|
|
الكفاح والنضال في رواية رحلة ضياع للروائيّة ديمة جمعة السمّان
روز اليوسف شعبان
الحوار المتمدن-العدد: 8614 - 2026 / 2 / 10 - 10:01
المحور:
الادب والفن
د. روز اليوسف شعبان الكفاح والأمل في رواية رحلة ضياع للكاتبة ديمة جمعة السمّان
صدرت الرواية عام 2010 عن دار الجندي للنشر والتوزيع، وتقع في مئتيّ صفحة، تزيّن الغلاف لوحة للفنان علاء البابا. تصوّر الروائيّة ديمة السمّان رحلة العذاب والضياع التي تعرّض لها الشعب الفلسطينيّ، بعد أن هُجِّرَ من وطنه عام 1948. تتمحور أحداث الرواية حول عائلتين هاجرتا من عكّا، عائلة نمر العبد وعائلة عمران، كان نمر العبد وعمران صديقين حميمين، جمعتهما مهنة الصيد، كانا يخرجان للصيد يوميًّا وتعيش أسرتاهما مما يصيدان. ركبت العائلتان المركب وهربتا من القصف والموت، ووصلتا إلى صيدا، وصور ثمّ استقرّتا في بيروت في مخيّم أقيم لإيواء اللاجئين. في صيدا أرضعت صابرين زوجة نمر العبد طفلًا جائعًا، حمله والده باحثًا بين النساء عمّن يمكنها أن تنقذ ابنه من الجوع بعد ضياع أمّه، لكنّ الأب ترك ابنه ولم يعد، فتبّنت العائلة هذا الطفل وأسمته فوّازًا ليكون أخًا لابنهما عوّاد، توفي عوّاد بمرض الكوليرا الذي انتشر في مخيّم اللاجئين وحصد معه الكثير من أرواح الأطفال والكبار. في بيروت تابع عمران ونمر العبد عملهما في الصيد، لكنّ الصيد لم يكن وفيرًا، قرّر نمر العبد العودة إلى عكّا، إلى بيته، ليحضر الذهب الذي دفنه في حاكورة البيت، لكن، اكتُشِف أمره وحُكم عليه بالسجن عشرين عاما. خلال هذه السنوات عملت زوجته صابرين في الخياطة، وكانت قد تعلّمت الخياطة والتصميم في عكّا، ساعدها عمران في شراء ماكينة خياطة، بعد أن رهن مركب صيده لكريمة الحنش والدة العربيد صديق ابنه ردّاد، استدان منها ثمن الماكينة، وقدّمها لصابرين زوجة صديقه. أصبحت صابرين خيّاطة معروفةً وأسبغ الله عليها من نعمه، فغادرت المخيّم واشترت شقّة ضخمة في أرقى أحياء بيروت، وصارت تصمّم الملابس لزوجات الوزراء ورجال الدولة. وعلّمت هذه المهنة لزهرة بنت عمران، حتّى تردّ بعضًا من جميل والدها، أصرّ عمران ألّا تتقاضى زهرة أجرها، فقامت صابرين بتوفير نقودها واشترت بها ماكينة خياطة لزهرة؛ لتعمل وتساعد في إعالة أسرتها، كما أعادت لعمران وثيقة رهن المركب، بعد أن سدّت الدين لكريمة الحنش. عمل الأصدقاء فوّاز ابن نمر العبد، وعربيد الحنش، وردّاد بن عمران في الصيد، وساهموا في إعالة أسرهم، ثمّ قرّروا الانضمام إلى الجناح العسكريّ لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، فتلقّوا التدريبات، وقاموا بعدّة عمليّات أوقعوا فيها خسائر فادحة في صفوف الجيش الإسرائيليّ. عاد نمر العبد إلى بيروت بعد انتهاء مدّة سجنه، ليتفاجأ بالوضع الاقتصادي الرفيع، وبحبوحة العيش الّتي تعيش فيها زوجته صابرين، فرفض أن يكون عالة عليها، وقرّر العودة إلى الصيد، الأمر الّذي رفضته زوجته. فنشبت خلافات كبيرة بينهما، وقد تعمّق الخلاف حين رفض نمر العبد أن يتخلّى عمّا يحمله من أفكار مسبقة عن الرجولة، التي تلزم المرأة أن تطيع زوجها وتخدمه، وأن يكون الرجل هو المعيل للأسرة، حتّى أدّى به الأمر إلى ضرب زوجته بالسوط؛ لأنّها رفضت أن تنظّف السمك، فطردته من بيتها. فعاد إلى البحر، وكاد أن يفقد صوابه، وهناك التقى بتاجر المخدّرات عطيوة الّذي هرّبه من عكّا بعد خروجه من السجن، فعرض عليه العمل معه في تجارة المخدّرات، وفي حالة اليأس الشديد، وافق نمر العبد، وأصبح مدمنًا على تعاطي المخدّرات، فيضطر تاجر المخدرات إلى قتله، خوفا من أن يشي به وبرفاقه التجّار. صابرين التي أصبحت من الأثرياء، ترفض تزويج ابنها فوّاز من زهرة، فهي بنت المخيّم ولا تليق بمركزهم الاجتماعيّ والاقتصاديّ، هذا الأمر أدّى إلى حدوث صراع وخلاف كبير بين فوّاز ووالدته. يشارك فوّاز واثنان من رجال المنظّمة في تنفيذ عمليّة في تل أبيب، كان هدفها احتجاز أسرى من اليهود المتواجدين على الشاطئ بهدف المقايضة وتحرير أسرى فلسطينيّين من السجون الإسرائيليّة. يُقتل منفّذو العمليّة، بعد أن قتلوا عدّة جنود وضابطين وبعض الأسرى اليهود. أمّا ردّاد فشارك مع العربيد في عمليّة أخرى، تهدف إلى توصيل السلاح إلى المقاومة في غزّة، لكنّ العاصفة حطّمت المركب، فتمّ إنقاذهما وهما في حالة إعياء شديد، وآوتهما في بيتها حميدة زوجة المناضل أحمد الزعفران اّلذي استشهد أيضًا أثناء قيامه بعمليّة ضدّ الجنود الصهاينة. ولمّا كان ردّاد والعربيد بارعان في إعداد المتفجّرات، قاما بالتعاون مع حميدة، في زرع المتفجّرات في موقع للجنود. وفي إحدى المرّات انفجرت عبوة بين يديّ العربيد فقتل على الفور. غادر ردّاد غزّة عائدًا إلى بيروت ليتابع مهامّه مع منظمّة التحرير، ولما شنّت إسرائيل حربًا على المنظّمة عام 1982، أبلى ردّاد ورفاقه بلاءً حسنًا، في إعاقة تقدّم الجيش الإسرائيليّ، وذلك حين تمركزوا في قلعة الشقيف التاريخيّة في الجنوب اللبنانيّ. كانت معركة الشقيف نموذجًا لرجال المقاومة، شهد لهم فيها العدوّ قبل الصديق (ص 197). استشهد في هذه المعركة ردّاد وكل من كان معه من المقاومين. تنتهي الرواية بالتقاء ردّاد والعربيد في العالم الآخر، مع خلود ابنة حميدة وأحمد الزعفران، التي أحبّها العربيد، لكنّها أحبّت ردّادا، وتفاجأ ردّاد حين عرف أنّ خلود قامت بعمليّة انتحاريّة، إذ حزمت نفسها بالمتفجّرات وذهبت إلى موقف الباصات، حيث يتجمّع الجنود الإسرائيليّون وفجّرت نفسها. نضال المرأة بعد النكبة: استوقفتني في هذه الرواية، الشخصيّات النسائيّة المناضلة، التي كان لها دور فاعل في تأسيس الأسرة والحفاظ عليها، وفي المشاركة في الأعمال الفدائيّة. صابرين زوجة نمر العبد، تقرّر أن تعيل أسرتها بعد مغادرة زوجها المخيم، دون أن يعلمها، تعمل في الخياطة، تكدح وتتعب حتّى تصل إلى مكانة مرموقة في المجتمع، تردّ الجميل لعائلة عمران التي ساندتها، فتعلّم ابنتهم زهرة الخياطة، وتشتري لها ماكينة خياطة لتعيل أسرتها. لكنّ صابرين، تأخذها المظاهر، ويعميها المال، فتترفّع عن أصدقائها عائلة عمران، وترفض تزويج ابنها فوّاز من ابنتهم زهرة، كما تحاول أن تغيّر من طباع زوجها، بعد عودته إليها، فيرفض الزوج نمر العبد التنازل عن أفكاره، وعاداته، وتغيير السروال، كما يرفض التخلّي عن سلطته الذكوريّة. فيفترق الزوجان. لبيبة زوجة عمران، عرفت بشخصيّتها القويّة، ساندت زوجها وأسرتها في العيش في مخيّم اللاجئين، أحسنت إلى صابرين وعرضت على زوجها أن تبيع إسوارة مبرومة كي تشتري لصديقتها صابرين ماكينة خياطة، لكنّها حين ذهبت مع زوجها عمران إلى أحد الصاغة، أخبرهم الصائغ أن الإسوارة مزيّفة، أسفت لبيبة على صيغتها، التي أملت أن تكون منقذًا لها ولصديقتها صابرين في الغربة. أحبّت لبيبة أولاد صابرين، وكانت تعتني بهم حين كانت صابرين مشغولة في الخياطة. كان للبيبة دور كبير في إقناع صابرين بالموافقة على زواج ابنتها زهرة من فوّاز، وذلك بعد أن هدّدتها بكشف السرّ، ومن أنّ فوّاز ليس ابنها الحقيقيّ، لكنّ هذا الزواج لم يتمّ بسبب استشهاد فوّاز في العمليّة التي قام بها مع صديقيه ردّاد في تلّ أبيب. زهرة بنت عمران: عملت زهرة بالخياطة، وساهمت في إعالة أسرتها، نشأت علاقة عاطفيّة بينها وبين فوّاز ابن نمر العبد بالتبنّي، لكنّ أمّه صابرين رفضت أن يتزوّج ابنها من زهرة، وأرادت تزويجه من فتاة من عائلة معروفة وثريّة. انضمّت زهرة إلى منظّمة التحرير وعملت فيها. كريمة الحنش: مثال للمرأة القويّة، عملت مع زوجها في صيد السمك، ثمّ باعت أساورها الذهبيّة، واشترت البضائع، وبدأت تبيع لسكّان المخيّم، فانتعشت حياتهم الاقتصاديّة، وكانت تقرض الناس المال مقابل رهينة يضعونها عندها. أكلتها الغيرة حين رأت نجاح صابرين وامتلاكها شقّة في أحياء بيروت الراقية، فطالبت عمران بتسديد الدين وإلّا ستبيع المركب الّذي رهنه عندها مقابل الماكينة في المزاد العلنيّ، ولمّا علمت صابرين بالأمر دفعت لها الدين. حميدة: هي زوجة المناضل أحمد الزعفران، وكانت مناضلة مثله، قويّة لا تخاف الجنود، وقفت في وجه الأعاصير وانقذت ردّادا والعربيد حين تحطّم مركبهما، وآوتهما في بيتهاـ ثمّ خطّطت معهما في تفجير مواقع للجنود. لم تعرف حميدة الخوف أبدًا، فكانت تقوم بالمهمّة بكل ثقّة وقوّة. خلود: هي ابنة حميدة وأحمد الزعفران، تربّت على النضال، وحين استشهد والدها، تابعت العمل النضاليّ مع والدتها، أحبّت ردّادا لكنّه تهرّب منها لأنّ صديقه العربيد كان يحبّها. بعد استشهاد العربيد وردّاد، استشهدت خلود أيضًا بعد أـن قامت بعمليّة انتحاريّة في تل أبيب. مظاهر الاغتراب في الرواية: إنّ تهجير الشعب الفلسطينيّ من وطنه، ولجوئه إلى البلاد العربيّة والعيش في مخيّمات اللاجئين، أدّى إلى اغترابه، ولعلّ أبرز أنواع الاغتراب التي تجلّت في الرواية هي الاغتراب المكانيّ، والاغتراب الاجتماعيّ والاغتراب الذاتيّ (النفسانيّ). الاغتراب المكانيّ يتعلّق الاغتراب المكانيّ بمغادرة الإنسان وطنه طوعًا أو كرهًا، ويكون، في الغالب، نتيجة أسباب سياسيّة أو اقتصاديّة أو ثقافيّة، فيعاني المغترب من لوعة الحنين إلى وطنه. (بدوي، 1984، ص. 12، 34.). لقد أجمع نقّاد الرواية الحديثة على أنّ للمكان دورًا كبيرًا في تحديد الخصائص الفكريّة والنفسانيّة للشخصيّة، وأكّدوا العلاقة المتبادلة بين المكان والشخصيّة. ولعلّ هذا الوصف يثبت الغربة المكانية القاسية التي عاناها المهجّرون:" كانت معاناة الفلسطينيّين صعبة، المخيّمات مكتظّة، الجوع منتشر، الأمراض سارية، وعود الدول العربيّة في استرجاع فلسطين كاذبة، قرارات هيئة الأمم المتّحدة فارغة، هذا الجوّ من الغربة والاضطراب والتشّرّد والحنين، أفرز عندهم حالة من القناعة والإيمان بأنّ فلسطين لن تعود إلّا بسواعد أبنائها". (ص 51). وفي الاقتباس التالي تبدو الغربة المكانيّة جليّة قاسية:" كان حال المهاجرين الفلسطينيّين في صيدا، لا يقلّ سوءًا عن المهاجرين إلى صور، فلا تصادف أحدًا، إلا ويسألك عن قريب أو عزيز، أين رأيته؟ هل هو حيّ أو ميت؟ هل ستطول الغربة؟ متى نعود إلى البلاد؟ أشواق، دموع، خوف، غربة، موت، شتات، تيه، ضياع، كأنّه يوم الحشر، لا أحد يعي ما فيه، الناس سكارى وما هم بسكارى، أحيانا يسكت اللسان وتتكلّم الدموع، أحيانا ترى الناس لا دموع ولا لسان، عيون مفتوحة تائهة، تقطع الأرض إلى المجهول، لا هدف، لا زمان، لا مكان، طريق طويل لا يعرف أحد له هدفًا أو بداية، ولا نهايةً".(ص 26). وفي اقتباس آخر لرجل مسّن يسترجع أيّام التهجير، يبدو الاغتراب المكانيّ واضحًا:": تلك كانت أيّام الصياح والصراخ، فالجميع ضائع، الجميع ينادي ويصرخ"(ص 150). الاغتراب الاجتماعيّ يتمثّل الاغتراب الاجتماعيّ في شعور الفرد بعدم التفاعل بين ذاته وذوات الآخرين؛ أي ضعف الروابط مع الآخرين وقلّة أو ضعف الإحساس بالمودّة والألفة الاجتماعيّة معهم. ذلك ينتج عن الرفض الاجتماعيّ الذي يعيش الإنسان في ظلّه في افتقاد دائم للدّفء العاطفيّ. (النوري، 1979، ص. 33). ويشمل الاغتراب الاجتماعيّ كلّ من كان غير قادر على العيش في المجتمع، أو لا حاجة به إلى ذلك؛ لأنّه مكتفٍ بنفسه. يرى فروم أنّ جوهر مفهوم الاغتراب هو أنّ الآخرين يصبحون غرباء عن الإنسان، فالمرء لا يستطيع أن يربط نفسه بالآخرين ما لم تكن له ذاتٌ أصيلة، وإلّا سيفتقد العمق والمغزى. (حمّاد، 1995، ص. 42.) يضع الاغتراب الاجتماعيّ الإنسان خارج ذاته، وتحت تأثير نسق من العوامل التي تعيق إنتاجيّته، وتعطّل عمليّة الإبداع لديه، وتدمّر إمكانيّته في التعبير الحرّ عن وجوده، فتمنع عليه ازدهاره وتطوّره الإنسانيّ. (شاخت، 1980، ص. 183). ويقوم الفرد المغترب اجتماعيًّا بالخروج الكلّيّ على نواميس السائد الاجتماعيّ. ظهر الاغتراب الاجتماعيّ في شخصيّة صابرين زوجة نمر العبد، الّتي رفضت الأعراف والتقاليد الفلسطينيّة واتّبعت أعرافا جديدة، بل وتنكّرت لصديقتها لبيبة وزوجها عمران، ورفضت تزويج ابنها فوّاز من ابنتهم زهرة، فقالت لفوّاز:" إنّ آل عمران حثالة، رجل يتزلّف دون كرامة، يعرض ابنته للزواج دون خجل، أو حياء، الطمع والحسد ظاهران في عينيه"(ص 164). :" زواجك من زهرة على جثّتي، عليك أن تختار الفتاة التي هي من مستوانا، ذات حسب ومركز ومكانة، تشدّك إلى أعلى حيث المال والشهرة، وليست ابنة صيّاد تشدّك إلى أسفل حيث الفقر والفاقة"(ص 165). :" أبوك أتاني بالسروال والطربوش، وستأتيني أنت غدا بالعمامة وضيوفي وعملائي وزبائني (بالميني جوب)، فكيف أجمع بينكم؟ ويلي من التخلّف والجهل، ويلي! (ص 121).
الاغتراب الذاتيّ وهو افتقاد المغزى الذاتيّ والجوهريّ للعمل الذي يؤدّيه الإنسان وما يصاحبه من شعور بالفخر والرضا، وبديهيّ أنّ اختفاء هذه المزايا من العمل الحديث يخلق، هو الآخر، شعورًا بالاغتراب عن النفس. (النوري، 1979، ص. 19). هذه هي الحالة التي يصبح فيها الشخص غير مدرِك، ببساطة، ما يشعر به حقيقة، وما يحبّه ويرفضه، وما يعتقده، وما هو عليه في الواقع. (شتا، 1984، ص. 167). ينشأ هذا الوضع حينما يطوّر المرء "صورة مثاليّة" عن ذاته، تبلغ من اختلافها عمّا هو عليه حدّ وجود هوّة عميقة بين صورته المثاليّة وذاته الحقيقيّة. من أهمّ شخصيّات الرواية التي بدت عليها مظاهر الاغتراب، شخصيّة نمر العبد، فبعد خروجه من السجن الإسرائيليّ، ولحاقه بأسرته في بيروت، وجد أنّ زوجته تعيش في شقّة في الطابق السابع أرقى أحياء بيروت، لم يتقبّل نمر العبد حياة الغنى والترف، وهو الذي اعتاد على صيد الأسماك، ولبس الطربوش والسروال، وسيطرة الرجل على المرأة، فرفض أن يعيش عالة على زوجته وقرّر العودة إلى صيد الأسماك، كما رفض التخلّي عن عاداته، وزيّه، وعن مكانته كرجل الأسرة ومعيلها، وحين رفضت زوجته صبريّة ذلك، شعر بغربة قاسية، وافتقاد كبير للدفء العاطفيّ، فهو غريب في بيت لا يخصّه ولا يعنيه، فآثر العيش في المركب وبقي ليل نهار في البحر. إنّ هروب نمر العبد من بيته وأسرته، ولّد لديه أيضًا غربة ذاتيّة، فأحسّ بعدم قيمته ووجوده، خاصّة بعد أن طردته زوجته من البيت، وقد أدّى به ذلك، إلى غضبه على ابنه فوّاز الذي دافع عن أمّه حين ضربها والده، وإلى تخلّيه عن صديق عمره عمران، لاعتقاده أنّه تخلّى عن الأعراف والتقاليد واتّبع زوجته لبيبة وأثّر على صابرين زوجة فوّاز، فتخلّت عن قناعاتها ومفاهيمها واتّبعت عادات جديدة غريبة عن المجتمع الفلسطينيّ. ولعلّ الاقتباس التالي يثبت ذلك:" كان نمر العبد تائهًا مزعزع النفس فاقد الثقة، وقال في نفسه:" آه يا زمن النساء، الحياة هكذا أفضل وأرحم، الحمدلله أنّني هربت بعقلي فلو بقيت أكثر لأودعتني صابرين وفواز وعمران مستشفى المجانين، لقد طغى الجديد على القديم، واستبدل الطيّب بالخبيث، والأصل بالمزيّف، والذهب بالتنك، وأصبحت امّة كلّها تنك في تنك"(ص 132). لقد أدّى الاغتراب الذاتي بنمر العبد، إلى إدمانه المخدّرات، هربًا من هذا الواقع الذي أنكره ورفضه، وإلى فقدانه لتوازنه العقليّ، فاتّهمه كثيرون بالجنون.
المبنى الحكائيّ وأسلوب السرد تعرّف شبيب (2013) المبنى الحكائيّ بأنّه "الحكاية المرويّة التي لا تخضع الأحداث فيها إلى السببيّة أو إلى الترتيب الزمنيّ المنطقيّ، ولنقل إنّها البناء الجديد للحكاية وفق نظام تأليفيّ تخييليّ، يتبنّاه السرد بطريقة فنّيّة إبداعيّة، ومن خلال هذا النظام الفنّيّ الذي نسمّيه السرد يتحوّل المتن الحكائيّ إلى المبنى الحكائيّ". ( شبيب، 2013، ص. 105) ويعرّف الدكتور خليل رزق (1998) المبنى الحكائيّ بأنّه "الحبكة" (الأحداث في صياغة فنّيّة، حسب ظهورها في الخطاب السرديّ)، ولا تتوجّب طريقة عرض أحداث الحبكة التطابق والتسلسل الزمنيّ للأحداث في الحكاية، فالمؤلّف يستطيع ترتيب أحداث الحكاية، بطرق متعدّدة، فقد يلجأ إلى استرجاع الماضي أو استشراق المستقبل". (رزق، 1998، ص. 39-40.) في رواية رحلة ضياع، لا تخضع الروائيّة ديمة السمان أحداث روايتها لترتيب زمنيّ، بل جعلت البداية مهمّة عسكريّة كلّفت منظمة التحرير بها العربيد وردّاد، ليوصلا السلاح إلى المناضل أحمد الزعفران في غزّة في أواخر السبعينات، ثمّ تعود بالسرد إلى عام 1948، حين انتكب الشعب الفلسطينيّ وشرّد من وطنه. استخدمت الكاتبة تقنيّات الحداثة في سردها مثل: الاسترجاع، الحوار الداخليّ، الأحلام والكوابيس، التناصّ. من الأمثلة على الاسترجاع ما يلي: يسترجع العربيد ذكرياته مع صديقه الردّاد:" كان ردّاد عند كلّ وجبة طعام فيها سمك يقول: كل يا عربيد، فسوف ينهش أحفاد هذه الأسماك من لحمك كما نهشت أنت اليوم من لحم آبائهم وأجدادهم"(ص 10). أقول لرداد: "ما دمتَ تعتبر البحر عدوّا لك وأنّه في يوم من الأيّام لا بدّ قاتلك، لماذا لا تبتعد عنه". يقول ردّاد:" البحر بالنسبة لي كالمرأة، شرّ لا بدّ منه وهو عدوّي اللدود الذي لا غنى لي عنه أبدا" (ص 11). يهرب نمر العبد إلى الماضي ويتذكّر أيّاما حلوة يحبّها ويرتاح إليها، أيّاما كان له فيها سطوة الرجل على بيته كسطوة أبيه على أمّه حين كان يمتشق كرباجه ويضرب دون رحمة"(ص 93). ومن الحوار الداخليّ (المونولوج) ما يلي:" أخذ نمر العبد يحدّث نفسه قائلا:" هل أنا يائس أسير حثيثًا نحو الانتحار؟ أعوذ بالله. هل أنا مكتئب أخطو إلى مستشفى المجانين؟ أعوذ بالله. إنّ عقلي سليم، لكن لماذا تكرهني زوجتي؟"(ص 92). يقول نمر العبد في نفسه:" الدنيا خلقت للرجال، والنساء جواري، مكانهنّ سوق النخاسة، هذا تاريخ وليس افتراءً"(ص 142). ومن الحوارات الداخليّة لفواز ما يلي:" أيّ وحش هائج أبي، يريد أن يحطّم المركب ويغرق من فيه. كلّ هذا غضب؟ لا أصدّق. إذا كانت الرجولة المجروحة تأخذ من الإنسان عقله وتجعل منه وحشًا، فبئس الرجولة والرجال الذين على هذه الشاكلة"(ص 118). تكثر في الرواية الكوابيس وهي تشير إلى حالات الاضطراب النفسيّ الّتي تعاني منها الشخصيّات، فنجد نمر العبد يتعرّض للكثير من الأحلام والكوابيس، كذلك الردّاد وفوّاز. من الكوابيس التي واجهت نمر العبد الكابوس التالي:” رأى نفسه في بستان مليء بالأشجار والأزهار، ولما حاول قطف ثمرة انبرت له أفعى ضخمة طويلة، فظهر له شيخ وأعطاه مسحوقًا أبيض وقال له: ضعه على ذيل الأفعى. ولما قرّبت الأفعى ذيلها من فمها بدأت ترقص، ولما أراد أن يقطف تفاحة وجد ناب أفعى مغروسا بها، فناوله الشيخ مسحوقًا أبيض وشمّه، فرأى الناب شامة على خدّ حوريّة، أكل حتّى شعر بآلام حادّة في بطنه، وحين شكا للشيخ، انقلب الشيخ إلى عطيوة رجل المخدرات وقال له ستموت بالسمّ (ص 98). ومن الكوابيس التي رآها فوّاز:" رأى نفسه طفلًا وحيدًا في ساحة كبيرة تائهًا يحبو، وحوله مئات الأمّهات، كان يقف عند كلّ أمّ يحاول أن يصعد إلى حجرها قريبا من صدرها جائعا يشمّ رائحة الحليب"(ص 164). بعد أن غضب والد فواز من ابنه، وغضبت والدته منه لأنّها رفضت تزويجه من زهرة بنت عمران رأى حلمًا غريبًا:" رأى نفسه في صحراء شاسعة لا تزورها سوى الشمس واللهب، رأى شيخًا جليلًا وحوله تلاميذ. سأل أحدهم الشيخ: ما الذي أتى بهذا الرجل إلى هذه الصحراء المحرقة؟ أجاب الشيخ: إنّه غضب الوالدين فلا أبوه راضٍ عنه ولا أمّه (ص 127). أمّا التناصّ فقد استخدمته الكاتبة في ذكرها للكثير من الأمثال الشعبيّة والأحاديث النبويّة ومنها ما يلي:" صابح القوم ولا تماسيهم" (ص 54) "مكان ما ترزق الزق" (ص 73). "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين"(ص 78) "ابعد عن الشرّ وغنِّ له" (ص 91). "تبات نار تصبح رماد" (ص 11). "المرأة دون رجل كالمعصرة دون بغل"(ص 114) ومن الأحاديث ما يلي:" تفاءلوا بالخير تجدوه"(ص 176).
من الآيات القرآنيّة:" فاتّعظوا يا أولي الألباب". "وقل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"(ص 86). كما ورد بيت الشعر التالي:" ومن لم يجرّب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر"(ص 76). الخلاصة: تصوّر رواية رحلة ضياع، هجرة الشعب الفلسطينيّ من وطنه، بكلّ ما تحويه هذه الرحلة من ضياع وتشريد، ولجوء، وتشتيت، وقهر، وخوف، واغتراب مكانيّ، واجتماعيّ، وذاتيّ. وهي تعتبر رواية تأريخيّة، إذ تؤرّخ أحداث النكبة والتهجير عام 1948. استخدمت الكاتبة في سردها تقنيّات الحداثة، كالحوار الداخلي، الاسترجاع، الأحلام والكوابيس، والتناصّ، وتعدّد الرواة، وكسر قواعد التراتبيّة الزمنية في السرد. برزت الشخصيّات النسائيّة في هذه الرواية، التي لعبت دورا مهمًّا في صمود العائلات الفلسطينيّة في بلاد الاغتراب. من هذه الشخصيّات التي حافظت على أصالتها وناضلت في سبيل بقائها وصمودها، لبيبة زوجة عمران، وابنتها زهرة، وكريمة الحنش، وصابرين، لكنّ الأخيرة تنكّرت لأعراف مجتمعها و وتقاليده، وترفّعت عن طبقتها، بعد أن أصبحت من الأثرياء. كتبت الرواية بلغة سلسة، تمتزج فيها الجمل الوصفيّة بالجمل الواقعيّة، لتعكس الحالة النفسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي عاشها أبطال الرواية. كما تزخر اللغة بالعديد من التناصّ والأمثال الشعبيّة. رحلة ضياع، هي رحلة الشعب الفلسطينيّ في ضياعه في بلاد اللجوء والاغتراب، ومعاناته في المخيّمات المكتظّة، حيث الجوع، الذلّ، الفقر، البطالة، انتشار الأمراض والأوبئة، مشاعر الحسرة والحنين إلى الوطن السليب، ذكريات للبيت والأرض والحقل، ولعلّ الذكريات الأصعب هي تلك المتعلّقة بمغادرة البيت قسرًا والتشتّت في رحلة ضياع نحو المجهول. لذا برز في الرواية الاغتراب المكانيّ، الاغتراب الاجتماعيّ والاغتراب الذاتيّ. ورغم كلّ ذلك، فإن أبناء هذا الشعب، رجاله ونساءه وأطفاله وشبابه، قاوموا الضياع والاغتراب، وشقّوا لهم حياةً كريمة يحدوها الأمل بالعودة وإن طال الزمان. المراجع: بدوي، عبده (1984)، "الغربة المكانيّة في الشعر العربيّ"، مجلّة عالم الفكر، الكويت: د. ن.، مج. 15، ع. 1. حمّاد، حسن محمّد حسن (1995)، الاغتراب عند إيريك فروم، بيروت: المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر. شاخت، ريتشارد (1980)، الاغتراب، ترجمة: كامل يوسف حسين، بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر. شتا، السيّد عليّ (1984)، نظريّة الاغتراب من منظور علم الاجتماع، الرياض: عالم الكتب. النوري، قيس (1979)، "الاغتراب: اصطلاحًا ومفهومًا وواقعًا"، مجلّة عالم الفكر، الكويت: د. ن.، مج. 10، ع.1
#روز_اليوسف_شعبان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المحبّة مفتاح السعادة في رواية -البلاد العجيبة- لجميل السلحو
...
-
الأب الذّكيّ في قصّة الفئران تأكل الحديد
-
جميل السلحوت يناصر المرأة، يكافح الشعوذة والسحر، ويحافظ على
...
-
كفيفات يتحدّين الإعاقة البصريّة والإعاقة المجتمعيّة والفكريّ
...
-
صورة المرأة في المجموعة القصصيّة السباحة في عين الأسد للكاتب
...
-
الشعوذة والاستخفاف بعقول الناس في رواية الوبش
-
تأكيد العودة في رواية - والله راجع- للكاتب د. محمد كريّم
-
الإفراط في تدليل الأبناء في رواية المائق لجميل السلحوت
-
الإرادة تصنع المستحيل في كتاب شقيقي داود سيرة غيريّة
-
ساعة جدّي
-
النجاح والعطاء في السيرة الغيريّة لمحمد موسى السلحوت
-
جبينة والشاطر حسن: تراثٌ في حُلّة جديدة
-
رحلة الموت في رواية حقيبة من غمام
-
اللغة الشعرية ولغة المناجاة في كتاب همسات على عتبات الذاكرة
-
أسلوب الحداثة في رواية المهطوان للكاتب رمضان الرواشدة
-
الجهل والسذاجة في رواية- الليلة الأولى- للكاتب المقدسي جميل
...
-
بين تحقيق الذات والتحديات في رواية الأرملة
-
طموح المرأة ونرجسيّة الرجل في رواية - هذا الرجل لا أعرفه-
-
الشوق والحنين في رواية مايا للأديب المقدسيّ جميل السلحوت
-
هُيام
المزيد.....
-
فخ -الاختراق- من الداخل.. كيف تمنحنا السينما مفاتيح فهم لغز
...
-
قفزة في مشاهدات وثائقي ميشيل أوباما على نتفليكس بعد إطلاق في
...
-
معاذ المحالبي للجزيرة نت: الاهتمام الروسي باليمن ثمرة لتلاقي
...
-
يكلمني -كنان- ويكتبني الوجع.. كيف يواجه شعراء غزة -رواية الد
...
-
مهند قطيش يكسر صمته: -الدجاج السياسي- شهادة فنان عن جحيم صيد
...
-
بتقنيات الذكاء الاصطناعي.. فيلم -مادلين- يوثق كواليس اختطاف
...
-
من -لوليتا- إلى -بقعة ضوء-.. أشباح إبستين في الخيال الغربي
-
الفن الذي هزم الجغرافيا.. فنانة فنزويلية تحترف -الإبرو- التر
...
-
تركيا تحظر حفلات موسيقى الميتال في إسطنبول بسبب القيم المجتم
...
-
بمشاركة سلمان خان ومونيكا بيلوتشي.. تركي آل الشيخ يكشف عن ال
...
المزيد.....
-
تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ
/ دلور ميقري
-
ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء
...
/ ياسر جابر الجمَّال
-
دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس
/ السيد حافظ
-
مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ
/ السيد حافظ
-
زعموا أن
/ كمال التاغوتي
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
المزيد.....
|