ لتغير مجال الاستعمال يمثل مظهرا من مظاهر التوليد بالإضافة إلى عاملين آخرين، هما: تخصيص دلالة الكلمة فيما إذا كانت مطلقة في الأصل، وتعميمها فيما إذا كانت مقيدة لما وضعت له من المدلولات. إذا تغير مجال استعمال اللفظ، يصبح هذا اللفظ غير دالّ على معناه الأول. يمكن تأمل هذا الأمر في انتقال لفظ "العقل" من مجاله الحسي إلى المجال المجرد. إذ يعني في الأول الربط وفي الثاني قوة الإدراك والتمييز والتفكير. وفيما يتعلق بالتخصيص، فتسمية الختان باسم الطهارة وتسمية الخبر بالعيش والمرأة بالحريم أمثلة واضحة في ذلك، كما أن إطلاق لفظ البأس على كل ما يحمل معنى الشدة والوجع مثال للتعميم؛ لأن البأس في أصله لا يدل إلا على حرب (خليل، 1985).
والألفاظ مثل القطار والهاتف والسيارة وغيرها من الأمثلة الكثيرة، لم تكن ترمز في البداية على الآلات الحديثة التي تدل عليها الآن، إنما استُحْدث لها هذه الدلالات لما ظهرت الحاجات إلى التعبير عن بعض مدلولات عصرية.
فلفظ القطار الدال في أصله على الإبل في سيرها بالتتابع؛ حيث يسير الواحد منها وراء الآخر بانتظام، أصبح هذا اللفظ يدل فيما بعد على قطار السكة الحديدية الذي يعني مجموعةً من العربات تجرها قاطرة (آلة بخارية أو كهربائية) (قلعجي وقنيبي، 1988).
وكلمة السيارة التي كانت بمعنى القافلة (جماعة من الناس المسافرين معهم دوابهم وزادهم وأمتعتهم) قديما، تدل الآن على مركب آلي سريع في سيره، يستخدم في نقل الناس والبضائع (عمر، 2008).
فالتوليد في البحث اللسساني الحديث القصد منه تنوع المعنى وتفرعه، حيث يكون للفظ الواحد عدة معان، والأسباب في ذلك كثيرة. فطريقة التوليد، أكثر طرق النمو اللغوي فعاليةً في العصر الحديث؛ لكون الكثير من ألفاظ العربية رأت معانيها تتفرع وتتنوع لتستطيع الدلالة على مدلولات أخرى جديدة تبعا للتمدن الحديث والتقدم العلمي والتكنولوجي. فيكون المولّد هو اللفظ المحدَث المستعمَل في اللغة على غير ما استُعمِل من قبلُ، سواء كان الاستعمال الجديد بإهمال الاستعمال السابق أو ببقائه وتنوعه. ويعد من التوليد أيضا ما يحدث للغة من التغير عن طريق الاشتقاق والنحت وغيرهما.
فخلق ألفاظ جديدة ووضعها عملية تصح تسميتها بالتوليد، وهي واحدة من اثنتين. والعملية الثانية تتمثل في خلق دلالات جديدة ووضعها لألفاظ موجودة في اللغة مسبقا. فهاتان العمليتان يقابهما المصطلح الفرنسي "Néologisme"؛ أما الأولى فيطلق عليها "Néologisme de mots" (التوليد الخاص بالكلمات)، ويتم ذلك عن طريق الاشتقاق والنحت والقلب والإبدال والقياس والاقتراض والارتجال. بينما يطلق على الثانية " Néologisme de significations" (التوليد الخاص بالدلالة)، وهو الذي يحصل عن طريق تنويع المعاني (خليل، 1985).
هناك عدد من الألفاظ تعد بالآلاف كانت عربية الأصل ولها دلالاتها التي وضعت لها في بادئ الأمر من لدن العصور القديمة، ثم خلع عليها الناس، في العصور اللاحقة، بدواعي الحاجة، دلالات غير تلك. وذلك ما أكده جرجي زيدان بعد دراسته لهذه الظاهرة. وله نظرة خاصة تجاه هذا الشكل وهو من قال إننا "نريد بالمولّد ألفاظا عربية تنوعت دلالتها للتعبير عما حدث من المعاني التي اقتضاها التمدّن الحديث في الإدارة أو السياسة أو العلم أو غير ذلك" (زيدان، 2012: 74).
يركز مفهومه لظاهرة التوليد على قدرة اللغة العربية على استيعاب المفردات الجديدة من اللغات الأخرى والمصطلحات المستحدثة من خلال عملية التوليد اللغوي. ويعتبر الألفاظ المولّدة هي تلك التي أحدثها المولّدون بعد تدوين اللغة وضبطها، وهي مفردات تعكس تغير هذه اللغة ونموها استجابة لاحتياجات الحياة العصرية في كثير من المجالات مثل السياسة والإدارة والتجارة والصناعة وغيرها. وهذا الشكل من النمو ناتج من نظره إلى اللغة العربية على أنها كائن حي ينمو باستمرار. والدافع الأساسي في هذا النوع من النمو هو تأثرها بما حولها من لغات وثقافات فضلا عن مستجدات العصر من أسباب التمدن والنهضة. حيث يسمح للغة بتوليد ألفاظ ودلالات جديدة، ولا سيما المصطلحات التي تدعو إليها الحاجة كالتي تختص بالمجالات المذكورة.
ولتنوع الألفاظ العربية وتجددها أسباب ربطها زيدان بالشرع الإسلامي، والعلم، والفلسفة، والأمور الإدارية والسياسية، والتجارية، والصناعية، وغيرها (زيدان، 2012).
ويظهر من امتلاك العربية للظاهرة التوليد قدرتها على التكيف مع كل عصر ومع كل أمر مستحدث. وهذه حقيقة يمكن تأملها عبر التاريخ، ومن ذلك تنوع ألفاظ كثيرة وتفرعها وتجددها في صدر الإسلام حتى العصر الحديث مرورا بالعصر العباسي. تفرعت وتنوعت ألفاظ اللغة في هذه العصور لتستطيع الدلالة على مدلولات أخرى جديدة تبعا لحاجات الأمة والتمدن الحديث، وكذلك التقدم العلمي والتكنولوجي خاصة في هذا العصر.
الــخـــــــاتـمـة
يتضح من خلال هذه الدراسة أن نمو اللغة العربية ليس عملية عشوائية، بل هو نتاج تفاعل منظم بين آليات لغوية متكاملة، تشمل الانقراض والتصحيف والتوليد. وقد أظهرت المعالجة التحليلية الوصفية أن هذه الآليات أسهمت في إثراء المعجم العربي، وتوسيع طاقته التعبيرية، وإعادة تشكيل بنيته الدلالية بما يتلاءم مع حاجات العصر وتطور المعرفة. إن فهم هذه الآليات لا يقتصر على الجانب النظري فحسب، بل يفتح آفاقًا لتطوير مناهج تعليم العربية، وتعزيز قدرتها على مواكبة المستجدات العلمية والثقافية، مع الحفاظ على أصالتها وعمقها التاريخي في بيئة لغوية عالمية متغيرة.
وبذلك، يتضح أن نمو اللغة العربية ليس مجرد إضافة ألفاظ أو تراكيب، بل هو تفاعل مستمر بين الإبداع اللغوي والحاجات التواصلية، في إطار يحافظ على أصالتها ويستجيب لمتطلبات التطور والتمدن والمعاصرة.
نتائج البحث
وبعد دراسة هذا الموضوع (آليات نمو اللغة العربية من منظور اللسانيات (دراسة تحليلية وصفية)) خلص الباحث إلى النتائج الآتي ذكرها:
إن دراسة آليات النمو اللغوي من منظور اللسانيات توفر فهما علميا وموضوعيا لتوسع الألفاظ والأساليب اللغوية، وكذلك تفاعل العربية مع المجتمع والثقافة والتمدن والعلوم الحديثة. وكل آلية لها دورها الخاص في عملية النمو، فضلا عن كونها كلها آليات مهمة في حياة اللغة، إذ هي التي تضمن للغة البقاء والديمومة وتسير بها نحو التجدد والازدهار، بتبديل ما بَليَ وابتذل من ألفاظها وتراكيبها أو بخلق ما لم يكن موجودا منها حين طرأت الحاجة.
وقد أدّت الدراسة إلى تمكين الباحث من فهم حركيات اللغة الداخلية والخارجية، والكشف عن التأثيرات التاريخية والثقافية.
فهم آليات التغيير اللغوي الداخلي:
البحث في هذه الآليات يبرز العلاقات السببية بين التحولات اللغوية المختلفة، سواء في الألفاظ أو في ضروب التعبير، وبين استعمال المجتمع اليومي للغة نطقا وكتابة، مع رصد الفروق الكائنة من زمن لآخر ومن أمة لأخرى؛
اللغة تنمو بالتغير الصوتي والنحوي والصرفي للكلمات على مر الزمن، حيث يتجلى ذلك في حديث الناس ومخاطباتهم، والنصوص الأدبية باختلافها، وفي المصطلحات العلمية والدينية وغيرها؛
الربط بين الدراسات اللغوية التقليدية والمعارف الحديثة لتطوير فهم شامل لمراحل تطور اللغة العربية من عصورها المبكّرة حتى العصر الحديث مرورا بالعصور الإسلامية والأموية والعباسية.
تحديد التأثيرات الخارجية على اللغة:
دراسة آليات النمو اللغوي تؤدي إلى تأمل تأثير اللغات الأخرى على العربية من خلال الاقتراض اللغوي والتفاعل الثقافي، مثل التأثيرات الفارسية، والتركية، والفرنسية الحديثة؛
كما تؤدي إلى كشف كيف ساهمت التغيرات الاجتماعية والتاريخية والسياسية في تطور الأساليب والمفردات، مما يعكس فعل هذا النمو بما في ذلك حقيقة كون اللغة كائنا حيًّا.
المراجع
المراجع العربية:
1. إبراهيم السمرائي. (1981). التطور اللغوي التاريخي. بيروت: دار الأندلس - لبنان.
2. إبراهيم أنيس. (1978). من أسرار اللغة. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
3. إبراهيم مصطفى وأحمد الزيات وحامد عبد القادر ومحمد النجار. (د.ت). المعجم الوسيط. القاهرة: دار الدعوة بتحقيق مجمع اللغة العربية.
4. أبو الحسين أحمد بن فارس. (1979). معجم مقاييس اللغة. دار الفكر.
5. أحمد مختار عمر. (2008). معجم اللغة العربية المعاصرة. القاهرة: عالم الكتب.
6. أنيس فريحة. (1981). نظريات في اللغة. بيروت: دار الكتاب اللبناني.
7. جرجي زيدان. (2012). اللغة العربية كائن حي. القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة.
8. حسن ظاظا. (1971). كلام العرب من قضايا اللغة العربية. مكتبة الدراسات اللغوية.
9. حسن مصطفى عبد المعطي، هدى محمد قناوي. (د.ت). علم نفس النمو. دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع.
10. حلمي خليل. (1985). المولد في العربية. بيروت: دار النهضة العربية.
11. رمضان عبدالتواب. (1997). المدخل إلى علم اللغة ومناهج البحث اللغوي. القاهرة: مكتبة الخانجي بالقاهرة.
12. عبد الرزاق بن فراج الصاعدي. (1419هـ). موت الألفاظ في العربية. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
13. عبد القادر الفاسي الفهري. (2007). معجم المصطلحات اللسانية. الرباط: دار الكتاب الجديد المتحدة.
14. عبد القادر المغربي. (1947). الاشتقاق والتعريب. القاهرة: لجنة التأليف والترجمة والنشر.
15. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي. (1995). مختار الصحاح. بيروت: مكتبة لبنان ناشرون.
16. محمد بن يعقوب الفيروزآبادى. (2005). القاموس المحيط. بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع.
17. محمد رواس قلعجي؛ حامد صادق قنيبي. (1988). معجم لغة الفقهاء. دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع.

المراجع الأجنبية:
1 . Arsène Darmesteter. (1887). La vie des mots. Paris : Librairie CH. DELAGRAVE.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- إليكم سبب ارتفاع سعر النفط الجمعة رغم اتفاق وقف إطلاق النار ...
- مصدر لبناني لـCNN: نواف سلام سيُسافر إلى واشنطن بعد -طلب إسر ...
- بين التكلفة الباهظة لحرب إيران وخطاب ترامب -المتناقض-.. -مخا ...
- ورقتان متصادمتان على طاولة إسلام آباد.. هل تنجح -الورقة الثا ...
- دعوات لشد الرحال للأقصى في أول جمعة بعد إعادة فتحه
- أسرى غزة المحررون.. فرحة الحرية تصطدم بالواقع القاسي
- استعدادات إسلام آباد لاستضافة المفاوضات بين إيران والولايات ...
- الديوان الأميري القطري: أمير دولة قطر ورئيس وزراء بريطانيا ي ...
- محادثات إيران.. هل ترامب أمام اتفاق أسوأ من اتفاق أوباما؟ تح ...
- ماذا على طاولة المحادثات بين أمريكا وإيران وسط حالة الترقب؟ ...


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد فَنامي - اللغة العربية من منظور اللسانيات دراسة تحليلية وصفية