أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جاسم العامري - محورية المؤسس و معاصريه في تحديد مسرى التاريخ (مقال في فلسفة التاريخ)















المزيد.....

محورية المؤسس و معاصريه في تحديد مسرى التاريخ (مقال في فلسفة التاريخ)


جاسم العامري

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 08:34
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


عند التأمل في مسيرة التاريخ البشري، نجد أن الأحداث لا تتراكم عشوائيا، بل أن هناك فترات وأشخاصا يشكلون محاور مركزية تدور حولها المجتمعات لأزمنة طويلة. هذه الشخصيات أو الحركات الفكرية تؤسس أنماطا فكرية واجتماعية تمتد آثارها لقرون، حتى تأتي لحظة انعطاف حاسمة تعيد صياغة الإطار القديم وتؤسس المحورية جديدة.

فكيف تحدث هذه التحولات؟

وما الأدوات التي تجعل بعض الأفكار قادرة على البقاء بينما تندثر غيرها ؟

وهل يمكن تكرار مثل هذه الانعطافات التاريخية في عصرنا الحالي ؟

و ما دور أو تأثير تلك المحوريات فيما نعيشه من صراعات طائفية وقومية في مجتمعنا الحالي ؟

هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذا المقال

تشكل نشأة الأفكار (الأيديولوجيا) ونخص منهن الدينية البذرة الأولى لسير الركب الحضاري الأنساني وتنميط الحياة على حسب ما تقتضيه حدودها، فتشكل السنين الأولى للنشأة الفكرية لهذه الأفكار بشخصياتها وأحداثها النقطة المركزية التي يدور حولها كل من يأتي من بعدهم من السائرين على نهجهم حتى في ظل اختلاف مذاهبهم وتفسيراتهم للفكرة الأصل وهو الأمر البديهي الذي تقتضيه كل مسيرة فكرية بشرية)، فيتمحور هؤلاء الخلف حول تلك الشخصيات والدوران في فلكهم، وأتخاذهم الأساس لتوجههم، فيشكلون منهم الأساس لفكرهم أو أمتهم، من دون سواهم ممن أتوا بعدهم حتى لو كانوا أكثر ذكاء وحنكة و خدمة لما يسيرون عليه من نهج عمن سبقهم، كون ذلك الجيل الأول أشبه ما يكون بالنبتة الحديثة النمو و أي تهجين أو تغيير لمسارها أو طريقة نموها سيبقى أثره واضحاً ما دامت هذه النبتة معمرة، و ما يحصل من تغييرات و اصلاحات لأفرعها عندما تعمر لا يشكل سوة تغيير طفيف لها، أثره لا يمس باقي الأفرع بشيء كما حصل مع التغيير عندما كانت نبتة صغيرة، وأنما يمس التفرعات الجديدة التي تفرعت عن ذلك الفرع، ورغم هذا يبقى ينظر له على أنهن فروع من أصل، و هو تلك النبتة الصغيرة، ولسن أصولاً بذاتهن، إلا في حال قلع أحدهن من تلك الشجرة المعمرة و زرع المفرده و نما و كبر فيصبح هو الأصل بذاته بتغييراته

و كذا الأمر مع مسيرة التاريخ البشري، كل بناء حضاري جديد يبدأ بفكرة، والفكرة في عصرها بمعتنقيها كل حدث يحدثونه يمثل نقطة محورية تاريخية لمن سيخلفهم بعدهم و أن كان بعد الأف السنين. ألا أن يتفرع فكرهم الأساس لمذاهب مختلفة في النظر للجيل الأول من المؤسسين، فيتم النظر لهم كمحورية لكل تلك المذاهب المختلفة التفسير لفكرهم فأي فكرة تبدء بشخص او مجموعة صغيرة من الأشخاص يمثلون مركزها ، و كل من يأتي بعدهم أمتداد لهم أو انشقاق عنهم)

و خير مثال على ما طرقناه هو المسيرة التاريخية للأديان و الفلسفات و بعض الدول والأمبراطوريات فالأسلام الممتد منذ ما يقارب الألف وأربعمئة عام عنا، ما يزال ليومه هذا متمحور حول النبي الأكرم محمد (ص) و الجيل الأول من المعاصرين له من نساء و رجال ونخص منهم الخلفاء الأربعة، و كل من أتى من بعدهم من علماء و محدثين للدين لا يمثلون سوى فرع من أصل و كذا الحال مع البوذية المتمحورة حول بوذة، والمسيحية المتمحورة حول حياة المسيح وتلامذته، و أيضا بالنسبة للفلسفة الغربية المعاصرة التي رغم تجديدها بقيت متمحورة حول الفلسفة الأغريقية التي تمثل البذرة الأولى لها، و كذلك مع الأمبراطورية الرومانية التي أثرت على كل أوربا و النظم السياسية التي أتت من بعدها
فأغلب هذه الأديان والفلسفات و النظم نمت في بداية عهدها في مجتمعات أشبه ما تكون في بالأرض الجرداء الخالية الزرع، التي يسهل زرع أي نبتة فيها من دون أن يزاحمها في نموها نباتات أخرى على عكس الأرض الكثيفة الزرع التي يصعب زرع زرع جديد عليها من دون اقتلاع باقي الأشجار، و كذا الحال بالنسبة لهذه الأديان والفلسفات نمت في مجتمعات لا أسس فكرية وحضارية لديها ما سهل نموها و ازدهارها فيها ما شكل لهذه الاديان او الفلسفات او النظم بيئة مناسبة لأزدهارهن، يصعب فرض أديان او فلسفات نظم مخالفة لهن بكل تفاصيلها وأسسها في بيئتها مستقبلاً إلا بعد أن تقتلع ما سبقها من أتجاهات دينية او فلسفية

و أن كل ثورة تصحيحية أو تنويرية تقام مع ذلك الدين او الفلسفة الأولى لا تمثل سوى فرع من أصل كونها ما تزال في أطاره تدور في حول مركزيته و واقفة على أسسه، كما الحال بالنسبة للمذاهب الاسلامية والمسيحية التي لم تخرج من أطار الأسلام والمسيحية، وأيضا الثورات الفلسفية لكبار الفلاسفة الغربيين مثلاً كنيتشه و ديكارت الذين بقوا فرعاً من الأصل اليوناني و لم يتجاوزوا أطاره لبقائهم مستخدمين أسسه الفكرية كالعدل و الأخلاق عند نيتشه ، و لم يرتقوا لصناعة بديل عنه يمثل بداية الانعطافة فلسفية جديدة يتبعها من يعاصرهم و يأتي بعدهم، وأنما فقط برزوا كمؤثرين لا أكثر ، فمثل هكذا مخالفين حتى وأن اختلفوا جذرياً يبقون في أطار ما أسسه المؤسسون الأوائل، فبالمجمل أن صناعة مركزية جديدة سواء كانت دينية او فلسفية او سياسية أو أين كانت تتطلب صناعة نهج جديد لم يطرق مسبقاً، يهدم ما سبقه من أسسه ليحل محله، وليس فقط ثورة تعديلية، لأن كل ثورة أو حركة ستقرأ على ضوء الأصل فتفسر اما انها اصلاح له او انحراف عنه، وكما أن لتعقد المجتمع الذي بني على أساس الأصل دور لا يستهان به في الحيلولة دون ذلك، كما و أن الشرعية و التقاليد التي أعتاد عليها المجتمع تمنح الأصل سلطة أكبر من أي تغيير لاحق ) فالناس أتباع ما اعتادوا عليه و ليس ما تعقلوه)

فالمفكر المخالف يكون مؤسس حقيقياً لتوجه جديد من خلال خلق منظومة جديدة متكاملة قانونياً، اقتصادياً، فلسفياً واجتماعياً، و يكون منفصل عن ما سبقه بشكل واضح، ويكون ذو تأثير ممتد للأجيال التي تأتي بعده، أي ليس فقط يعدل على ما أنتجه الذين سبقوه، والأهم من كل ذلك أن يكون البديل الذي أتى به ملائم لظروف و تطورات زمانه، و إلا آل على نفسه بالفشل المحتوم لا محال، كما حصل مع الشيوعية التي رغم طرحها لبديل حضاري مختلف عن جميع ما سبقنه و أمتد لما بعد الحدود التي انبثقت منه، إلا انها لم تكن منظومتها السياسية والاقتصادية حديثة وواقعية، فكتب عليها الفشل الذريع امام خصمها الرأسمالي

في زماننا المعاصر ) عصر العولمة من الصعب جداً القيام بمثل هكذا بنى فكرية جديدة، دينية او فلسفية او غيرها، بسبب الترابط الألكتروني بين كافة أجزاء العالم، الذي حول العالم لشاشة صغيرة الذي يعرض أي فكرة جديدة للتحليل و النقد و التمحيص من قبل الجميع، وعلى رأسهم الانظمة الكبرى التي ستكون على رأس المتصدين لهذه الأفكار بسبب احتمالية تعارضها مع مصالحهم و هيمنتهم، أي ليس كما كان الحال قبل عدة ألاف من السنين الذي مهما تقدم مجتمع وتعقد في بناه الفكري والحضاري يبقى هنالك مجتمع يعيش في عزلة و أرض جرداء فكرياً يمكن تأسيس البناء الفكري الجديد عليها كما حصل مع الأسلام في مكة فعل الأغلب زماننا المعاصر هو زمان امتداد لأفكار تاريخية قديمة، يصعب بناء غيرها فيه، وأنما هو عصر تجديد و تحديث لما سبق ليواكب زمانه و صناعة مركزية للجيل المعاصر يبقى تأثير كافة تفاصيله ممتدة لألاف السنين بعده ، و يتمحور حولها البشرية كما حدث مع سابقيه صعب شبه مستحيل.

فختاماً، الصراعات التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم ليست وليدة عمل عابر أو منطق طائفي لفئة من الناس و أنما سببه الاعمق أن مجتمعاتنا ما تزال تدرو في فلك وأطار شخصيات وأحداث تاريخية صنعت ملامح التاريخ الاسلامي، ولا يمكن تجاوزه ألا بثورة أصلاحية أسلامية تضع تلك الشخصيات و الأحداث وما أنتجته من نزاعات في ظروفها الزمانية والمكانية التاريخية من دون التأثير على الأجيال اللاحقة لها






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوسيولوجيا الاقتصاد العراقي -السلوك الاقتصادي للمجتمع العراق ...


المزيد.....




- فرنسا تعلن استدعاء السفير الأمريكي لديها لهذا السبب
- مفاوضات نووية مرتقبة في مارس: طهران تطرح -بدائل التخصيب- وتر ...
- باكستان تشن غارات -انتقامية- داخل أفغانستان.. وكابول تندد: - ...
- هاكابي ووعد يهوه لإبراهيم.
- لبنان: الرئيس يصف الغارات الإسرائلية بالعمل العدائي
- المجر وسلوفاكيا تهددان بتعطيل قرض أوروبي لأوكرانيا
- إيران: طلاب يهتفون بشعارات مناهضة للنظام في طهران
- ترامب يرفع الرسوم الجمركية وأوروبا تستعد لرد موحد
- رمضان في غزة: هل تنتصر إرادة الحياة على الدمار؟
- حصار أمريكي يهدد بحدوث أزمة إنسانية في كوبا


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - جاسم العامري - محورية المؤسس و معاصريه في تحديد مسرى التاريخ (مقال في فلسفة التاريخ)