|
|
مرة أخرى بصدد -النقابة الفئوية-: تفاعل مع نقاش قيادة FNE
هشام أكرام
الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 15:38
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
"هناك ضعف التضامن بين الشغيلة. هذه مسألة خطيرة لأن النقابة كلها مبنية على تلك الكلمة السحرية وهي التضامن . عندما ينعدم التضامن يُفرَغ العمل النقابي من محتواه التقدمي." [المناضل النقابي عبد الحميد أمين]. مقدمة لا بد منها: بعد نشر مقال "هل نحن في حاجة فعلية الى نقابة فئوية" [https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=903541]، أصدرت قيادة الجامعة الوطنية للتعليم- التوجه الديمقراطي [FNE]، في شخص كاتبها الوطني عبد الله غميمط، ردا عليه. بدايةً، نودُّ التأكيد على تثميننا لهذا الجواب، كونه تجاوزٌ لإحدى نقاط ضعف العمل النقابي؛ وهي غياب النقاش والسجال، إن لم يكن وأدُه داخل تنظيمات نضال شغيلة البلد. ونعتبر الرد إيجابيا كونه يوسِّع مساحة هذين النقاش والسجال لما فيه مصلحة تقوية نقابات الشغيلة وتطويرها لتفي بعلة وجودها: توحيد الشغيلة كي يكونوا قادرين على الدفاع على مصالحهم الآنية والتاريخية. كما نودُّ التأكيد، في هذه المقدِّمة، على أن رأينا الجماعي الصادر سابقا، لا يعارضُ بتاتا حقَّ شغيلة أي قطاع في أن ينتظموا في نقابة. فالقول: "ليس من حق شغيلة التعليم الابتدائي أن ينتظموا في نقابة خاصة بهم"، ليس قولَ رأينا الجماعي. فالجامعة الوطنية للتعليم- FNE، ذاتها ليس نقابة جامِعة، بل نقابة قطاعية، وكانت كذلك أيضا قبل أن يجري طردها من نقابة جامِعة وهي الاتحاد المغربي للشغل. كما لا يتناقض كون النقابة الوطنية للتعليم تنظيما لشغيلة التعليم مع كونها جزءًا من نقابة جامعة وهي الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. لذلك فما هو في صلب النقاش ليس هو "حق شغيلة التعليم الابتدائي في تأسيس نقابة خاصة بهم"، نقابةٌ قد نجد أنفسنا منخرطين-ات فيها، إذ أن المبدأ الذي يحكمنا هو: "نتواجد أينما يتواجد الشغيلة". ما في صلب النقاش والسجال هي الحجج التي جرى تقديمها لتبرير تأسيس نقابة خاصة بأساتذة/ات التعليم الابتدائي تحت مسمى "النقابة الفئوية". وهي مبررات نراها خاطئة، لذلك فالمبدأ الأول (نتواجد حيث يتواجد الشغيلة)، يكمِّله مبدأ ثانٍ وهو "قول الحقيقة للشغيلة، بدل مجاراة ما قد يعتقدونه ملائما، وهو ليس كذلك من وجهة نظر المصلحة الجماعية للشغيلة، وإن بدا لهم ملائما من وجهة النظر الفئوية الضيقة". لذلك سيتضمَّن هذا الرأي الجماعي الثاني نقاشَ وسجالَ ما نراه جوهريا في جواب قيادة الجامعة الوطنية للتعليم- FNE دفاعا عن "النقابة الفئوية". والغاية في النهاية هي طرح منظورات الاختلاف أمام أنظار جميع الشغيلة من أجل إسهام فعلي في بناء وتقوية أداوت نضالهم. أولا- بين التنازل للرأي السائد في صفوف الشغيلة ووجوب قول الحقيقة لهم ضمن ما يبرِّر تأسيس "نقابة فئوية" لأساتذة-ات التعليم الابتدائي، جاء في جواب قيادة FNE ما يلي: 1- "لا يمكن مطالبة الشغيلة بالانخراط في وحدة نقابية لم تعد تشعر بأنها تحميها أو تعبر عنها". وهنا يجب قول الحقيقة للشغيلة، فالوحدة النقابية ليست هي التي لا تحمي الشغيلة ولا تعبر عنهم، بل التجزئة النقابية، فضلا عن خط نقابي قائم على أفضلية الحوار على النضال، وما يستتبعه من جعل الحوار مجرد محطة تَحمل إليها الفئات ملفاتها المطلبية مجزأةً. لذلك ليست الفئوية نتيجة لـ"الوحدة النقابية التي لم تعد الشغيلة تشعر بأنها تحميها أو تعبر عنها"، بل هي نتاج التجزئة ذاتها وأحد مظاهرها. الأجدى هو أن تدافع القيادة النقابية عن "الوحدة النقابية"، وليس التنازل أمام رأي سائد في صفوف الأساتذة، هو عبارة عن "شعور". كان لازما أن تُظهِر قيادة FNE للشغيلة خطأ ذلك الشعور، بدل مجاراته... فقرار في حجم "تأسيس نقابة فئوية" يجب ألا يبنى على "الشعور"، بل بناء على تحليل دقيق وملموس. 2- "الإحساس بأن مطالب الابتدائي تُستعمل كورقة ضغط ثم تنسى عند التسويات". هنا أيضا يجب قول الحقيقة للشغيلة. والحقيقة هي أن المسؤول هو الدولة التي ترفض الاستجابة لمطالب أساتذة-ات الابتدائي وليس "نسيانها عند التسويات". وهنا أيضا لا يبنى القرار على "الأحاسيس"، بل على جدوى القرار وصحته. وتصحيح ذلك "الإحساس" يجب أن يجري بتجاوز ما يسببه: رفض الدولة. فتأسيس "النقابة الفئوية" لا يضمن أن تستجيب الدولة لمطالب شغيلة التعليم الابتدائي، بل نضال موحَّد، أي بالضرورة نضال غير فئوي، قدَّم عنه حراك شغيلة التعليم سنة 2023 نموذجا حيا. إن"فرض المشاركة في التفاوض" لا يستدعي "مشاركة ممثلي جميع الفئات في التفاوض"، لأن هذا الأخير سيتحول إلى ساحة تساوم فيها كل فئة على مطلبها الخاص بدل التفاوض على ملف مطلبي جامع يجابه جذور الهجوم في سياسة الدولة، ويعيد بالتالي إنتاج ما اعتبره جواب قيادة FNE أحد أسباب الفئوية: "أنظمة أساسية مجزِّئة". كما أن "المشاركة في التفاوض"، لا تقتصر على المشاركة في جلساته؛ بل يتعدى ذلك إلى إخضاع نتائج التفاوض لموافقة القواعد عبر عقد جموعات عامة في أماكن العمل ومقرات النقابات، بدل ما اعتادته القيادات النقابية من إصدار بلاغات تتضمن بشكل مقتضب ما جرى التوصل إليه من اتفاقات، وفي أحسن الأحوال بثٌّ مباشر (لايف) لشرح الاتفاقات. لقد قدَّم طلبة الطب نموذجا لديمقراطية القرار هذا عبر إخضاعهم نتائج كل جولة تفاوض إلى نقاش وتصويت داخل الجموع العامة، وهو السبيل الوحيد في نظرنا لمشاركة فعلية في التفاوض. إن الآلية الوحيدة لتفاوض يضمن مصالح الشغيلة، إلى جانب تفاوض مسنود بالنضال، هي لجنة تفاوض منتخَبة وخاضعة لرقابة القواعد وللمحاسبة والعزل. في حين أن ما يجري حاليا هو "حوار قطاعي ممأسس" تستعمل فيه الدولة القيادات النقابية وفق المقاربة التشاركية في تدبير أزمة القطاع، تدبيرٌ يحمِّل تكلفةَ الأزمة للقاعدة الواسعة من شغيلة القطاع: هيئة التدريس، وضمنها أساتذة-ات الابتدائي. ثانيا- في مسألة ضعف التمثيلية أحد المبررات التي جاءت في الرد هو "ضعف التمثيلية الفعلية في أجهزة القرار النقابي". من وجهة نظرنا لا يستدعي هذا المبرر تأسيس نقابة فئوية، فالمنطق كله مغلوط. فالتمثيلية داخل الجهاز النقابي لا تكون بالفئات بل بمن تراه الشغيلة أجدر بتمثيلها في هذه الأجهزة عبر تقوية الديمقراطية داخل فضاء نقابي موسع جامع لكل الفئات. إن جعل التمثيلية في أجهزة القرار النقابي مبنية على "الفئوية"، سيحوِّل القيادة إلى "لوبيات فئوية"، ما سيُضعف ليس فقط قوة التفاوض والنضال، بل قوة ووحدة النقابة الجامعة ذاتها. إذ ستتحول أجهزة القرار النقابي إلى "محفَلٍ يحاول ممثلو كل فئة فرض مطالبها في مواجهة الفئات الأخرى". ثالثا- حول قرار التأسيس والبناء جاء في جواب قيادة FNE ما يلي: "إن تأسيس نقابة فئوية لأساتذة التعليم الابتدائي ليست مسألة تقنية أو تنظيمية محضة، بل هو اختيار نقابي تبلور بعد نقاش مسؤول داخل أجهزة النقابة، رغم الوعي بوجود تناقضات وجب تدبيرها وفق تراتبيتها". وهذا الجواب يستدعي هذه الملاحظات: 1- يفرض مبدأُ قولِ الحقيقة للشغيلة أن تشرح قيادة FNE للشغيلة "ما هي تلك التناقضات التي تعي قيادة FNE وجودها؟"، وكيف سيجري "تدبيرها وفق تراتبيتها؟". لأن الإقرار بوجود التناقضات ووجوب تدبيرها دون تفصيل ذلك لن يساعدة الشغيلة في شيء، بل سيجعلهم عاجزين عن ذلك ما أن يتصادموا مع أول تلك التناقضات. 2- يتناقض قول قيادة FNE بأن "تأسيس نقابة فئوية لأساتذة التعليم الابتدائي.. هو اختيار نقابي تبلور بعد نقاش مسؤول داخل أجهزة النقابة"، مع ما ورد في مكان آخر من جوابها في فقرة "الفئوية: خيار أم نتيجة؟". فهنا ورد ما يلي: "يتعامل المنتقدون مع الفئوية وكأنها اختيار سياسي واع اتخذته فئات من الشغيلة ضد مصلحة الوحدة، بينما يغيب في تحليلهم أن الفئوية هي في كثير من الحالات نتيجة موضوعية لتراجع النقابة المؤطِّرة لكافة فئات الشغيلة التعليمية". فأيهما أصح: كونها "اختيار نقابي تبلور بعد نقاش مسؤول داخل أجهزة النقابة"، أم كونها "ليست اختيارا سياسا واعيا... وفي كثير من الحالات نتيجة موضوعية لتراجع النقابة المؤطِّرة لكافة فئات الشغيلة التعليمية"؟ يمكن استنتاج المنطق الذي حكم قرار قيادة FNE احتضانَ تأسيس نقابة فئوية كالتالي: ما دام شغيلة التعليم الابتدائي اتخذوا "عن غير وعي سياسي" تأسيس نقابتهم الفئوية، فلا ضير أن نكون نحن، من يلتقط تلك الفرصة عن وعيٍ، حتى وإن تعارضت مع منطق "النقابة المؤطِّرة لكافة فئات الشغيلة التعليمية"، وبتعبير آخر: "النقابة الفئوية مُضِرَّة، باستثناء إن كانت محتضَنة داخل FNE". وهذا ليس منطقا بنَّاءً، لأنه وإن كان يمنح للنقابة المبادرة (FNE) إمكانَ الاستفادة من استياء شغيلة التعليم الابتدائي لانتزاع مكاسب تنظيمية وتمثيلية، إلا أنه يكرِّس واقعا مدمِّرا للحركة النقابية. رابعا- في مسألة البيروقراطية تقتضي مواجهه البيروقراطية فهم الشروط التي أنتجتها وتوحيد صفوف الشغيله بدل الدفاع عن مسببات تشتيتهم. جاء في جواب قيادة FNE: "تجاوز البيروقراطية النقابية وفرض المشاركة في التفاوض". وهنا نتساءل عن أي بيروقراطية يجري الحديث هنا؟ إذا كان الأمر مرتبطا ببيروقراطيات النقابات الأخرى فلا يمكن لنقابة فئوية (نقابة أساتذة-ات التعليم الابتدائي) داخل نقابة قطاعية (FNE) أن تحارب البيروقراطية في صفوف النقابات التعليمية الأخرى. أما إن كان الأمر يتعلق بهذه النقابة (FNE) نفسها فهذا اعتراف بوجود البيروقراطية داخلها، وهو ما ظلت قيادتها تنفيه دوما. خامسا- نقد الفئوية: بين السياسي والأخلاقي يصف جواب قيادة FNE نقدنا للفئوية (الوارد في الرأي الجماعي) بأنه "نقد أخلاقي". لكننا نقول، بناء على ما تطرقنا إليه في السابق أن ما تقدمنا به هو نقد سياسي- نقابي (مع قلب الترتيب الذي ورد في جواب قيادة FNE: "نقابي- سياسي"). فالفئوية في واقعنا الحالي موجهة أساسا، في أحسن الحالات ضد القيادات النقابية، وفي أسوئها (وهي الغالبة) موجهة ضد فكرة النقابة بحد ذاتها. إن احتضان تأسيس نقابة فئوية لأساتذة-ات التعليم الابتدائي داخل هذه الجامعة الوطنية للتعليم- FNE لا يعني أن هؤلاء الأساتذة قد تخلوا عن آرائهم-هن من النقابة بشكل عام؛ بل يعني إدخالَ ذلك المنطق إلى داخل النقابة ذاتها، وهو ما يمكن أن يكون له أثر مدمر على الخط النقابي والسياسي لهذه النقابة (FNE) التي احتضنت تأسيس "نقابة فئوية". وبدل أن تكون "النقابة الفئوية" سبيلا انتقاليا نحو "نقابة جامعة"، ستتحول إلى العكس تماما: "تفكيك النقابة الجامعة إلى جزر فئوية"، فقد تأكد بالتجربة التاريخية أن ما يسمى عادةً انتقاليا غالبا ما يصبح دائما. وبالتالي فالخطر القائم هو أن يتحول المؤقت إلى واقع دائم بعدما تنشأ قيادة ومصالح جديدة منفصلة عن القاعدة التي كانت تدعي الدفاع عنها ضد القياداتِ/ النقابات الأخرى. ومما جاء في الرد أيضا "اختزال الفئوية في خيارات القيادات النقابية قراءة سطحية تغفل السياق السياسي والاجتماعي والمؤسساتي الذي انتجها". وهنا نشير إلى أن رأينا الجماعي الأول، لم يقل، لا من قرب ولا من بعيد، إن ظاهرة الفئوية هي "خيارات القيادات النقابية"، بل قلنا "إن القيادات النقابية رضخت واستسلمت لذلك الخيار"، وبدل الدفاع عن خط نقابي موحَّد وموحِّد استسلمت القيادات النقابية لموجة الفئوية الغامرة، في تنافس بينها كي لا تفقد كل واحدة منها التمثيلية في صفوف تلك الفئات. وهنا نتفق مع جواب قيادة FNE: "صحيح أن الوحدة لا تفرض بالشعارات"، ونضيف أيضا أنها لا تبنى بإنشاء إطارات منفصلة تجعل التنسيق أصعب وتضعف قوة الضغط الجماعي. وحين نقول إن تفتيت الشغيلة يضعفها فهذا ليس موقفا أخلاقيا وإنما قراءة عملية لتجارب سابقة. سادسا- تشخيص صحيح واستنتاجات خاطئة جاء في جواب قيادة FNE على رأينا الجماعي: "تشخيص الفئوية كونها نتيجة مباشرة لسياسة رسمية أدت إلى تفتيت الشغيله التعليمية عبر أنظمة أساسية مجزئة وضربت مبدأ الوحدة داخل الوظيفة التعليمية، وأضعفت النقابات القطاعية عبر الحوارات الشكلية وعدم تنفيذ الاتفاقيات وأقصت بشكل متعمد المطالب الشاملة". بعد كل هذا التشخيص الصحيح والذي نتفق معه جملة وتفصيلا،كان قرار قيادة FNE هو الخضوع للواقع الذي رفضه تشخيصها: القبول بالفئوية، وبالتالي اعتبار الواقع أقوى من إرادة الفاعلين (شغيلة وقيادات). ولجعل ذلك مُقنعا تضيف قيادة FNE إلى كلمة "واقع" كلمةَ "موضوعي" لجعل الحجة أقوى بأنه "واقع لا يمكن معالجته"، وبالتالي فالحل هو "مسايرة هذا الواقع و مواكبته". وهذا يظهر في فقرة أخرى من جواب قيادة FNE: "إما مرافقة نضالات فئات متضررة وملموسة، أو تركها وحيدة في مواجهة الوزارة، وهو ما كان سيُعَد تخليا عن الدور النضالي للنقابة". لكن لا شيء يجبر القيادة النقابية على الاختيار بين هذين الخيارين، وكأننا أمام المقولة الشهيرة "أهون الشرين" الذي يتحول مع الوقت إلى أسوء الشرور. إنه منطق "ابتزاز" في النقاش يعني أن كل من يرفض تأسيس "نقابة فئوية" يتخذ قراره عن وعي بـ"ترك نضالات فئات متضررة وحيدة في مواجهة الوزارة"، بينما يصوِّر المبادر بتأسيس "نقابة فئوية" بأنه "يرافق نضالات فئات متضررة...". إن هذه الفقرة توضِّح فعلا الخط "النقابي-السياسي" لقيادة FNE: "مرافقة نضالات الفئات". في حين أن "الدور النضالي للنقابة"، لا يقوم على "المرافقة"، بل على إيقاظ الشغيلة وتنظيمهم ومحاربة الأوهام السائدة في صفوفهم (لا قبولها) وطرح منظور موحَّد للنضال أمامهم. سابعا- الوجه الاستراتيجي للنقاش 1. جاء في جواب قيادة FNE: "إن دعم مطالب فئوية لا يعني تبني الفئوية كخيار استراتيجي، بل يعكس في كثير من الأحيان غياب إطار نضالي موحد فرضته الدولة نفسها". وهنا تقول قيادة FNE الشيء ونقيضه. فمرة تقول بأن تأسيس "نقابة فئوية" هو "اختيار نقابي تبلور بعد نقاش مسؤول داخل أجهزة النقابة"، ومرة أخرى تقول "ليس تبني الفئوية خيارا استراتيجيا". إما أن كلمة "استراتيجية" غير مفهومة، أو تَلاَعُبٌ بها. فكل ما جرده جواب قيادة FNE من تشخيص للواقع الموضوعي للحركة النقابية وكون وضعِها ناتجٌ عن سياسات الدولة، يعني أن مواجهة ذلك الواقع الموضوعي وتلك السياسات يستدعي "خيارا استراتيجيا"، وهذا الأخير لخَّصه جواب قيادة FNE في "النقابة الفئوية"، الذي قالت عنه في نفس الوقت "ليس خيارا استراتيجيا"... فلا يمكن مواجهة واقع موضوعي راسخ بخيار يقال عنه تارة إنه "استراتيجي" وتارة أخرى أنه "غير استراتيجي". 2. في نفس النقطة جاء في جواب قيادة FNE: "في مثل هذا السياق، قد لا تكون النقابة الفئوية حلا استراتيجيا نهائيا، لكنها قد تمثل شكلا انتقاليا لإعادة تنظيم القواعد وبناء توازن قوى جديد، شريطة ألا تنغلق على ذاتها وألا تتحول إلى أداة تفاوض تقني معزول". كلمة "السياق" هنا مهمة جدا. فالسياق كما ورد في الجواب (الواقع الموضوعي للحركة النقابية وسياسات الدولة المشتتة لوحدة الشغيلة، وإحساس شغيلة التعليم الابتدائي بأنهم مقصيون... إلخ)، كل ذلك يفيد بشكل جازم وقاطع أن تأسيس "النقابة الفئوية" هو "حل استراتيجي نهائي"، ولا يهم إن كانت قيادة FNE تقول إنه ليس كذلك، بل ما يهم هنا هو ما يعتقده شغيلة التعليم الابتدائي، حتى وإن أسسوا "نقابتهم الفئوية" داخل FNE، فما دامت الشروط الواردة أعلاه، فستتعمق الفئوية أكثر وتنغرس أكثر داخل FNE نفسها، وقد تحدث انسحابات وانشقاقات بمبرر أن قيادة FNE لم تمثل شغيلة التعليم الابتدائي أحسن تمثيل أو أنها "استعملت مطالب الابتدائي كورقة ضغط ونستها عند عقد التسويات"... إلخ. قولُ "انتقالي" ليس صحيحا هنا بالمرة. وهذا يستدعي تحليلا ملموسا لـ"السياق الملموس". ففي المغرب لا تنعدم "النقابة الجامعة"، بل ما ينعدم هو "المنظور السياسي- النقابي الشامل والجامع". وتأسيس "نقابة فئوية" (حتى وإن جرى داخل نقابة جامعةٍ وهي FNE) هو تقهقر إلى الوراء وليس "شكلا انتقاليا". قولُ إن تأسيس "النقابة الفئوية" هو "شكل انتقالي لإعادة تنظيم القواعد وبناء توازن قوى جديد"، يعني في سياقنا شيئا واحدا: "بناء توازن قوى جديد" داخل النقابات الجامعة بحد ذاتها (أي داخل FNE في حالتنا هذه)، وليس بناء توازن قوى جديد داخل المجتمع وفي مواجهة سياسات الدولة. فلا يمكن "بناء ميزان قوى جديد"، بتأسيس "نقابة فئوية"، بل بالعكس برفض مبررات ومنطق تأسيس نقابة فئوية، مبررات ومنطق كلها تنحو نحو تعميق "ميزان القوى القديم" المائل لصالح سياسات الدولة. أخيرا- السؤال الكلاسيكي: "ما العمل؟" نتفق كليا مع النقط التفصيلية التي أوردها جواب قيادة FNE في خاتمته: - استعادة القرار النقابي من القاعدة؛ - بناء أدوات نضالية ديمقراطية؛ - ربط المطالب الفئوية بالمعركة العامة دون وصاية ولا إقصاء. لكن للأسف الشديد، نعتبر أن تأسيس "نقابة فئوية" بالمبررات المقدَّمة، ليس سبيلا لتحقيق هذا الرهان الحقيقي. بالنسبة لنا ليس المشكل تنظيميا/ تقنيا محض، وهنا أيضا نتفق مع جواب قيادة FNE. المشكل في جوهره استراتيجيٌّ، ويتعلق بمنظور العمل النقابي السائد في البلد منذ أكثر من قرن من تواجد النقابة. إن جوهر العمل النقابي، وإن كان يدافع عن مصالح آنية (رفع الأجور، الترقيات، أي تحسين الأوضاع المهنية)، إلا أنه يجب أن يكون موجَّها لتحرير الشغيلة من عبودية العمل المأجور، تحرير الشغيلة من مجتمع يُجبرهم الخوف من الموت جوعا على بيع قوة عملهم لأرباب عمل أفراد، أو رب عمل جماعي تمثله الدولة والأكاديميات الجهوية في حالة التعليم. هذا المنظور الاستراتيجي غائب تماما لدى قيادات النقابات المغربية، وإن وُجد لدى بعضها فهو يكون بلاغيا فقط، بينما تنحو الممارسة اليومية إلى نقيضه. وفي الجهة الأخرى فإن المنظور الآخر، المنظور غير العمالي هو السائد في صفوف القيادات النقابية: منظور جعل النقابة العمالية عرَبة مربوطة بإحكام بحصان قوى سياسية غير عمالية، أي قوى سياسية برجوازية تستعمل النقابة العمالية لخدمة أهدافها السياسية. بدون تصحيح هذا المنظور، وبالتالي ضمان استقلالية النقابة العمالية عن القوى السياسية غير العمالية (أحزابا كانت أم دولةً)، فإن الخيارات التنظيمية مثل تأسيس نقابة فئوية أو البقاء نقابة قطاعية خارج النقابة الجامعة، لن تغيِّر شيئا في واقع العمل النقابي المأزوم. وفي سياق قطاع التعليم نتفق تماما مع ما ورد في جواب FNE: "إعادة الاعتبار للابتدائي كقاعدة صلبة للمدرسة العمومية". فإعادة الاعتبار هذه لا تكون بعزل الابتدائي عن باقي الأسلاك بل بجعل قضاياه جزءا من معركة تعليمية شاملة لكل الشعب، وليس فقط لشغيلة التعليم. فالهجوم على المدرسة العمومية شامل والدفاع يجب أن يكون كذلك شاملا. - هشام أكرام: أستاذ (مديرية أزيلال) - رجاء برهمان: أستاذة (مديرية الصويرة) - محمد ايت احمد: أستاذ (مديرية شيشاوة) - مريم الصبير: أستاذة (مديرية مراكش) - بشرى لكفول: أستاذة (مديرية الرحامنة)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تحسّن سوق العمل في السويد رغم حالة التوتر عالميًا
-
-الموت أو الجوع-.. العمال الآسيويون في الخليج تحت القصف بلا
...
-
CUBA IS NOT ALONE – WORKING WOMEN AGAINST THE IMPERIALIST BL
...
-
-انتظروا ندائي الأخير-.. بهلوي يدعو الإيرانيين إلى التزام من
...
-
WFTU Announcement and Call for Participation in the 114th Se
...
-
إعلان اتحاد النقابات العالمي ودعوته للمشاركة في الدورة الـ 1
...
-
Protest in support of Cuba in front of the US Embassy in Pra
...
-
تعرض مبنى القنصلية الروسية في أصفهان لأضرار وإصابة عدد من ال
...
-
مصر تعتزم رفع الحد الأدنى للأجور وسط ضغط التضخم وارتفاع أسعا
...
-
بلاغ اخباري حول الحوار الاجتماعي القطاعي مع وزارة الشباب وال
...
المزيد.....
-
النظام الداخلي للإتّحاد العام التونسي للشغل أداة طرّزتها الب
...
/ حمده درويش
-
ملامح من تاريخ الحركة النقابية
/ الحاج عبدالرحمن الحاج
-
تجربة الحزب الشيوعي السوداني في الحركة النقابية
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
الفصل السادس: من عالم لآخر - من كتاب “الذاكرة المصادرة، محنة
...
/ ماري سيغارا
-
الفصل الرابع: الفانوس السحري - من كتاب “الذاكرة المصادرة، مح
...
/ ماري سيغارا
-
التجربة السياسية للجان العمالية في المناطق الصناعية ببيروت (
...
/ روسانا توفارو
-
تاريخ الحركة النّقابيّة التّونسيّة تاريخ أزمات
/ جيلاني الهمامي
-
دليل العمل النقابي
/ مارية شرف
-
الحركة النقابيّة التونسيّة وثورة 14 جانفي 2011 تجربة «اللّقا
...
/ خميس بن محمد عرفاوي
-
مجلة التحالف - العدد الثالث- عدد تذكاري بمناسبة عيد العمال
/ حزب التحالف الشعبي الاشتراكي
المزيد.....
|