وسيم هيسم العتم
الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 14:47
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
في العقود الأخيرة ازداد اهتمام الباحثين بمحاولة قراءة النص القرآني قراءة كونية، أي النظر إلى بعض الآيات بوصفها إشارات تأملية إلى بنية الكون ونظامه. هذا الاتجاه لا يعني تحويل النص الديني إلى كتاب فيزياء، بل محاولة فهم اللغة القرآنية ضمن أفق معرفي أوسع يراعي ما اكتشفه العلم الحديث عن نشأة الكون وتطوره.
من أبرز المحاولات المعاصرة في هذا المجال ما قدمه المفكر السوري محمد شحرور، الذي حاول قراءة بعض السور القرآنية ذات الطابع الكوني قراءة جديدة. ومن الأمثلة التي طرحها تفسيره لبداية سورة الفجر، حيث رأى في تسلسل الألفاظ "والفجر وليال عشر والشفع والوتر" تصويرًا رمزيًا لمراحل تشكل الكون بعد الانفجار الكوني العظيم. وبغض النظر عن مدى الاتفاق مع هذا التفسير، فإن أهميته تكمن في أنه يفتح بابًا منهجيًا مهمًا، وهو إمكان قراءة بعض المقاطع القرآنية باعتبارها وصفًا لحركات كونية أو أنظمة طبيعية.
انطلاقًا من هذا المنهج التأملي يمكن الانتقال إلى مطلع سورة الذاريات، وهي من أكثر المقاطع القرآنية إثارة للتفكير من حيث بناؤها اللغوي وتسلسل صورها الطبيعية. تبدأ السورة بأربع آيات متتابعة تشكل سلسلة من الأقسام المرتبطة بالحركة في الطبيعة:
وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا (1) فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا (2) فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا (3) فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا (4)
هذه الآيات الأربع تقدم صورة حركية متدرجة تبدأ بعملية ذر أو نشر، ثم انتقال أو حمل، ثم جريان أو حركة منتظمة، ثم تقسيم أو توزيع. هذا التسلسل الحركي يثير سؤالًا مهمًا: هل يمكن قراءة هذه السلسلة بوصفها تصويرًا لنظام فيزيائي يحدث في السماء أو في المجال المحيط بالأرض؟
في الفيزياء الحديثة، يمر الضوء القادم من الشمس بعدة عمليات متتابعة قبل أن يصل إلينا ويشكل صورة السماء التي نراها كل يوم. ويمكن تبسيط هذه العمليات في أربع مراحل رئيسية.
المرحلة الأولى هي الانبعاث. داخل الشمس تحدث تفاعلات اندماج نووي بين ذرات الهيدروجين، حيث تندمج هذه الذرات لتكوين الهيليوم وتطلق في هذه العملية طاقة هائلة على شكل فوتونات ضوئية. هذه الطاقة هي المصدر الأساسي لضوء الشمس الذي يغمر النظام الشمسي كله. يمكن النظر إلى لفظ "الذاريات" في هذا السياق بوصفه صورة لغوية لحركة الانتشار الأولية للطاقة أو الجسيمات، أي لحظة الانطلاق التي يبدأ فيها الإشعاع بالانتشار من مصدره.
المرحلة الثانية هي الحمل أو الانتقال. بعد انبعاث الضوء من الشمس ينتقل عبر الفضاء لمسافة تقارب مئة وخمسين مليون كيلومتر حتى يصل إلى الغلاف الجوي للأرض. في هذه المرحلة يكون الضوء حاملًا للطاقة عبر الوسط الكوني، وهو ما يمكن أن ينسجم دلاليًا مع عبارة "فالحاملات وقرا"، حيث تشير كلمة وقرا في اللغة إلى الشيء المحمول أو المحتوى الذي يتم نقله.
المرحلة الثالثة تبدأ عندما يدخل الضوء إلى الغلاف الجوي للأرض. هنا يحدث ما يعرف في الفيزياء بظاهرة تشتت الضوء. تصطدم موجات الضوء بجزيئات الهواء الدقيقة، فتتشتت في جميع الاتجاهات. هذا التشتت هو السبب في ظهور السماء باللون الأزرق، لأن الأطوال الموجية القصيرة للضوء الأزرق تتشتت أكثر من غيرها. في هذه المرحلة يتحول الضوء إلى مجال متحرك ومتوزع في السماء، ويمكن أن تتوافق هذه الصورة مع التعبير القرآني "فالجاريات يسرا"، الذي يصور حركة انسيابية منتظمة.
المرحلة الرابعة هي مرحلة التنظيم أو التقسيم. بعد عملية التشتت يحدث ما يسمى استقطاب الضوء، حيث تنتظم موجات الضوء وفق اتجاهات محددة وتشكل في السماء أنماطًا هندسية غير مرئية للعين المجردة. هذه الأنماط الضوئية تشكل شبكة دقيقة من الاتجاهات والحقول الضوئية في الغلاف الجوي. هنا يمكن أن يظهر معنى "فالمقسمات أمرا" بوصفه تصويرًا لمرحلة توزيع الضوء وتنظيمه في أنماط مختلفة.
إذا نظرنا إلى هذه المراحل الأربع مجتمعة نجد تسلسلًا واضحًا: انتشار، ثم انتقال، ثم حركة، ثم توزيع. وهو تسلسل ينسجم بشكل لافت مع البناء اللغوي للآيات الأربع الأولى من سورة الذاريات.
بعد أن عرض النص القرآني سلسلة من الحركات المنتظمة في السماء: الذرو، والحمل، والجريان، والتقسيم، يأتي التحول في الخطاب إلى نتيجة معرفية. فالكون الذي يعمل وفق نظام دقيق ومتدرج ليس مجرد ظاهرة عشوائية، بل منظومة محكومة بقوانين ثابتة. من هذا المنظور تصبح الآية "إنما توعدون لصادق" بمثابة تأكيد أن الوعود التي يحملها الخطاب الإلهي ليست ادعاءات مجردة، بل حقيقة ثابتة كما هي القوانين التي تحكم الكون.
بمعنى آخر، إذا كان النظام الكوني يعمل وفق قوانين دقيقة يمكن اكتشافها وفهمها، فإن الوعد الإلهي نفسه يُقدَّم في النص بوصفه حقيقة لا تقل ثباتًا عن تلك القوانين. فالآية تربط بين انتظام الكون وصدق الوعد.
بعد هذه السلسلة مباشرة تأتي الآية: والسماء ذات الحبك.
كلمة حبك في العربية تدل على النسج المتقن أو البنية المتشابكة. في ضوء ما نعرفه اليوم عن فيزياء السماء يمكن ملاحظة أن الغلاف الجوي ليس مجرد فراغ، بل هو وسط معقد يتفاعل فيه الضوء مع جزيئات الهواء ليشكل أنماطًا ضوئية هندسية دقيقة. هذه الأنماط الناتجة عن تشتت الضوء واستقطابه تجعل السماء أشبه بنسيج ضوئي متشابك، وهو وصف ينسجم بشكل لافت مع معنى الحبك في اللغة.
إلى جانب هذا الترابط الدلالي تظهر ملاحظة عددية مثيرة للاهتمام. عند كتابة الآيات الأربع الأولى من سورة الذاريات وفق الرسم القرآني ومن دون تشكيل، نجد أن عدد الحروف في كل آية يبلغ أحد عشر حرفًا تقريبًا:
وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا (1) فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا (2) فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا (3) فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا (4)
يتكرر هنا الرقم أحد عشر أربع مرات متتالية، أي مرة في كل آية من الآيات الأربع التي تصف الحركة المتدرجة في السماء. هذا التكرار العددي يلفت الانتباه عندما نتذكر أن الرقم نفسه يرتبط بظاهرة معروفة في الفيزياء الشمسية، وهي الدورة الشمسية.
الشمس تمر بدورة نشاط مغناطيسي تستغرق في المتوسط نحو أحد عشر عامًا. خلال هذه الدورة يتغير عدد البقع الشمسية وشدة الانفجارات الشمسية وكمية الإشعاع المنبعث من الشمس. هذه الدورة تمثل الإيقاع الزمني لنشاط الشمس وتأثيرها في البيئة الفضائية المحيطة بالأرض.
وجود الرقم أحد عشر في بنية الآيات الأربع الأولى، وارتباط هذا الرقم نفسه بإيقاع النشاط الشمسي، يفتح مجالًا للتأمل في احتمال وجود توافق رمزي أو بنيوي بين النص الكوني والظواهر الطبيعية. قد يكون هذا التشابه مجرد مصادفة إحصائية، وقد يكون تعبيرًا عن بنية لغوية عميقة في النص القرآني. وفي كلتا الحالتين فإنه يقدم مثالًا مثيرًا على إمكان قراءة النص في ضوء معطيات العلم الحديث.
إن هذه القراءة لا تدعي أن القرآن يقدم نظرية فيزيائية مكتملة عن الضوء أو الشمس، بل تشير إلى أن اللغة القرآنية تمتلك قدرة مدهشة على تصوير الأنظمة الطبيعية بصور مكثفة وعميقة. فعندما يجتمع التسلسل الحركي في الآيات الأربع الأولى مع وصف السماء بأنها ذات حبك، ثم يظهر رقم يرتبط بدورة الشمس، فإننا أمام شبكة من الإشارات اللغوية والكونية التي تستحق التأمل والدراسة.
وهكذا يمكن أن ننظر إلى مطلع سورة الذاريات بوصفه لوحة كونية تبدأ بالحركة والانتشار، تمر بالحمل والجريان، وتنتهي بالتقسيم والتنظيم، ثم ترتفع إلى صورة السماء المنسوجة بإحكام. إنها صورة تجمع بين اللغة والشكل والنظام، وتدعونا إلى إعادة النظر في العلاقة بين النص والكون الذي نعيش فيه.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟