عبدالعزيز اللبدي
الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 07:05
المحور:
قضايا ثقافية
في البدء كان العرب
الجزء العاشر
يستكمل هذا القسم من النص استعراض أحوال المنطقة العربية في العصر الحديدي، مع التركيز على التحولات في مصر، وازدهار الممالك العربية في الخليج والجزيرة العربية.
إليك تلخيص لأبرز المحاور:
مصر في العصر الحديدي: تقاطع الحضارات
دخول الحديد: يشير النص إلى أن الساميين الهكسوس هم من أدخلوا تكنولوجيا الحدادة إلى مصر، وكان يُنظر للحديد قديماً كـ "معدن قذر" في الطقوس الدينية، لكنه استُخدم بقوة في السلاح والعربات الحربية.
تقسيم العصر الحديدي إلى ثلاث فترات مختلفة، حيث كان العصر الحديدي الأول يعرف بأنَّه عصر المملكة. اشتُهِر العصر الحديدي الثاني باسم عصر انقسام المملكة، وكان العصر الحديدي الثالث معروفًا بالعصر الفارسي. ولم يتم ذكر هذا المصطلح في تاريخ مصر القديمة. في حين ذكرت اليونان أنَّ العصر الحديدي كان فترة ظلم لديها.
دخلت الخيول كجزء من التكنولوجيا العسكرية المتطورة التي حملها "الهكسوس" (الملوك الرعاة) عند احتلالهم لمصر كان ذلك في نهاية العصر الحديدي (المبكر) في بلاد الشام، وهو ما يتوافق مع الفترة الانتقالية الثانية في تاريخ مصر القديمة (حوالي القرن السابع عشر قبل الميلاد)..
كانت الخيول تُستخدم لجر العربات الحربية، ومعها السيوف الحديدية، وهو ما منح الهكسوس تفوقاً عسكرياً كبيراً مكنهم من السيطرة على الدلتا
بعد طرد الهكسوس على يد "أحمس"، استوعب المصريون هذه التقنية وبدأوا في بناء جيش قوي يعتمد على العربات والخيول، مما أدى إلى نشوء الإمبراطورية المصرية (الدولة الحديثة) التي توسعت لتشمل بلاد الشام والسودان.
أي إن الخيول لم تكن معروفة في مصر في عهد بناة الأهرامات (الدولة القديمة)، بل دخلت مع الهكسوس وأصبحت لاحقاً رمزاً لقوة الجيش المصري في عصور الإمبراطورية.
وكان تأخر عصر الحديد في مصر من أسباب هزيمتها أمام الهكسوس الذين يعرفون الحصان والعربات والسيوف الحديدية.
إمبراطورية التوسع: بعد طرد الهكسوس، توسعت مصر لتشمل بلاد الشام والسودان، وظهرت بوادر التوحيد الديني مع أخناتون بتأثير زوجته من ميتاني”نفرتيتي.“
شعوب البحر:
واجهت مصر هجمات شرسة من "شعوب البحر" (1175 ق.م)،وهم من شعوب المتوسط ، نتيجة حدوث زلازل وبراكين وتغيير المناخ في البحر المتوسط ومن أهمهم "الفلست" (الفلسطينيون). يؤكد النص أن الفلسطينيين ليسوا دخلاء بل هم سكان المنطقة الأصليون الذين اندمجوا في نسيج الشعب والجيش المصري.لم يكن الفولت مجرد جيوش غازية، بل كانت هجرات جماعية تضم العائلات والحيوانات المنزلية، مما يشير إلى أنهم كانوا يبحثون عن موطن جديد. ، وتشير بعض الدراسات أن شعوب البحر من اليمنيين الذين اجتاحوا الشرق الأوسط في تلك الفترة، ولا يذكر المؤرخون الأوروبيون عنهم شيئاً لسبب لا نعرفه!!
كانت شعوب البحر هي "القوة التدميرية" التي أنهت النظام القديم، لكنها في الوقت نفسه مهدت لظهور عالم جديد؛ فبسببهم ولدت الممالك الآرامية، ونمت الإمبراطورية الآشورية، واستقلت فلسطين، مما غير وجه التاريخ في المشرق العربي.
نقد الرواية التوراتية: يفند النص الاستخدام الملتوي لـ "لوحة مرنبتاح" لإثبات وجود إسرائيل القديمة، مؤكداً أن النقش يشير لمجموعات بدوية صغيرة (يسرءار) وليس لجيش أو شعب مسيطر.
إليك كيف فند النص هذه الرواية من الناحية اللغوية والأثرية:
التحليل اللغوي (يسرءار مقابل إسرائيل))
اللفظ الحرفي: يؤكد النص أن الكلمة المكتوبة في المسلة بالحروف المصرية القديمة هي (يسرءار) وليست ”إسرائيل.“.
قاعدة الأسماء: بما أن الأسماء لا تُترجم، فإن تحويل "يسرءار" إلى "إسرائيل" هو تأويل متعمد وليس ترجمة دقيقة.
الدلالة اللغوية: الكلمة في سياقها الأصلي تصف مجموعة من "البدو" أو المجموعات الهائمة في أرض كنعان، ولا تشير إلى "شعب" مستقر أو "دولة" ذات كيان سياسي.
نقد الرواية التاريخية (الخروج والفتح):يفند النص الرواية التوراتية بناءً على المعطيات التالية:
غياب الدليل: لا يوجد أي أثر أثري يؤكد وجود بني إسرائيل في مصر، أو خروجهم منها، أو تيههم في سيناء.
تناقض السيادة: الرواية التوراتية تتحدث عن "فتح يشوع بن نون" لأرض كنعان في وقت كانت فيه هذه الأرض تحت السيادة المصرية الكاملة، مما يجعل فكرة قيام جيش ضخم بالسيطرة على المدن الكنعانية في ذلك الوقت مستحيلة تاريخياً.
تزييف الملحمة: أثبتت التنقيبات أن المدن التي زُعم أن يشوع دمرها (مثل أريحا) قد دُمرت في فترات متباعدة ولأسباب طبيعية أو حروب أخرى لا علاقة لها بالرواية المذكورة.
: مملكة الجرهاء: لؤلؤة الخليج العربي
الموقع: قامت على ساحل الخليج العربي (منطقة القطيف والبحرين حالياً)، وعُرفت في المدونات القديمة بـ "مملكة البحر“.
الثراء الفاحش: اشتهر الجرعائيون بكنز الذهب والفضة وترصيع بيوتهم بالأحجار الكريمة نتيجة سيطرتهم على طرق التجارة بين الهند وأفريقيا والمتوسط.
المركز التجاري: كانت الجرهاء ملتقى القوافل القادمة من جنوب الجزيرة العربية، حيث كانت تُعاد تعبئة البخور والتوابل وتصديرها براً إلى مصر والشام.
جنوب الجزيرة العربية: حضارة السدود والنقوش
تكوين الدولة: شهدت الألفية الأولى ق.م بزوغ دول معقدة (سبأ، معين، قتبان، حضرموت، وحمير) بفضل تحسين الري (مثل سد مأرب) وتدجين الجمال.
المراحل التاريخية: مرت المنطقة بأربع فترات رئيسية بدأت بعهد "المكربيين" (المتحدين) وانتهت بالعصر الحميري.
العمارة والفن: تميزت ببناء مدن مسورة ضخمة واستخدام الرخام والبرونز وشغف كبير بنحت النقوش الأنيقة. ومن المثير في اليمن أن نكتشف أن حروف المسند المعروفة والمستخدمة في اليمن هي حروف أبجدية كانت موجودة قبل الألفبائية الكنعانية!!
كتابة المسند:
عدد الحروف: يتكون من 29 حرفاً أبجدياً، وهو ما يجعله يتفوق على الأبجدية الفينيقية (22 حرفاً) بإضافة مخارج صوتية تنفرد بها اللغات العربية، وتعتبر تطويراً للغة البروتو سينائية . أو السينمائية القديمة.
الأصل والنشأة: ظهر المسند في جنوب الجزيرة العربية (اليمن حالياً) في الألفية الأولى قبل الميلاد (حوالي القرن التاسع أو العاشر ق.م)، وتطور بشكل مستقل عن الأبجدية الفينيقية، مستمداً جذوره من الأبجدية السينائية الأولى [1.2, 1.6].
النظام الصوتي: هو نظام أبجدي "صامت"، حيث تُمثل الرموز الحروف الساكنة فقط، بينما تُفهم الحركات أو حروف العلة ضمنياً من سياق النطق، تماماً كالعربية القديمة .
التصميم الهندسي: تميز بكونه أبجدية هندسية متناسقة جداً؛ حيث تُكتب الحروف بشكل منفصل (لا تتصل) وتكون قائمة الزوايا، مما جعله مثالياً للنقش على الحجر والمعدن. ولا تزال تُستخدم حتى اليوم في إثيوبيا وإريتريا هي الوريث الحي الوحيد الذي تطور مباشرة من أبجدية المسند
شمال وشمال غرب الجزيرة العربية
تيماء والعلا: برزت تيماء كمركز حضري كبير سكنه الملك البابلي "نابونيد". أما "ديدان" (العلا) فقد كانت مركزاً تجارياً حيوياً أسسه المعينيون على طريق البخور.
دومة الجندل: ذكرت المصادر الآشورية "أدوماتو" كمركز لاتحادات قبائل بدوية قوية كانت تربي الإبل وتسيطر على الصحراء الشمالية.
عُمان والإمارات (جنوب شرق الجزيرة)
تقنية الأفلاج: ازدهر العصر الحديدي في عُمان بفضل ابتكار قنوات الري (الأفلاج)، مما أدى لنمو زراعة النخيل.
المجتمعات المستقرة: كشفت مواقع مثل "مويلح" و"هيلي" عن بيوت طينية متعددة الطوابق ومقابر غنية بالأسلحة البرونزية، مما يدل على مجتمعات منظمة ومحاربة.
الخلاصة: يظهر العصر الحديدي في المنطقة العربية كعصر "الدول القومية الأولى" والشبكات التجارية العالمية؛ حيث لم تعد المنطقة مجرد قبائل متفرقة، بل تحولت إلى ممالك منظمة تمتلك جيوشاً ودبلوماسية واقتصاداً قائماً على الإنتاج والتبادل الدولي.
#عبدالعزيز_اللبدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟