أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نورالدين لشكر - ادعاء النسب الشريف في المغرب: إصدار جديد للمؤرخ محمد عمراني















المزيد.....

ادعاء النسب الشريف في المغرب: إصدار جديد للمؤرخ محمد عمراني


نورالدين لشكر
باحث

(Noureddine Lachgar)


الحوار المتمدن-العدد: 8619 - 2026 / 2 / 15 - 01:38
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


عن دار القلم بالرباط، صدر للمؤرخ والباحث المغربي محمد عمراني كتاب يمثل امتدادا لأطروحته الجامعية، وهو عبارة عن دراسة تاريخية تتناول واحدة من أبرز الظواهر الاجتماعية في المغرب خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، في العهد العلوي، بوصفها سلوكا جماعيا متواصلا عبر الزمن، تجلى في تهافت فئات واسعة من المجتمع على امتلاك النسب الشريف باستعمال مختلف الوسائل المتاحة، بما فيها تزوير أدلة إثبات صحة الانحدار السلالي من إحدى العائلات الشريفة. ويركز الكتاب، الذي يقع في 160صفحة وأربعة فصول، على تحليل العوامل التي أسهمت في تفشي هذه الظاهرة، مبرزا كيف تحولت إلى آفة اجتماعية مزمنة، رغم الجهود التي بذلها بعض السلاطين العلويين، -كالمولى إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله والمولى سليمان- للحد من مضاعفاتها المالية والاجتماعية بإطلاق حملات تحقيق الأنساب، إلى جانب مبادرات بعض العائلات الشريفة للحفاظ على أنسابها من تسرب الدخلاء، فضلا عن مساهمة بعض العلماء في مواجهة الظاهرة.
وتُعدّ ظاهرة ادعاء النسب الشريف وانتحال صفة الشرف دون أدلة إثبات ذات مصداقية فيما عُرف في المصادر بـ"المتشرفة" واحدة من أبرز هذه الظواهر، التي حافظت على حضورها الدائم في الوعي والسلوك الاجتماعيين. ولا تزال هذه الممارسة تتجلى بين الفينة والأخرى في الواقع المعاصر، وتؤثر بشكل من الأشكال في تطور المجتمع والدولة. وتتمثل إحدى تجليات هذه الظاهرة في الضجة التي أثيرت سنة 2015 عقب الكشف عن شبكة متخصصة في طبع وتوزيع بطاقات شرف مزوّرة، استغلها بعض المتشرفين لإضفاء الشرعية على نسبٍ يدّعونه سعيا إلى تحقيق مكاسب مادية أو إلى وضع يمنحهم نوعاً من الحصانة القانونية. ونظرا لخطورة هذه الممارسات، أصدرت وزارتا العدل والداخلية بلاغاً مشتركاً يقضي بمنع استعمال تلك البطاقات، واعتبار توزيعها أو اعتمادها أفعالا مخالفة لأحكام الدستور، يُعاقب عليها القانون.
ورغم أهميتها التاريخية، ظلت ظاهرة ادعاء النسب الشريف على هامش الكتابة التاريخية المعاصرة، خاضعة لقراءة ضيقة ورثها المؤرخون والنسابون القدامى، الذين تناولوها بوصفها قضيّة نسبية صرفة. وقد حال ذلك دون فهم واقعها التاريخي المركب، أو تحليل العوامل التي أدت إلى انتشارها وتحولها إلى معضلة اجتماعية كبرى اعترضت سبيل الدولة العلوية منذ تأسيسها. فادعاء الانتساب إلى البيت النبوي لا يعكس مجرد رغبة في إثبات الانتماء أو الدفاع عنه، بل يمثل في الغالب سعيا إلى اكتساب شرعية دينية أو سياسية، أو رغبة في تحقيق ترقٍ اجتماعي يستند إلى إرث سلالي بما يحمله من امتيازات مادية ومعنوية ورمزية.
لقد حاول المؤرخ العمراني الكشف عن تطور الظاهرة مع ربطها بالأبعاد الدينية والسياسية والاجتماعية. وقد حُدّد الإطار الزمني لتتبع مسارها في مرحلة تأرجح فيها مسار الظاهرة بين التمدد، وتضخم عدد المنتسبين إلى الشرف بحق أو بغير حق، وبين الانحسار المؤقت، تبعا لمدى قوة السلطة المركزية وقدرتها على فرض الرقابة على الأنساب عبر مؤسسة النقابة. وأما المجال الجغرافي الذي كان إطارا ماديا حاملا لهذه الدينامية التاريخية، حيث تجدرت حركة ادعاء النسب الشريف في الواقع الاجتماعي، فإنه ينحصر أساسا في مدينة فاس والطرف الشمالي الغربي من البلاد، بحكم احتضانهما لكبريات التجمعات الإدريسية المعنية بتحقيق الأنساب لاعتبارات تاريخية، وحيث تتركز الوقائع والأحداث.
ادعاء النسب، والنسب الشريف على الخصوص، ليس بالظاهرة الحديثة، فأصولها موغلة في القدم في بنية المجتمعات العربية والإسلامية؛ حيث حول ابن خلدون مثلا في مقدمته تقديم تفسير يربط وجودها في البنية القبلية في سياق تحليله لنظرية العصبية والدولة، إذ توقف عند السبب الرئيسي الذي كان يدفع الأفراد إلى انتحال نسب القبيلة الأقوى عصبية، والانخراط في بنيتها الاجتماعية من خلال رابطة الحلف والولاء، حيث كانت تُصطنع للمنتسب إلى القبيلة هوية نسبية بديلة عن هويته الأصلية، فيتناسى الدخيل أصوله مع مرور الزمن. ومن هنا نشأت العناية بالأنساب بوصفها من ضروريات الاجتماع البشري في تلك المرحلة. إنها منفعة اجتماعية تضمن الحماية لقاء الولاء، وتحقق طموح الزعامة من خلال استثمار مكارم القبيلة القوية، إلا أن الدخيل حسب ابن خلدون سيظل "لصيقا" في نسب الغير، وأدنى مكانة من أصحاب النسب الأصلي، مهما طال به الزمن أو قويت روابطه بالقبيلة، لأن الذاكرة الجماعية لن تنس أنه غير أصيل.
لقد لاحظ "ليفي بروفنصال" أنه ليس في أي بلد إسلامي آخر ما يعدل المغرب الأقصى في عدد الأولياء والصلحاء، والشرفاء، والمتشرفين، المحاطين بالتبجيل والاحترام في الأوساط الحضرية والقروية، مهما اختلفت مستوياتهم الفكرية أو المادية، وتباينت مقوماتهم الروحية، وتداخلت أغصان انتسابهم إلى شجرة الشرف النبوية. وانطلاقا من هذه الملاحظة، كان مدار سؤال المؤرخ العمراني، مستفسرا عن تاريخ بدايات انتشار ظاهرة ادعاء النسب الشريف، والذي يتفق معظم المؤرخين على أن بدايات انتشارها بشكل واضح وملموس تعود إلى العهد المريني، وأنها اقتصرت حينها على الفروع الإدريسية دون غيرها من فروع الشرفاء الحسنيين والحُسينيين.
لقد تبين للباحث -وهو أستاذ التاريخ سابقا بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة- من خلال تتبع مسار ظاهرة ادعاء النسب الشريف في العهد العلوي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، ارتباطها بالسياسة التي اتبعها السلاطين العلويون إزاء فئة الشرفاء، من خلال الإنعام عليهم بجملة من الامتيازات المادية والمعنوية، واستعمالها أداة سياسية لاحتواء نفوذهم وضمان ولائهم للسلطة المركزية، والقيام بواجب رعاية آل البيت. ورغم ما حققته هذه السياسة من مكاسب، فإنها كانت عاملا أساسيا وجوهريا في تشجيع طوائف واسعة من عامة المغاربة على ادعاء النسب الشريف وانتحاله، بما ترتب عليه من آثار سلبية على الدولة نفسها وعلى الشرفاء أصحاب الامتيازات والمجتمع.
ولم يفت الباحث أن يعقد مقارنة بين هذه الظاهرة، وطبقة النبلاء ضمن السياق التجربة الأوروبي، وإن كانت تنتمي إلى واقع مغاير، حيث أفضى سحب الامتيازات من هذه الطبقة عقب الثورة الفرنسية سنة 1789 إلى تحولات عميقة ساهمت في إرساء أسس الدولة الحديثة، إذ تحول النبلاء إلى مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات مع سائر فئات المجتمع، ضمن إطار دولة الحق والقانون، مع احتفاظهم بألقابهم التقليدية وأسلوب حياتهم الخاص. في مقابل ذلك، استمرت الامتيازات المرتبطة بالنسب في المغرب قائمة ومبررة من الوجهة الدينية والسياسية؛ حيث رأى فيها البعض تعارضا مع مبدأ المساواة في الإسلام وتمايزا بين الشرفاء وعامة الناس في الحقوق والواجبات، مما جعل من هذه الامتيازات تحديا مستمرا في مسار بناء الدولة الحديثة.



#نورالدين_لشكر (هاشتاغ)       Noureddine_Lachgar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إصدار يستعرض تاريخ وأدوار “بيمارستانات المغرب”
- حوارات مع بعض رواد السوسيولوديا المغربية ج1
- حوارات مع بعض رواد السوسيولوديا المغربية ج2
- حوارات مع بعض رواد السوسيولوجيا المغربية: ج3
- تكامل المعرفة السوسيولوجية والخبرة لدى الباحثين العرب: عمار ...
- تكامل المعرفة السوسيولوجية والخبرة لدى الباحثين العرب: عمار ...
- سلطة الخبراء: انتصار الخبرة واهتزاز الديمقراطية الجز ء 1 The ...
- سلطة الخبراء: انتصار الخبرة واهتزاز الديمقراطية الجز ء 2 The ...
- الخبرة القضائية من منظور سوسيولوجي
- الخبرة القضائية من منظور سوسيولوجي -Judicial expertise from ...
- سوسيولوجيا الخبرة: الباحث الجامعي والخبير (الجزء2)
- سوسيولوجيا الخبرة: الباحث الجامعي والخبير (الجزء1)
- اختيار الاسم تعبير ثقافي وفعل اجتماعي
- الاستبعاد الاجتماعي 2
- الإستبعاد الإجتماعي 1
- الثقافة أنتروبولوجيا وسوسيولوجيا
- الطقوس والرموز
- مفهوم البدو والحضر عند بن خلدون
- ورقة مقتضبة حول مفهوم التربية


المزيد.....




- فتى يبلغ من العمر 11 عامًا اكتشف أحفورة سلحفاة تعود إلى 48 م ...
- تحليل CNN لأبرز أحداث اليوم الثاني بمؤتمر ميونخ للأمن
- مستشار الملك حمد بن عيسي يعلق على أنباء حول وساطة البحرين لح ...
- في ظل سُمّية وسائل التواصل، هل ما زال استخدامها أخلاقياً؟ -م ...
- أوروبا تحت عين المسيّرات.. استراتيجية جديدة لمواجهة تهديدات ...
- ما هو سمّ الضفدع الذي يعتقد استخدامه لقتل المعارض الروسي ناف ...
- من يدعم الآخر؟.. لقاء زيلينسكي ونجل شاه إيران يثير سخرية واس ...
- عاجل | رئيس هيئة الأركان الإيرانية: على ترمب أن يعلم أن الحر ...
- تلغراف: خلافة كيم جونغ أون تنذر بصراع بين البنت والأخت
- صوت لا يسقط عند الأزمات.. كيف صمدت الإذاعة أمام كل التحولات؟ ...


المزيد.....

- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في علم الصرف ( كتاب مخطوط ) . رقم التصنيف 485/252 ف ... / صباح علي السليمان
- محاضرات في منهجية البحث والمكتبة وتحقيق المخطوطات ( كتاب مخط ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - نورالدين لشكر - ادعاء النسب الشريف في المغرب: إصدار جديد للمؤرخ محمد عمراني