زينب إسماعيل
الحوار المتمدن-العدد: 8616 - 2026 / 2 / 12 - 09:23
المحور:
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
فهنا لا تبدأ الجريمة دائمًا بعنفٍ ظاهر، بل بسلوكٍ مهذّبٍ يجعل الشكَّ نفسه يبدو عدوانًا. فنحن في مجتمعٍ لا يُنكر الجريمة فقط، بل يُعيد تعريفها، ويُخفِّف حدَّتها، ويتحمّل أفعالها، بل ويُلقي بثقلها كاملًا على من تأذّى. والخداع الأكبر هو إنكار الجُرم الإنساني.
فعِلمُ الإجرام والعقاب يُفسِّر ارتكاب الجرائم بناءً على الإمكانيّات الذهنيّة للمجرم، حيث يُعرَّف الذكاء بقدرة الإنسان على التكيّف مع البيئة المحيطة والظروف المتغيّرة. فيُصنَّف الارتباط بين درجة الذكاء والجريمة إلى نوعين فقط حتى الآن، على أنّهما: جرائم ذكاء، وجرائم غباء:
النوع الأوّل: وهم الذين يميلون إلى ارتكاب جرائم معيّنة تفترض قدرًا ملحوظًا من الذكاء لدى مرتكبيها، وتنحصر في جرائم التجسّس، والخيانة، والتزوير، والنصب، والجرائم الإلكترونيّة؛ لأنّ المجرم هنا يتّسم بقدرةٍ على اكتشاف ثغراتٍ في نظام التعامل لينفذ منها إلى خداع ضحاياه، مع دقّةٍ عاليةٍ في الإقناع.
التصنيف الثاني: جرائم الغباء، التي تنحصر في فئة التسوّل، والتشرّد، والسرقة البسيطة، وجرائم الحريق، والجرائم غير المقصودة عن طريق الخطأ. وهذه الفئات من الجرائم لا تتطلّب في ارتكابها استغلال الذكاء؛ لأنّ الجاني لا يتحايل على القانون ولا يكتسب تعاطف فضيلة المجتمع.
فالتصنيف الأخطر: الجريمة التي لم يُسمِّها العلم بعد.
والمفارقة الصادمة أنّ الجرائم الجنسيّة، خاصّةً تلك الواقعة على الأطفال وصغيرات السنّ، تُصنَّف ضمن «جرائم الغباء»!
بينما هذا النوع من الجرائم يتطلّب:
أعلى درجات التخطيط،
ذكاءً نفسيًّا فائقًا،
تحايُلًا على الضحيّة بلا دليل،
قدرةً على الإفلات القانوني والاجتماعي.
ويُضاف إلى ذلك: جرائم القتل المتسلسل المقيَّدة ضدّ مجهول، والتحريض غير المباشر، والجرائم الجنسيّة بلا تحديد هويّة أو دليلٍ ملموس؛ كلّها جرائم ذكاء نفسيّ–اجتماعي بلا عنفٍ مباشر.
لأنّه في عصرنا الحالي، وفي قطيع فضيلة المجتمع الذي يُقدّس هتافات شعارات القانون، يتحايل هذا النوع من الإجرام الذي لم يُذكر له اسمٌ بعد، وهو ما أُطلق عليه: المجرم اللطيف والمنحرف المهذّب.
فالمجرم هنا لا يَضرب، ولا يلوّح بسكّين، ولا يشبه الصورة النمطيّة للإجرام، بل يتّبع نمط صورة فضيلة المجتمع وفق الاتّفاق الجماعي على ما يُريح أغلبيّة القطيع.
فلا يصطدم بالمجتمع؛
لأنّه لا يتحدّى القيم المُعلَنة،
بل يعتنقها،
يتكلّم بلغة الأخلاق،
يحترم الأعراف،
يُقدّس «الاستقرار»،
يخشى «الفتنة»،
يرفض «التصعيد»،
يحترم النظام… والقانون فوق الجميع.
فيبدو وكأنّه حارس الفضيلة، بينما هو مستفيدها الأوّل.
فالمجرم اللطيف والمنحرف المهذّب ليس وحشًا صارخًا، ولا مجرمًا بملامح قاسية؛ بل هو شخصٌ مهذّب، لبق، حسن الحديث، قد يحمل لقبًا محترمًا، أو خطابًا دينيًّا، أو مكانةً اجتماعيّةً تمنحه حصانةً غير مُعلَنة.
إجرامه/انحرافه لا يظهر في الضوء، بل يتخفّى في الظلّ: في نبرة الصوت، في «النصيحة»، في المزاح الثقيل، في الاقتراب غير المُبرَّر، في السيطرة المُغلَّفة بالاهتمام.
لأنّه يُتقن جيّدًا فنّ التلاعب العاطفي؛ فيُنتج ارتباكًا داخليًّا يجعل الضحايا يُعيدون تفسير الإساءة على أنّها «سوء فهم»، ويُنتج ارتباكًا اجتماعيًّا يجعل المجتمع يُعيد تفسير الجريمة على أنّها «استحالة أخلاقيّة». في الحالتين يُشوِّش ويُشوِّه الإدراك لدى الضحيّة.
وقد يستخدم نمطًا أو اثنين أو أكثر للتحايل على عقل الضحيّة من خلال التلاعب النفسي، وهي في باطن الأمر جرائم نفسيّة؛ حيث لا يعود الجاني بحاجةٍ إلى الدفاع عن نفسه، لأنّه يجعل الضحيّة تقوم بتلك المهمّة بدلًا عنه.
فالضحيّة تُعيد سرد ما حدث، وتبحث عن تبريراتٍ للجاني، وتفتّش عن الخطأ الذي ارتكبته، ثم تتنازل عن حقّها باسم العقل، أو الحكمة، أو السلام، أو باسم الدين والعفو والمسامحة والأجر العظيم.
ولأنّه أوّلًا يُمهِّد للوصول إلى ما يرغب به المجرم عن طريق التالي:
1. التشكيك في إدراك الضحيّة
«أنتِ حسّاسة زيادة» – «ده محصلش» – «فاكرة غلط».
يعتمد هنا على تفكيك الثقة بالنفس.
2. الإيذاء بالتقليل المهذّب
سخرية ناعمة، نقد في صورة نصيحة، مقارنة مُبطَّنة:
«أنا بقولك عشان مصلحتك».
3. التجاهل العقابي
صمتٌ مقصود، انسحابٌ مفاجئ، برودٌ متعمَّد؛ وهذا عقابٌ بلا دليل.
ويتحايل على فضيلة المجتمع من خلال:
4. تشويه السمعة الهادئ
تلميحات، والعبارة المعتادة مثل: «أنا قلقان عليها»، من خلال نشر الشكّ لا الاتّهام المباشر.
ومن ثمّ تخسر الضحيّة صورتها… بلا قضيّة.
5. لعب دور المُنقذ
مساعدةٌ مقابل السيطرة؛ يحتوي ليملك، يقف بجانبك ليُسكتك؛ فالاحتواء كسلاح.
6. صناعة التعلّق المرضي
حبّ ↔ إهمال
قرب ↔ عقاب
دفء ↔ تجميد
وهنا تصبح الجريمة مستمرّة لأنّها أصبحت نفسيّة.
7. استنزاف المشاعر دون التزام
يأخذ الدعم، يستنزف طاقة الضحيّة، ثم يختفي؛ وهنا تشعر الضحيّة بالذنب لو طالبت بحقّها.
وهنا يتولّد:
8. التحكّم باسم القيم والصورة العامّة
«باسم الخوف عليها»؛ يُقدَّم القيد كحماية.
9. إسكات الضحيّة باللطف وبالذوق المهذّب.
فالمجرم اللطيف والمنحرف المهذّب لا يكسر القوانين… بل يكسر الضحيّة، ويجعلها تشكّ أنّ ما حدث لم يكن جريمةً لغياب الدليل المادّي.
فهو لا يحتاج عنفًا ولا تهديدًا، بل يحتاج فقط مجتمعًا يُحبّ الهدوء، وفضيلةً تُفضِّل الصمت.
فثقافة القطيع الأخلاقي تسمح له أن يبدو فاضلًا.
ولأنّه يُدرك هذه المعادلة جيّدًا، يعرف أنّ المجتمع سيقف معه، لا لأنّه بريء، بل لأنّه يُشبههم.
لأنّه يُتقن لغة الأعراف، ويحفظ شعارات الفضيلة، ويعرف متى يبتسم، ومتى يتقمّص دور المظلوم.
وخطورة هذا النوع من المجرمين لا تكمن في فعله فقط، بل في قبول المجتمع له. وهنا يظهر الدور الأخطر: اتّباع قطيع فضيلة المجتمع.
وهكذا تُدان الضحيّة بدلًا من الجاني بقدر خروجها عن السرب؛ ولهذا يصبح الصمت فضيلة، والإنكار حكمة، والظلم سترة.
وهكذا يصبح القطيع حارسًا للمنحرف، ولا يعود الجاني استثناءً، بل يتحوّل إلى نتاجٍ طبيعيٍّ لمنظومةٍ تكافئ الزيف وتعاقب الحقيقة.
---
زينب إسماعيل*: أديبة وروائيّة مصريّة، تعمل في مجال الطبّ النفسي، وتهتمّ بالتحليل النفسي الاجتماعي للأنماط السلوكيّة المنحرفة داخل البُنى الثقافيّة المحافظة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟