أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد الساعدي - (توقيت آخر للحياة)... حين يصبح الزمن سيرةً للروح














المزيد.....

(توقيت آخر للحياة)... حين يصبح الزمن سيرةً للروح


حميد الساعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 19:45
المحور: الادب والفن
    


(توقيت آخر للحياة)...
حين يصبح الزمن سيرةً للروح
بقلم: حميد الساعدي


صدرت رواية (توقيت آخر للحياة) للروائية العراقية بشرى الهلالي عن دار الحكمة – لندن 2026 ضمن جديد المكتبة الروائية العراقية، وهي التجربة الروائية الثانية لها بعد رواية ( المواطنة 247) والتي أعطت هذا العمل اسمه ليُعلن عن تجربة سردية تتجاوز الزمن المألوف وتعيد رسم لحظات الوجود من منظورٍ مختلف وعميق.
في رواية توقيت آخر للحياة للروائية العراقية بشرى الهلالي لا نكون أمام حكاية تُروى بقدر ما نكون أمام زمنٍ يُعاد اختراعه. فالرواية لا تنشغل بما حدث بقدر ما تنشغل بكيفية حدوثه في الوعي، ولا تهتم بتسلسل الوقائع بقدر ما تفتّش عن التشققات الخفية التي يتركها الزمن في الروح.
الروائية، بصفتها أكاديمية وكاتبة وصحفية عراقية، تضع في هذا النص تجربتها الفكرية والمعرفية، فتطرح من خلاله أسئلة وجودية حول الهوية، والاغتراب، وإعادة البناء الذاتي بعد الصدمة، مما يجعل الرواية تتجاوز مجرد السرد الواقعي إلى سرد فلسفي وتأملي في معنى الحياة والزمن.
منذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام فرضية وجودية: ماذا لو أن للحياة أكثر من توقيت؟ ماذا لو أن ما نظنه نهايةً ليس سوى انتقالٍ إلى إيقاعٍ آخر لا تقيسه ساعات الجدران بل نبضات الداخل؟ هنا لا يعود الزمن إطارًا خارجيًا، بل يتحول إلى بطلٍ خفيّ، يوجّه التجربة، ويعيد ترتيب العلاقات بين الذاكرة والحاضر.
الرواية تنتمي إلى ما يمكن تسميته بالسرد التأملي–الوجودي؛ حيث تتقدّم الذات الساردة بوصفها مركز التجربة، لكنها ليست ذاتًا مكتفية بنفسها، بل ذاتًا في حالة انكشاف دائم. المكان، مهما كان بعيدًا جغرافيًا، ليس سوى مرآة داخلية؛ والغربة ليست انتقالًا من وطن إلى آخر، بل انتقال من يقينٍ إلى سؤال.
تتحرك البنية السردية بعيدًا عن الخطوط التقليدية. الزمن فيها متشظٍ، متداخل، يطلّ الماضي من ثنايا الحاضر، ويطلّ الحاضر من ذاكرة لم تُحسم بعد. هذا التداخل لا يأتي بوصفه تقنية شكلية، بل ضرورة نفسية؛ فالذات التي تعيش “توقيتًا آخر” لا تستطيع أن تسرد حياتها بلغة مستقيمة. إنها تعيد تركيب نفسها عبر شظايا.
لغة الهلالي تميل إلى التكثيف والتأمل. ليست لغة وصف خارجي، بل لغة إصغاء داخلي. الجمل تتقدم بحذر، كأنها تتحسس الطريق في عتمةٍ شفيفة. ثمة ميل واضح إلى تحويل الفكرة إلى صورة، والصورة إلى سؤال. فلا شيء يُقال بشكلٍ مباشر تمامًا، ولا شيء يُترك بلا أثرٍ رمزي.
أما على مستوى الثيمة، فإن الرواية تعالج سؤال الهوية بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يُجاب عنه دفعةً واحدة. الهوية هنا ليست معطًى ثابتًا، بل كائنًا يتحول تحت ضغط التجربة. الاغتراب لا يُقدَّم ككارثةٍ نهائية، بل كفرصةٍ لإعادة تعريف الذات. في هذا السياق، يصبح الألم أداة معرفة، ويغدو الانقطاع شرطًا لبدايةٍ أعمق.
إذا ما قورنت هذه الرواية ببعض تيارات الرواية العربية الحديثة، فإنها تقترب من الأعمال التي تعلي من شأن الداخل على حساب الحدث، ومن الفلسفة على حساب الحبكة الصاخبة. لكنها لا تقع في فخ التجريد البارد؛ إذ تظل التجربة الإنسانية نابضة، ملموسة، مشدودة إلى حساسية أنثوية واعية لا تكتفي بوصف العالم بل تسائله.
قوة الرواية تكمن في هدوئها. إنها لا تصرخ كي تُسمَع، بل تهمس لتجبرك على الاقتراب. لا تقدّم خلاصات جاهزة، بل تفتح بابًا نحو مراجعة شخصية للزمن الذي نعيشه. كأنها تقول: ليست الحياة ما يحدث لنا، بل التوقيت الذي نختاره لفهم ما حدث.
في خلاصة القراءة، يمكن القول إن (توقيت آخر للحياة) ليست رواية عن حدثٍ بعينه، بل عن التحول ذاته. عن تلك اللحظة التي ينهار فيها الإيقاع القديم، فنكتشف أن في داخلنا ساعةً أخرى لم ننتبه لها من قبل. رواية تُعيد تعريف الزمن بوصفه تجربةً روحية، وتعيد تعريف الحياة بوصفها إمكانيةً دائمة للبدء من جديد.

كاتب وشاعر / العراق






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تراتيل
- يتحَدثُ الطين
- الصُبّار يمشي حافيا
- هِجرة


المزيد.....




- فيلم «خروج آمن» يحصد النجمة الذهبية في ختام مهرجان الجونة ال ...
- ذكرى iPod الـ25 تتحول إلى مشغل موسيقى رقمي على Apple Music
- فيلم -البارح العين ما نامت-.. جمال المكان وقسوة الأعراف
- ريمون شويتي يوثق مسيرته الفنية وذاكرة بيروت في سيرة ذاتية جد ...
- تُوفي عقب السقوط على المسرح.. زوجة لاعب كمال أجسام تحذر من ح ...
- فنانة تركية ترسم لوحة لمحمد صلاح وتحلم بتقديمها له بنفسها (ف ...
- الأمير وليام يكشف عن شغفه بالسينما والموسيقى وطموحاته القديم ...
- فضل شاكر يصالح المسرح مجدداً بعد 14 سنة من الغياب، كيف تفاعل ...
- “الخدمات البيطرية” تبحث تعزيز التعاون المشترك مع روسيا في ال ...
- جلسة تناقش الحقوق الثقافية وحقوق الإنسان في معرض أربيل الدول ...


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حميد الساعدي - (توقيت آخر للحياة)... حين يصبح الزمن سيرةً للروح