عبدالعزيز اللبدي
الحوار المتمدن-العدد: 8631 - 2026 / 2 / 27 - 09:35
المحور:
قضايا ثقافية
في البدء كان العرب
الجزء التاسع
يستعرض هذا القسم من النص تاريخ الدول الكنعانية وتوسعها نحو الغرب، مع التركيز على قرطاجة وعلاقتها بالسكان الأصليين (الأمازيغ)، مؤصلاً للوحدة الحضارية واللغوية في حوض المتوسط.
الإمبراطورية التجارية الكنعانية: سيطر الكنعانيون الفينيقيون على البحر المتوسط لمدة ألف عام مع بداية العصر الحديدي، وأنشأوا شبكة مرافئ وأسواق امتدت من البحر الأسود إلى المحيط الأطلسي. وأسسوا مدناً كبرى في قبرص، صقلية، مالطا، سردينيا، وإيبيريا، وصولاً إلى طنجة وليكسوس (العرائش) في المغرب. كانت بمثابة المراكز الاستراتيجية: مثل 2. قرطاج: "القرية الحديثة“. وقد تأسست عام 814 ق.م بقيادة الأميرة الصورية عليسة (أليسار). واسمتها "قرت حدشت" تعني بالعربية "القرية الحديثة".
القوة الاقتصادية والعلمية: اشتهرت قرطاج بالصناعات الدقيقة (مجوهرات، عاج، فخار) وامتلكت مكتبات ضخمة ضمت كتباً في الفلسفة والزراعة وصناعة السفن. وقامت برحلات إلى أوروبا ، و قام القرطاجيون برحلات الاستكشاف الجغرافي، حيث قاموا برحلات مذهلة، منها رحلة حنون حول أفريقيا، ورحلات لجلب القصدير من بريطانيا، وكانوا يستخدمون النجوم للملاحة. كما وصلوا إلى أمريكا والشمالية والجنوبية.
الأمازيغ (النوميديون) والجذور المشتركة: يذكر النص أن الأمازيغ (المحاربين الشجعان) هم السكان الأصليون لشمال أفريقيا، وتؤكد النظريات (ومنها ما أيده ابن خلدون) انتمائهم إلى أصل كنعاني مشرقي، حيث هاجروا من الجزيرة العربية عبر باب المندب أو سيناء.ويقول المؤرخون المغربي الجدد أنهم فينيقيون ، ولغتهم التفناع هي تحريف للفينيقية.
ونشأت "الحضارة البونيقية" نتيجة تمازج الفينيقيين مع النوميديين، وهي حضارة موحدة ثقافياً ولغوياً، حيث كانت اللغة الأمازيغية والكنعانية تنتميان لأصل واحد (الأفروآسيوية).، وبرزت ممالك نوميدية قوية مثل مملكة ماسينيسا الذي وحد نوميديا عام 202 ق.م.
الحروب البونية ونهاية السيادة: خاضت قرطاج ثلاث حروب كبرى ضد روما بسبب التنافس على تجارة المتوسط.
هانيبعل: قاد الحملة الشهيرة ضد روما عبر جبال الألب، لكن الحروب انتهت بتدمير قرطاج تماماً عام 146 ق.م. وبعد السقوط، انقسمت فينيقيا إلى شرقية (تحت الحكم اليوناني) وغربية (تحت الحكم الروماني).
5. الوحدة اللغوية والحضارية : العربية الأم: يطرح النص رؤية مفادها أن اللغة العربية (بمعناها الواسع) هي أم لغات المتوسط، وأن التوراة والإنجيل والقرآن نزلوا بلهجات من هذا الأصل العربي (كنعانية، آرامية، عدنانية). وجرى تفاعل مستمر ، فلم تكن الهجرات من الشرق للغرب فقط، بل حدث العكس أيضاً (مثل هجرة الشواش الأمازيغ لمصر وتأسيس أسر فرعونية مثل أسرة ششنق).
يؤكد الكتاب أن شمال أفريقيا والمشرق العربي يشكلان وحدة حضارية وديموغرافية واحدة تمتد من المحيط الهندي إلى الأطلسي، وأن "الأمازيغية" و"الفينيقية" و"العربية" هي تجليات لهوية عربية قديمة مشتركة، تكرست عبر آلاف السنين من التفاعل والاندماج.
يُعد دور الفينيقيين في العصر الحديدي نقطة تحول جذري في تاريخ البشرية، حيث نقلوا الحضارة من حصر المعرفة في يد النخبة (الكهنة والكتبة) إلى عموم الناس عبر اختراع الأبجدية.
إليك تفصيل دورهم كما ورد في النص:
اختراع الأبجدية (الثورة التقنية للتسجيل)
تسهيل التواصل: قبل الفينيقيين، كانت الكتابة (كالمسمارية والهيروغليفية) معقدة وتحتاج لسنوات لتعلمها. باختراع الأبجدية (الحروف المنفصلة)، أصبح من السهل تسجيل الأفكار والديون والصفقات التجارية.
الحاجة التجارية: لم تكن الأبجدية مجرد ترف فكري، بل كانت "حاجة ملحة" نتيجة تنامي التجارة العالمية التي قادها الفينيقيون عبر البحار.
الانتشار العالمي: تبنى الآراميون والإغريق هذه الأبجدية عن الفينيقيين، ومنها اشتق معظم لغات العالم المعاصر.
الفينيقيون كوسطاء للحضارة: نقل المعادن: كان للفينيقيين دور أساسي في نشر تقنيات العصر الحديدي؛ حيث نقلوا الحديد معهم إلى شمال أفريقيا وأسهموا في دخوله إلى أوروبا حوالي عام 650 ق.م.
الربط بين القارات: بفضل أساطيلهم، ربط الفينيقيون حضارات الشرق الأدنى (بابل وآشور) بحوض البحر المتوسط، مما أدى إلى تداخل الثقافات وتبادل الخبرات التقنية. كما ذهبوا إلى أوروبا وأمريكا بسفنهم .
ومع ظهور الأبجدية في العصر الحديدي، لم يعد الإنسان محصوراً في الرقم الطينية الثقيلة، بل بدأ باستخدام مواد أخف وأسهل في التداول مثل:
ورق البردي.
الكسر الفخارية (الأوستراكا).
الرّقَم الجلدي (الرّق).
التحول من "دويلات المدن" إلى "الدول الوطنية"
يشير النص إلى أن هذه الفترة (بداية القرن 13 ق.م) شهدت تغيراً في النظام السياسي في بلاد الشام (موطن الفينيقيين والكنعانيين)؛ حيث انتهى نظام المدن المستقلة الصغيرة وحل محله نظام الدول الوطنية الموحدة ذات العلاقات الدولية الواسعة، وهو ما عزز من قوتهم التأثيرية في المنطقة.
يؤكد النص أن "اختراع الحروف الأبجدية أدى إلى تسهيل التواصل، زيادة العمليات التجارية، وتعميم المعرفة"، مما جعل العصر الحديدي ليس مجرد عصر للمعدن والحروب، بل عصر "ديمقراطية المعرفة" الأولى في التاريخ.
هذا الكتاب يتجاوز النظرة الضيقة للأعراق والحدود، لتستقر على حقيقة جوهرية مفادها أن الإنسان واحد في أصله، متصل في مساره. وتتلخص فلسفة الكتاب في ثلاث ركائز أساسية:
أولاً: أسطورة النقاء العرقي ووحدة المنشأ
يؤكد الكتاب، مستنداً إلى علم الجينات والأنثروبولوجيا، أن "النقاء العرقي" ليس سوى وهم تاريخي؛ فالبشر جميعاً ينحدرون من سلف أفريقي مشترك، وما الاختلافات الظاهرية في لون البشرة أو شكل العيون إلا "طفرات تكيفية" فرضتها الجغرافيا والمناخ. إن الهجرات الكبرى التي انطلقت من أفريقيا وعبرت الجزيرة العربية والشرق الأوسط صهرت البشر في بوتقة واحدة، مما يجعلنا جميعاً "هجناء" ننتمي لشجرة عائلة واحدة مهما تباعدت فروعها.
ثانياً: عبقرية المكان (الشرق الأدنى كقلب للعالم)
يُعيد الكتاب الاعتبار للمنطقة العربية وشمال أفريقيا كمركز ثقل في التاريخ البشري. فهي لم تكن مجرد ممرات عابرة، بل كانت "المختبر الحضاري الأول"؛ حيث نضجت فيها الجينات البشرية، واكتُشف فيها الحديد، واختُرعت فيها الأبجدية. من الهجرات الكنعانية والأمازيغية إلى الإمبراطوريات الآشورية والكلدانية، يظهر لنا تاريخ متصل من التراكم المعرفي، حيث تسلمت كل حضارة الراية ممن قبلها، لتضيف لبنة جديدة في صرح الحضارة الإنسانية.
ثالثاً: التطور الحلزوني وتكامل الهويات
يرفض الكتاب فكرة الصدام بين الحضارات، ويستبدلها بفكرة "التطور الحلزوني المتصاعد". فالحضارة اليونانية والرومانية لم تكن لتقوم لولا الأسس العلمية التي وضعها الفينيقيون والبابليون. كما أن الاندماج المذهل بين الفينيقيين والأمازيغ في "الحضارة البونية" يُثبت أن اللغة والثقافة هما جسور للتواصل وليسا جدراناً للفصل. إن "اللغة العربية الأم" (بلهجاتها القديمة من كنعانية وآرامية وأمازيغية) كانت ولا تزال الخيط الرفيع الذي يربط شعوب المنطقة من المحيط إلى الخليج!!
إن دراسة تاريخ "الإنسان" في هذا الكتاب هي دعوة لاستعادة الوعي بالذات؛ فنحن لسنا نتاج صدفة عابرة، بل نحن ثمرة صراع طويل للبقاء، وقدرة مذهلة على التكيف، وميراث جيني وحضاري مشترك. إن بقاء جنسنا وازدهاره لم يكن ليحدث لولا هذا "التنوع الجيني والثقافي" الذي هو سر قوتنا، والضمان الحقيقي لمستقبلنا.
#عبدالعزيز_اللبدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟