أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - فراس بوتويلا - الفشل البنيوي في تدبير قطاع التعليم بإقليم تيزنيت: دراسة حالة انقطاع 12,5% من التلاميذ في وضعية إعاقة بالسلك الإعدادي















المزيد.....


الفشل البنيوي في تدبير قطاع التعليم بإقليم تيزنيت: دراسة حالة انقطاع 12,5% من التلاميذ في وضعية إعاقة بالسلك الإعدادي


فراس بوتويلا

الحوار المتمدن-العدد: 8637 - 2026 / 3 / 5 - 20:42
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


لم تعد التربية الدامجة ملفاً تقنيا يُدار داخل المكاتب الإقليمية، بل صارت مرآة تعكس صدقية الإصلاح التربوي، ومعياراً حقيقياً لقياس جودة الحكامة التربوية بالمغرب. فحين تضع وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة ترسانة قانونية متقدمة، وتعلن التزامها بتفعيل مقتضيات القانون الإطار 51.17، انسجاماً مع اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، فإن الرهان لا يكون في صياغة النصوص، بل في قدرة البنيات الإدارية على تحويلها إلى أثر ملموس داخل الفصول الدراسية، حيث يُختبر الفرق بين الخطاب والإنجاز، وبين الالتزام المركزي والتنزيل الميداني.

ومن هذا المنظور، لا تُقرأ حالة إقليم تيزنيت باعتبارها حادثا معزولا أو جدلا محليا، بل كحالة كاشفة تطرح سؤالا مركزيا: هل تتطابق آليات التدبير الإقليمي بتيزنيت مع سقف وروح الإصلاح الوطني، أم أن اختلالات الحكامة الترابية أفرغت السياسات العمومية من مضمونها الاجتماعي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تهم فئة بعينها، بل تمس جوهر العدالة التربوية، وصدقية مسار إصلاحي جعل من الإنصاف وتكافؤ الفرص عنوانا رسميا.

التربية الدامجة.. تشريع وطني متقدم

لقد قطعت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أشواطا مهمة في إرساء ترسانة قانونية وتنظيمية متكاملة للنهوض بملف التربية الدامجة، تجسدت في البرنامج الوطني للتربية الدامجة لفائدة الأطفال في وضعية إعاقة، وما واكبه من مذكرات تنظيمية مؤطرة، وفي مقدمتها القرار الوزاري عدد 19/047. وتعزز هذا المسار الإصلاحي مع إطلاق خارطة الطريق 2022-2026، التي جعلت من التلميذ قلب الإصلاح ومرتكزا استراتيجيا، وربطت جودة التعلمات بتحسين شروط الإنصاف وتقليص الهدر المدرسي، خاصة في صفوف الفئات الهشة.

ويأتي هذا الورش في سياق تنزيل مقتضيات القانون الإطار 51.17، انسجاماً مع التزامات المملكة بموجب اتفاقية حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، بما يجعل من المدرسة المغربية فضاء للعدالة التربوية، لا مجرد فضاء للتمدرس الشكلي. وتهدف هذه المقتضيات إلى الانتقال من منطق الإدماج الصوري إلى الدمج الفعلي، عبر تكييف المناهج، وتخفيف عدد المتعلمين داخل الأقسام المعنية، وضمان التأطير البيداغوجي المتخصص، وتكييف آليات التقويم والدعم، بما يكفل لهذه الفئة حقها الدستوري في تعليم ذي جودة. وهو انتقال يُقاس بمدى قدرة البنيات الإدارية الإقليمية للوزارة على استيعاب روحه وترجمته إلى ممارسة يومية منصفة داخل المؤسسات التعليمية.

وحسب معطيات رسمية صادرة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، فإن نسبة إدماج التلاميذ في وضعية إعاقة وطنيا تعرف منحى تصاعديا تدريجيا خلال السنوات الأخيرة، في إطار تفعيل البرنامج الوطني وخارطة الطريق 2022-2026، وهو ما يجعل أي تراجع أو اضطراب في المؤشرات على المستوى المحلي بتيزنيت أكثر دلالة وخطورة، لأنه لا يُقرأ كتعثر عابر، بل كخروج عن دينامية وطنية واضحة المعالم.

تفتيت البنيات.. هندسة تفرغ الإصلاح من روحه

وعلى مستوى المديرية الإقليمية لتيزنيت، يظهر ملف التربية الدامجة كأحد أبرز مؤشرات التعسف التدبيري، حيث مارست المديرية إهمالا منهجيا تجاه هذه الفئة الهشة من المتعلمين في وضعية إعاقة، من خلال حرمان الأقسام المخصصة لهم من أدنى شروط التخفيف المعمول بها قانونيا، مما حوّل الفصول إلى فضاءات غير مؤهلة للدمج الفعلي. ويكشف هذا النهج عن فجوة صارخة بين الطموح الوطني المنصوص عليه في البرنامج الوطني وخارطة الطريق 2022–2026، وبين الواقع الإقليمي البئيس، حيث صارت حقوق المتعلمين الأكثر احتياجاً مجرد شعارات رسمية تغطي بها مديرية تيزنيت على اختلالات التدبير اليومي.

وفي مقابل التضييق على المتعلمين في وضعية إعاقة، يبرز التناقض بشكل أشد عند النظر إلى التلاعب الذي طال هندسة الخريطة المدرسية وتدبير الموارد في جماعات كثيرة مثل وجان وأنزي وبونعمان...، حيث ركزت المديرية كل إمكاناتها لتفتيت البنيات التربوية وإحداث أقسام قزمية بعدد تلاميذ يتراوح ما بين 8 و10 في القسم الواحد، دون وجود حالات إعاقة تبرر ذلك، في ممارسة واضحة لتطويع القوانين لخدمة الولاءات والمصالح الضيقة، وهدر الموارد البشرية والزمن المدرسي.

ويؤكد الخبراء أن التلاعب الذي طال الخريطة المدرسية في السنوات الخمس الأخيرة بتيزنيت يضع من المدير الإقليمي، وكل من رؤساء مصالح التخطيط والخريطة، والموارد البشرية، والشؤون التربوية في صلب المسؤولية الأخلاقية، إذ يتم تطويع القوانين لخدمة ولاءات ضيقة أو للتستر على فائض وهمي من الموارد، بما يتناقض مباشرة مع أهداف خارطة الطريق الوطنية 2022-2026.

انقطاع 12,5% من المتعلمين في وضعية إعاقة.. هدر صامت وفشل معلن!

تشكل فاجعة انقطاع 10 تلاميذ في وضعية إعاقة من أصل 80 بالسلك الإعدادي بإقليم تيزنيت ذروة الإخفاق، وعلامة حمراء على فشل التدبير الإقليمي. فالأرقام تكشف أن الحادث ليس عرضياً. فهؤلاء التلاميذ غادروا المؤسسات نتيجة تراكم إخفاقات بنيوية في التسيير والتأطير، بدءا من إهمال شروط الدمج والتخفيف القانوني، مروراً بغياب التأطير الإقليمي للسلكين الإعدادي والثانوي، وصولاً إلى فشل الشراكات الميدانية والصحية والرياضية.

ويؤكد الخبراء أن هذه الظاهرة تكشف مسارا منهجيا من الإقصاء التدريجي، من منطلق أن المدرسة التي تفقد أضعف حلقاتها تفقد مشروعها الأخلاقي قبل أن تفقد أرقامها. حيث تركت مديرية تيزنيت هذه الفئة في مواجهة الصعوبات بلا دعم، في ظل غياب أي خطة متابعة، أو تدخل وقائي. وتبرز هذه الفاجعة المسؤولية الأخلاقية والوظيفية المباشرة للمدير الإقليمي، المسؤول عن التسيير العام للمديرية، ورئيس مصلحة الشؤون التربوية، ورئيسة مكتب التربية الدامجة، الذين لم يفعلوا آليات التنسيق مع المفتشين لضمان متابعة منتظمة وفعالة للتلاميذ الأكثر هشاشة بالسلكين الإعدادي والثانوي، في ظل الصمت المريب لمدير أكاديمية سوس-ماسة.

ويجمع الخبراء أن انقطاع 12,5% من التلاميذ في وضعية إعاقة دفعة واحدة ليس حالة مفردة، بل مؤشر بنيوي على هشاشة هندسة الخريطة المدرسية، وتفشي الإهمال الإداري المنهجي. حيث ضحت المديرية الإقليمية بحقوق الفئات الأكثر ضعفاً للتغطية على إخفاقات أخرى، مثل تفتيت البنيات، وسوء توزيع الأفواج، الموارد البشرية، وغياب الدعم اللوجستي والميداني...

ويعكس هذا الانقطاع فجوة كبيرة بين السياسات الوطنية الطموحة وسوء التنفيذ المحلي، وهو مؤشر على أن الإصلاحات القانونية والتشريعية في مجال التربية الدامجة لن تكون فعالة ما لم يتم ربطها بمساءلة المسؤولين وتفعيل التأطير البنيوي على أرض الواقع. فالمديرية لم تقتصر على الإهمال الفردي، بل مارست تغييباً مؤسساتيا ممنهجا جعل التلاميذ في وضعية إعاقة ضحايا مباشرين لانعدام العدالة التربوية.

الدمج بلا منسق.. إصلاح بلا عمود فقري

يتجلى العطب المؤسساتي في مديرية التعليم بتيزنيت من خلال عدم تكليف مفتش منسق للتربية الدامجة بالسلكين الإعدادي والثانوي، وهو المنصب الذي يشكل عادة الحلقة المركزية في تفعيل الدمج الفعلي، وضمان تكييف الفصول والبرامج وفق خصوصية المتعلمين. هذا الفراغ وضع الأساتذة والتلاميذ في مواجهة فوضى تنظيمية وبيداغوجية، مما يؤكد أن الخلل ليس فردياً بل مؤسساتيا بامتياز.

وتتفاقم الأزمة بتغييب تكييف الامتحانات للسلكين الإعدادي والثانوي، وعدم تنظيم أية دورة تكوينية محلية في الموضوع، حيث لم تُدرج أي خطة إقليمية لمراعاة خصوصيات المتعلمين في وضعية إعاقة ضمن البرنامج الإقليمي للمراقبة المستمرة لمديرية تيزنيت، وهو ما يجعل هؤلاء التلاميذ عرضة للإقصاء أو الرسوب، ويحول الامتحانات إلى أدوات تمييزية بدلاً من وظيفتها التقييمية.

وفي نفس السياق، غيب المجلس الإقليمي لتنسيق التفتيش إدراج أي نقطة تتعلق بهذه الفئة الهشة ضمن جدول أعماله، وهو ما يؤكد أنها خارج نطاق اهتماماته، وهو ما ترك فجوة استراتيجية في التوجيه والإشراف على العملية التعليمية. ونتيجة لذلك، تعيش المؤسسات التعليمية فراغاً بيداغوجيا مريعا، حيث يفتقد الأساتذة في إعداديات الريادة لأي إطار مرجعي واضح لتكييف التعلمات أو التقويم، ويغيب التوجيه المنتظم للمتعلمين الأكثر هشاشة.

ويكشف الفراغ المؤسساتي المسجل عن إخفاق الهيكل الإداري التعليمي بتيزنيت في تفعيل آليات الرقابة والتأطير، وعن حجم التقصير الجماعي اتجاه التربية الدامجة. ويؤكد أن الانشغال الحقيقي للمديرية الإقليمية ومن يدور في فلكها منصبّ على تلميع الواجهات وتقديم التقارير الصورية، بينما يظل جوهر العمل التربوي وحقوق التلاميذ في وضعية إعاقة خارج الأجندة وبعيدا عن أي تدبير مسؤول، مما يضع المسؤولية في هذا الباب على المدير الإقليمي، ورئيس مصلحة الشؤون التربوية، ورئيسة مكتب التربية الدامجة، فضلاً عن المجلس الإقليمي لتنسيق التفتيش، باعتبارهم الحلقات المركزية التي لم تضمن تكامل السياسات الوطنية مع الممارسة الميدانية.

ويؤكد هذا الوضع أن ما يبدو في الواقع كإهمال لتكوين الأساتذة وتتبع المتعلمين، هو في حقيقة الأمر خلل مؤسساتي ممنهج ومتجذر، يجعل مسار التربية الدامجة في تيزنيت ضحية للفشل البنيوي، مما يكرّس الفجوة بين السياسات التشريعية الوطنية الطموحة وبين التنفيذ الواقعي على مستوى المؤسسات التعليمية. فالغياب المستمر للتأطير والمراقبة والبرمجة الواضحة يحول المدارس إلى فضاءات بدون بوصلة تعليمية، ويترك المتعلمين الأكثر هشاشة ضحايا لممارسات إدارية ناقصة.

الخبرة المهدورة.. والانقطاع الجماعي المنتظر

وفي سياق متصل، رفضت مديرية تيزنيت بشكل غير مفهوم تعميم تجربة وخبرة أطر مدرسة المختار السوسي الدامجة الرائدة في هذا المجال، رغم تحقيقها نتائج قياسية، ب 36 متعلما في وضعية إعاقة في أقسام غير مخففة. ويمثل هذا العدد(36) نسبة 10% من مجموع المتعلمين في وضعية إعاقة بالإقليم، و21,22% من مجموع المتعلمين في وضعية إعاقة ببلدية تيزنيت، التي تضم 14 مؤسسة تعليمية عمومية. وقد حققت المدرسة مع ذلك الرتبة الأولى جهويا في الروائز الوطنية الأخيرة، ما يؤكد الكفاءة العالية لأطرها، ونجاح نموذجها.

ويوضح الحجر التدبيري على الخبرات الناجحة بجلاء أن المديرية لا تمتلك إرادة حقيقية للإصلاح، بل عمدت إلى إبقاء التربية الدامجة في الإعدادي والثانوي مجرد هياكل فارغة بلا تأطير ولا تنسيق. وقد مهد هذا التعميم المفقود للخبرات الطريق مباشرة أمام الانقطاع الجماعي للتلاميذ، وحول تجربة النخبة إلى نموذج غير مستغل، ما يعكس عمق الفشل المؤسساتي وغياب أي ربط حقيقي بين النجاحات المحلية والسياسات الوطنية المعلنة.

التواصل بديلاً عن الإنجازات.. دينامية في الفيسبوك، وجمود في الميدان

في مقابل الفراغ التأطيري والاختلال البنيوي، تكثف مديرية تيزنيت حضورها الرقمي عبر منشورات متتابعة حول اللقاءات التواصلية للتعبئة، وتنزيل خارطة الطريق 2022-2026، وتتبع مشروع مؤسسات الريادة، معززة بصور رسمية وعبارات محكمة، ومفردات كبرى من قبيل الإنصاف المجالي، تكافؤ الفرص، والرفع من المؤشرات... غير أن هذا الزخم التواصلي يوازيه تعتيم محكم عن المعطيات الدقيقة حول نسب الانقطاع، وغياب تقارير تقييم معلنة، إسوة بمؤشرات الأثر القابلة للتحقق. وهنا يبدأ السؤال المشروع: هل يُدار الإصلاح فعلا، أم تُزخرف صورته فقط؟

وتستعمل لغة منمقة تكاد تكون قالبا جاهزا يُعاد تدويره: تنزيل، تعبئة، دينامية، جودة، نتائج متوخاة... لكنها لغة لا تجيب عن السؤال الجوهري: ما الذي تغير فعليا في وضعية المتعلمين في وضعية إعاقة؟ كيف نفسر الحديث عن الحد من الهدر المدرسي في سياق انقطاع 12,5% من التلاميذ دفعة واحدة (وما خفي أعظم)؟ وكيف يُستحضر تكافؤ الفرص بينما يغيب التأطير والتكييف والتتبع المنتظم؟ إن الفجوة بين البلاغ والواقع لا تُقاس بقوة العبارات، بل بصلابة الأثر الميداني.

وتسوق اللقاءات البروتوكولية للمدير الإقليمي وحاشيته إلى إنجازات قائمة بذاتها: حضور سلطات، عروض شاملة، فتح باب النقاش، صور جماعية توثق الدينامية الإصلاحية، توظيف استقبال مدير الأكاديمية في جولة مكوكية صورية لمؤسسات تم إعدادها وتحضيرها وتجميلها لالتقاط الصور... لكن بلاغات المديرية لا تخبرنا عن قرارات ملزمة، ولا عن آجال التنفيذ، ولا عن آليات المساءلة. فيتحول الاجتماع، والاستقبال إلى حدث رمزي يُحتفى به، لا محطة لاتخاذ قرار حاسم. ويغدو التواصل أداة لمحاولة إنتاج الانطباع بدل أن يكون وسيلة لنقل الحقيقة الكاملة للرأي العام المحلي. ولا أدل على ذلك من استدراج مدير الأكاديمية إلى فخ زيارة مقر المفتشية الإقليمية التي عرفت أكبر فضيحة تدبيرية عرفها تنظيم التفتيش التربوي بالمغرب (حجز مفتش تربوي وتشبيحه).

إن التواصل المؤسساتي ضرورة في الحكامة الحديثة، لكنه فقد معناه لدى مديرية تيزنيت، التي حولته إلى آلية تجميل إداري تُخفي هشاشة قاتمة بالعمق. فنجاح المدرسة العمومية لا يقاس بعدد اللقاءات ولا بكثافة النشر، بل بعدد المتعلمين الذين تم إنصافهم فعلياً، وبمدى حماية أضعف حلقاتها. وعندما تتقدم إدارة الصورة على إدارة النتائج، فإن الخطر لا يكون في ضعف البلاغ، بل في تآكل الثقة بين المجتمع والشركاء والمؤسسة.

التربية الدامجة.. منظومة مشلولة وحقوق معلقة

تكشف تجربة مديرية تيزنيت أن التربية الدامجة لا يمكن اختزالها في فصل دراسي واحد أو أستاذ محدد، بل هي منظومة متكاملة تتطلب تنسيقا متعدد الأطراف بين الإدارات، والشركاء، والخدمات المساندة. إلا أن الواقع على الأرض يُظهر تفكك هذه المقاربة بشكل صارخ.

ويبدأ الخلل من مكتب التربية الدامجة نفسه، الذي اكتفى بدور شكلي يفتقر لأي تواصل ناجع، تاركا المتعلمين في وضعية إعاقة في مواجهة تحديات جمة بلا إشراف مؤسساتي حقيقي. وينطبق هذا الإهمال على رئيس مكتب الصحة المدرسية بمديرية تيزنيت، الذي يقضي جل المواسم الدراسية في عطالة تامة، حيث يفتقر برنامج عمله لأي نقطة تتعلق بتتبع هذه الفئة الحساسة. فرغم الحاجة الملحة، لم ينخرط في تنظيم أي نشاط تحسيسي أو قافلة طبية توعوية بتنسيق مع مصالح وزارة الصحة، مما يعكس غياب الإرادة بمديرية تيزنيت في تفعيل الشراكات القطاعية، رغم أن هؤلاء المتعلمين فئة حساسة تحتاج إلى رصد صحي مستمر.

ويكشف واقع الميدان بتيزنيت عن غياب تام للتنسيق بين المديرية والشركاء التاريخيين في مجال الإعاقة (التعاون الوطني، جمعية تحدي الإعاقة، وجمعية سليم...)؛ حيث لم يستفد المتعلمون بتيزنيت من أي نشاط مشترك أو قوافل تحسيسية. هذا الحجر الإداري الذي يمارسه رئيس مصلحة الشؤون التربوية ومكتب التربية الدامجة على الشراكات المتاحة فوت على الإقليم فرصاً حقيقية لدعم هذه الفئة، وحوّل شعار الشراكة والتعاون إلى مجرد حبر على ورق في تقارير المديرية الصورية، في ظل حرمان فئة المتعلمين في وضعية إعاقة الأكثر هشاشة من فرص الدعم المجتمعي الضروري.

ولم يسلم الجانب الرياضي من سياسة الإقصاء، حيث غرق مكتب الرياضة المدرسية بدوره في عطالة إدارية مزمنة، أدت إلى استبعاد كلي للتلاميذ في وضعية إعاقة من جميع المسابقات والتظاهرات الرياضية الإقليمية. فبدل إدماجهم عبر أنشطة رياضية مكيفة تخرجهم من عزلتهم، سجل المختصون غيابا تاما لأي برنامج رياضي موجه لهذه الفئة، مما يعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي للوزارة والواقع الإقصائي الممارس بتيزنيت.

ويزداد الوضع سوءاً، وتكتمل فصول الفضيحة بحرمان هذه الفئة من الأنشطة الموازية، في ظل وجود ما يسمى بمؤسسة التفتح الفني والأدبي الوهمية، حيث تم إلحاق أساتذتها بمركز الحاج بلعيد كغطاء لإخفاء وضعيتهم كأشباح متفرغين (باستثناء أستاذ الموسيقى الذي يمارس اختصاصه بمهنية وتفان)، باسم مؤسسة لا وجود لها في الواقع الميداني، فأضحت مجرد هيكل وهمي لا يقدم أي قيمة حقيقية للتربية الدامجة. هذا الريع الإداري الذي أسس على حساب حق التلاميذ في وضعية إعاقة حرمهم من الاستفادة من ورشات الفن والمسرح والموسيقى، حيث غاب دمج هؤلاء التلاميذ في أي أنشطة فعلية، كالمسابقات والفعاليات الإقليمية، مما يثبت أن المديرية الإقليمية تضحي بحقوق الفئات الهشة في مقابل توفير ملاذات آمنة لبعض المحظوظين.

وبذلك، أصبح من الواضح أن التفكك البنيوي شكل منظومة إقصاء ممنهج للتلاميذ في وضعية إعاقة من جميع محاور الدعم التربوي والاجتماعي، محوّلاً حقهم الدستوري في التعليم إلى مجرد شعار على الورق. فلم تكتف مديرية تيزنيت بالإهمال الجزئي، بل أسست منظومة كاملة من غياب التنسيق، والفراغ الإداري، والتشتت المؤسساتي، ما عرض كل جهود الإصلاحات الوطنية الطموحة للتربية الدامجة للفشل على أرض الواقع.

ويطرح هذا الوضع المؤسف السؤال المحوري التالي: كيف يمكن أن تنجح التربية الدامجة إذا كانت كل حلقاتها المساندة مفرغة من أي محتوى حقيقي، وتُرك المتعلمون الأكثر هشاشة عالقين بين سياسات طموحة وإجراءات غيابية وإهمال ممنهج؟ الإجابة تكمن في أن نجاح هذه المنظومة يتطلب إرادة إدارية قوية، وتنسيقا مؤسساتيا فعّالا، وتفعيلا حقيقيا للشراكات، وتدخلات تصحيحية فورية وقوية للأكاديمية، وهو ما يغيب حاليا.

الإنصاف ليس بلاغاً رسمياً، والعدالة لا تصور بل تُمارس

إن ما تشهده مديرية التعليم بتيزنيت ليس مجرد إخفاق محلي أو عارض مؤقت، بل انعكاس صارخ للفجوة بين الخطاب الرسمي والسياسة العمومية والتنزيل على الأرض. فالخطابات التربوية الوطنية، المعلنة بكل فصاحة حول الإنصاف، وتكافؤ الفرص، وحقوق الفئات الهشة في التعليم، تتحول في ميدان تيزنيت إلى شعارات خاوية على عروشها، تُستعمل لتجميل إخفاقات مؤسساتية وهدر موارد عامة، بينما يظل المتعلم في وضعية إعاقة ضحية مباشرة للغياب الإداري والتخطيط المعيب.

الدرس الأساسي هنا أن الإنصاف لا يُرفع على لافتات، ولا يُكتب في مذكرات، بل يُقاس بتجربة المتعلم اليومية، وبمدى وصول الدعم له، وبقدرة المؤسسات على تفعيل السياسات الوطنية بفعالية ومهنية. فكل إخفاق على مستوى التخطيط، والتأطير، والشراكات، وتدبير الموارد البشرية، هو مؤشر على عطب مؤسساتي يحتاج إلى مساءلة ومحاسبة حقيقية. فنقد تجربة تيزنيت ليس استهجانا للأشخاص، بل دعوة صريحة لهيكلة المسؤولية الإدارية بشكل واضح وملزم، لضمان أن تتحول السياسات التربوية الطموحة للوزارة من شعارات إلى نتائج ملموسة.

فالاستنتاج الأعمق هو أن حماية الفئة الهشة في التعليم ليست رفاهية، بل اختبار حقيقي لنزاهة المنظومة وصرامتها المؤسسية. وأي إهمال أو تقصير فيها يعكس خللاً بنيويا، ويطرح أسئلة على صانع القرار الوطني من قبيل: كيف يمكن ربط البرامج الوطنية بالواقع المحلي، إذا كانت الأجهزة التنفيذية على الأرض تتعمد التفريط في المسؤولية أو تتصرف وفق ولاءات ضيقة؟

الفشل البنيوي بتيزنيت.. استدعاء عاجل للمساءلة!

يثبت فشل تنزيل التربية الدامجة بتيزنيت أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بالتقارير ولا بالتوصيات، بل بمحاربة الانحراف المؤسساتي، وتفعيل الرقابة، وضمان مساءلة كل حلقات المنظومة.

الإنصاف ليس وعدا يُعلن عنه، بل معيار يُقاس على الأرض بمدى وصول المتعلم في وضعية إعاقة إلى حقه الكامل، وبمدى قدرة الأجهزة التنفيذية على ترجمة السياسات الطموحة لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى واقع ملموس.

إن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بالبلاغات الرسمية أو الصور التوثيقية... بل بمدى احترام روح التشريع الوطني المتقدم، وتفعيل البرامج الميدانية، وتصحيح أي إخفاق بنيوي. فالمدرسة العمومية تُقاس بقدرتها على حماية أضعف حلقاتها، وليس بجمالية الخطابات أو كثافة المنشورات.

وإذا كان نجاح أي إصلاح يُقاس بمدى إنصاف الفئات الأكثر هشاشة، فإن ما يجري بتيزنيت يشكل تنبيها عاجلا للمسؤولين مركزيا وجهويا، ونداءً للتدخل الفوري. إن الفشل بتيزنيت ليس محليا عابرا، بل نتيجة تراكمية لانحراف مؤسساتي ممنهج، يستدعي تدخلات عاجلة وحازمة لإعادة الحقوق إلى أصحابها، وضمان أن تتحول السياسات الوطنية الطموحة إلى واقع ملموس على الأرض.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- منظمة الصحة تحذر من مخاطر -الأمطار السوداء- في إيران.. ماذا ...
- مجتبى خامنئي.. هل أصيب في القصف الأمريكي الإسرائيلي على إيرا ...
- من -بنت إبليس- إلى -حكاية نرجس-.. كيف تحولت جريمة حقيقية إلى ...
- لغز -التنين- المتردد.. لماذا لا تتدخل الصين في حرب إيران؟
- خلال الحرب.. كيف يتم التشويش على -جي بي إس-؟
- عاجل | وكالة أنباء كوريا الشمالية: بيونغ يانغ تدعم اختيار مج ...
- هرتسوغ يدافع عن ضرب مواقع النفط الإيرانية.. ماذا قال؟
- السعودية تعلن تدمير مسيّرتين في الربع الخالي
- الدفاعات الإماراتية تتعامل مع رشقة من الصواريخ الإيرانية
- عبد الله بن زايد يبحث مع مبعوث الصين الاعتداءات الإيرانية


المزيد.....

- أساليب التعليم والتربية الحديثة / حسن صالح الشنكالي
- اللغة والطبقة والانتماء الاجتماعي: رؤية نقديَّة في طروحات با ... / علي أسعد وطفة
- خطوات البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- إصلاح وتطوير وزارة التربية خطوة للارتقاء بمستوى التعليم في ا ... / سوسن شاكر مجيد
- بصدد مسألة مراحل النمو الذهني للطفل / مالك ابوعليا
- التوثيق فى البحث العلمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الصعوبات النمطية التعليمية في استيعاب المواد التاريخية والمو ... / مالك ابوعليا
- وسائل دراسة وتشكيل العلاقات الشخصية بين الطلاب / مالك ابوعليا
- مفهوم النشاط التعليمي لأطفال المدارس / مالك ابوعليا
- خصائص المنهجية التقليدية في تشكيل مفهوم الطفل حول العدد / مالك ابوعليا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - فراس بوتويلا - الفشل البنيوي في تدبير قطاع التعليم بإقليم تيزنيت: دراسة حالة انقطاع 12,5% من التلاميذ في وضعية إعاقة بالسلك الإعدادي