أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ولات أسن - إذا كانت الدولة بلا هوية: فلتُعلَن تركيا كردية














المزيد.....

إذا كانت الدولة بلا هوية: فلتُعلَن تركيا كردية


ولات أسن

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 09:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن رسالة عبدالله أوجلان تقوم على ادعاء مفاده أن المواطنة لا علاقة لها بالهوية القومية، وأنها مجرد رابطة قانونية بين الفرد والدولة. في السياق التركي، هذا الادعاء غير دقيق. فالمواطنة مُعرَّفة دستورياً بوصفها مرتبطة بالتركية. تنص المادة 66 من دستور الجمهورية التركية على أن كل من يرتبط بالدولة برابطة المواطنة هو “تركي”. وهذا ليس حياداً مدنياً، بل أساس قانوني لسياسة الاستيعاب.

لو كانت المواطنة بالفعل مجردة من الهوية، لما أثار استبدال كلمة “تركي” بكلمة “كردي” في الدستور أي أزمة. غير أن مجرد تصور مثل هذا التغيير يُعدّ مستحيلاً سياسياً. إن احتمال أن يُحدث هذا التعديل زلزالاً سياسياً يكفي لإظهار أن خطاب “المواطنة بلا هوية” ليس سوى بناء نظري. وما لم تُعترف اللغة الكردية لغةً رسمية، وما لم يُفك الارتباط الدستوري بين المواطنة والهوية التركية، فإن الحديث عن “مواطنة مدنية خالصة” يبقى غطاءً أيديولوجياً.

هنا تستعيد مقولة كارل ماركس في كتابه الثامن عشر من برومير لويس بونابرت معناها: التاريخ يتكرر، في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة. رسالة 27 شباط/فبراير 2025 شكّلت، بالنسبة لكثير من الأكراد، لحظة انكسار مأساوية بسبب رفض مطلب الدولة المستقلة أو الصيغة الفدرالية أو الكونفدرالية، بل وحتى الحكم الذاتي الإداري. بل إن المطالب الثقافية نفسها وُصفت بأنها “انزلاق نحو الفاشية”، وهو ما يعني إنكار الذات السياسية.

لكن إعادة إنتاج الإطار نفسه بعد عام واحد بصيغة قومية تركية صريحة — “لا تركي من دون كردي، ولا كردي من دون تركي” — لم تعد مأساة، بل غدت مهزلة سياسية. إنكار الوجود السياسي للكرد ثم إعلانهم عنصراً ضرورياً في الدولة التركية ليس مساواة، بل تعبير صريح عن منطق الهيمنة.

في هذا السياق تتضح أطروحة “التتريك عبر التتريك التركيلي” أو ما يُسمّى بـ“التتريك تحت مسمى التتريك التركيلي”. إنها استمرار لخط التتريك الاتحادي والكمالي بلغة جديدة. فالتوازي بين تصور ضياء كوك ألب للتتريك الثقافي-السياسي وبين خطاب “التتريك التركيلي” ليس عرضياً، بل بنيوي؛ إذ يُعاد تعريف الهوية الكردية لا بوصفها ذاتاً سياسية مستقلة، بل كعنصر يُذاب داخل الكلية القومية التركية.

ويمتد الأساس التاريخي لهذا النهج إلى تصور ميثاق ملّي ومبدأ “من ليس تركياً فليصبح تركياً”. ففي حين أقرّ الميثاق بحق تقرير المصير للعرب، اعتبر كردستان مُسبقاً جزءاً من الملكية التركية، متجاهلاً إرادة الكرد منذ البداية. إن النظر إلى الكرد باعتبارهم مجال تصرّف لا ذاتاً سياسية هو الافتراض المؤسس لهذا النموذج. وسياسات الإنكار والإسكان والاستيعاب التي طُبقت طوال القرن العشرين، وما تلا انتفاضة الشيخ سعيد من نفي، ثم الإجراءات الأمنية المتصاعدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كلها تجليات عملية لهذه الذهنية.

بعد اعتقاله، واصل أوجلان الخط ذاته بمصطلحات مختلفة. فمن خلال خطاب “التتريك التركيلي” يعيد تعريف الكرد في الشمال، ويجذبهم أيديولوجياً في بقية الأجزاء إلى أفق ميثاق ملّي. كما أن مفاهيم مثل “المشروع اللادولتي” أو “الكونفدرالية الديمقراطية” تؤدي وظيفة خطابية تُضعف مطلب الكرد بالوضع السياسي. لذلك، فإن “التتريك التركيلي” ليس سوى نسخة مُحدَّثة من نموذج التتريك.

ولا يقتصر هذا الاستمرار على مستوى الخطاب، بل يظهر بوضوح على الأرض. فخلال أحداث الخنادق عام 2015، دُفع الكرد إلى مسار عُرض بوصفه “إدارة ذاتية”، ثم أعقب ذلك دمار واسع. كما أن التدخلات العسكرية في عفرين ورأس العين (سري كانيه) وكوباني والشيخ مقصود، وما رافقها من تحولات ديموغرافية، تكشف استمرارية هذا النهج. لم يقتصر الأمر على منع الكرد من نيل وضع سياسي، بل طال وجودهم المادي نفسه بصورة منهجية. لا قطيعة بين النظرية التي تتحدث عن “وحدة إلزامية” والممارسة الميدانية؛ بل ثمة استمرارية مباشرة.

والأكثر دلالة هو البعد الإقليمي. فالدولة التركية لا تمارس هذا المنطق داخل حدودها فحسب، بل تضغط في سوريا للحفاظ على الطابع الإثني لشكل الدولة. الإصرار على تسمية “الجمهورية العربية السورية” والتأكيد الدستوري على الهوية العربية يعكس إرادة واضحة بعدم منح الكرد أي أرضية تأسيسية. إنها ليست ضبابية، بل إقصاء مقصود. وبالتالي، فالمسألة لا تقتصر على ربط المواطنة بالتركية داخلياً، بل تمتد إلى تشديد صيغة الدولة الإثنية خارجياً. وفي ظل هذا الواقع، يصبح تكرار خطاب “الوحدة الإلزامية” مواكبةً لمنطق الإنكار على المستوى الإقليمي.

إذا قيل حقاً إن “التركي لا يكون من دون كردي”، فكيف يُشرح ذلك لمن يعيشون تحت الحصار في كوباني، أو لمن هُجّروا من عفرين، أو لمن اقتُلعوا من ديارهم مراراً؟ إن القول للمحاصَرين إن “الوحدة إلزامية” ليس تنظيراً سياسياً، بل خطاب يغطي الإقصاء الفعلي.

ولو كانت “رؤية الديمقراطية” لدى أوجلان قائمة فعلاً على التفاوض، لكان ينبغي أن تبدأ بتفكيك منطق الدولة الإثنية. غير أن الواقع الميداني يُظهر العكس: وحدة في النظرية، وإقصاء في الممارسة؛ تفاوض في الخطاب، وتصفية في الواقع. ومع تعمّق هذا التناقض، يغدو الإطار المطروح أقرب إلى مهزلة سياسية قائمة على مأساة سابقة.

وعليه، فالأمر ليس مجرد مناورة تكتيكية، بل استمرار لسياسة التتريك بلغة أكثر حداثة وتعقيداً. وفي مواجهة الواقع الكردي الملموس والمؤلم، يبدو هذا الخطاب أقرب إلى سفسطة سياسية منه إلى استراتيجية. وكما قال ماركس: ما كان مأساة في المرة الأولى، يعود مهزلة في الثانية. غير أن هذه المهزلة ليست سوى فصل جديد من تاريخ التتريك، ولهذا تصف بعض الأوساط الكردية دور أوجلان بأنه “تواطؤ أيديولوجي”
--------------------------------------------------
وَلات أَسَن؛ باحث وناشط سياسي من شمال كردستان






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- روجافا بين الفرصة التاريخية والاحتواء الأيديولوجي


المزيد.....




- مصر.. العثور على خبيئة توابيت ملونة لـ-منشدي آمون- فى الأقصر ...
- ماذا يخبئ المستقبل لإيران بعد مقتل خامنئي؟.. مراسل CNN يوضح ...
- -أخطأ العنوان وعزلها-.. أنور قرقاش يعلق على عدوان إيران بدول ...
- لاريجاني يتوعّد أميركا بـ-طعنة في القلب-.. بيزشكيان: قتل خام ...
- إلغاء العديد من الرحلات الجوية في الشرق الأوسط بعد الهجوم عل ...
- الشرق الأوسط يحترق: بدء الردّ إيراني على اغتيال خامنئي.. وتر ...
- بين وصفه بـ-المجرم- و-الشجاع-.. كيف تفاعل العرب مع مقتل علي ...
- بعد مقتل علي خامنئي.. ماذا قال علي لاريجاني في أول ظهور؟
- عاجل | المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي: تصفية 40 قائدا إيرانيا ...
- السيادة الرقمية العربية.. هل نحن مجرد مستهلكي بيانات؟


المزيد.....

- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ولات أسن - إذا كانت الدولة بلا هوية: فلتُعلَن تركيا كردية