أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جريس مرثا سالم - الخوف من أن تكون نفسك














المزيد.....

الخوف من أن تكون نفسك


جريس مرثا سالم

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 15:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لخوف من أن تكون نفسك

في لحظة ما من حياتك — وأنت تعرف تلك اللحظة جيداً — قلت شيئاً لا تؤمن به.
لم تكذب بالضبط. لكنك لم تقل الحقيقة كاملة.
ابتلعت جزءاً منها. صغّرته. لففته بكلام آخر أكثر أماناً. وابتسمت.
ثم مشيت — وبقي ذلك الشيء الصغير في حلقك كحصاة لا تنزل.

نحن نتعلم الخوف من أنفسنا مبكراً جداً.
قبل أن نتعلم القراءة، نتعلم أن هناك أفكاراً لا تُقال. أسئلة لا تُطرح. مشاعر تُخبّأ لأن إظهارها يكلف شيئاً — قد يكون نظرة، أو صمتاً، أو فقدان انتماء.
فنبدأ، ببطء وبراعة مذهلة، في بناء نسخة منا أكثر قبولاً. أكثر أماناً. أخف وطأة على من حولنا.
ونسمي هذا نضجاً.

لكن هناك ثمن لهذا النضج لا يُذكر.
كلما صغّرت نفسك لتناسب مكاناً — يتعلم ذلك المكان أن حجمك الحقيقي هو هذا الصغير.
وكلما أخفيت رأياً خوفاً من وجوه تتجهم — تعلمت تلك الوجوه أنك موافق دائماً.
وكلما ابتلعت سؤالاً لأنه محرج — تعلم عقلك أن بعض الأبواب لها أقفال من الداخل.
حتى تصل يوماً إلى لحظة غريبة — تجلس وحدك في هدوء تام، ولا تعرف ماذا تريد أنت. لأنك أمضيت وقتاً طويلاً تعرف ماذا يريد الآخرون منك.

أكثر سجن إيلاماً ليس الذي تراه.
بل الذي بنيته بيديك، حجراً حجراً، معتقداً أنك تحمي نفسك.
الإنسان الذي يخاف من رأيه لا يحتاج رقيباً خارجياً — يحمل رقيبه معه في كل مكان. يجلس معه على المائدة، وينام معه، ويستيقظ قبله.

والغريب أن هذا الخوف لا يأتي دائماً من عدو.
يأتي في أغلب الأحيان من أشخاص يحبونك — أو تظن أنهم يحبونك.
الأب الذي يريدك على صورة معينة.
المجتمع الذي يكافئ الامتثال ويعاقب الاختلاف.
الجماعة التي تمنحك الدفء مقابل أن تترك باب التساؤل موارباً لا مفتوحاً.
كلهم لا يقولون لك اخضع. يقولون لك انتمِ. وهذا أذكى وأعمق وأشد إيلاماً.

لكن هناك لحظة — تأتي لمن يصبر عليها — يسمع فيها الإنسان صوته الحقيقي.
ليس الصوت الذي تعلّم كيف يتكلم أمام الناس. بل الصوت الأول — الصوت الذي كان قبل أن تتعلم أن بعض الأصوات خطرة.
وحين يسمعه، يحدث شيء غريب: يخاف منه أولاً.
لأنه لم يعتد عليه. لأنه يقول أشياء لم يأذن لنفسه بقولها من زمن بعيد.

أن تكون نفسك ليس فكرة رومانسية جميلة تُكتب على جدران.
هو فعل يحتاج شجاعة حقيقية — لأنه يعني أن تخسر بعض من يحبون النسخة المزيفة منك، لتجد من يستحق النسخة الحقيقية.
وهذه الخسارة مؤلمة. لكنها الثمن الوحيد الذي يستحق الدفع.

في النهاية، الإنسان الذي يصل إلى آخر أيامه وقد عاش حياة غيره — لا يشعر بالراحة لأنه أرضى الجميع.
يشعر بثقل شيء لم يُقَل. وحياة لم تُعَش.
والسؤال الذي لا يُطرح إلا متأخراً جداً:
من كنت سأكون — لو لم أخف أن أكون؟






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإله الذي صنعناه بأيدينا ...رحلة إلى أعماق الإنسان الذي لم ...
- من علّمك أنّ الشكّ خطيئة


المزيد.....




- فلسطينيون: القيود على الصلاة في المسجد الأقصى والإبراهيمي ان ...
- أراد -حملة صليبية-.. كيف تبدو عقيدة وزير الدفاع الأمريكي في ...
- مخاوف أمنية في أمريكا عقب هجمات مسلحة استهدفت جامعة وكنيسا ي ...
- مبادرة لإنقاذ مكتبة الجامع العمري الكبير بمدينة غزة
- نتنياهو يهدد باغتيال مجتبى خامنئي ويحذر من خطر -الإسلام المت ...
- شاب أمريكي من أصل لبناني يقتحم بشاحنته كنيسا يهوديا بولاية م ...
- الهيئة الإسلامية العليا بالقدس بالتعاون مع جامعة القدس تصدر ...
- لأول مرة منذ عام 1967.. الاحتلال يغلق المسجد الأقصى في الجمع ...
- هكذا غيرت الحرب قيام رمضان في المسجد العمري الكبير بغزة
- لأول مرة منذ 1967.. الجمعة الأخيرة من رمضان تمر والمسجد الأق ...


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جريس مرثا سالم - الخوف من أن تكون نفسك