|
|
الرأسمالية والأمبراطورية:اية علاقة ؟
موسى أغربي
الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 18:55
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
نشرت المجلة الفرنسية philosophie Magazine عدد 197 (مارس 2026) ملفا بعنوان الإمبراطورية هل هي أعلى مراحل الرأسمالية؟ وضمن هذا العدد مقال كتبه (الكساندر لاكروا): "الإمبريالية في نزعها الأخير" l’impérialisme de la finitude (هل وفقت في الترجمة؟). ورد في المقال أنه في 3 يناير الأخير، قامت الولايات المتحدة باختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو مستعينة ب 150 طائرة وهليكوبتير، وبعد أيام تم الضغط على الدنمارك وحلفائها الأوروبيين، وأثناء لقائه مع الصحافيين قال: "نحن في حاجة إلى كرونلاند من أجل الأمن الوطني"، وهذا الموقف السوريالي يسير وفق عقيدة الرئيس الأمريكي Monroe الذي اعتبر أمريكا اللاتينية حديقة خلفية للولايات المتحدة يمنع على الأوربيين الاقتراب منها. وإلى جانب أطماع الإمبراطورية الأمريكية، توجد امبراطورية روسيا وامبراطورية الصين، كل هذه الإمبراطوريات يجمعها قاسم مشترك ألا وهو جشع الرأسمال وهذا ما يفسر غزو أوكرانيا والهجوم على حلفائها الأوروبيين الذين وصفهم بأنهم عبارة عن خنازير صغيرة يشتهون سقوط روسيا. فأعلن حربا ضروسا لا تستثني المدنيين والبنية التحتية للكهرباء في عز الشتاء، وأما الرئيس الصيني، فإنه صرح مع بداية السنة الجديدة بقوله: إن العالم يمر اليوم بتطورات واضطرابات حيث نجد أن بعض المناطق لا زالت تشتعل فيها الحروب، ثم بشرنا بأن الصين لها موعد مع التاريخ والكلمة التي تدل على الصين chine هي: Zhongguo التي تعني امبراطورية المكان (أو الوسط، أوالعالم: « Empire du Milieu »، ويشير صاحب المقال أن "Milieu" لا يتعلق بالمركز centre محاط بأطراف périphérie، بل هو فضاء يمتد بين السماء والأرض، ولا شيء أقل من هذا !!! وفي سنة 2012 حدد هدفين على المدى البعيد، زيادة الإنتاج الداخلي الخام بصورة ضعف ما كان عليه في سنة 2010 بغية الوصول إلى عشرة آلاف دولار للفرد في سنة 2021 وذلك أثناء الاحتفال بمئوية الحزب الشيوعي الصيني، وأما الهدف الثاني فهو الارتقاء بالصين حتى تصبح القوة الأولى في العالم سنة 2049 أثناء الاحتفال بمئوية الجمهورية الشعبية (!!). يستشف مما تقدم أننا الآن أمام امبراطوريات ثلاثة يجمعها هدف واحد هو الهيمنة بالقوة وفرض الوجود، على الرغم من الاختلاف على الصعيد اللغوي والثقافي وحتى الجغرافي، هنا يحق للمرء أن يتساءل والقلق يسطو عليه: هل هذه الامبراطوريات على الرغم من تقدمها التكنولوجي وضخ منتوجاتها في أسواق العالم يمكن أن تقدم للإنسانية بشرى تحقيق السلام والقضاء على الفوارق بين الدول الضعيفة والقوى الكبرى، وهل نستبعد وجود صراع خفي ونائم يمكن أن يفجر السلم العالمي فيسقط الهيكل على المذنب والبريء وعلى من يمسك السلاح الناري ومن يمسك بالمحراث الخشبي سواء بسواء؟ وهل هذه الدول سبق لها وأن اتفقت على إنقاذ كوكبنا الأرضي المهدد بالفناء نتيجة الجفاف والفيضانات المدمرة؟ سأحاول أن أجيب على هذه الأسئلة مستعينا بهذا المقال المهم، لكن قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أن هذه الامبراطوريات الثلاثة في عصرنا الحالي ليست استثناء في التاريخ الإنساني، وما يحجب عنا هذه الحقيقة هو أن الفكر السياسي الحديث دفعنا إلى فهم التاريخ – كما يشير إلى ذلك صاحب المقال – من خلال الدولة- الأمم Etats-nations، حيث اعتبر أن مفهوم الدولة هو اختراع حديث، وما كان موجودا في الماضي إما كيانات صغيرة entités plus petites، أو شاسعة مثل الإمبراطوريات المعروفة مثل امبراطورية الصين ومنغوليا وامبراطورية نابوليون وامبراطوريات الكولوينالية الإنجليزية والفرنسية والهولاندية، من هنا فإن الإمبراطوريات الثلاثة هي من جانب امتداد للامبراطوريات السابقة، ولكنها تختلف عنها في كونها امبريالية!! وبتعبير آخر: رأسمالية - امبريالية!! يوظف الخبير الاقتصادي والمؤرخ Arnaud Orain مفهوم الرأسمالية المفضية إلى النهاية capitalisme de la finitude (هل وفقت في الترجمة!) الذي يحيلنا إلى الأزمة الإيكولوجية وإلى ندرة المواد الأرضية (التي يمكن أن تنفذ نتيجة الإفراط السفيه في الإنتاج)، ولم تكن رأسمالية القرن التاسع عشر قد انتبهت إلى إمكانية وجود أزمة نتيجة استنزاف الكرة الأرضية، بل على العكس من ذلك كان لها تصور طوباوي حينما اعتبرت أن الإنتاج يفضي إلى النمو بدون حدود، وكانت الحجة التي أتى بها منظر الرأسمالية (إنه آدم سميت)، ازدياد الإنتاج مرتبط بتلبية حاجات الإنسان، بمعنى أن الإنتاج لا يخضع لفلسفة التوازن بين رغبات الإنسان وحدود الموارد، بل يخضع لرغبات الرأسمالية الجشعة ومن هنا يمكن أن يكون هناك صراع محتدم بين الإمبراطوريات الثلاثة نتيجة الوعي بندرة المواد التي تلتهمها التجمعات الصناعية الكبرى!! ويحضرني في هذا المقام التحليل "الذكي" الذي قام به "لينين" في كتيب "الرأسمالية، أعلى مراحل الإمبريالية"، حيث رأى أن خلق التكتلات الصناعية الكبرى ونمو القطاع البنكي أفضيا إلى الاستعمار على يد القوى الأوربية، ومن ثم فإنها لا تعتبر ذات مشروع سياسي أو حضاري، بل هي عبارة عن توسيع نفوذها لاحتكار المواد الأرضية، ولا يمكن على هذا الأساس ربط الحرب العالمية الأولى التي أشعلتها الإمبراطورية البريطانية والأمريكية واليابانية وجرت إليها العالم – بمقتل الأرشيدوك فرانسوا – فرديناند، بل أتى نتيجة جشع هذه الإمبراطوريات، وقد اعتبر لينين أن وصول الامبريالية إلى أعلى مراحل الرأسمالية يفضي إلى إشعال الحرب مما يؤدي بدوره إلى بزوغ الثورة الشيوعية! ويذهب صاحب المقال المشار إليه آنفا إلى أن الامبريالية (أمريكا وروسيا والصين) في العصر الحالي لا تسعى إلى الثراء فحسب بل هي تروم تحقيق المشروع السياسي، ومن هنا فإنها تختلف عن الإمبراطوريات السابقة من حيث كونها لا تحمل أي مشروع يتسم بالريادة! ومن هنا فإنها تتميز بالخصائص الأربعة الآتية: 1- إن الإمبريالية فقيرة من حيث بعدها الكوني (بمعنى أن العولمة أكذوبة!) ذلك بأنها تركز على منطقة نفوذها وهي في هذا تختلف عن الموقف المجنون الذي اتخذه الكسندر حينما قرر الانطلاق من مقدونيا لاحتلال الهند! كما أن هذه الامبريالية وهي عين على منطقة نفوذها نأخذ في الحسبان حدود منطقة نفوذ امبريالية أخرى، وخير مثال على ذلك غبطة بوتين حينما قرر الرئيس الأمريكي الاستحواذ على جزيرة "كريلاند" وقد أعلن ذلك جهارا مدعيا أن هذه الجزيرة لا تتجاوز قيمتها مليار دولار أي أقل من خمسة دولار للهكتار (هذا التحليل في نظري على الرغم من صدقيته عموما يتناسى أنه لو قدر للرئيس الأمريكي أن يضم كل القارات إلى ولاياته الخمسين لما نردد في ذلك، لأن الجشع الامبريالي لا حدود له، إذ أنه في وقت وجيز انقض على فنزويلا، وكان يطمح في تحويل غزة إلى منتجع للناهبين من أمثاله، ناهيك عن كون الخليج مرابض لنزواته التجارية، وهو بهذا يتجاوز عقيدة سلفه مونرو!). 2- من مفارقات الإمبراطورية المعاصرة، أنها تحس بأنها معرضة للخطر، والإحساس بقرب نهايتها لا يتعلق بنفاذ المواد الأرضية فحسب، بل أيضا بالإحساس بالمخاطر التي تهدد وجودها، فبوتين ما انفك يردد بأن الغرب والحلف الأطلسي يعملان على تدمير روسيا وسقوطها، وطرامب مذعور من جهة الصين المنافسة، والرئيس الصيني يستحضر مرعوبا انهيار الشيوعية السوفياتية على يد غورباتشوف الذي حاول القيام بالإصلاح فانهار عليه الحصن بكامله. 3- إن الإمبريالية (أو الإمبراطورية) المعاصرة عدوة التعدد الثقافي، علما أنه من المعروف منذ روما القديمة أن الإمبراطورية متعددة اثنيا وثقافيا، وكان المواطنون في أثينا وروما يعتقدون أنهم أعلى درجة من الشعوب الخاضعة، ولم يكونوا مؤمنين بالمساواة معها فيما يتصل بالحقوق ومع ذلك كانوا مقتنعين بأن الإمبراطورية لا انسجام فيها. 5- إن الإمبريالية المعاصرة مهووسة بهدف استخراج كنوز الأرض ولهذا فإنها حريصة على تأمين الممرات نحو البترول والغاز الطبيعي، والبحث عن الأراضي النادرة والصالحة للزراعة والمعادن الثمينة ومناطق الصيد والغابات العذراء، لهذا تمد الصين "طريق الحرير" إلى إفريقيا حيث توجد ملايين الأراضي قابلة للاستغلال. لو جمعنا هذه الخصائص كلها، فإن المتحصل منها، هو أن هذه الامبرياليات هي ناشرة الفوضى في العالم، وعلى الرغم من تقدمها التكنولوجي، فإن هذا التفوق العلمي الذي لا مثيل له في التاريخ لم يسعد الإنسان بعد، بل قد يؤدي بنا إلى الكارثة المحتومة إذا استمر تمدد جنون الغزو الذي يسطو على بعض القادة، وهذا على الرغم من أن بوادر انهيار الإنسانية قد تجلت ملامحها حتى للعميان، ومع ذلك يستمر البعض في تدمير العلاقات الإنسانية وتحويل أرضنا الأم إلى ساحة للعراك يدمر البشر والحجر، وأصبحت الإنسانية مرعوبة بانفجار قد يحدث إذا ما تم الضغط على الزناد على يد متهور أو مجنون. خاتمة: أمام هذا الرعب الذي تقف وراءه هذه الامبرياليات التي لا يتأتى منها إلا الدمار، هل يجوز لنا أن نسمح لأنفسنا أن نتمسح بشيء زهيد من الفضيلة المثالية التي بشر بها أجداد الفكر الغربي الامبريالي من شعراء ومفكرين وفلاسفة، ويمكن تلخيص معنى هذه الفضيلة المثالية لدى أحد أكبر شعراء الرومان، ألا وهو "بيترارك"، كان مشروع بيترارك كما قيل من البداية وحتى النهاية هو التجديد الثقافي، وقد اعتقد أن البشر على مر العصور كانوا قادرين على تحصيل مستوى عال من الفضيلة والحضارة، ولكنهم لن يفعلوا ذلك إلا عن طريق استقبالهم للتغذية السليمة، ولكن هل بيترارك على حق فيما ذهب إليه، الم يشبع ماكدونالد بطون أمريكا وبطون العالم المتخلف، ولكن أين الأخلاق وأين الفضيلة أمام مرأى مقتل الأطفال والأبرياء في حروب طاحنة (راجع الجذور اللاهوتية للحداثة: مايكل الين جيلسبي). منذ قديم الزمان والمفكرون ينظرون للفضيلة والأخلاق، بل وحتى أخلاق الحروب، فأين نحن من هذا كله، ألا يجوز لنا أن نأخذ بمنهجين فكريين عظيمين وهما منهج ماركس وفرويد وهما متكاملان، لعلنا نهتدي إلى أن المشكل لا يتعلق فحسب بالعلاقة بين الإنسان والآخر في نظام اجتماعي أو طبقي بل علاقة الإنسان بذاته وبالآخر في الإطار الذي وضعه سقراط حينما قال: "اعرف نفسك بنفسك"، قد تكون هذه متتالية، ولكن يجب أن نعرف أن الإمبرياليات نفسها تهيمن عليها المثالية، ولكنها مثاليات قاتلة. كلمات سقراط ستظل مرفوعة في صورة شعار فوق رؤوسنا إلى الأبد، ومع ذلك سيظل الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، وستظل حرب الجميع ضد الجميع كما يقول هوبز! ولا سلام على الإمبرياليين أينما وجدوا!
#موسى_أغربي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حياة وأسطورة اكونشيش -مقاربة نقدية-
-
أسطورة -حمو اونامير- وعقدة اوديب: اية علاقة؟
-
سعيد يقطين والعنف العروبي
-
الحركة الأمازيغية: أي مشروع سياسي
-
سيظل شبح عبد الكريم يطاردكم
-
في زمن الرداءة تتناسل جحافل القطعان
المزيد.....
-
خبير عسكري يوضح لـCNN تداعيات قصف جزيرة خرج الإيرانية على أس
...
-
ما هي مهمة الجنود الفرنسيين في كردستان؟
-
ماهي البدائل الحالية لنقل النفط بعيدا عن مضيق هرمز؟
-
ضغوط على الإدارة الأمريكية بشأن القدرات العسكرية والذخيرة
-
إسرائيل تدمر جسرا جنوب لبنان: ما دلالة الخطوة؟
-
فوسفات المغرب وهيليوم الجزائر: أي قطاعات مغاربية تستفيد وأيه
...
-
بهلوان وطالب وأمير... مرشحون غير مألوفين في الانتخابات البلد
...
-
الإمارات.. النيابة تأمر بضبط 10 متهمين بنشر مقاطع مضللة
-
نتنياهو يكلّف ديرمر بملف لبنان.. وحزب الله: أعددنا أنفسنا لم
...
-
سريلانكا تبدأ إعادة جثامين 84 بحارًا إيرانيًا بعد غرق فرقاطت
...
المزيد.....
-
بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر
...
/ رياض الشرايطي
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
أطلانتس
/ فؤاد أحمد عايش
-
حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال
...
/ بشير الحامدي
-
السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة.
/ رياض الشرايطي
-
مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة
/ هشام نوار
-
من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972
/ جهاد حمدان
-
المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا
...
/ رياض الشرايطي
-
حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف
...
/ رياض الشرايطي
-
الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى
...
/ علي طبله
المزيد.....
|