أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب الداوود - رواية -رائحة اللحظات*- لبهيجة حسين: رحلة الهوية، الواقع، الغربة والهامش















المزيد.....


رواية -رائحة اللحظات*- لبهيجة حسين: رحلة الهوية، الواقع، الغربة والهامش


طالب الداوود

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 20:09
المحور: الادب والفن
    


تُقدم رواية "رائحة اللحظات" للكاتبة والصحفية المصرية بهيجة حسين تجربة سردية عميقة لروح بشرية في مواجهة الاغتراب، وتحديات الهوية، والصراعات الاجتماعية والسياسية. إنها رحلة ذاتية لامرأة مصرية تجد نفسها قسراً في المنفى، لتكتشف ذاتها والعالم من حولها في سياق زمني ومكاني مثقل بالتناقضات. تتجلى في هذه الرواية براعة السرد في التقاط أدق التفاصيل النفسية وتجسيدها في لوحة واقعية تتداخل فيها الأحلام بالمرارة، والأمل باليأس.
تحليل البنية السردية
تتسم البنية السردية في "رائحة اللحظات" بالمرونة والعمق، حيث تتشكل من خلال تداخلات زمنية ومكانية وتقنيات سردية متعددة تخدم الغوص في عالم الشخصية المحورية وتجربتها.
تُسرد الرواية بضمير المتكلم "أنا"، مما يمنح القارئ وصولاً مباشراً وعميقاً لأفكار ومشاعر البطلة. هذه الذاتية تضفي على السرد طابعاً اعترافياً وتأملياً، حيث تتلون الأحداث والمشاهد برؤية الراوية الشخصية وتفسيراتها العاطفية والفكرية. يُمكن القارئ من التعاطف مع معاناتها وفرحها ويجعل تجربتها محورية.
يتبع السرد خطاً زمنياً ظاهرياً يبدأ برحيل البطلة من مصر مروراً بتونس ثم الجزائر، وصولاً إلى قرارها بالعودة. ومع ذلك، فإن هذا التسلسل ليس خطياً بحتاً، بل يتخلله تقطيعات زمنية ومكانية واضحة، هذه التقطيعات تُشير إلى انتقالات بين المواقع الجغرافية (تونس، خنشلة، الجزائر العاصمة، بسكرة، تلمسان، باتنة) أو إلى فواصل زمنية مهمة (الأيام الأولى، بداية العام الدراسي الثاني، العطلة). يُعطي هذا التقطيع لمحة عن حالة التشتت والبحث التي تعيشها البطلة. كما أن الوقت يُعاش بشكل ذاتي جداً، فالمسافات تُقطع "في قرن" والأيام تمر "بطيئة وثقيلة"، مما يُبرز ثقل التجربة النفسية.
الأزمنة والأمكنة: الأمكنة في الرواية ليست مجرد خلفيات للأحداث، بل هي فاعلة وتتفاعل مع نفسية البطلة. من "مطار القاهرة الملعون" إلى "مطار تونس"، ثم رحلة القطار الشاقة عبر مدينة "سوق أهراس" ثم إلى "خنشلة" المحاطة بالجبال، و"الجزائر العاصمة" الحلزونية بخمسة طوابق، و"بسكرة" الصحراوية الدافئة، و"تلمسان" الخضراء، وقسنطينة" المبنية على صخرتين و"باتنة". كل مكان يحمل "رائحة" خاصة به وينطبع بذاكرة معينة. تُوصف الأماكن بدقة لغوية تُبرز حالتها النفسية، فالجبال قد تكون "جبال الرعب الملونة" أو "الجبل الراسخ كالوحش". الأمكنة في الرواية تُسهم في بناء دلالة الاغتراب والتيه، كما تُصبح مسرحاً لاكتشاف الذات والعالم. أما الأزمنة، فتمتد على مدار عدة أشهر، تُغطي الفصول من الشتاء (الثلج والبرد) إلى الربيع (تفتح الأزهار)، مما يُشكل دورة طبيعية تُوازي دورة التحول الذاتي للبطلة.
التقنيات السردية:
هيمنة المونولوج الداخلي هي السمة الأبرز. فالنص مليء بالتساؤلات الوجودية والتأملات الفلسفية التي تكشف عن الصراع الداخلي للبطلة: "ماذا حدث؟ كيف حدث؟ كيف أخذت القرار؟"، "هل أنا حقاً قادرة على مواجهة هذا المجهول؟"، "أين أذهب؟ أين أجد نفسي؟ عم أبحث في الحياة؟". هذا التدفق الحر للأفكار والمشاعر يُعطي النص تعبيراً نفسياً هائلاً.
على الرغم من هيمنة المونولوج، تلعب الحوارات دوراً مهماً. إنها ليست مجرد تبادل للكلمات، بل غالبًا ما تُستخدم للكشف عن وجهات نظر مختلفة، أو لدفع البطلة للتفكير في مواقفها، أو لتقديم معلومات ضرورية عن المجتمع والسياسة (مثل الحوار مع التونسي في الطائرة، ميشيل الفرنسي، رفيقة حول الإجهاض والزواج، شهيدة حول هويتها ومشاركة أبيها في الثورة الجزائرية، وفاضل ومصطفى وسعدي حول قضايا العراق). غالباً ما يكون الحوار مختصراً أو مُوجزاً، ويهدف إلى إبراز رد فعل البطلة وتأثرها به.
تتخلل السرد استرجاعات متكررة لمصر، لـ"علاء"، الذي عاد في تابوت، وزوجها ومشروع طلاقها منه وأصدقائها والحنين إلى الوطن. هذه الاسترجاعات ليست مجرد ذكريات، بل هي مكونات حية تُشكل حاضر البطلة وتؤثر في قراراتها. إنها "رائحة القاهرة" التي تشمها في السطور، و"دموع محبوسة" من ماضٍ لم ينفصل عنها. تُلخص هذه الذكريات عمق علاقتها بالوطن والأشخاص الذين تركتهم، وتُفسر جزءاً من معاناتها الحالية.
تُبرز الرواية قدرة على التصوير الحسي الدقيق، فالمطر يصبح "رذاذاً خفيفاً كالندى على وريقات جافة"، والثلج "زغباً بين يديّ". يُعكس هذا الوصف حالة البطلة النفسية وتفاعلها مع المحيط، فالجمال يُمكن أن يُرى "قبحاً" بعيون تقطر مرارة.
شخصيات الرواية
تُقدم الرواية طيفًا من الشخصيات التي تتراوح بين المعقدة والمتطورة (الشخصية المحورية) وبين تلك التي تُمثل أدوارًا رمزية أو اجتماعية محددة.
الراوية: هي جوهر الرواية ونقطة الارتكاز الأساسية. تبدأ رحلتها كامرأة محملة بالخوف والتردد، تشعر وكأنها "كالذبيحة" تُساق إلى مصير مجهول. يُشكل الاغتراب عن مصر مدفوعة بمشاكلها الزوجية ضربة قاسية لهويتها وإحساسها بالأمان. تُعاني من الوحدة والعزلة، وتُظهر ملامح نفسية مركبة بين القسوى والهشاشة ("قطعة من الزجاج الضعيف"). إلا أنها تُظهر تطوراً ملحوظاً على مدار الرواية. فمن امرأة "تشبثت بالأرض" وترغب في "العودة"، تتحول تدريجياً إلى شخصية أكثر قوة وجرأة، قادرة على اتخاذ قرارات مصيرية مثل طلب الطلاق. تتفاعل مع المواقف والتحديات، وتُكوّن علاقات إنسانية عميقة تُعزز ثقتها بذاتها. تُصبح "قوية، أقوى من أي وقت مضى"، وتُعلن "سوف أحطم وهني وضعفي ولن يبقى مني إلا قوتي، وقدرتي على المواصلة ". هذه الرحلة الداخلية هي رحلة اكتشاف الذات والتحرر من القيود، سواء كانت اجتماعية، سياسية، أو حتى عاطفية، وتتجسد في قدرتها على "ممارسة الحياة وعيشها كما هي حتى آخر لحظة".
الشخصيات الأخرى: تبر في الرواية مجموعة من الشخصيات التي شكلت الواقع النفسي للرواية أو وقائعها:
• علاء: شخصية غائبة حاضرة بقوة في وعي البطلة ووجدان حسينة. يُرمز إليه بالأمان المفقود والحلم المنخطف الذي مات. يُشكل رحيله صدمة نفسية تُلاحق البطلة في غربتها، وتُبرز عمق جراح الماضيـ وعدن قدرتها على البروح بموته لمنلـ"حسينة" التي تحبه وتنتظره.
• حسينة: صديقة تونسية تُقدم للراوية الدفء العائلي الأولي في غربتها، وتجربة الحب العابرة للحدود والأمل المؤجل، لكنها أيضاً تُظهر التناقضات الثقافية (حادثة التعري عند النوم) وتُجسد معاناة المرأة التقليدية في علاقتها العاطفية (خديعة علاء).
• رفيقة: صديقة جزائرية أخرى تُمثل جسراً بين الثقافة التقليدية وبعض مظاهر التحرر الشخصي. قصتها مع الحمل خارج الزواج وضرب زوجها لها تكشف عن ازدواجية معايير المجتمع وتناقضاته الصارخة بين التحرر الظاهري والقيود العميقة.
• فاضل: الشخصية الأبرز بعد الراوية. لاجئ عراقي شيوعي، تُقدمه الكاتبة نموذجاً للمعذبين في الأرض، المكتوين بنيران السياسة والمنفى. يتشارك مع البطلة عمق الاغتراب وخيبة الأمل في الأوطان والأحلام الكبرى. علاقتهما تتطور لتُشكل محوراً عاطفياً جديداً، حيث يجد كل منهما في الآخر ملاذاً ووطناً بديلاً. إنه "أصدق ما في حياتها"، ويُفجر بوجوده "قدرتها على عيش المستحيل".
• مصطفى: طبيب بيطري عراقي لاجئ، قصته المأساوية في البحث عن زوجته المفقودة تُعمق من دلالة الاغتراب والتضحية في سبيل المبادئ. يُجسد الأمل في البقاء على الحب رغم كل الظروف.
• سعدي: الشخصية العراقية المحببة، الذي يغني دائما، ويسرد القصص
• نادية وفلاديمير: الزوجان السوفيتيان. تُقدم نادية دعماً إنسانياً خالصاً يتجاوز حواجز اللغة والثقافة.
• "الممرضة" تُمثل الأمان الذي لا يُطلب، والتعاطف الذي لا يحتاج لتفسير. قصتها كلاجئة ألمانية هربت من النازية ثم خدمت الثورة الجزائرية وبقيت في الجزائر، تُعطي بعداً تاريخياً وإنسانياً فريداً.
• شهيدة: جامعية جزائرية شابة، مُعلمة مستقبلية. تُمثل الجيل الجديد الذي يُحاول التحرر من قيود الماضي والتقاليد، مع الاحتفاظ بجذوره. اسمها "شهيدة" يُضفي عليها رمزية مُضاعفة، فهي تُكافح من أجل حريتها الشخصية في مجتمع يُقدس "الشهداء" الذين ماتوا من أجل حرية الوطن، أبوها من المقاتلين في الثورة الجزائرية عاش سنوات في الجبال لكن لا أحد يعترف به كأحد المجاهدين. يُجبر ابنته شهيدة على لبس الحجاب .
• داود جرجريوس: المدرس العراقي الآشوري. تُقدم شخصيته بعداً مهماً حول الأقليات في العالم العربي، وصراعها للحفاظ على هويتها الثقافية والدينية واللغوية في مواجهة محاولات الانصهار والاضطهاد.
• شخصيات مصرية: تحتوي الرواية على مجموعة من الشخصيات المصرية العاملة في الجزائر في مجالات متعددة ممن تتلاقي طرقهم مع بطلة الرواية؛ طبيب الأسنان عادل وزوجته إيزيس، متولي، أستاذ معها في المدرسة، رفعت وزوجته إيرين، هشام الصديق المصري المغني والعازف في أيام النشاطات الطلابية الجامعية المصرية في السبعينيات الذي تلتقي فيه عن طريق الصدفة وهي تكتشف مدينة بسكرةـ الذي يكون بوابتها لبداية علاقتها بأفراد الجالية العراقية.
• عبد الحكيم: الشاب التونسي الذي يشكل سندا مهماً لبطلة الرواية خلال رحلتها عبر الحدود التونسية ـ الجزائرية ومساعدا في تخفيف وقع المشاكل الكبيرة التي مروا بها أثناء الرحلة.
الخطاب الأيديولوجي
تتخطى "رائحة اللحظات" كونها مجرد حكاية شخصية لتُصبح خطاباً أيديولوجياً غنياً يُسائل الأوطان والهويات والأحلام السياسية الكبرى.
الاغتراب والهوية: المحور الأساسي للرواية هو الاغتراب بمعانيه المتعددة: اغتراب عن الوطن الأم (مصر)، اغتراب عن الذات الماضية، واغتراب داخل الأوطان المضيفة (تونس والجزائر). يُبرز الخطاب البحث المستمر عن "الوطن" الذي يتجاوز الحدود الجغرافية ليُصبح حالة نفسية تُوجد في "قلب فاضل" أو في "أحضان الأصدقاء". الهوية تُصبح سيولة، تتصارع فيها البطلة بين كونها "مصرية" أو "عربية"، وبين هويتها كـ"امرأة" و"مفكرة". هذا الصراع يُلقي الضوء على هشاشة الهويات الوطنية والقومية أمام تحديات الواقع.
الهوية النسوية والتحرر: تُعد الرواية بياناً نسوياً بامتياز، تُطرح فيه قضايا المرأة بشكل مباشر وغير مباشر. البطلة نموذج للمرأة العاملة المستقلة التي تُسافر بمفردها وتُعلّم الفلسفة وتتخذ قرارات مصيرية كطلب الطلاق. تعرض الرواية القيود الاجتماعية المفروضة على المرأة (ميشيل ودعوته، قصة رفيقة مع الحمل والضرب، محاولة شهيدة البقاء متحررة من الحجاب). الحمام التركي، كفضاء نسوي، يكشف عن جسد المرأة في مجتمع يفرض عليه إخفاءه، وتُظهر تناقضات بين الوعي بالجسد ككيان خاص وبين نظرة المجتمع له.
العروبة والهويات الفرعية: يُشكل الخطاب تحدياً لمفهوم "العروبة" الكبرى ("من الخليج إلى المحيط"). يُبرز (اتفاقية السادات مع إسرائيل) كمصدر لألم عميق. كما تُقدم الرواية الهويات الفرعية داخل العالم العربي، مثل "البربر"، "الأمازيغ" "القبايل" و"الشاوية" في الجزائر الذين يُطالبون بالاعتراف بلغتهم وتاريخهم، و"الآشوريين" في العراق الذين يُقاومون الانصهار في الهوية العربية الإسلامية. هذا التنوع يُفكك الخطاب القومي الواحد ويُبرز تعقيدات الهويات المتداخلة.
السياسة وخيبة الأمل: تتخلل الرواية خيبة أمل عميقة في المشاريع السياسية الكبرى. يُسلط الضوء على فشل "القرى الاشتراكية" في الجزائر ونقد "التسيير الذاتي" والتعاونيات. تُبرز الرواية مأساة الشيوعيين العراقيين الذين "هربوا من المقصلة" و"هربوا من الإذلال من أجل كرامتهم". هذا يكشف عن وحشية الأنظمة التسلطية، حتى تلك التي تدعي الثورية، ويُسائل عن الثمن الباهظ الذي يدفعه الأفراد في صراعات السلطة. الخطاب يُشير إلى "زمن الحجاج" كرمز للاضطهاد المتواصل، ويُبرز دور الشعوب كضحية للقادة.
البحث عن المعنى والتواصل: في قلب هذا المشهد المتشابك من الاغتراب والتناقضات، يُصبح البحث عن التواصل الإنساني الحقيقي هو الملجأ الوحيد. البطلة تُصارع وحدتها وتُعلن: "لا أتصور نفسي إلا ملتحمة بالبشر". تُصبح الصداقات والعلاقات العاطفية، خاصة مع فاضل، هي مصدر القوة والمعنى في عالم مُحطم. البار الذي يُوحد "عائلة" من الأغراب اللاجئين يُصبح رمزاً للمقاومة الصامدة من خلال البهجة والتواصل.
تتسم لغة الرواية وأسلوبها بمزيج فريد من الواقعية الشديدة والتجريبية الموحية، مع ميل واضح نحو الشعرية التي تضفي على النص عمقاً عاطفياً وفكرياً.
واقعية الوصف والتعبير: تتجلّى الواقعية في الرواية من خلال التفاصيل الحسية الدقيقة التي تنقل القارئ إلى عالم البطلة وتجعل تجربتها ملموسة. فالتفاصيل اليومية، من "صوت فتاة ملّ تكرار الإعلان" في المطار إلى "رائحة العفن والعطن تملأ المكان" في الفندق، تُرسخ الأحداث في زمن ومكان محددين. كما أن الحوارات التي تتخلل النص، وإن كانت محدودة أحياناً، تعكس تفاوت اللهجات والثقافات، وتبرز الصعوبات التي تواجهها البطلة في التواصل. على سبيل المثال، صعوبة فهم "حديث حسينة وأمها وشقيقتها – الذي كان خليطاً من العربية والفرنسية" تُجسّد الواقع اللغوي في الجزائر وتونس.
إضافة إلى ذلك، تُبرز الرواية واقعية المشاعر الإنسانية، فالبطلة لا تُخفي ضعفها أو خوفها أو ارتباكها. تنقل المشاعر الخام للوحشة والخوف والاضطراب بصدق بالغ، كما في قولها: "إحساس بالخوف يشل خطواتي، وكأني أسير إلى حبل المشنقة" أو "خرساء حملتني السيارة من بيتي إلى المطار الملعون". وتُترجم هذه المشاعر في أفعال مادية مثل "دموع محبوسة"، "بكيت"، "تقيأت دماً". هذا الصدق في تصوير هشاشة الذات الإنسانية هو عماد الواقعية النفسية في النص.
التجريبية والرمزية: على الرغم من واقعيتها، لا تلتزم الرواية بالوصف السردي التقليدي، بل تنحو نحو التجريبية من خلال استخدام مكثف للرمزية والاستعارة والتصوير الشعري، مما يخلق طبقات متعددة من المعنى:
• المنولوجات الداخلية وتيار الوعي: تُقدم الرواية تياراً عميقاً من الوعي، حيث تتداخل أفكار البطلة ومشاعرها وذكرياتها بشكل غير خطي، خاصة في لحظات الأزمات النفسية. أسئلتها المتكررة "ماذا حدث؟ كيف حدث؟ كيف أخذت القرار؟" في بداية النص، أو تأملاتها حول "ماذا سأفعل في بلد غير مصر؟" و"هل قررت اقتحامه بإرادتي أم أنني دفعت دفعاً لاختراقه؟"، تكشف عن صراع داخلي وجودي. هذه المنولوجات تُبرز بُعد الرواية النفسي العميق وتجعل القارئ شريكاً في حالة البطلة الذهنية.
• الصور الشعرية والاستعارات: تزخر الرواية بالصور الشعرية التي تُحول الوصف المادي إلى تعبير رمزي عن الحالة النفسية. فالقطار الذي "ينهش لحمي وسنوات عمري" ليس مجرد وسيلة نقل، بل رمز للزمن الذي يسرق من البطلة عمرها. والجبال "جبال الرعب الملونة بالأخضر والبنفسجي تسبق القطار، تقترب مني، تطبق على صدري" لا تمثل مجرد تضاريس طبيعية، بل تجسيداً للخوف والرهبة. كما أن "رائحة القاهرة أشمها في السطور" مثال على الحس المتداخل الذي يمزج الحواس ويعمق الارتباط العاطفي بالوطن.
• المكان كمرآة للذات: تتحول الأماكن في الرواية من مجرد خلفيات إلى عناصر رمزية تعكس حالة البطلة الداخلية أو تُسهم في تحوّلها. فـ"خنشلة" ليست مجرد مدينة، بل "مدينة نائمة أو ميتة"، بينما "غابة بني صاف على البحر مباشرة" تُصبح مساحة للتحرر والعشق واكتشاف الذات. هذا الاستخدام الرمزي للمكان يُبعد الرواية عن مجرد السرد الواقعي نحو بُعد تجريبي يمزج الواقع بالانطباع الذاتي.
• المشاهد الشبيهة بالحلم: في لحظات اليأس أو النشوة، تتجاوز الرواية حدود الواقع لتلامس عوالم حالمة أو كابوسية. مشهد سقوط الثلج لأول مرة في حياة البطلة و"غصت في الثلج تحملني أجنحة الفرح" يُبرز لحظة جمال نادرة. وفي المقابل، مشهد تقيؤ الدم في قسنطينة يبلغ ذروة الألم النفسي والجسدي، ويتحول إلى رؤيا رمزية تتداخل فيها الأيادي السوداء والجثث المعلقة، مما يُظهر تداخل الواقعي مع السريالي في تصوير عمق التجربة.
باختصار، يمنح هذا المزيج الأسلوبي "رائحة اللحظات" قدرة فريدة على تناول القضايا الكبرى والصراعات الداخلية، في إطار سردي مُشبع بالمعنى والدلالة، يتجاوز حدود الحكاية ليصبح تأملاً في الوجود الإنساني.
شهادة عن مرحلة ما بعد الاستقلال
تُعد الرواية شهادة على حقبة زمنية وتجربة مجتمعات ما بعد الاستقلال في العالم العربي، خاصة في شمال إفريقيا. تتناول الرواية بجرأة التداعيات المستمرة للاستعمار وتأثيره على الهوية والسياسة والمجتمع، بالإضافة إلى استكشاف أعمق للصراعات الداخلية التي عصفت بالعالم العربي.
تُظهر الرواية بوضوح الآثار العميقة للاستعمار الفرنسي على الجزائر، والتي تتجاوز مجرد التحرير العسكري:
• الهوية اللغوية والثقافية: يبرز التداخل اللغوي كأحد أبرز مظاهر هذا الإرث، فالبطلة تجد صعوبة في فهم "خليط من العربية والفرنسية" في تونس، وتُلاحظ استخدام الفرنسية في الجزائر بشكل واسع. النقاش مع الطالب الذي يعترض على وصفهم بـ "العرب" ويؤكد على هويتهم "البربر" أو "الأمازيغ" ولغاتهم "القبايلية والشاوية" يفتح ملف الهوية المعقد الذي خلّفه الاستعمار بتأجيجه للانقسامات.
• بُنى المجتمع والعادات: حتى في أدق التفاصيل، يظهر الأثر الفرنسي. فـ"قهوة الخامسة" الجزائرية تُقدم "بالطريقة الفرنسية". الأستاذ الفرنسي "ميشيل" يُجسّد النظرة الفوقية للغرب ("يعلن أياماً انتزعته من نور حضارته الأوروبية وألقت به إلى ظلامنا العربي")، مما يدل على استمرار الصراع الثقافي. كما تُشير الرواية إلى تقسيم المدن (الفرنسيون في المرتفعات والجزائريون في المنخفضات)، وهي بُنى استعمارية في التخطيط العمراني.
• التعليم ونظم الحكم: المناهج التعليمية التي تخلط بين "نظريات داروين ولامارك العلمية" و"ما قاله القرآن"، ثم تلوي الحقائق لتصبح "إسلامية"، تُشير إلى محاولة ما بعد الكولونيالية لإعادة تشكيل الهوية المعرفية والتحكم في السرد التاريخي، مع الاعتراف بأن هذا قد يؤدي إلى "التناقض الموجود على صفحات الكتب المقررة".
تُقدم الرواية نقداً لاذعاً لما آلت إليه الأوضاع في الجزائر بعد الاستقلال، مسلّطة الضوء على الفجوة بين أحلام الثوار وواقع الدولة الجديدة:
• تضحيات الشهداء والمنسيين: قصة والد شهيدة، المجاهد الذي "قضى سنوات يحارب الفرنسيين" ولم يُعترف بتضحياته أو يُكافأ، تُجسّد مرارة آلاف الذين نُسوا بعد الثورة. ذبح "الشيوعيين الجزائريين بسكاكين رفاق الجبل" أثناء الثورة وبعد انتصار الثورة يكشف عن الصراعات الداخلية الدموية التي طالت رفاق الدرب نفسه، مما يقوض فكرة الوحدة الوطنية ويُشير إلى تصفية الحسابات السياسية باسم "الحكم".
• فشل المشاريع التنموية: "قرى الثورة الزراعية" التي "فشل التسيير الذاتي والتعاونيات" فيها "لأسباب كثيرة، أعتقد أن الحزب وراءها"، ومبانيها المهجورة مثل "مكتبة ومسرح قرية متّوسة"، ترمز إلى فشل المشاريع الاشتراكية بعد الاستقلال وفساد النُخب الحاكمة، مما ترك خلفه "فقراء وعاطلون عن العمل".
• التحول إلى سلطة قمعية: حديث العراقيين في المقهى عن "العسس والمخبرين" وعن "بن بللا وبومدين" و"عبد الناصر وضده" يُشير إلى طبيعة الأنظمة السياسية في المنطقة التي تحولت من استبداد كولونيالي إلى أشكال جديدة من الاستبداد الوطني.
تتجاوز الرواية حدود التجربة الجزائرية لتعكس حالة بلدان عربية أخرى، وتُقدم نقداً لاذعاً للأحلام القومية التي لم تتحقق:
• فشل شعارات الوحدة العربية: البطلة تحمل في وجدانها شعار "الوطن من الخليج إلى المحيط"، لكنها تواجه واقعاً مريراً من التجزئة والخلافات. الانتقادات الموجهة لمصر بسبب صلحها مع إسرائيل، وذكر "فلسطين التي ضاعت، ولبنان التي مُزقت"، تُجسّد عمق الجراح القومية العربية وتناقضات الشعارات الكبرى مع الواقع السياسي.
• منفى المثقفين والكوادر: شخصيات العراقيين المنفيين، مثل "فاضل" و"مصطفى" ضحايا صراعات داخلية أدت إلى "حملة الاعتقالات والاغتيالات الأخيرة" و"إما أن يوقع على الانسحاب من الحزب أو يعدم". قصصهم تُبرز كيف تحولت الأوطان إلى سجون، وكذلك العديد من الكوادر المصرية، وكيف أصبح المنفى قدراً للمناضلين والمثقفين وللخبرات.
• الاقليات والهويات المتعددة: ظهور "الآشوريين" (داود وزوجته) و"الأقباط" (عادل وإيزيس ورفعت) كأقليات مسيحية احتفظت بلغتها وهويتها، على الرغم من "أشكال الاضطهاد" و"محاولات إذابتنا في العرب"، يُسهم في تعقيد فهم الهوية في العالم العربي، ويُظهر أن الهويات ليست أحادية بل تتسم بالتنوع والتعددية، وأن نضال الأقليات من أجل الوجود هو جزء من المشهد السياسي والاجتماعي لمرحلة ما بعد الاستقلال.
المرأة في المجتمع المتحول:
تُقدم الرواية تحليلاً لافتاً لدور المرأة في مجتمعات استقلت حديثا وصراعاتها:
• البحث عن الذات والتحرر: رحلة البطلة هي في جوهرها رحلة تحرر من قيود العلاقة الزوجية الباهتة و"سطوة" زوجها، ومن الخوف الذي "قبلت أن أخافه". قرارها بالطلاق يمثل ذروة هذا التحرر.
• الازدواجية الاجتماعية: قصة "رفيقة" التي تحمل خارج إطار الزواج وتخطط لإخفاء الأمر، ثم قصة الدم الكاذب في ليلة عرسها، تُظهر التناقض الصارخ بين الرغبات الفردية والتقاليد الاجتماعية الصارمة في مجتمعات تُعاني من ازدواجية المعايير.
• قوة المرأة وعملها: شخصيات مثل "حورية" المطلقة العاملة التي تُعيل أسرتها، وقول أمها "المرأة الحرة لا تخاف رجلاً"، تُقدم نماذج لنساء يُناضلن من أجل الاستقلالية والكرامة، ويُظهرن كيف يمكن للمرأة أن تكون "قادرة على مواجهة هذا مجهول" وتُشكل مصيرها.
• مشاركة المرأة في النضال: وهنا يبرز دور جميلة بوحريد المناضلة الجزائرية ألتي أصبحت أيقونة لمشاركة المرأة الجزائرية في النضال ضد الاستعمار.
تُعدّ رواية "رائحة اللحظات" لبهيجة حسين نصاً أدبياً يغوص في التجربة الإنسانية، متتبعاً رحلة ذاتية وموضوعية لبطلة مصرية تعبر الحدود الجغرافية والثقافية والذاتية في بحثها عن المعنى.
تُقدم رواية "رائحة اللحظات" نسيجاً شبكة واسعة من القضايا التاريخية والسياسية والاجتماعية التي تُمثل جوهر تجربة العالم العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال. يساهم الأسلوب الذي يمزج الواقعية بالتجريبية في تعميق هذا التحليل، جاعلاً من الرواية مرآة صادقة للذات والوطن.

* تم بناء هذا التحليل النقدي على "النسخة الرقمية" لرواية "رائحة اللحظات" المنشورة على موقع "ألف ياء" alfyaa.net (المكتبة العربية الرقمية المجانية).



#طالب_الداوود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو تقديم المالكي ومن يثبته التحقيق إلى القضاء
- التهجير الانتخابي والتهجير الإداري واستكمال أهداف الحرب الأه ...
- هل نحن بصدد جريمة حكومية جديدة بحق الفلوجة ونواحيها تحت ذريع ...


المزيد.....




- معهد العالم العربي: أربعون عاما من الثقافة العربية في قلب با ...
- علي إدريس ينفي تنازل عمرو سعد عن أجره في فيلم قسمة العدل
- أسوان تحتضن الفنون النوبية والعالمية في انطلاق مهرجانها الدو ...
- اتحاد الأدباء يحتفي بتجربة الشاعر أحمد الشيخ علي
- لعلاقته مع إبستين.. القضاء الفرنسي يحقق مع وزير الثقافة السا ...
- مسرحية الدم والمال.. واشنطن تجمع تبرعات للإعمار.. ونتنياهو ي ...
- صديق لا يخون: أشهر 5 أفلام عن الكلاب في تاريخ السينما
- شاهد.. مهرجان فجر يُعيد اختراع السينما الإيرانية بدماء شبابي ...
- ثورات سينمائية.. 5 أفلام وثقت وحشية العبودية
- 4 دارسات وأمهاتهن.. يكشفن كيف تحول -الكحك وحلوى المولد- إلى ...


المزيد.....

- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - طالب الداوود - رواية -رائحة اللحظات*- لبهيجة حسين: رحلة الهوية، الواقع، الغربة والهامش