أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مبارك بوالزيت - الذات و آفاق التحديث في بلدان ما بعد الاستعمار















المزيد.....


الذات و آفاق التحديث في بلدان ما بعد الاستعمار


مبارك بوالزيت

الحوار المتمدن-العدد: 8645 - 2026 / 3 / 13 - 04:53
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مفكر ما بعد الاستعمار , و نحن نحيل على المفكر المسؤول طبعاً، ينظر إلى ما عند الحداثة الغربية من قيم ، كالعقل و الفردانية و التولُّد و الإتقان و غَيرها فيبحث في التراث، على تنوُّعه، عن طريق الجناس عمَّا يماثلها كالرشد و الاعتراض (مرادفاً للنقد) و غيرها من المصطلحات . و هذا يحصل لأسباب واضحة. أوَّلها أن الحداثة هي أفضل أفق متاح حتى الآن وتشكل تحدِّياً مادياً و رمزياً لفكر بلدان ما بعد الإستعمار ، و ثانيها رغبة المفكر الدّود عن ثقافته و الإشادة بتميزها كما غيرها من ثقافات العالم المستنيرة، وهذا قصد نبيل و ردُّ فعل طبيعي، و لكنَّه يُصادف تحديَّات موضوعية كثيرة، و أهمُّها يتمثل في صعوبة تحقُّق الحداثة في الواقع و بشكل واضح كما يتصورها المفكر الحداثي و حتى الإصلاح كما يتصوره المفكر الديني.
نزعُم أن الذات هي مركز أي حداثة نطمح لها، فمنها يكون التَّغيير وبها يتم. و لست أعَرف الذات و لا الحداثة تعريفاً صعباً. فالذات الحقّة هي كل نفس تحلِّل ما يردها من المعلومات من العالم قصد الفرز و الحصر و الخلق و لها مصادر قوة روحية و مادية نبيلة تتسم بالعقل و الحرية و الجمال و الإستقلالية. أما الحداثة كمصدر متاح لهذه الذات فهي إعمال العقل في الواقع و انكار العادات الآبائية السيئة و اتقان العمل و حبُّه و استحضار الجمال في كل شيء ينتجه الفرد لنفسه و لبيئته و العالم.
آراء من أفنو عمرهم في فهم الذات و العقل مهمة جداً في هذا الصدد. في كتابه "الدين و العلم"، يورد برتراند راسل إشكالاً مهماً علاقةً بكتابة الذات في سياق الحداثة. يقول راسل ما يلي : "الفكر الحر الدوغمائي قد يُظهر نفسه لاَ عِلمياً أكثر من الأرتودوكسية نفسها." (ترجمتي،ص. 60) ومنه فَنحن لاَ نصطفُّ مع هذا أو ذاك في نقدنا لمصادر النفس أو الإديولوجيات التي تؤطرها، و لا نهاجم الأرتودكسية الدينية مثلاً من منطلق أنها نكوص و اختزال و جبر و وقوف على الموت بدل الحياة و عائق أمام تحقق الحداثة و غيره فقط لأننا نملك حق الحرية في قول ما نريد، بل ندين أنفسنا دائماً حين تكون حرية الإدلاء بالرأي تجزيئاً للحقائق أو أهواءً أو اختزالاً أو إقصاءً إلخ، و القصد هنا أن الفكر الحر نفسه قد لا يخلوا من دُغمائية كامنة تُعيق تحقُّقه و تحقّق الحداثة في الواقع. و هذا ما سنتناوله عموماً في هذا المقال. و منه فالسؤال الأهم الآن هو : ما هي سُبل تحقق الحداثة ؟ إذا أخدنا بعين الإعتبار مثل هذا العائق النفسي، و إذا سلَّمنا أنها أفضل أفق متاحٍ للبشرية حتى الآن، في الأفراد و الممارسات و المؤسسات و الواقع عموماً خصوصاً في بلدان ما بعد الاستعمار؟
لا تحقق الحداثة مع وجود الإقصاء من مداخل التقدم و العلم من الداخل و من الخارج. وهذه سمةٌ يتميَّز بها الفكر الغربي الذي يميِّز نفسه بالحريَّة و العقلانية و التقدُّمية، إلا أنه يقصي غَيره، خصوصاً مستعمراته السابقة، من مداخل تحقق هذا الرفاه . و لسنا نعيد ترديد أسطوانة لوم الغرب ، رغم أن أدلة هيمنته كثيرة، و يمكن للقارئ الإطلاع على ما كتبه فيليب رودني في كتابه (كيف أفقر الغرب افريقيا) و على مختلف كتب كتَّاب ما بعد الاستعمار كإدوارد سعيد و فرانز فانون و البير ميمي و روبيرت يونغ و غيرهم. التفقير و التهميش و الإحتكار و سياسة فرق تسد من الداخل و الخارج لا زالت أموراً تستحق النظر، لكن بوعي مختلف يعي مساوئ نظرية المؤامرة فتُترك جانبا و يُترجم المفيد من العلوم.
لا أفوت الفرصة كذلك لأقول أن أغلب جهابدة الفكر الأروبي، لا يعترفون تماماً بتفلسف بلدان ما بعد الإستعمار، ولست أنسى ما أورده برتراند راسل في كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية" و لا ما قرأته بالحرف عِند الدكتور كارل بوبر في كتابه "المجتمع المنفتح و أعداءه"ً في هذا الصدد.راسل مثلاً يعمِّم، إذ يعتبر العرب مجرد معّلِّقين على الفلسفة، رغم أنه أثنى بشكل خجول على المجهود الذي قام به ابن سينا و ابن رشد. هذا المجهود الذي نعلم أنه كان صلة وصل بين التراث اليوناني الأرسطي و التنوير في أوروبا. و الرشدية اللاَّتينية معروفة لدى أغلب الباحثين. أما كارل بوبر فيعتبر العِلم صنيعة غربيَّة محضة، وذلك بعد أن تتبَّعه من عهد ما قبل السقراطيين إلى العصر المعاصر, مستبعداً أي تأثير قد يأتي من الجنوب العالمي، أكبر ند للغرب اليوم. ومن التناقض أن ما وجده كارل بوبر عند اللاّعقلانيين من مفكري الغرب القدماء مثل اناكسماندر و غيره لم يستخف به كما استخف ببقية العالم بل اعتبره لبنة مهمَّة في تاريخ الفكر لأنها تخبر العالم عن لا عقلانيته و غباءه، فلا عِلم بدون أخطاء.
أمّا نصيحة برتراند راسل في آخر صفحة من كتابه "مشاكل الفلسفة" فأكثر غرابة، فبعد أن أسَّس راسل لفكرة كون المعرفة الحقّة صعبة غاية الصُّعوبة. و تحليله لها في هذا الكتاب يذكر أي قارئ فطن بمغالطة "شلل التحليل"، فبعد أن أطنب في التحليل اطناباً مزعجاً أعطى راسل المثال بالطَّاولة كونها مستعصية على الوصف العِلمي الدقيق و أن أيَّ وَصف نعطيه لها لا بدَّ يجانب الصواب في وصف ماهيتها و حقيقتها، تأسِيساً منه ربما لفلسفة تحليليَّة تُشابه فلسفة التخطيء عند الدكتور كارل بوبر. و هكذا بعدما زرع جميع الشكوك حول صعوبة تحصيل الوصف الحق المضبوط، أورد الدكتور راسل لائحة فلاسفة في آخر الكتاب نصيحةً منه لمن أراد تعلّم الفلسفة، و الغريب أنه لم يرد أي فيلسوف من الشرق أو إفريقيا في هذه اللائحة رغم عِلم راسل الموسوعي بالموضوع. يقول راسل ما يلي بالحرف: "إن الطالب الذي يريد تعلّم الفلسفة سيكون من الجيد له قراءة كتب هذه اللائحة من الفلاسفة العظماء على الإستقصاء في الكتيبات الأقل أهميَّة: أفلاطون، ديكارت، سبينوزا ،لايبنيتز، بيركلي، هيوم، و كانط."(ترجمتي، صفحة 118 من النسخة الإنجليزية). راسل يورد عناوين الكتب المقصودة.
بعد هذا العائق النفسي و المتمثل في صعوبة تحصيل الإعتراف إلى مداخل العلم وحتى إلى الحق في التفلسف، إحالةً على رفض "الآخر المتقدم" الإعتراف بما تقدمه افريقيا و الشرق فكرياً، يأتي العائق المادي، و هو أن "لا مقارنة مع وجود الفارق" المادي الصارخ، لأن ما يُترجمه هذا النوع من المقارنة مع الغرب أو حتى الشرق دون تفصيل حدق (كالصين أو اليابان أو تركيا أو رواندا مثلاً) لا يبدوا منه للعيَّان إلا النذر القليل في الواقع المعاش و حتى في حياة المفكر المطلع في بعض الأحيان، كما يبدوا بالمقابل في عالم الفكر أو عالم المثل على رأي أفلاطون الذي بالمناسبة لم يستسغ أصحاب الخطاب الشعوري لأنهم في نظره منفصلون ثلاثاً عن الواقع من حيث لا يعلمون.
إن الكتب التي تضع الحداثة قيد الدرس في بلدان ما بعد الاستعمار كثيرة (كتب طه عبد الرحمن و محمد عابد الجابري و عبد الله العروي و حسين حنفي و الحبايي و غيرهم) و لكن القليل يتبدى لنا ولهم في الواقع المحسوس، إلا من من رشفة من قهوة ساخنةٍ داخل نسخة من مقهى باريسي، و أغلب من نعرف من المفكرين يعلوهم تشاؤم ضاهر و انعزال مقيت، لأنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أن الكتب على الرفوف و الواقع مُرّ مبهم . أي أن الفكر التنويري التقدُّمي لا يتحقق بكل بساطة في الواقع بينما، وهذا من العجائب، يتحقق الفكر الأورتودكسي الدوغمائي كما في انتشار السَّلفية المتشددة ومضاهرها، و في نفس الآن كذلك ينتشر "الفكر الحرُّ الدوغمائي" السطحي أو الحداثة الخليعة، و التي لا يخرج أصحابها عن فكرة مقارعة النبيذ وشراء التقنيات الحديثة، كما الهجوم على المتدينين كدليل على تحررهم و لسنا نعمم، بينما مؤشرات التنمية و حتى التنوير الفكري هابطة لدى الغالبية الساحقة . و نحن نتذكر الاستقصاء المشهور الذي وجد أن الفرد في بلدان ما بعد الإستعمار لا يقرأ إلا دقيقة واحدة في السنة، و في استطلاعات علمية كثيرة يعلو التشاؤم الغالبية العظمى و التي ترى الفساد مستشرياً في أغلب المؤسسات .استطلاع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لسنة 2017 معروف في هذا الصدد مثلاً و هي مؤسسة رائدة في البحث و الذي رصد حنف الأفراد في بلدان ما بعد الاستعمار وانتشار الفساد بها.
كما أسلفت، ينتشر هذان النوعان الضَّحلان كالنار في الهشيم. كتب تفسير الأحلام و الأدعية الطويلة و الكتيبات الصفراء و البودكستات الحقودة أو التافهة كما المنتجات التي تسفِّه الثقافة تملأ شوارع بلدان ما بعد الإستعمار، و الفرد القارئ المُتقن المنتج موجود لكنه مغيَّب أو مهاجر و يكاد يكون عملة ناذرة . والملاحظ أن الفكر العقلاني الحر مرفوض في جلسات أغلب العوام لأن الوهم المريح خير من حقيقة ساطعة على ما يبدو، و السبب واضح و هو أن العقلانية شرطها الأساسي هو الفردانية و الحرية و مساءلة الآبائية و العادات السيئة و الأوهام وهذه حدود عند العامة و ليست آفاقاً للنقد.
قلنا في المقدمة أن المفكِّر المسؤول يريد الدَّود عن ثقافته ضدَّ ثقافة الغير أو لنقل كندٍّ لثقافة الغير و لكن بنمط من التعميم و الإقصاء الفاضح لواقعه المعاش أحياناً . فالجابري مثلا بحث عن العقل العربي في البيان و البرهان و العرفان من داخل النسق الفلسفي العربي، وهذا الربط للفلسفة بلغة العرق فيه ما فيه من الإقصاء للأجناس و اللغات الأخرى المكوِّنة لعموم أعراق بلدان ما بعد الإستعمار و موروثهم الذي قد لا يكون كله عربيّاً. وهذا احتجاج صادق من القارئ الذي ليس عربياً، إذا تأكَّدنا كذلك أنه فرد واعٍ أولاً قبل كل شيء بأهمية كتابة مفهوم العقل بأي لغة مُتاحة و واعٍ كذلك بضرر الإستثمار في الإقصاء و بمنهجية فرق تسد الإستعمارية. ولا جواب عن هذا التعميم الغير علمي إلا أن يكتب من لاحظوا وجوده عن موروثهم و بلغتهم، دون السقوط في مطب اللوم و التباكي لكي لا أقول التفرقة والحقد المجاني. و لكننا في المقابل لا نلوم الجابري وغيره لأنه درس فكر مفكرين من الفرس و الأمازيغ اختاروا بكل بحرية اللغة العربية لكتابة كتبهم آنذاك، و لوم الجابري على الاختيارات اللغوية لأصحاب تلك الكتب التي يضعها هو تحت مجهر النقد ضرب من العبث. و كتابتي بالإنجليزية لا تجعل مني إنجليزيا بأي حال، لكنها لغة العصر اليوم. وحاجتنا لمن يعرِّفنا على العقل بأي لغة كانت أسبق و أفيد من أي شعور سلبي كيفما كان.
ولكي لا نتوه، فإن انفصال الفكر عن الواقع و محاولات المفكر الدود عن الثقافة على تعددها بنقد الحداثة قد تكون عملية تبرير لا أقل ولا أكثر خصوصاً حين تكون ولاءاً لأديولوجيا عمياء و حين لا تجدُ الأفكار المستنيرة ، عالمية كانت أو محلية، الطريق إلى الذوق العام و الإرادة العامة، فلا يجد المفكر لا في السياسة و لا في العمران و لا في التصنيع ما يجابه به الآخر المتطور إلا في حالات متفرقة محتشمة. ناهيك عن كون الآخر، ونقصد به هنا الغرب، تصِلُ به عقد الإستعلاء في أحيان كثيرة حدّ الاستهزاء والازدراء العلني في الإعلام و السياسة و الاتفاقيات الاقتصادية والحروب.
قبل التفلسف سيكون ربما أفيد لو نظر المفكر إلى الواقع أولاً و تأكد من إمكانية تحقيق فلسفته و قابليتها للفهم والتطبيق فتدرج بذلك في الطَّرح (من داخل الأسرة الأسرة و المعمل و المدرسة و الجامعة أولاً) و الفكر في نظري لا ينفع في شيء إن لم يكن إجباراً للفرد على العقلانية والحرية المسؤولة و احترام الواجبات و الحقوق في كل المرافق. و لا ننسى التركيز على سلامة نفسية من ترسل لهم المذكرات اللِّيبرالية التنويرية لأنه و الحق يقال يصعب جداً الكلام للخفافيش عن النور لأنه عمى بالنسبة لها، دون أن ننسى سلامة من يكتبونها كذلك و اطلاعهم على الواقع و مشاكله.
سيكون أفيد للذات لو توفَّرت شروط التنوير المادية أولاً، و أولّها استعداد قبلي مؤسساتي لجعل العقل سيّد كل المواقف، و يُساق للعقل جبراً من أبى و طوعاً من أرد. لكن هل من الدَّهاء السَّفر بدون عُدة؟ و هل يكفي العقل دون خريطة لسفر طويل؟ وهل يستقيم أن يُدعى الجوعى و الحفات العرات إلى مجلس لكي يتلقَّو دروس العقلانية و التنوير ؟ الأفكار العظيمة والبطون الفارغة قليلاً ما تلتقي، إلا إذا كانت هي الأخرى تستعمل لتُصبغ القدسيّة على التخلّف و النكوص، و قد قلنا هذا في مقال سابق: ماذا يكون الجائع غير العبد لكسرة الخبز؟ إذ لا تستقل الذات و لا يتبلور الفرد الشخص الحر المسؤول إلاَّ بعد تحصيل المعاش اليومي بكرامة. و القَول بغير هذا طبطبة على الظهر وبيع للوهم و استغلال للمقدس و غيرهِ للتدليس و الإيهام و الحشد.
قلنا في مقدمة هذا المقال أن بحث المفكر عن المصطلحات المرادفة لما عند الغرب يواجهه تحديات جمَّة. الحاصل أن المفكر النظري ( ونشير هنا الى المفكر الذي يعيش في الأبراج العاجية) لا يتأكد من تحقق الآفاق الرحبة التي يكتشفها و التي يصفها في الكتب و الندوات، لا يتحقق له تمظهرها حتى في أسرته الصغيرة في بعض الأحيان ولا في الواقع المعاش بالشكل المطلوب، إلا في الشعارات و على القصاصات و في المذكرات الفضفاضة و في حالاتٍ ناذرة واقعاً، و حتى في مُحاضراته يصيبه الضنك لأن ما يَصله من المجتمع عَرَض لانغلاق و حنق مقيت وضنك عام غَريب. فيكون بذلك المفكر المُصلح بين أمرين أحلاهما مرّ، و هي نفس مفارقة محمد عبده، فهو ند للغرب في كتبه فقط أو بربطة عنق و عِطر باريسي أو كأس نبيذ في حانة أروبية مزركشة أو بمصطلحات قوية فَلسفياً ، لكن ليس فيما يبدوا للعيان من تحقق الإصلاح بلغة الأرقام و في بحبوحة العيش و في الإبداع و الندِّ العالمية الراهنة. و منه ففلسفة التحقق، أي تحقق الأفكار في الواقع، و الهندسة المجتمعية العاقلة، من الأهمية بمكان كما فلسفة النظر. و لا يكون الفكر الفذ مفيداً مهما بلغ من التنظير إلا حين يتحقق على أرض الواقع مستنداً على العقل و الحرية و الجمال و الدعم.
الحاصل للأسف أن ما تحصده بلدان ما بعد الإستعمار من أرقام في أغلب المجالات مخيف حقاً ، و لن أورد هذه الأرقام في مجالات الصحة والتعليم و الإقتصاد و حتى من ترجمة الفكر الحداثي نفسه لكي لا نصاب بالاحباط أو نكون من دعاته، و يكفي أننا نقع في ذيل العالم عندما يصدر ترتيب احترام الدول لمؤشرات التنمية البشرية، لكن العمل أول الأمل.
إن هذا الشرخ بين التنظير و الممارسة واضح تماماً. لأن الأرقام لا تكذب و الغبن و الانتظار و الإحتجاجات في ردهات المؤسسات تخبر المنتظرين كل يوم عن واقع الحال. و نلاحظ دائماً أن الفرحة في ردهات مؤسَّسات ما بعد الاستعمار ليست تستفيد شيئاً من مصطلح العدل كما أخبرنا عنه أستاذنا في أقسام الثانوي. و فرحة تحقيق العدل في ردهات مؤسسات ما بعد الاستعمار لا تكون دائما فرحة قضاء الغرض و لكنها فرحة الخلاص منه و من شباك السماسرة والمضاربين و الطفيليين و المرضى النفسيين، فيتمنّى الفرد ألا يعود الى هذه الردهات أبداً. و هذا سبب أساسي لهروب رؤورس الأموال و العقول الفذة المستنيرة، و هي إحدى سبل تحقُّق التقدّم و الرَّفاه إلى حيث التِّرحاب و الشَّفافية و تبسيط المساطير. و منه فالمنابر تعلوها أزكى القيم و أرقى التعابير لكن الفرد مكلوم مهموم و لا يتحقق له من هذه المفردات إلا القليل و بعد جهد جهيد. و من ينكرون هذا الواقع اليومي لا بُد استبد بهم التبلُّد.
الظاهر أن المفكر و حتى المناضل السياسي (ولسنا نعمم) في بلدان ما بعد الإستعمار لا يهمُّه إلا التخطييء لكن بدون تمظهُر. ما يهمّه ربّما هو الانتماء و الولاء لمجموعته أو طائفته، لكي لا أقول الترقيات البسيطة و العلاوات. فتراه يدود عن الملَّة و الدين و الحزب و اللون و المجموعة، حتى و إن كان أغلب أعضاءها من الصم البكم كما في قصّة الأبارتايد و الآميش و المينونايت و السلف المتشدد، و هو انتماء بدون فرز في أحيان كثيرة و عثرة داخل المؤسسات حيث تعلو الأحقاد على الأدوار و الحقوق و الواجبات. و حتى الأصوات العقلانية من داخل التراث صُنعت بها الويلات ولست أخبر القراء عمّا صُنع ب ابن رشد و أغلب المعتزلة من التَّنكيل لجدَّةِ فكرهم و لعقولهم. و وحتى من يدودون عن الملَّة، مثلا، فلا يسألون أسئلة من قبيل كيف تقدم الغرب و تخلف الشرق؟ و كيف يتحقَّق النماء على أرض الواقع؟ ما هي الوسائل و الركائز و بأي ترتيب و تتبُّع تتحقّق المنجزات العظيمة ؟ هل من تراكمات التجربة أم من التنظير على الورق؟ كيف يكون الدين لبنة بناء روحي حضاري و كيف و متى يستغل فيكون لبنة انحطاط؟
آن الأوان لتفهم مجتمعات ما بعد الاستعمار أن التديُّن إن لم يكن سبباً للتقدم فلا بد سيستعمل، خصوصاً ممَّن دنت بهم المدارك و لبستهم الأهواء، سبباً للتخلف. و العلمانية التي تقزم نفسها في ربطات العنق و أقداح النبيذ آخر المساء لا بد ستتيه بها السبل كذلك. المفكر الشيخ يقع في الحرج و اللُّبس و الابهام، لأنه إن صدح بالحق كما في الخروج عن ربِّ عمل ضالم قد يقطع رزقه بيدهِ، و هو يعلم في قرارة نفسه أنه داعيَّة نكوص و قد يكون هو الوحيد القادر على الإصلاح لكنه غالباً ما يترك مثل هذه التكهنات الخارقة للمفكِّرين من خارج النمط الديني في الغالب و الذين لا يكونون بذلك القدر من القوة المادِّية لينقذوا أنفسهم فما بالك بغيرهم.
ولست أخفي القارئ سراً إن قلت أن الربط الميكانيكي للدين بالتقّدم و التخلف قول متاهفت، و يسقط في تناقضات كثيرة و أولها واقع الحال، و ثانيها أن الدين ليس شرطا للتقدم كما يحصل الآن في الصين اللاَّدينية تقريباً و ليس شرطا للتخلف كما حصل فعلا في الغرب، لأن البروتستانتية (التي بلورت حرّية تأويل المقدس و احترام الوقت و العمل) كما أخبرنا ماكس فييبر في كتابه "الأخلاق البروتيستانتية و روح الرأسمالية" كانت الأساس اللاَّمادي للرَّأسمالية المعاصرة. و الكنيسة و المسجد مجاوران للحانة في بريطانيا و لا يتدخَّلان في مهمَّة بعضهما البعض بأي شكل من الأشكال و الكل سعيد لأنهم فطنوا ، بعد الحروب الطاحنة الطويلة، أن لا سعادة ترجى من قهر الناس بسبب معتقدهم .
"سبل التحقق" غائبة في الشأن العام في سياق ما بعد الإستعمار. يسأل المثقف الهَووي نمط من الأسئلة التّعريفية (monist) الانتقائية و هي تكون غالباً على شكل: ما هو الدين؟ ما هي الصلاة والصيام ؟ و يستثني أسئلة من قبيل: ما المعرفة؟ وما العقل ؟ و ما النقد؟ ما هو العدل؟ و لا يتم البحث في أسئلة أكثر أهمية و هي أسئلة الكيف، من قبيل كيف نربط العقل بالواقع المعاش و نستثمره ؟ وكيف نجعل من الوصف و النقد أساساً جديداً لترميم مفاهيم قديمة و بناءِ مفاهيم جديدة تساهم في فهمنا للعلاقات بين الأشياء في الواقع ؟ وكيف ننتج ُمصطلحات جديدة تتماشى مع تطور المجتمع والظواهر ، كيف تحايث الذات مجتمعات الِعلم الأخرى وتتزود منها بما هو مفيد؟ كيف نطبق ما تَحمله ثقافتنا و ديننا من قيم نبيلة قد تكون لبنة حضارة و تقدُّم؟
أمّا المفكر المستقيل و الذي قتلته رتابة اليومي و الذي يخلف موعده مع التاريخ حين تتاح له فرصة التغيير و يعوِّض دوره الجوهري في التوجيه و النحت باللوم و التهكم و الهروب للأمام و تضخيم التفاصيل السلبية و استحضار الأحقاد و الضغائن المضمرة فلا شيء عندنا لنقوله غير ما قاله فرانتز فانون منذ عشرات السنين عن هذا النوع " مثقف ما بعد الإستعمار يجري وراء لقمة العيش." يقول فانون مايلي: "إن تصرُّف المثقف في هذه الفترة تصرُّف رجُل انتهازي رخيص، والحقُّ أن مناوراتِه لم تنقطع لحظة، والشعب لا يريد أن يُبعِدُه أو أن يُحرجه. فما يُريدُه الشعب هو أن يكون كل شيء مشتركـًا .. وجود ذلك الميل الغريب إلى التفاصيل لدى المثقف هو الذي سيؤجِّل انغماس المثقف في الموجة الشعبية العارمة. لا لأن الشعب عاجز عن التحليل، فهو يُحب أن تُشرَح له الأمور، هو يُحب أن يفهم مفاصل استدلال من الاستدلالات، يُحب أن يرى إلى أين هو ذاهب. ولكن المثقف المُستعمَر، في أول اتصاله بالشعب، يُركِّز اهتمامه على التفاصيل الدقيقة، ويصل من ذلك إلى نسيان هدف الكفاح نفسُه، ألا وهو إلحاق الهزيمة [بالتخلُّف] ".
ختاماً، عندما ينافح المفكر عن نمط ثقافي أو فكر راكم ما يكفي من التناقضات لينتهي و لا يقول فيه كلمة حق فهو فعلاً أصبح مفكراً محدوداً و نمطياً و يقدِّم راحته و ولاءه لمجموعته على التنوير و النقد، و هنا تنتهي مهمته إلا إذا راجع نفسه(ا).
فيما يفيد القول "أن الإنسان كائن أخلاقي وليس كائنا عقلانيا." حين لا تتحقق هذه الأخلاق ولا العقل في بلاد من يتبجحون بالأخلاق و الطقوس و تتحقق فعلاً في بلدان من رفعوا من قيمة العقل فوافق الأخلاق فزادهم ِرفعة أخلاقية وجمالية. ونحن هنا نستحضر الصين و اليابان و اسبانيا و تركيا ورواندا كأمثلة حيَّة.
المجتمع المنفتح المنتج لا بدَّ يُجبر على الحرية المسؤولة و العقل إذا إختار لنفسه غيرهما، و هذا يكون بتربيَّة الفرد على الإذعان للعقل و الحرِّية المسؤولة في الذوق العام لكي لا أقول الإرادة العامة، و يجبر عليها الفرد كلما مقتهما لأن الأجبار على الحرية و العقل أفيد دائما من الإجبار على التبعيَّة السلبية للشيخ و القبيلة و الطائفة و غيرها من النعرات الشادة و حيثما رسى العاقل الحر المسؤول أبدع و أمتع و عمل صالحاً.



#مبارك_بوالزيت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التابع
- أمراض الثقافة
- اغتراب ما بعد الإستعمار
- عقل النفاق
- عوائق دراسة الذاكرة و التراث في فكر ما بعد الإستعمار
- في فهم الإديولوجيا
- تأملات في الجمود و التغيير


المزيد.....




- كيف يُشكل استخدام إيران للذخائر العنقودية تحديًا للدفاعات ال ...
- الجيش الأمريكي: حريق بغرفة غسيل الملابس في أكبر حاملة طائرات ...
- تحطم طائرة أمريكية للتزود بالوقود في غرب العراق
- ماكرون يعلن مقتل جندي فرنسي في هجوم استهدف موقعا قرب أربيل ب ...
- استخبارات أمريكية: النظام الإيراني لا يزال متماسكا
- نتنياهو: مجتبى خامنئي -دمية للحرس الثوري الإيراني-
- تحطم طائرة أميركية للتزود بالوقود غرب العراق
- مجلس التعاون الخليجي: الهجمات الإيرانية طالت منشآت مدنية
- إسرائيل تستهدف مراكز قيادة تابعة لحزب الله في لبنان
- عبد الله بن زايد يستقبل وزير خارجية قبرص


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - مبارك بوالزيت - الذات و آفاق التحديث في بلدان ما بعد الاستعمار