بشرى لكفول
الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 19:14
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
بشرى لكفول ومحمد آيت أحمد ورجاء برهمان وهشام أكرام ومريم الصبير
مرة أخرى، طفا إلى السطح استياء هيئة التدريس من استفادة فئات بعينها من تعويضات مدرسة الريادة، وأعيدَ إلى الواجهة موضوع أن الذي أشعل حراك شغيلة التعليم سنة 2023، والذي قدَّم التضحيات هو الأساتذة- ات، بينما المستفيد هو فئات التفتيش والإدارة وهيئة المتصرفين- ات... إلخ.
طبعا هذا الاستياء مشروع ومنوَّهٌ به، ويدُل على أن الوضع الاجتماعي لشغيلة التعليم أبعدُ من أن يكون قد تحسَّن بعد تلك التنازلات المالية التي مُنحت لإطفاء حراك سنة 2023، وأيضا إشارة إلى أن جمرة الاستياء لا تزالُ متُّقدة تحت رماد تلك التنازلات، وتحتاج فقط شرارةً لإيقادها من جديد.
لكن، هذا الاستياء الأستاذي للأسف يوجَّه وجهته غير الصحيحة. إذ المسؤول عن وضع الأساتذة- ات المادي، ليس فئات أخرى أو قيادات نقابية لا تتقن التفاوض. المسؤول هو سياسة عامة، تفضِّل منح امتيازات مادية لفئات قليلة العدد لكن دورها حاسم في تنزيل الإصلاح الهيكلي لمنظومة التربية والتكوين بحكم موقعها في التراتبية الإدارية للمنظومة، على أن تستجيب للمطالب المادية لهيئة التدريس البالغة مئات الآلاف. بدون رفض هذه السياسة العامة، فإن الاستياء الأستاذي بدوره سيقف على نفس الأرضية: "امنحونا زيادات في الأجور وسنساهم بدورنا في تنزيل ذلك الإصلاح الهيكلي".
في هذا السياق طُرح مقتَرح تأسيس نقابة فئوية، بمبررات سنناقشها أدناه، وهي مبرارات نؤمن أن من يطرحها يدافع عنها بكل صدق وحسن نية، إلا أننا لا نعتقد أنها صائبة اعتمادا على التجارب السابقة لنضال شغيلة القطاع وأيضا كل الشغيلة بالبلد.
هل النقابات تمثل فئات أخرى بينما لا تمثل هيئة التدريس؟
إحدى الحجج المعضِّدة لضرورة النقابة الفئوية هي أن النقابات الحالية "لا تمثِّل إلا نفسها وتدافع عن فئات أخرى غائبة عن النضال، في حين أنها لا تمثل هيئة التدريس". إن تحويل هذا الخلل إلى مبرر للدفاع عن النقابة الفئوية يخطئ الهدف. لأن تعويض معضلة التمثيلية بتفكيكها إلى تمثيليات فئوية لا يعالج المعضلة، بل يعيد إنتاجها في صيغة مجزأة: كل فئة تفاوض وحدها وتناضل وحدها وتُستنزف وحدها، بينما تستمر الهجمة الشاملة على المدرسة العمومية والوظيفة العمومية دون مقاومة موحِّدة قادرة على خلخلة ميزان القوى لصالح الشغيلة.
إن غياب بعض الفئات (وهي المستفيدة) عن الميدان مقابل حضور فئات أخرى (وهي غير المستفيدة) لا يعكس وعيا تنظيميا متقدما لدى هذه الأخيرة، بقدر ما يعكس اختلالات عميقة في التأطير والتنظيم داخل النقابات، حيث جرى تفريغ الفعل الجماعي من محتواه وتحويله إلى تفويض سلبي للقيادات بدل أن يكون ممارسة ديمقراطية نابعة من القاعدة. فالمشكل الحقيقي ليس في غياب النقابة الفئوية، بل في استسلام القيادات النقابية أمام المنطق الفئوي، وتحويلها النقابات من تنظيم موحَّد وموحِّد إلى مجرد تجميعٍ لفسيفساء فئات لا جامع بينها، وجُزرٌ كل جزيرة تنافح عن مطلبها الخاص. كما أن منطق التمثيلية الذي يشكل شرطا للحوار القطاعي هو ذاته مدمِّر لهذه الوحدة، فـ"التقطيع الانتخابي" يجعل من فئات بعينها ذات وزن أكبر مقارنة بفئات أخرى، ولهاثُ القيادات النقابية وراء التمثيلية يجعلها أسيرة فئات دون غيرها. لذلك فالحل ليس في النقابة الفئوية بل في تجاوز منطق الفئوية المدمِّر ذاته.
لكل هذا نعتقد صادقين- ات أن تأسيس نقابة فئوية ليس حلا للمعضلة، بقدر ما يمثل تعميقا لها وتشتيتا لجسم نال منه التشتيت منالا. كما علينا الانتباه إلى أن القيادات النقابية لن تعارض تشكيل نقابات فئوية، بل ستدعمها، وقد بدأ الأمر فعلا في نقابات بعينها. القيادات النقابية ليست متضررة من المنظور الفئوي، فهو الذي يديم لها سيطرتها على النقابة ويمنع الشغيلة بمجملهم من إعادة امتلاك النقابة وتدبيرها وتسييرها لما يخدم مصلحتهم الجماعية.
هل المشكل في أن النقابات لا تملك دراية حقيقية بخصوصيات الملفات الفئوية؟
إن اختزال أزمة التفاوض في جهل القيادات بخصوصيات الملفات الفئوية يطرح المشكلة بشكل جزئي. فالمشكل لا يكمن في غياب مختصين من كل فئة داخل طاولة الحوار، بل في غياب آليات ديمقراطية تُلزم القيادة بالرجوع إلى القاعدة والاستماع إليها وصياغة الملفات بشكل جماعي وربط التفاوض بالفعل النضالي لا بعلاقات الثقة في الوزارة وانتظار التزامها الإيجابي بمخرجات الحوار.
القول إن القيادات “لا تفقه طبيعة المهام اليومية للفئات وملفاتها” يبرئها من مسؤوليتها السياسية والتنظيمية. فالمشكل ليس في كون هذه القيادات لا تملك دراية حقيقية بخصوصيات الملفات الفئوية، بل بالعكس لأنها تملك دراية مُفرطة لهذه الملفات، ما يجعلها ضعيفة في التفاوض مع وزارة تشتغل بمنطق جامع يشمل مجمل المنظومة ومَحاورها (التلميذ- الأستاذ- المدرسة)، في حين أن القيادات النقابية تقتصر فقط على القشور: مصالح كل فئة بعينها.
هذه القيادات تشتغل وفق تصور محدود لدور النقابة بعيدا عن علة وجودها، تصورٌ يقوم على منطق التعاون والشراكة بدل النضال وبناء ميزان القوى، وعلى البحث عن تسويات تقنية بدل خوض نضال شامل دفاعا عن المدرسة والوظيفة العموميتين.
النقابة الفئوية: مرحلة انتقالية؟
أما عن نقطة اعتبار النقابة الفئوية مرحلة انتقالية أو مكملًا مرحليا للنقابة الجامعة، فهو أمر سليم ونتفق معه تماما، إذ إن الأساتذة- ات، في سياق تفكك نقابي عام، لا بد أن يَمُروا من مرحلة الاعتقاد بأن النضال الفئوي أجدى من النضال العام، ولكن ليس بالضرورة أن يجري ترسيم هذه المرحلة على شكل تأسيس نقابة فئوية، فهذا لن يزيد الوضع النقابي إلا تفككا. لقد بُنيت الحركة النقابية المغربية بهذه الطريقة، إذ انتقلت من جمعيات وتعاضديات وجامعات إلى تشكيل نقابات جامعة، لذلك فإن القول حاليا بتأسيس نقابة فئوية ليس تقدُّما بل تراجعا إلى مرحلة خلفها شغيلة المغرب وراءهم منذ عقود. إن القول بتأسيس نقابة فئوية في وضعنا الحالي ليس مرحلة انتقالية نحو نقابة جامعة، إنما تقهقهرا من النقابة الجامعة إلى وضع التشتت الفئوي.
إن تحصين المدرسة والوظيفة العموميتين لا يمكن أن يمر عبر تعدد التمثيليات وتكريس الفئوية، بل عبر بناء نقابات قوية وموحدة وديمقراطية، تنطلق من القاعدة وتعترف بالخصوصيات دون تحويلها إلى حدود فاصلة بين الشغيلة. فالاعتراف بالخصوصيات لا يعني تحويلها إلى هويات نضالية مغلقة، بل يتطلب إدماجها داخل مشروع جماعي يربط بين المطالب الفئوية والمعركة العامة ضد السياسات التي تستهدف الجميع.
حدود النضال الفئوي
طرحت التحولات التي عرفها المشهد النضالي بقطاع التعليم في السنوات الأخيرة، خصوصا مع تكثيف الهجمات على المدرسة والوظيفة العموميتين، سؤالا مهما ومركزيا حول الأشكال التنظيمية والنضالية القادرة على تحصين مكتسبات الشغيلة وانتزاع أخرى جديدة. فبين غياب الثقة في القيادات النقابية التي اختارت الاصطفاف إلى جانب الوزارة، وتنامي إحساس الشغيلة باستبعادها من القرار بخصوص المعارك والمطالب، برز نقاش النضال الفئوي بقوة داخل وخارج النقابات كخيار بدا، في نظر البعض، أكثر نجاعة في مواجهة الهجمات المتتالية على الحق في الشغل والتعليم.
لقد أكدت التجارب الميدانية، كمعركة إسقاط التعاقد ومعركة إسقاط المرسومين، أن أي نجاح جزئي لأي فئة يستحيل أن يتحول تلقائيا إلى حماية جماعية لكل حقوق الشغيلة. فقد خاض العديد من الفئات معارك نضالية قوية وبكل صدق، واستطاع بعضها تحقيق مطالب جزئية دون أن تمس بجوهر الهجمات. فمعركة فوج الكرامة حققت الإدماج دون إسقاط المرسومين، كما حقق المفروض عليهم التعاقد بعض المكتسبات الجزئية دون القضاء النهائي على التعاقد الذي تحوَّل إلى توظيف جهوي.
رغم قوة هذه المعارك، فإنها لم تستطع التأثير في ميزان القوى بما يسمح بتحويل انتصاراتها الجزئية إلى مكاسب جماعية دائمة يستفيد منها الجميع. طبعا، لا يمكن فصل النقاش حول النقابة الفئوية عن الأزمة العامة التي يعيشها العمل النقابي. فبروز الفئات جاء استجابةً مباشرة لوضع نقابي مأزوم: قيادات بعيدة عن القاعدة وتفاوض بمعزل عنها، وتتعامل مع الملفات بمنطق تقني ضيق، بدل اعتبارها جزءا من معركة شاملة للدفاع عن المدرسة والوظيفة العموميتين. صحيح أن الانطلاق من الميدان ومن نبض المعنيين الحقيقيين شرط أساسي لتجديد العمل النقابي، وصحيح كذلك أن نضالات الفئات فرضت نفسها كقوة ميدانية وربما قد أحرجت النقابات وأجبرتها أحيانا على التفاعل. غير أن هذا الأمر، في حد ذاته، لا يكفي ليجعل من الفئوية خيارا صحيحا لتجاوز الأزمة، بل يظل مجرد توصيف للواقع لا إجابةً عليه.
لقد أبان الواقع أن الفئوية، إذا لم تتطور إلى نضال جماعي، ومهما كانت النوايا حسنةً، تُضعف وحدة الضغط وتحول الصراع من معركة جماعية سياسية إلى ملفات تقنية معزولة يَسهل تدبيرها من طرف الدولة دون المساس بجوهر السياسات والخيارات. فبدل مواجهة مشروع متكامل يستهدف التعليم والشغل العمومي، نجد أنفسنا أمام مفاوضات مجزأة تبحث فيها كل فئة عن حل خاص بها، في غياب أفق مشترك.
كما أن القول بأن نضالات الفئات أعادت التوازن وأحرجت النقابات صحيح جزئيا فقط، لأن هذا الإحراج ظل في الغالب شكليا، إذ لم ينعكس داخليا على بنية هذه النقابات ولا على طرق اشتغالها، بل استطاعت معه البيروقراطيات التعايش معها بما يضمن استمرارها في مواقعها واستمرار نفس المنطق التفاوضي المريح للدولة. والدليل على ذلك أن الفئات، وبالرغم من قوتها الميدانية وتوليها نقاش ملفاتها مباشرة، لم تستطع تحقيق نتائج ملموسة تتناسب مع حجم التضحيات، بل وتم إنهاكها في مفاوضات ضيقة الأفق ومفصولة عن المعركة الشاملة.
لا غنى عن منظور نضالي شامل
لا يمكن تجاوز الوضع النقابي المأزوم بخلق نقابات فئوية، بل بتغيير منطق اشتغال النقابة نفسه: ربط القيادة بالقاعدة، وربط التفاوض بالميدان، وربط الملفات الجزئية بالمعركة الشاملة، وجعل التمثيلية فعلا نضاليا حقيقيا لا حضورا شكليا في جلسات الحوار التي تستغلها الدولة لإنهاك الشغيلة وفرض شروطها. إن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى نقابة فئوية اليوم؟ بل كيف نبني نقابة موحدة ديمقراطية تعبر عن كل الفئات دون أن تفككها؟ وكيف نحول الغضب الفئوي المشروع إلى قوة جماعية قادرة على قلب ميزان القوى بدل تشتيته؟ فالتجربة علمتنا أن ما لا تحققه الوحدة لن تحققه الفئوية، وأن ما يُنتزع جماعيا يصعب التراجع عنه، بينما ما يُنتزع فئويا يظل هشا وقابلا للالتفاف عليه. والخلاصة أن الرهان ليس في تعدد التنظيمات، بل في إعادة بناء العمل النقابي من القاعدة، على أساس النضال المشترك والديمقراطية الداخلية وربط الدفاع عن الحقوق المهنية بالدفاع عن المدرسة العمومية باعتبارها قضية مجتمع لا ملفا تقنيا لفئة دون أخرى.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟