يوسف ادريس عبدالرزاق
الحوار المتمدن-العدد: 8655 - 2026 / 3 / 23 - 10:01
المحور:
السياسة والعلاقات الدولية
عندما تنطلق الرصاصة الأولى
مسار العملية العسكرية الأمريكية على إيران 2026
نفذت الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" عملية عسكرية واسعة النطاق على إيران صباح يوم السبت المصادف 28 شباط 2026 استهدفت عدة مواقع امنية وعسكرية، بالإضافة إلى المجمع الرئاسي في طهران نتج عنها اغتيال شخصيات سياسية وعسكرية مهمة وفي مقدمتها المرشد الإيراني علي خامنئي، وردت إيران بقصف العمق "الإسرائيلي" والقواعد الأمريكية في الخليج العربي ومازالت العملية العسكرية جارية حتى كتابة هذه السطور.
عندما تتصفح المحطات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي وترى هذا الكم الهائل من المحللين والصحفيين والتغطية المباشرة على مدار الساعة للعمليات العسكرية بين الطرفين تصاب بالذهول من الآراء والتقييمات والاستنتاجات التي تصدر من النخب المدنية والسياسية والعسكرية، استغرب كيف يقدم قسم كبير من المختصين بالعلوم السياسية والتاريخ أو العلوم العسكرية معلومات استخباراتية لطرفي الصراع!!!!! مدعومة باستنتاجات وتقييمات بأسلوب "لا يقبل الشك" عن التحركات العسكرية والاهداف والخ.
وهنا لا اصادر اراء وتقييمات المختصين ابداً، بقدر ما ادعوها إلى التروي وعدم الانجرار وراء الحرب الإعلامية والبروباغندا الحربية التي يحاول كل طرف استخدامها ضد الطرف الاخر وهذا حق مشروع بالنسبة لهم، ولهذا فأن تحليل الحدث قبل وقوعه شيء وبعد وقوعه شيء اخر وهذا هو بيت القصيد والمنطق الذي يحدد مسار النخب من عدمه ويفك الارتباط ما بين الصحفي والاكاديمي المختص، فليس من المعقول كتابة رأي وتقييم واستنتاج بعد كل هدف عسكري يتم ضربه وكل موجة صواريخ تصيب الهدف، لأن هذه التقديرات تنطبق على الجماعات او المنظمات او التيارات المسلحة وحركات المقاومة المتنقلة والتي في ضوئها تتغير المعطيات وقواعد الاشتباك وسير العمليات العسكرية، ولكن الامر مختلف عندما يتعلق بقوة إقليمية لها وزنها ومكانتها واساليبها في الردع وامتداداتها في الشرق الأوسط مع التأكيد على الفارق العسكري والاقتصادي للولايات المتحدة الامريكية على ايران، لذلك لابد أن تخضع هذه التقييمات إلى مصادر علمية تراكمية لا عاطفية تحددها المسارات القومية والعقائدية.
عندما تنطلق الرصاصة الأولى وتبدأ المعركة لا يوجد توقع لمسارها، من هذا المنطلق سأحاول استدعاء التاريخ لأثبات صحة هذه الفرضية من الناحية العلمية والعملية، وفكرتي هذه تشبه إلى حد كبير ما قاله القائد والمنظر العسكري البروسي كارل فون كلاوزفيتز (1780-1831) في كتابه "عن الحرب" (Vom Kriege) والذي يتحدث فيه عن ما اسماه "ضباب الحرب" (Fog of War) مؤكداً أن أول احتكاك حقيقي مع العدو يدخل عنصر الفوضى ويفقد القادة العسكريون القدرة على التنبؤ الدقيق، وأن ادق الخطط العسكرية غالباً ما تتغير فور بدء القتال لأن الخطط تنهار عند أول اشتباك، وهذه الفكرة عبر عنها الجنرال هلموت فون مولتكة الأكبر (1800-1891) احد ابرز القيادات العسكرية في القرن التاسع عشر ومن مهندسي القوة العسكرية لبروسيا ثم المانيا بقوله " لا يوجد خطة تصمد بعد أول احتكاك مع العدو" والسبب هو أن الواقع مليء بعوامل غير محسوبة منها على سبيل المثال (رد فعل الخصم، التضاريس، الأخطاء البشرية).
وبالعودة إلى الفوضى وعدم اليقين "ضباب الحرب" فعند انطلاق الرصاصة الأولى تبدأ حالة من التشويش (معلومات متضاربة وغير صحيحة، قرارات تتخذ تحت ضغط شديد) وهذا ما يجعل مسار المعركة غير قابل للتوقع بشكل دقيق، ولا ننسى دور العامل البشري من القيادات العسكرية ورؤساء الدول واتخاذ القرارات تحت ضغط الخوف أو الشجاعة أو المبادرة والاخطاء الفردية التي تحصل كلها عناصر تغير مجرى القتال، لذلك قد يتحول التفوق العسكري الواضح إلى هزيمة أو العكس.
لذلك بداية المعركة ليست لحظة تنفيذ الخطة، بل لحظة اختيارها وغالباً ما تكون لحظة انهيار جزء منها وهذا ما يعزز الفرضية العسكرية القائلة "التكيف السريع لا التمسك بالخطة العسكرية".
وعند استدعاء التاريخ المعاصر نجد ادلة كافية تؤكد رؤيتنا أعلاه منها:
معارك الحرب العالمية الأولى:
1. خطة شليفن عام 1914: تعد خطة شليفن والتي تنسب إلى القائد الألماني الفرد فون شليفه عام 1905 والتي تم تعديلها لاحقاً اثناء الحرب واحدة من أبرز الاستراتيجيات العسكرية الالمانية المعاصرة وفكرتها الأساسية تقضي بحسم المعركة ضد فرنسا بسرعة قياسية قبل ان تستعد روسيا للحرب عبر الالتفاف من بلجيكيا، وما حدث عقب بدء القتال هو المقاومة البلجيكية غير المتوقعة والتعبئة الفرنسية السريعة مع وصول الامدادات من بريطانيا، فهزمت القوات الألمانية في معركة المارن الأولى 1914 وفشلت خطة شليفة بالتقدم السريع واحتلال باريس، لذلك اسقطت الرصاصة الأولى فكرة الحرب الخاطفة.
2. معركة تاتنبرغ عام 1914: واحدة من أعنف العمليات العسكرية التي وقعت في الجبهة الشرقية، كانت الخطة الروسية تقضي بالهجوم المباغت ومن محاور عدة على المانيا الشرقية ولكن سوء التقدير ومع الرصاصة الأولى أظهرت القيادة الألمانية تفوقها ونجحت بتطويق الجيش الروسي بالكامل وتدميره وتذكر المصادر التاريخية انه تم قتل واسر 170 الف جندي روسي.
3. معركة السوم 1916: واحدة من أبرز المعارك التي وقعت عند نهر السوم شمال فرنسا بين القوات البريطانية والفرنسية ضد المانيا، توقعت القوات البريطانية ان القصف المدفعي المكثف سيدمر الدفاعات الألمانية بالكامل ويسمح لها بالتقدم السهل، لكن ما حدث بعد القتال وتحصن القوات الألمانية في ملاجئ تحت الأرض وعقب تقدم القوات المهاجمة خرج الالمان من الملاجئ وتحولت المعركة إلى مجزرة للقوات البريطانية والفرنسية، وهذا يؤكد أن الرصاصة الأولى تسقط الحسابات النظرية.
وهناك امثلة كثيرة من الحرب العالمية الأولى منها معركة ايبرس الأولى ومعركة فردان ومعركة جاليبولي، كلها تتحدث عن الحسابات الخاطئة والنتائج الغير متوقعة.
ويمكن استدعاء ادلة تاريخية اخرى معاصرة تعزز ماورد أعلاه منها:
1. معركة ميداوي 1942: واحدة من أشرس المعارك العسكرية في التاريخ المعاصر حدثت قرب جزر ميداوي شمال غرب هاواي في المحيط الهادي، كانت الخطة اليابانية تقتضي باستدراج الاسطول الأمريكي وتدميره، ولكن الضباط الامريكان تمكنوا من فك الشفرات اليابانية عبر اسطولها وسرقة احداثيات الخطة والتحرك العسكري، وتمكنوا من تدمير حاملات الطائرات اليابانية الأربعة بالكامل بشكل سريع ومفاجئ، وبالتالي قلبت الاستخبارات مسار المعركة وهو عامل غير مرئي حسم النتيجة وهذا يعني أن الرصاصة الأولى تكشف اوراقاً مخفية تغير الموازين.
2. معركة ستالينغراد: تقضي الخطة الألمانية عام 1942 بالسيطرة على المدينة وقطع الامدادات الروسية بجيش كبير، إلا أنه مع بدء القتال تحولت المعركة إلى حرب شوارع وتم تطويق الجيش الألماني وأصبح الحلم كابوس وهزيمة كبيرة.
3. معركة ديان بيان فو 1954: شمال غرب فيتنام قرب الحدود مع لاوس، كانت الخطة الفرنسية تقضي استدراج الفيتناميين إلى معركة تقليدية، ولكن ما حدث مع بدء القتال حاصر الفيتناميين القاعدة الفرنسية واستخدموا المدفعية في الجبال وسقطت القاعدة بالكامل، فكشف الاشتباك خطأ الافتراضات العسكرية الفرنسية.
4. عملية خليج الخنازير 1961: فشل وكالة المخابرات المركزية الامريكية عام 1961 في التخطيط والتنفيذ لغزو خليج الخنازير على الساحل الجنوبي لكوبا، فكانت التقديرات الخاطئة سبباً في تفوق الجيش الكوبي بقيادة فيدل كاسترو وفشل العملية العسكرية.
5. حرب الأيام الستة 1967: كان استعداد الجيوش العربية لحرب تقليدية مع توازن نسبي لقوة الطرفين، لكن ما حدث بعد الضربة الأولى "لإسرائيل" والتي دمرت معظم سلاح الجو العربي خلال ساعات غير موازين القوة لصالحها فوراً، فكان عنصر المبادأة وراء قلب الحسابات والحرب منذ بدايتها، وهذا يعني أن الرصاصة الأولى قد لا تربك فقط، بل قد تحسم الحرب ايضاً.
6. حرب تشرين الأول 1973: ما حدث عقب الضربة العسكرية العربية الأولى وانهيار خط بارليف وارتباك القيادة "الإسرائيلية" حطم الثقة المسبقة للعدو، فكانت الرصاصة الأولى ليست حدثاً عسكرياً بل صدمة نفسية.
هذه الأدلة التاريخية تؤكد أن الحرب لا تبدأ عندما تنفذ الخطة، بل عندما تنهار أول فرضياتها، ولا يوجد توقع مع الرصاصة الأولى وكلما كانت الخطة أكثر ثقة وثباتاً قبل بدء القتال، كلما كان احتمال انهيارها أكبر بعد أول اشتباك والأسباب تتكرر دائماً:
1. مفاجأة العدو.
2. تدخل أطراف أخرى.
3. البيئة (مدن_طقس_تضاريس).
4. سوء تقدير الإرادة البشرية.
5. تحول النجاح إلى تهور.
إن استدعاء هذا الكم من الأدلة التاريخية انما هو نقد علمي وتاريخي ويأتي ضمن مسار أكاديمي لقراءة الواقع الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط في ظل التوترات الحالية، بالتزامن مع العملية العسكرية الأمريكية على إيران، والتي أظهرت سوء التقدير الأمريكي، مع إدارة كفؤة من الجانب الايران على الأقل حتى لحظة كتابة هذه السطور رغم عدم توازن القوتين، ومع ذلك فأن الكفة تميل للولايات المتحدة الأمريكية لأسباب عسكرية واقتصادية معروفة للجميع ولكن يبقى التساؤل المشروع بأي التكاليف ستتحقق تلك الأهداف المرسومة ضمن مسارات السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط والتي كتبنا عنها في مقال سابق.
#يوسف_ادريس_عبدالرزاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟