جاسم الصفار
الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 20:11
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
حتى لو أدت الحرب إلى فوضى وألحقت الضرر في نهاية المطاف بالولايات المتحدة وأوروبا، كما حدث مع التدخلات السابقة في العراق وليبيا وسوريا، فمن الأهم فهم كيف ستستفيد إسرائيل، البادئة والمحرضة على هذه الحرب. ففي النهاية، اعترف رئيس الوزراء نتنياهو بأنه خطط لها لعقود.
ويرجع ذلك إلى موقف إيران المبدئي في حماية حقوق الفلسطينيين. هذا الالتزام الأخلاقي يتجاوز الخلافات الطائفية: فإيران دولة ذات أغلبية شيعية، بينما غالبية الفلسطينيين من السنة. الإيرانيون وحلفاؤهم في لبنان واليمن مستعدون للاستشهاد، وقد استشهد الكثيرون بالفعل نتيجة للضربات الإسرائيلية الأمريكية المشتركة. مع ذلك، لم تُزعزع هذه المجازر الرغبة في تحقيق العدالة.
لا تزال إيران الحصن الرئيسي للمقاومة ضد إسرائيل. فهي لا تكتفي بإدانة الفصل العنصري والإبادة الجماعية لفظيًا، بل تدعم المقاومة المسلحة عمليًا. في المقابل، تتعاون معظم حكومات المنطقة الأخرى مع إسرائيل في الواقع، رغم إدانتها العلنية للاحتلال الإسرائيلي وقمع الفلسطينيين.
تُعدّ تركيا أكبر نقطة عبور لإمدادات النفط والغاز إلى إسرائيل. وتساعد مصر إسرائيل في حصار قطاع غزة. وخلال الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران عام 2025، حمت أنظمة الدفاع الجوي الأردنية والسعودية إسرائيل من الصواريخ الإيرانية. أقامت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان علاقات رسمية مع إسرائيل، بتوقيع ما يُسمى باتفاقيات أبراهام عام 2020. يشتري المغرب 12% من أسلحته من شركة إلبيت الإسرائيلية، كما تحصل أنظمة عربية أخرى من اسرائيل، علنًا أو سرًا، على أسلحة وتقنيات مراقبة وتعرف على الوجوه. وتفعل دول أخرى، لا سيما في الغرب، الشيء نفسه.
في تناسٍ واضح لترسانتها النووية، تدق إسرائيل ناقوس الخطر بشأن التهديد النووي الإيراني المُحدق. مُستندًة إلى رسوم بيانية ومخططات مُعدّة مسبقًا، زعم نتنياهو لعقود أن إيران على بُعد أسابيع فقط من تطوير قنبلة ذرية. هذه التصريحات المُتكررة عامًا تتغافل عن عمد عن استنتاجات وكالات الاستخبارات الأمريكية وغيرها بأن طهران لا تُطوّر مثل هذه الأسلحة. واخيراً أصبح، دونالد ترامب يطلق أيضًا اتهامات مماثلة لا أساس لها من الصحة. ويُرددها سياسيون آخرون أيدوا الهجوم على إيران: رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشار الألماني فريدريش ميرتس وغيرهم.
ادعاءات إسرائيل بشأن حقوق الإنسان في إيران هي مزاعم وهمية، يراد منها في الواقع، تفتيت إيران وإضعافها ونزع سلاحها، وبالتالي القضاء على الجمهورية الإسلامية باعتبارها آخر دولة رئيسية في المنطقة تقاوم نظام الفصل العنصري الإسرائيلي.
لذا، فإن السبب الرئيسي للهجوم العسكري على إيران هو القضية الفلسطينية. فجميع الحروب الإسرائيلية تُشنّ لإدامة الطابع الصهيوني للدولة، أي لمنع المساواة بين جميع سكان الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. بعبارة أخرى، فإن السبب الرئيسي للعنف في المنطقة هو الصهيونية.
وتُجسّد أيديولوجية الصهيونية في أحد القوانين الأساسية التي حلّت محل الدستور في إسرائيل. رسميًا، تُقدّم الدولة نفسها على أنها "الدولة القومية للشعب اليهودي". ويشمل هذا التعريف اليهود المقيمين خارج إسرائيل، بغض النظر عن انتمائهم للدولة الصهيونية - سواء كانوا من أشدّ مؤيديها، أو معارضيها الشرسين، أو حتى من لا تربطهم بها أي صلة. وهكذا، يُصبح اليهود في أنحاء العالم رهائن فعليًا، يُدانوا بل ويُعرّضون لأعمال عنف بسبب "ذنوب" إسرائيل من قِبل أولئك الغاضبين من اضطهاد الفلسطينيين وقتلهم.
يتزايد عدد الإسرائيليين الذين يعتقدون أن الفلسطينيين، بمن فيهم أولئك الذين نجوا من تهجير عام 1948 وحصلوا لاحقاً على الجنسية الإسرائيلية، لا مكان لهم في "الدولة اليهودية". ويعمل عدد من الوزراء في الحكومة الحالية بنشاط على تشجيع استمرار التطهير العرقي الذي بدأ مع قيام الدولة الصهيونية، وذلك من خلال وضع عراقيل بيروقراطية، وممارسة عنف المستوطنين، وعمليات الطرد من البلاد، بل وحتى الإبادة الجماعية. وتُعد مأساة غزة خير دليل على صحة الأيديولوجية الصهيونية.
أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الضربة على إيران جاءت ردًا على هجوم إسرائيلي مُخطط له على البلاد. شنت واشنطن "عملية استباقية" خاصة بها، خشية أن يُثير هجوم إسرائيلي ردًا انتقاميًا ضد القواعد الأمريكية في المنطقة. هذا التفسير ذو دلالة، إذ يُشير إلى أن إسرائيل مُنحت الضوء الأخضر لاختيار التوقيت المناسب لبدء قصف إيران. هذا أمرٌ مستبعد، نظرًا لأن معظم الأسلحة الإسرائيلية الحديثة أمريكية الصنع، ونشرها على هذا النطاق يتطلب تنسيقًا مع واشنطن. لكن اعتراف روبيو أكد اتهامات النقاد من اليمين واليسار بأن التحركات الأمريكية في الشرق الأوسط تتبع إلى حد كبير الأولويات الاستراتيجية الإسرائيلية. وقد أظهر استطلاع رأي حديث ذلك، حيث وجد أيضًا أن أكثر من نصف المستطلَعين يعتقدون أن ترامب أشعل الحرب لصرف الأنظار عن قضية إبشتين.
لذا، فإن مسألة ما إذا كانت الحروب في الشرق الأوسط تُفيد الولايات المتحدة اقتصاديًا أو عسكريًا أو سياسيًا تُعدّ ثانوية. فالثمن الذي يدفعه الأمريكيون من دماء وأموال لا يُهم. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الحروب تُفيد إسرائيل.
يمكن القول إن إسرائيل هي المستفيد الوحيد من تحركات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
فقد أدى غزو العراق عام 2003 إلى إزاحة الدكتاتور الدموي صدام حسين وحزبه البعثي، ولم يكن وراء الغزو أي خطط جادة لنشر الديمقراطية في العراق، بل فقط لإزاحة رئيس مصاب بداء العظمة، يصعب السيطرة على تغيراته المزاجية في مواقفه من القضية الفلسطينية، وتحطيم القدرات العسكرية للعراق. كما أضعفت الحرب الأهلية في سوريا، التي اندلعت بمشاركة مباشرة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وشركائها الأوروبيين، خصماً حقيقياً لإسرائيل. وأدى تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا إلى انهيار حكومة لطالما دعمت المقاومة الفلسطينية. وفي كل حالة، وجهت الضربة لدول تعارض رسمياً الاضطهاد الإسرائيلي للفلسطينيين، وتضع العثرات امام خطط التوسع الإسرائيلي على حساب الأراضي الفلسطينية والعربية.
مع ذلك، أدت الإبادة الجماعية في غزة إلى نفور العديد من اليهود والمسيحيين من الدولة الصهيونية، وبدأت تظهر تصدعات في الدعم الذي كان راسخًا لإسرائيل في الولايات المتحدة. ولأول مرة في التاريخ، في عام 2026، أعرب عدد أكبر من الأمريكيين عن دعمهم للفلسطينيين مقارنةً بالإسرائيليين. وإدراكًا من نتنياهو أن هذا التوجه يُقوّض سيطرة إسرائيل على السياسة الخارجية الأمريكية، تحرك سريعًا، فزار ترامب سبع مرات في أقل من عام. واستجابةً لهذا الضغط، لم يكن لدى ترامب أيضًا وقتٌ يُضيّعه. كان من المقرر إقامة كأس العالم في أمريكا الشمالية هذا الصيف، ولكن الأهم من ذلك، كان من المقرر إجراء انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر. لذلك، وخلافًا لنصائح أجهزة استخباراته ومستشاريه العسكريين، أمر ترامب القوات الأمريكية بالانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران.
لطالما تجاهلت إسرائيل القانون الدولي علنًا، مستغلةً تفوقها العسكري والتكنولوجي بوقاحة ضد جيرانها.
حتى وقت قريب، كانت الولايات المتحدة تُظهر على الأقل التزامًا ظاهريًا بالقانون الدولي. إلا أن ترامب يُعلن الآن صراحةً أن القانون الدولي ليس قانونه، وأنه يعتمد بدلًا من ذلك على "أخلاقه الخاصة". أوضح نائب رئيس الأركان ستيفن ميلر: "نعيش في عالم يمكنك فيه التحدث قدر ما تشاء عن تعقيدات العلاقات الدولية وكل شيء آخر،" لكن كل شيء "يُحكم بالقوة والسلطة والإرادة. هذه هي القوانين الحديدية لعالمنا."
يشكك العديد من الخبراء، بمن فيهم مسؤولون أمريكيون وبريطانيون متقاعدون رفيعو المستوى، في قدرة الولايات المتحدة على الانتصار في إيران، ويتوقعون فشلًا ذريعًا آخر. لكن ما يهم نتنياهو ليس نجاح الجيش الأمريكي، بل حقيقة أنه بغض النظر عن النتيجة النهائية، من المرجح أن تُضعف إيران. وإذا لم يحدث ذلك، وواجه نظام الفصل العنصري في إسرائيل تهديدًا خطيرًا، فإنه يمتلك أسلحة نووية يمكنه استخدامها كملاذ أخير. ولا ينبغي لأي حديث عن "تهديد نووي إيراني" أن يحجب حقيقة أن دولة غير نووية تعرضت لهجوم مشترك من قوتين نوويتين.
إذا فشلت مغامرة إسرائيل، فإن نخبتها السياسية الأنانية والمتلاعبة ستفضل استخدام الأسلحة النووية على التخلي عن الأيديولوجية الصهيونية والتفاوض على التحول السياسي لنظامها إلى مجتمع مدني قائم على المساواة.
لقد أقنعت عقود من التلقين الأيديولوجي والتلاعب بذاكرة المحرقة غالبية اليهود الإسرائيليين بأن "الدولة اليهودية" وحدها هي التي تضمن بقاءهم.
تُفضّل إسرائيل تدمير إيران، الدولة التي يبلغ تعداد سكانها 93 مليون نسمة، على الموافقة على المساواة مع الفلسطينيين الذين تسيطر عليهم حاليًا في قطاع غزة والضفة الغربية.
#جاسم_الصفار (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟