عمروش منتصر
الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 04:05
المحور:
الفساد الإداري والمالي
نص الفصل 154 من دستور 2011 على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة، وتؤمّن استمرارية خدماتها وفق مبادئ الحكامة الجيدة. وفي قطاع التربية والتكوين، تُعد هيئة التفتيش التربوي إحدى الركائز الأساسية لضمان هذا الالتزام الدستوري، باعتبارها بيت الخبرة البيداغوجية والجهاز المؤهل مؤسساتياً لربط التدبير الإداري بجودة التعلمات داخل الفصول الدراسية.
وقد أكدت تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي أن هيئة التفتيش والتأطير والمراقبة التربوية حلقة مركزية في تنزيل السياسات العمومية، لما تضطلع به من أدوار في التأطير والتقويم وقيادة التغيير. وقد عززت الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 ومقتضيات القانون الإطار 51.17 موقعها، وجعلت من الحكامة وجودة الأداء مدخلاً إلزامياً للإصلاح.
هيأة التفتيش والتأطير: الركيزة المهملة
وفي السياق ذاته، حددت المذكرات الوزارية المؤطرة لاختصاصات هيئة التأطير والتفتيش، خصوصا المذكرة الوزارية رقم 113 بتاريخ 21 شتنبر 2004 إلى جانب النشرات الداخلية الأخيرة الصادرة عن المفتشية العامة للشؤون التربوية، معايير واضحة للإسناد المهني ومباشرة المهام، بما يضمن انسجام القرار الإداري مع مقتضيات التنظيم المركزي.
وتبقى قيمة هذه الترسانة الدستورية والتنظيمية رهينة بتفعيلها الميداني. ففي ظل ما تشهده المديرية الإقليمية للتعليم بتيزنيت خلال الموسم الدراسي الحالي، يضع هذه المبادئ أمام اختبار واقعي، ويكشف حجم المفارقة بين النص المؤطر والممارسة الإدارية. فحين يُعيَّن مفتش تربوي وفق مسطرة قانونية مكتملة، ثم يُجمد، ويمنع من أداء مهامه، فإن منظومة اتخاد القرار أمام اختبار حقيقي لمدى احترام مبادئ استمرارية المرفق العام، ولموقع الخبرة التربوية داخل هذه المنظومة.
تيزنيت..المفتش المحجوز ضحية البلوكاج الإداري
وفي هذا السياق، تفجّرت بمديرية التعليم بتيزنيت وضعية إدارية شاذة، تشكلت بعد تعطيل مفتش تربوي بالسلك الابتدائي (ش.ع). انتقل حديثاً بعد الاستجابة مركزيا لطعنه في الحركة الوطنية لهيئة التفتيش، حيث منعه المدير الإقليمي لتيزنيت فعلياً من مزاولة مهامه، ولم يُمكن من أية منطقة تربوية، رغم التحاقه بالمديرية منذ بداية الموسم الدراسي الحالي. وصار في حالة عطالة وظيفية قصرية، أقرب إلى "موظف شبح" منه إلى “مفتش فائض” بحكم الأمر الواقع، في تناقض صارخ مع مبدأ استمرارية المرفق العمومي، ومع الحاجيات الفعلية لمؤسسات إقليم تيزنيت التي تعاني خصاصاً بنيوياً في التأطير البيداغوجي.
وتكتسي هذه الواقعة خطورة مضاعفة إذا ما استُحضرت الخلفية المهنية للمفتش المعني، الذي كان يؤطر قبل انتقاله ما يناهز 42 مؤسسة تعليمية بمديرية تارودانت، وشارك في برامج وطنية ودولية للتأطير والتكوين، ما يجعل تعطيل خبرته قراراً إدارياً مكلفاً تربوياً، ويحوّل الاستثمار العمومي في الكفاءة إلى هدر صامت للموارد البشرية، لا يمكن تبريره بأي منطق مهني أو تنظيمي.
المجلس الإقليمي لتنسيق التفتيش: حلقة الجمود الداخلي
وفي سياق متصل، فإن المجلس الإقليمي لتنسيق التفتيش باعتباره هيئة تقنية تُعنى بضبط مجالات الإسناد، قد أصبح طرفاً فاعلاً في إنتاج حالة الجمود. فقد امتنع رئيس المجلس عن اقتراح إسناد واضح للمفتش الملتحق، رغم اكتمال وضعيته النظامية. مم حوّل آلية التنسيق إلى حلقة تعطيل داخلية. فالمجلس، بحكم وظيفته، مطالب بالاقتراح المهني المؤسس على معايير موضوعية، إلا أن رئيسه تعمد البلوكاج واكتفى بالصمت الإداري. فترك مفتشا في حالة عطالة، ساهم في تحويله لموظف شبح دون تعليل مكتوب أو مقترح جدول توزيع مُعلَن، ما يطرح سؤالاً صريحاً حول مدى احترام المجلس لاختصاصه الأصلي: ضمان استمرارية التأطير.
وتتعمق الإشكالية أكثر في ضوء ما شهده أحد الاجتماعات المهنية الأخيرة للمجلس الإقليمي لتنسيق التفتيش، حيث انتهى اللقاء إلى توتر حاد عقب اعتراض رئيس المجلس على تدخل رئيس مصلحة خبير في الإعلاميات، حضر لتقديم خبرته في تسهيل اندماج المفتشين في الدينامية الرقمية التي تعرفها المنظومة. وتعكس وقائع هذا السلوك ارتباكاً في تدبير النقاش المهني، والرفض غير المبرر لأي مبادرة تعزز من نجاعة المفتشين. وعندما يتقاطع تعطيل الإسناد مع تعطيل الانخراط في مسار النجاعة، يصبح السؤال أعمق: هل نحن أمام اختلاف مهني عابر، أم أمام نمط تدبيري مغلق ومتزمت يعدم الحلول ويُبقي الوضع على حاله؟
هدر الخبرة والمال: ثمن البلوكاج
وتبلغ المفارقة ذروتها في البعد المالي للملف. فالمفتش الفائض/الشبح الموضوع عملياً في حالة عطالة مهنية، ويتقاضى تعويضات التأطير المدرجة ضمن أجرته الشهرية، رغم عدم إسناد أي مهام فعلية له منذ التحاقه. ولا يتعلق الأمر هنا بامتياز غير مستحق، بل بمسؤولية تدبيرية صريحة.
فمن قرر تعطيل اختصاص التأطير هو من يتحمل كلفة التعويض. فالدولة تؤدي تعويضاً عن خدمة لا تُفعَّل، والمؤسسات تحرم من خبرة جاهزة للاشتغال، ليصبح الخلل مزدوجاً: هدر صامت للموارد البشرية، واستنزاف غير مبرر للموارد المالية. وفي منطق الحكامة، لا يكفي القول إن الوضع تنظيمي، بل يجب تفسير كيف يُصرف تعويض عن مهمة مُعطَّلة بقرار إداري غير مفهوم.
إفلاس الحكامة: تيزنيت بين القانون والفشل
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يُعقل أن تتحول هيئة التفتيش، الركيزة الأساسية للضمانة التربوية، إلى ضحية للشطط والتعسف الإداري؟ وكيف يُعقل أن تُحرم المؤسسات من خبرة مفتش كفء، بينما تُصرف له تعويضات دون أن يُسند له عمل فعلي؟ هذا الوضع لا يُعد مجرد إخفاق إداري عابر، بل هو مؤشر صارخ على هشاشة التدبير المحلي بتيزنيت وتغوّل البلوكاج على روح المرفق العمومي. فالفصل 154 من الدستور واضح في التزامات الإدارة لضمان استمرارية الخدمات العمومية، والمذكرتين الوزاريتين 113، و114 والنشرة الداخلية الأخيرة للمفتشية العامة لا تترك ثغرة للتأويل: المفتش يجب أن تسند له مهام ملموسة وفق المعايير المحددة، ويُفعل دوره كمحرك للتغيير والتقييم.
إن تعطيل هذه المسؤولية، سواء من قبل المدير الإقليمي أو المجلس الإقليمي لتنسيق التفتيش، لا يضر بالمفتش وحده، بل يضرب صلب المنظومة التربوية ويضعف أركان الحكامة التي يُفترض أن تحمي المدرسة من الفوضى التدبيرية. وفي نهاية المطاف، لايصبح الإخفاق مجرد حادث إداري، بل استهتاراً بالقوانين، وبالخبرة، وبحق الأجيال في تعليم ذي جودة، ليبقى السؤال قائماً: متى ستتوقف مسرحية تعطيل الخبرة قبل أن تتحول الكارثة إلى نموذج يتكرر؟
نقابة المفتشين والبلوكاج.. إعادة ترتيب الأولويات
في ظل الشعبوية في تدبير مرفق التعليم بتيزنيت، فإن التدخل الحبي لأطراف من المكتبين الإقليمي، والجهوي لنقابة المفتشين رفع الملف من مستوى الخلل الإداري المحلي إلى أزمة مهنية بامتياز. فقد كشف استياء أطراف كثيرة بنقابة المفتشين على المستويين الإقليمي والجهوي عن هشاشة التدبير بتيزنيت، والتقاعس عن تفعيل المعايير المؤطرة للإسناد المهني. وبات واضحًا أن تعطيل الخبرة التربوية لا يضر بالمفتش وحده، بل يمس جوهر جودة التعلمات، ويهدر استثمارات الدولة في الكفاءات، مما يجعل التدخل النقابي خطوة ضرورية لإعادة التوازن المؤسسي.
وينذر هذا المشهد المفتوح على كل الاحتمالات، في ظل بلوكاج معالجة مؤسساتية هادئة، تفعّل الحكامة، وتستعيد الانسجام بين النص التنظيمي والممارسة الميدانية، بتصعيد مهني تقوده نقابة المفتشين، مما سيضع المديرية الإقليمية أمام مساءلة أوسع، تكشف اختلالات أعمق في التسيير والإسناد. وفي كل الحالات، أصبح تدخل النقابة لحظة فاصلة، ستحدد ما إذا كانت المنظومة ستستعيد التوازن المؤسسي أم ستستمر في مسلسل تعطيل الخبرة وإهدار الموارد.
تعطيل الإصلاح المحلي يهدد السياسات الوطنية
يقف المدير الإقليمي بتيزنيت كرمز للتدبير الشعبوي الذي يختزل الإدارة في الولاءات والمصالح الشخصية، متجاهلاً أن تعطيل الخبرة التربوية يهدد جوهر السياسات الوطنية ويحول الإصلاح إلى وهم إداري. فتعطيل مفتش كفء وتحويله إلى “موظف شبح” ليس مجرد إخفاق إداري عابر، بل إعلان صريح عن تقويض الإصلاحات الطموحة لوزارة التربية الوطنية، وتعطيل لأهداف مشروع الريادة...
فالمجهودات الضخمة التي بذلتها الوزارة، والاعتمادات المالية الكبيرة التي خصصت لمشروع مؤسسات الريادة، من تطوير للبنية التربوية... اصطدمت بأساليب تدبير محلية تقوض السياسات العمومية، وتحوّل الولاءات الجزئية إلى أداة لإعاقة الإصلاح، وهدر الموارد البشرية والمالية، بما يعكس خللاً صريحاً في ترجمة الإرادة الملكية إلى واقع تعليمي ملموس.
إن ما سجل من إخفاقات في تدبير مشروع المؤسسة والدعم الممتد، وعبث بهندسة الخريطة المدرسية وتدبير الموارد البشرية بتيزنيت... لا ينسف فلسفة الوزارة فحسب، بل يدوس على الإرادة الملكية في إصلاح التعليم، وجعله رافعة حقيقية للتنمية. ولذلك أصبح التدخل الفوري ضرورة لإعادة قطار المنظومة إلى سكته، وضمان استثمار الموارد بما يخدم مستقبل الأجيال.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟