أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حازم خيري - ما بعد الحضارة الإسلامية















المزيد.....

ما بعد الحضارة الإسلامية


حازم خيري

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 03:35
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


ما بعد الحضارة الاسلامية

"فمن يرى تكفير أهل البدع من فرق الإسلام يكفرهم(الفلاسفة)أيضا به،
ومن يتوقف عن التكفير يقتصر على تكفيرهم بهذه المسائل(الثلاث)"
الإمام أبي حامد الغزالي
من كتاب تهافت الفلاسفة

وصلت حضارتنا الإسلامية على الأرجح الى طريق مسدود، والسؤال كيف حدث هذا؟!
حضارتنا نشأت في رحاب الأصل الديني، حتى أنها اخذت اسمها "الحضارة الإسلامية" من الديانة الإسلامية، وذلك على خلاف الحضارة الغربية مثلا التي أخذت اسمها من الموقع الجغرافي للغرب. ترتب على ذلك هيمنة مطلقة للتفكير الديني واقصد به نشدان الحقيقة في إطار الدين. لا يوجد للأسف متسع في حضارتنا للتفكير الفلسفي وأقصد به النشدان الحر للحقيقة..
أسهم في تعزيز قناعة العقل الجمعي في مجتمعاتنا بحتمية هيمنة التفكير الديني الجهل بأنوار التفكير الفلسفي أو التعامي عنها وكذا ما أحرزته حضارتنا الإسلامية لقرون عديدة من قوة وتوسع. حتى أنه بات مألوفا ان نسمع في المنتديات وعلى ألسنة العامة والمفكرين ـ وهم في ذلك سواء ـ، الأسف لما انتهى اليه وضع حضارتنا من انحطاط، وتمنى عودة الماضي المجيد.
حنين مرضي للماضي، واصرار غريب على استعادة الماضي البعيد بنفس طريقة تشييده، دون أدنى اعتبار لأمور منها: ما اعترى ذلك الماضي ـ وهو لا شك عظيم في بعض جوانبه ـ من مثالب غطى عليها حب الناس للإسلام وللآباء المؤسسين للحضارة الإسلامية. ومنها ايضا تطور الحياة على نحو غير مسبوق وتغير مصادر القوة التقليدية إلى مصادر أكثر تطورا وتعقيدا.
من هنا تظهر الحاجة الماسة لإعادة النظر في هيمنة التفكير الديني وكذا مخاطر نفي التفكير الفلسفي في مجتمعاتنا. ما يدرس في مدارسنا ومعاهدنا من شذرات التفكير الفلسفي، لا يمت للتفكير الفلسفي الحقيقي بصلة، محض فلسفة "الضرار"، تسعى لمزج الفلسفة بالدين، مما يجرد التفكير الفلسفي من زخمه الهائل، خاصة في العلوم الإنسانية، ويحيله لمجرد قشرة! إذا تصالح الدين والفلسفة في قلب وعقل مفكر، فضررهما أكثر من نفعهما، الدين والفلسفة رفاق درب، غايتهما خير الإنسان، بينهما تجاذبات، لكن المجتمع المتحضر يجعل منها تجاذبات خلاقة.
حضارة بلا تفكير فلسفي هي حضارة عرجاء، محكومة بالعجز، صحيح ـ وكما ذكرت سلفا ـ أن حضارتنا الإسلامية حققت مكاسب دنيوية في الماضي، من قوة وتوسع، لكنها افتقدت دوما التسامح مع التفكير الفلسفي، اقصد التفكير غير المقيد بحدود، والبحث الحر عن الحقيقة.
عندما هيمنت طريقة التفكير الديني في العصور الوسطى على عقول وقلوب ابناء الحضارة الغربية على نحو شديد القتامة، لم يجد الفلاسفة هناك صعوبة شديدة في التمكين للتفكير الفلسفي في مجتمعاتهم، ساعدهم على ذلك وجود ظهير فلسفي ضخم (الفلسفة اليونانية). أما حضارتنا الإسلامية فليس بها ظهير فلسفي، مما يعقد مسألة توطين التفكير الفلسفي والسماح بفلاسفة من أبناء حضارتنا، يفكرون بحرية من خارج طريق التفكير الديني، وفي نفس الوقت لا يعادون ولا يهدمون حضارة هم من نسيجها، بل يعمدون إلى نقدها وتطويرها على نحو مستدام..
ثمة صعوبات اخرى تواجه مسالة توطين التفكير الفلسفي في حضارتنا منها ان ابجديات التفكير الفلسفي هي الشك في الأديان، والشك في الدين يضعف التدين، ومجتمعاتنا شديدة التدين، لا تعرف سوى طريق التفكير الديني. والحق ان الأديان مهمة جدا للإنسان والمجتمع، لأنها تساعد على تماسك المجتمع وعلى تحلى افراده بقدر غير قليل من الالتزام الأخلاقي، فضلا عن أن طبيعة الإنسان عموما أميل لسلوك الطريق السهل، وأقرب للانخراط في العقل الجمعي..
المشكلة هي أن "المحبة القسرية" التي يفرضها شديدو التدين على سالكي طريق التفكير الفلسفي، تدفعهم اما لقتل الفيلسوف لتطهيره او التضييق عليه ومحاولة رده لحظيرة التفكير الديني. والمربك في المسألة هو ان المتدين الفارض لمحبته القسرية على ممارس الفلسفة، يكون مخلصا ومحبا لدينه وللفيلسوف ايضا، مشفقا عليه من طريق الزيغ والضلال، حريصا على هدايته!
فهو يري ان استنساخ نجاحات ماضينا الحضاري هو الحل، رغم أن هذا الاستنساخ ـ إن هو حصل ـ سيظل فاقدا للزخم الفكري الهائل الذي يولد من رحم التفكير الفلسفي، خاصة في العلوم الإنسانية. حاجتنا ماسة لشق وتعبيد طريق رحب للتفكير الفلسفي في صخرة حضارتنا، جنبا إلى جنب مع طريق التفكير الديني، حاجتنا ماسة لرئة جديدة تتنفس من خلالها حضارتنا المتعبة!
لو كان البقاء مرهونا بقوة الحضارة او شدة تدين أبنائها لكانت الحضارة الاسلامية حافظت على مكانتها ومكاسبها الدنيوية، لكن البقاء على الأرجح للحضارة الأكثر استجابة للتغيير من خلال النقد والتطوير المستدامين، وهو ما ينهض به أصحاب التفكير الفلسفي بلا خوف او تردد..
كارثة حضارية كالهوس الجنسي في مجتمعاتنا شديدة التدين، بذل أصحاب التفكير الديني أقصى جهدهم في ردع المتحرشين وتخويفهم بالنار ورغم ذلك وصل التحرش للمنقبات والأطفال! التربية الفلسفية من الممكن ان تسهم بقوة في هذا الصدد، لأنها تركز على بناء الوازع الداخلي وهو الضمير، فالفعل الأخلاقي في التربية الفلسفية منبعه الأساسي داخلي وهو الضمير.
ميراثنا الحضاري كنز مهدور، تثمينه يكون بالسماح بتواجد التربية الفلسفية وفلاسفة يسهمون بفلسفاتهم في تعليم الأجيال الجديدة الذائقة الأخلاقية وكيفية تخريب التراث على نحو خلاق وليس جعله صنما يعبد من دون الله. فالموت، وهو تمزيق لحائط الحياة الصلد، يعلمنا كل لحظة ان التغيير سنة كونية، وأنه لا تأبيد ولا تقديس لفكرة أو إنسان ـ مهما بلغا في الأرض علواـ!!
وربما يتسنى لحضارتنا الإسلامية بفضل السماح بتواجد التربية الفلسفية وافراز فلاسفة ومفكرين مستقلين من نسيجها، التطور الى ما يمكن تسميته "ما بعد الحضارة الإسلامية" حيث تحتفظ مجتمعاتنا بخصوصيتها الحضارية وطريقتها الخاصة في التطور، على غرار مرور الحضارة الغربية بمراحل من الحضارة اليونانية إلى نسختها الحالية، وهي الحضارة الغربية الحديثة.
حديثي هذا لا يعني أن الغرب هو النموذج المنشود بل على العكس قد يكون جزءا من المشكلة، فالحضارة الغربية وبرغم ما احرزته وتحرزه من مكاسب دنيوية هائلة، تشوبها المثالب الأخلاقية في جوانب عديدة، ليس المجال هنا لسردها، يكفي أن نرى أنانيتها في التعامل مع بقية الحضارات الأخرى ومنها حضارتنا الإسلامية، هي لا تدخر جهدا في تكريس تخلفنا وحصارنا في دائرة جهنمية. يساعدها على ذك هيمنة أصحاب التفكير الديني في ربوعنا، بكل ما تنطوي عليه طريقة تفكيرهم من تكرار وجمود، بعيدا عن مستقبل مجهول قد يفسد عليهم طمأنينتهم، فالماضي أكثر أمنا، فقد اختبر وجاء بثمار يرونها نهاية التاريخ، ويراها الفلاسفة خطوة في طريق الحياة!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



#حازم_خيري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في الربيع العربي
- في رثاء محمد أركون
- ملاحظات حول برنامج -مؤتمر الفلسفة وحقوق الانسان-
- توحش أصحاب الثروات في مجتمعاتنا
- تُجار الآلام والمُزايدة على خصوصيتنا الثقافية
- الله والحرية
- خيانة المفكرين وتعميق التخلف العربي
- تعرية الثائر الأنسني فرانز فانون للآخرية
- مقالات فى الفكر الأنسنى
- إدوارد سعيد (أنسنية بلا ضفاف)
- هدر العقل العربي
- تحت عباءة أبي العلاء نجيب سرور
- ما هي الأنسنية؟ (*)


المزيد.....




- مشهد طريف.. ماكرون ورئيسة وزراء اليابان يقلدان حركة -دراغون ...
- تحليل خطاب ترامب للأمة عن إيران.. ما أبرز النقاط المستخلصة؟ ...
- قبل ساعات على خطاب ترامب.. رئيس إيران وجّه رسالة للشعب الأمر ...
- خلال 24 لـ48 ساعة قادمة.. سفارة أمريكا بالعراق تنبّه: ميليشي ...
- السفارة الأمريكية ببغداد تنصح الأمريكيين بمغادرة العراق فورا ...
- صورة لقاء الشرع مع ميركل تشعل المنصات ثم تسقط بالتدقيق
- عاجل| السفارة الأمريكية ببغداد: على المواطنين الأمريكيين مغا ...
- تهديدات بلا مخرج واضح.. قراءة في خطاب ترمب عن حرب إيران
- 36 دولة تجتمع للضغط من أجل إعادة فتح مضيق هرمز
- العراق.. السفارة الأميركية تحذر من هجمات وسط بغداد


المزيد.....

- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - حازم خيري - ما بعد الحضارة الإسلامية