|
|
هل الصين دولة امبريالية؟
علي هانسن
الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 20:42
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
عضو سابق في مجلس بلدية كوبنهاغن عن حزب القائمة الموحدة Enhedslisten
نشر هذا المقال في مجلة Arbejderen العدد 3، تموز يوليو 2025، والعدد 4، تشرين الاول اكتوبر 2025.
في النقاش السياسي الراهن يزعم بعضهم ان الصين قوة امبريالية على غرار الولايات المتحدة او الاتحاد الاوروبي. لكن هل يصح هذا الادعاء عندما نحلل الصين انطلاقا من تعريف لينين الكلاسيكي للامبريالية؟
تعتمد هذه الدراسة معايير لينين الخمسة للامبريالية لتقييم ما اذا كان يمكن اعتبار الصين دولة امبريالية.
الهدف هو توضيح النقاش عبر اعتماد منهج ماركسي لينيني، لا عبر الاحكام المسبقة الايديولوجية.
كما ننظر في ما اذا كان يمكن نقل مفهوم "الامبراطورية" الحديث لدى انطونيو نيغري ومايكل هاردت الى دور الصين في الاقتصاد العالمي. وبالمثل نفحص ما اذا كان يمكن اعتبار الصين دولة امبريالية وفق نظرية هوبسون الكلاسيكية للامبريالية.
من خلال تطبيق هذه المعايير على البنية الاقتصادية والسياسية للصين نستطيع تقييم ما اذا كانت البلاد تحقق تعريف القوة الامبريالية، او ان الامر يتعلق بتوظيف عناصر راسمالية موجهة من الدولة بهدف اشتراكي. سيكشف التحليل ما اذا كانت السياسة الخارجية للصين وتوسعها الاقتصادي يجب ان يعدا امبرياليين، او اننا امام شكل مختلف نوعيا من الاندماج العالمي.
سنستعرض باختصار الخصائص الخمس للامبريالية لدى لينين، والتعريف الكلاسيكي للامبريالية، ومفهوم "الامبراطورية" عند نيغري. من كان على دراية بهذه النظريات يمكنه تجاوز هذه الاقسام.
## السمات الخمس للامبريالية لدى لينين
طور لينين نقد هوبسون في نظريته عن الامبريالية بوصفها اعلى مراحل الرأسمالية. في كتابه "الامبريالية، اعلى مراحل الرأسمالية" (1917) يرسم لينين خمس خصائص للامبريالية، تشمل:
1. تركيز الانتاج والاحتكارات: تعمل الرأسمالية في اصلها بصورة تنافسية، لكن مع مرور الوقت تفسح المجال لاحتكارات كبيرة مثل التروستات والكارتلات. هذه الاحتكارات تسيطر على الاسواق والاسعار والانتاج، وتحد من المنافسة، وتحقق ارباحا هائلة.
2. رأس المال المالي والاوليغارشية المالية: اندماج البنوك والصناعة يخلق طبقة جديدة من رأسماليي المال، تسيطر على الاقتصاد عبر الائتمان والاستثمارات. هذه المجموعة الصغيرة من الاوليغارشيين الماليين تمارس ايضا تأثيرا على سياسات الحكومة.
3. تصدير رأس المال بدلا من السلع: في المرحلة الامبريالية تفضل الدول المتقدمة الاستثمار المباشر في الدول الاقل تطورا بدل تصدير السلع. قد يعني ذلك بناء مصانع في بلدان فقيرة لاستغلال العمالة الرخيصة، ما يؤدي الى استغلال عالمي.
4. تشكيل احتكارات وكارتلات دولية: تنشئ الشركات متعددة الجنسيات كارتلات لتقسيم الاسواق العالمية وتقليل المنافسة، مثل اتفاقات شركات النفط للتحكم في اسعار النفط.
5. تقسيم العالم بين القوى الامبريالية: المنافسة الامبريالية على المستعمرات ومناطق النفوذ تؤدي الى حروب امبريالية مثل الحرب العالمية الاولى. وفق لينين هذا التقسيم نهائي لان العالم لم يعد يملك مناطق "فارغة"، فتتصاعد التوترات.
## التعريف الكلاسيكي للامبريالية
يعد التوسع الاقليمي غالبا الشكل التاريخي الاول للامبريالية، خصوصا في النظريات الكلاسيكية مثل نظرية جون ايه هوبسون.
في عام 1902 انتقد هوبسون الامبريالية بوصفها ضرورة اقتصادية للدول الرأسمالية، لكنه شدد على ان مرحلتها المبكرة كانت تعتمد اساسا على احتلال الاراضي فعليا، قبل ان تصبح الهيمنة المالية والاقتصادية الوسيلة الرئيسية.
انطلقت هذه النظريات من امبراطوريات قديمة مثل الامبراطورية الرومانية، حيث توسعت السلطة عبر الغزو المباشر والادارة والسيطرة على مناطق جديدة. الامبراطورية الرومانية مثال واضح، فقد وسعت اراضيها عبر غزو اقاليم مثل بلاد الغال وبريطانيا واجزاء من الشرق الاوسط لضمان الموارد والهيمنة الاستراتيجية. واستمر الحكم عبر ولاة وحضور عسكري.
اعيد احياء هذا النموذج من قبل القوى الاستعمارية الاوروبية في الفترة من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر. اسبانيا والبرتغال سيطرتا على اجزاء كبيرة من اميركا اللاتينية حيث استخرجتا الذهب والفضة واقامتا اقتصاد المزارع. هولندا رسخت نفسها قوة تجارية رائدة مع مستعمرات في اسيا منها اندونيسيا، وكان لها دور مركزي في تجارة التوابل العالمية. الدنمارك طورت مستعمرات في جزر الهند الغربية، مثل ترانكيبار في الهند والجزر الدنماركية في الهند الغربية، مع تركيز على مزارع السكر وتجارة العبيد عبر الاطلسي. بريطانيا وفرنسا وسعتا نفوذهما في اميركا الشمالية واسيا حيث اقامتا اولا مراكز تجارية ثم مستعمرات مباشرة.
خلاصة الامر ان التوسع الاقليمي كان الشكل الاول والاوضح للامبريالية، ارثا من امبراطوريات العصور القديمة، واستمر الى العصر الحديث قبل ان تتولى العولمة والامبريالية المالية زمام القيادة.
## نيغري والتعريف الكلاسيكي للامبريالية
الفيلسوف وعالم الاجتماع الايطالي اليساري انطونيو نيغري لم يطور مفهوم "الامبريالية"، واقترح بدلا من ذلك مفهوما اخر يختلف جذريا عن الفهم الاصلي. في اعماله، خصوصا مع مايكل هاردت في كتب مثل "الامبراطورية" (2000)، يجادل نيغري بان الامبريالية في القرن الحادي والعشرين لم تعد تعبيرا عن توسع امة واحدة كما شهدناه في مراحل امبريالية سابقة. وهو يصف بدلا من ذلك شكلا جديدا يسميه "الامبراطورية".
يرى نيغري وهاردت ان هذه الامبراطورية لا تعمل عبر هيمنة عسكرية واقتصادية لدولة واحدة. "الامبراطورية" الجديدة ليست كيانا مركزيا، بل شبكة من مؤسسات عالمية وشركات متعددة الجنسيات. من النقاط المحورية في عملهما مفهوم multitude، فكرة مقاومة جماعية متنوعة لهذا النظام الامبراطوري الجديد. بخلاف الفهم الماركسي التقليدي لا يمنح نيغري وهاردت الطبقة العاملة دورا حاسما او مركزيا في النضال ضد الامبريالية. ويستبدلان الصراع الطبقي الكلاسيكي بمفهوم multitude الاكثر ضبابية وباشكال مقاومة مرنة ولا مركزية.
وبذلك لم تعد الامبريالية تفهم كما عند لينين، حيث توصف مرحلة تتعاون فيها الدولة والشركات الاحتكارية الرأسمالية الكبرى عن كثب لضمان مصالحها المشتركة.
## هل الصين دولة امبريالية وفق سمات لينين الخمس؟
الهدف هو توضيح النقاش عبر اعتماد منهج ماركسي لينيني، لا عبر الاحكام المسبقة الايديولوجية.
لتحليل ما اذا كانت الصين امبريالية وفق سمات لينين الخمس يمكننا النظر في كل سمة:
1. تركيز الانتاج والاحتكارات: الاقتصاد الصيني يختلف بوضوح عن نموذج الاحتكارات الخاصة الذي وصفه لينين.
مع ان البلاد تضم صناعات كبرى، تهيمن الشركات المملوكة للدولة على قطاعات محورية مثل الطاقة والاتصالات والمصارف.
توجد شركات خاصة كبيرة مثل Alibaba وTencent وHuawei، لكن حتى هذه تعمل ضمن ارتباط وثيق بالدولة التي تحتفظ غالبا بنفوذ عبر ادوات مثل "الاسهم الذهبية". تمارس الدولة بذلك سيطرة حتى على الفاعلين الخاصين، وتدعم في الوقت نفسه الشركات الصغيرة والمتوسطة.
هذا النموذج الموجه من الدولة يخلق تركيزا عاليا لرأس المال والانتاج، لكنه يختلف عن الرأسمالية المالية الغربية حيث تمتلك الاحتكارات الخاصة مساحة حركة اوسع. بدل بنية رأسمالية ليبرالية نرى في الصين تركيزا موجها من الدولة حيث تندمج العمالقة الاقتصادية ضمن اطار اقتصاد مخطط. تدخل الدولة يضيف طبقة من التعقيد، لان الشركات المملوكة للدولة لا تحركها تعظيمات الربح وحدها، بل اهداف استراتيجية وطنية ايضا.
في عام 2022 كان هناك اكثر من 150000 شركة مملوكة للدولة في الصين، وقد مثلت نحو 30 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي. شركات مثل China National Petroleum Corporation وChina Aerospace Industries Corporation وChina Construction Bank امثلة بارزة.
وفقا لـFortune Global 500 (2024) فان 143 من اكبر 500 شركة في العالم صينية، اكثر من الولايات المتحدة. كثير من هذه الشركات مملوك للدولة، ما يوضح ان نموذج الصين قائم على شكل مختلف من التركيز، ليس احتكارا خاصا، بل هيمنة الدولة.
شركات صينية كبرى مثل شبكة الكهرباء المملوكة للدولة، وChina National Petroleum Corporation (CNPC)، وSinopec (China Petroleum & Chemical Corporation)، وBank of Industry and Commerce of China تتصدر عالميا من حيث الايرادات والاصول. النقطة الجوهرية هي ان كثيرا من هؤلاء العمالقة الاقتصاديين في يد الدولة او تحت ادارتها، لا في يد رأسماليين خواص.
2. رأس المال المالي والاوليغارشية المالية: في الصين يتم اندماج المصارف والصناعة تحت اشراف حكومي وثيق. اكبر البنوك، ومنها Bank of China وICBC وChina Construction Bank، مملوكة للدولة وتعمل كادوات لسياسة الدولة الاقتصادية لا ككيانات مستقلة تسعى لتعظيم الربح.
رأس المال المالي الخاص نفوذه محدود. مع ان للصين بنوكا كبرى فهي ليست قوى مالية مستقلة كما في وول ستريت. قطاع المصارف خاضع الى حد كبير لسيطرة الحكومة ويتناسق مع اهداف الدولة، منها عبر الخطط الخمسية التي تحدد كيفية تخصيص رأس مال المصارف والصناعة. القروض تذهب اساسا الى الشركات المملوكة للدولة، ومشروعات البنية التحتية، والقطاعات ذات الاهمية الاستراتيجية، لا الى مصالح رأسمالية حرة.
مع وجود افراد اغنياء وشركات خاصة، يبقى نفوذهم المالي والسياسي خاضعا لتنظيم الدولة. النظام الصيني لا يسمح بنشوء قطاع مالي مستقل عن الدولة كما في البلدان الرأسمالية الغربية.
لذلك لا توجد اوليغارشية مالية مستقلة كما وصفها لينين. لينين وصف رأس المال المالي كاندماج رأس مال البنوك والصناعة في يد اوليغارشية مالية قوية ومستقلة. في الصين يحدث هذا الاندماج تحت قيادة الدولة، حيث تعمل البنوك والشركات الصناعية ضمن اطار اقتصادي موجه سياسيا.
3. تصدير رأس المال بدل السلع: الصين تصدر رأس المال بشكل متزايد، خصوصا عبر مبادرة الحزام والطريق (BRI)، لكنها تختلف عن تصدير رأس المال الامبريالي الكلاسيكي الذي وصفه لينين.
التركيز يقع اساسا على الاستثمار في البنية التحتية، طرق، موانئ، محطات طاقة، لا على استغلال العمل او نهب الموارد. تقدم هذه المشاريع باعتبارها تعاونا اقتصاديا وحلولا رابحة للطرفين تعزز الترابط والقدرة على الاتصال والتنمية في البلدان المتلقية.
مع ان الشركات الصينية قد تستفيد اقتصاديا، تكون الاستثمارات غالبا مدفوعة بدوافع استراتيجية، مثل ضمان الوصول الى الموارد، توسيع النفوذ الجيوسياسي، تقوية طرق التجارة. هذا يشبه اكثر اسقاط نفوذ الدولة من كونه تعظيم ارباح تقوده احتكارات خاصة.
بحلول نهاية 2023 كانت الصين قد استثمرت في اكثر من 3800 مشروع ضمن مبادرة الحزام والطريق في 148 بلدا، مع تصدير رأسمالي اجمالي بنحو 178 مليار دولار في ذلك العام. امثلة تشمل سكة حديد اديس ابابا، جيبوتي، وميناء جوادر في باكستان. هذه المشاريع غالبا ما تتضمن عمالة محلية وتعاونا، لا سيطرة مباشرة او هيمنة استعمارية.
مع وجود مخاوف بشأن استدامة الديون والتأثير السياسي، يبقى نهج الصين مختلفا عن التقليد الاستعماري الغربي. انه نموذج يجمع بين تصدير رأس المال ومصالح الدولة واهداف التنمية، شكل معقد من التدويل الحديث الموجه من الدولة.
4. تشكيل احتكارات وكارتلات دولية: الصين تشارك بنشاط في منظمات دولية مثل بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، لكن هذه ليست بهدف تقسيم العالم بين احتكارات رأسمالية كما وصف لينين.
هي تعمل كمنصات لتحدي الهيمنة الغربية وتعزيز التعددية والتعاون الاقليمي ونظام عالمي متعدد الاقطاب. انخراط الصين في هذه المنظمات يستهدف الاستقلال السياسي والاقتصادي اكثر من تأسيس تحالفات احتكارية عالمية.
مع ان الصين تنافس الشركات الغربية متعددة الجنسيات، فان شركاتها لا تعمل ككتلة احتكارية منسقة تتحكم عالميا بالاسعار والاسواق. استراتيجيتها تركز على بناء روابط اقتصادية، عبر مبادرة الحزام والطريق واتفاقات مثل RCEP، لا على السيطرة على الاسواق العالمية عبر كارتلات رأسمالية.
امثلة من دول مثل باكستان وكينيا وسريلانكا تظهر ان الصين توسع نفوذها عبر التعاون والاستثمار، لا عبر بنية تحالفات احتكارية بالمعنى اللينيني.
5. تقسيم العالم بين القوى الامبريالية: لم تشارك الصين في التقسيم الاستعماري الكلاسيكي للعالم، وهي تسعى بدل ذلك الى اعادة تشكيل النظام الدولي لصالح دول نامية. بصفتها ضحية سابقة للاستعمار، مثل حروب الافيون والغزو الياباني، لم تتبع الصين النموذج الاوروبي للغزو الاقليمي. نفوذها ينمو اساسا عبر مبادرات اقتصادية مثل برنامج الحزام والطريق وشراكات استراتيجية، لا عبر حروب استعمارية او احتلالات مباشرة.
مع ان الصين قوة عسكرية صاعدة وتحافظ على مصالحها في بحر الصين الجنوبي، فهي لم تؤسس شبكة عالمية من القواعد العسكرية كما لدى الولايات المتحدة. لديها اليوم قاعدة رسمية خارجية واحدة فقط، في جيبوتي، اساسا لمكافحة القرصنة واغراض انسانية.
مشاريع الصين في افريقيا واسيا واميركا اللاتينية تركز على التعاون الاقتصادي والاستثمار، لا على الاستيلاء على الاراضي او الموارد. في افريقيا تعد الصين اكبر مستثمر اجنبي وقد ضخت اكثر من 155 مليار دولار استثمارات بين 2000 و2021. هذا يمثل شكلا حديثا من النفوذ، لكنه يختلف عن فكرة لينين عن عالم مقسم بين امبراطوريات استعمارية.
الصين تشارك في تقسيم جديد للعالم قائم على الاقتصاد، لكن دون استعمار كلاسيكي او توسع اقليمي.
استنادا الى اطار لينين يختلف انخراط الصين العالمي عن النموذج الامبريالي الكلاسيكي. التركيز يقع على التعاون الاقتصادي وتطوير البنية التحتية وبناء نظام عالمي متعدد الاقطاب. مع ذلك يثير صعود القوة الاقتصادية والعسكرية للصين، مع سياسة خارجية اكثر ثقة، قلق الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي.
لذلك ليست الصين قوة امبريالية تقليدية بالمعنى التاريخي عند لينين، لكنها فاعل معقد وديناميكي. عبر تحليل السمات الخمس ل لينين والنظر في سلوك الصين الفعلي على الساحة العالمية نصل الى ان الصين ليست بلدا استعماريا بالمعنى القديم واللينيني. الصين تتبع نموذجا اخر للتقدم العالمي قائم على التعاون واحترام السيادة الوطنية والتقدم المشترك، وهي بعيدة عن انماط الهيمنة والاستعمار والاستغلال التي ميزت الامبريالية القديمة.
## هل يمكن وصف الصين قوة امبريالية وفق التعريف الكلاسيكي للامبريالية؟
جون ايه هوبسون (1858-1940) اقتصادي بريطاني استعمل الماركسيون لاحقا نظريته لتفسير توسع الرأسمالية. وفقا لهوبسون تنبع الامبريالية اساسا من فرط الانتاج وضعف الاستهلاك في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة، ما يدفعها للبحث عن اسواق وموارد جديدة في الخارج عبر الهيمنة السياسية والعسكرية.
لتقييم ما اذا كانت الصين امبريالية بمعنى هوبسون ننظر في المعايير التالية:
1. البنية الاقتصادية وتراكم رأس المال: اعتبر هوبسون ان الامبريالية تنتج عن عدم امتلاك السكان في الداخل قوة شرائية كافية لامتصاص الانتاج، ما يجبر رأس المال على البحث عن اسواق خارجية.
ادخلت الصين اصلاحات موجهة للسوق في اقتصادها، لكنها تحافظ على دور قوي للدولة عبر شركات مملوكة للدولة وتوجيه استراتيجي للاستثمارات والطلب الداخلي. استراتيجية "الدوران المزدوج" (2020) تتكون من عنصرين مترابطين: دوران داخلي يركز على تقوية الاقتصاد المحلي عبر زيادة الاستهلاك والابتكار والاكتفاء الذاتي في قطاعات رئيسية مثل التكنولوجيا والصناعة، ودوران خارجي يتضمن استمرار التجارة والاستثمار مع الخارج بهدف تقليل الاعتماد على الاسواق والتقنيات الخارجية.
الصين تمتلك اقتصادا موجها من الدولة، لا نظاما رأسماليا خاصا مع فرط تراكم. الصين تركز على النمو الداخلي بدل الاستغلال الاستعماري.
2. الاستثمارات الخارجية مقابل السيطرة السياسية: امبريالية هوبسون تتضمن سيطرة سياسية مباشرة، مستعمرات وتدخل عسكري. الصين تستخدم في الاساس وسائل اقتصادية، مبادرة الحزام والطريق، اكثر من القوة العسكرية. وفق هوبسون تدفع الامبريالية مصالح رأس المال الخاص، بينما السياسة الخارجية للصين موجهة من الدولة، اكثر جيوسياسية من كونها مدفوعة بالربح.
3. التوسع العسكري مقابل النفوذ الاقتصادي: الامبريالية الكلاسيكية مثل الاستعمار البريطاني او الفرنسي كانت تتسم باحتلال عسكري مباشر وسيطرة سياسية. الصين تتبع نهجا مختلفا يعتمد اساسا على وسائل اقتصادية مثل القروض واستثمارات البنية التحتية واتفاقات التجارة، شكل من استراتيجية "القوة الناعمة". حتى اذا امكن انتقاد هذا النهج لانه قد يخلق تبعية، فهو يختلف عن النماذج الامبريالية الكلاسيكية لانه لا يحقق شروطا مثل الغزو الاقليمي او الخضوع السياسي الرسمي التي وصفها هوبسون.
الادعاء بان الصين امبريالية بقدر الولايات المتحدة يتجاهل الوقائع المادية. بخلاف القوى الامبريالية التقليدية لا تخوض الصين حروبا بهدف فرض تغيير انظمة، ولا تمتلك شبكة عالمية من مئات القواعد العسكرية، ولا تستخدم العقوبات الاقتصادية والمقاطعات والحصارات كوسيلة لتقويض دول ذات سيادة.
الامبريالية القديمة في اوروبا والولايات المتحدة كانت قائمة على الهيمنة العسكرية والغزو المباشر واستغلال الموارد والتدخل السياسي، امثلة مثل الاحتلال البريطاني للهند، وهيمنة الولايات المتحدة على افريقيا.
الصين تتجنب استخدام القوة العسكرية لتوسيع نفوذها الاقتصادي، وتحترم استقلال الدول وتمتنع عن التدخل في شؤونها الداخلية، وتستثمر في تطوير البنية التحتية على اساس المنفعة المتبادلة، وتقوي الاقتصادات المحلية بدل تدميرها. على سبيل المثال ان بناء الصين لخط سكة حديد اديس ابابا الى جيبوتي لم يحسن النقل في المنطقة فقط، بل ترك ملكية المشروع بيد الحكومات المحلية بعد اكتماله.
هذا يتناقض بوضوح مع الممارسات الاستعمارية الغربية التي كانت تبني البنى التحتية عادة بهدف السيطرة ونهب الموارد.
## جدول مقارنة بين الصين والولايات المتحدة
خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين لعبت الولايات المتحدة دورا مركزيا في عدد من الانقلابات وتغييرات الانظمة حول العالم، عبر تدخل عسكري مباشر او عمليات سرية لوكالة CIA او دعم جماعات محلية مسلحة. غالبا ما كانت هذه الافعال مدفوعة بمصالح استراتيجية او اقتصادية او ايديولوجية خلال الحرب الباردة وما تلاها تحت عنوان مكافحة الارهاب.
### عصر الحرب الباردة: عمليات سرية وانقلابات معادية للشيوعية
خلال الحرب الباردة (1947-1991) كانت الولايات المتحدة نشطة خصوصا في منع النفوذ الشيوعي عبر دعم انظمة موالية لها او اسقاط حكومات اعتبرت يسارية اكثر من اللازم.
* ايران (1953): عملية اياكس التابعة لـCIA ازالت رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق الذي امم صناعة النفط البريطانية. اعادت الولايات المتحدة وبريطانيا تنصيب الشاه محمد رضا بهلوي لضمان السيطرة الغربية على نفط ايران.
* غواتيمالا (1954): دعمت CIA انقلابا عسكريا ضد الرئيس ياكوبو اربنز الذي هددت اصلاحاته الزراعية مصالح شركة يونايتد فروت.
* الكونغو (1961): دعمت الولايات المتحدة انقلابات ضد باتريس لومومبا، اول قائد منتخب ديمقراطيا، واستبدل به موبوتو سيسي سيكو الذي كان وحشيا لكنه مواليا للولايات المتحدة.
* اندونيسيا (1965): الانقلاب الدموي ضد سوكارنو وحملة مطاردة الشيوعيين حيث قتل بين 500000 ومليون شخص، شيوعيون واثنيون صينيون ومثقفون، في واحدة من اسوأ المجازر في القرن العشرين.
* تشيلي (1973): اسقط الرئيس الاشتراكي سلفادور اليندي في انقلاب عسكري دموي مدعوم من CIA، ما ادى الى ديكتاتورية اوغستو بينوشيه.
### حروب الوكالة والغزوات بعد الحرب الباردة
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي واصلت الولايات المتحدة الانخراط في صراعات النفوذ الخارجية، غالبا تحت شعار "تعزيز الديمقراطية" او "مكافحة الارهاب".
* العراق (2003): الغزو الاميركي للعراق بذريعة كاذبة عن اسلحة دمار شامل ادى الى سقوط صدام حسين واحتلال طويل.
* ليبيا (2011): تدخل بقيادة الناتو، وكانت الولايات المتحدة في مقدمته، ساعد على اسقاط معمر القذافي، ما اطلق الفوضى والحرب الاهلية.
* سوريا (2011 و2024): دعمت الولايات المتحدة جماعات معارضة ضد بشار الاسد، ما فاقم النزاع.
الولايات المتحدة قوة عسكرية عالمية مع شبكة قواعد واسعة وسياسة تدخل مباشر. الصين اقرب الى قوة اقتصادية صاعدة تستخدم ادوات اقتصادية ودبلوماسية لتوسيع نفوذها دون استخدام قوة عسكرية واسعة. هذا هو الفرق الجوهري بين السلوك الامبريالي الكلاسيكي وسلوك الصين.
## هل يمكن وصف الصين امبريالية وفق مفهوم "الامبراطورية" عند نيغري وهاردت؟
يمكن ايضا القول ان الصين لا تنسجم مع مفهوم "الامبراطورية" عند انطونيو نيغري ومايكل هاردت، على الاقل ليس بصورة قاطعة. وفقا لنظريتهما لا تمثل الامبراطورية مشروعا قوميا، بل نظام قوة عالمي لا مركزي وشبكي تتوزع فيه السيادة بين فاعلين عدة مثل:
شركات متعددة الجنسيات. مؤسسات فوق قومية مثل WTO وIMF والبنك الدولي. دول غربية.
وهنا ثلاث اسباب رئيسية تجعل الصين لا تنطبق عليها فكرة Empire بسهولة:
1. الدور المركزي للدولة في الصين يناقض منطق Empire يرى نيغري وهاردت ان الدولة القومية فقدت دورها الاحتكاري في ممارسة السلطة العالمية. في الصين يظهر العكس، الدولة تلعب دورا مهيمنا ومنسقا، عبر: السيطرة على شركات كبرى مملوكة للدولة. التوجيه الاستراتيجي للاستثمارات الخارجية مثل مبادرة الحزام والطريق. تأثير الدولة على السياسة الخارجية والاقتصاد ضمن مشروع واحد متكامل. وهذا يتناقض مع Empire حيث لا تتركز السلطة في مكان واحد.
2. مشروع الصين انتقائي لا كوني Empire يتناول مشروعا معياريا كونيا، نوعا من "نظام عالمي" تسعى فيه قيم مثل حقوق الانسان واقتصاد السوق والديمقراطية الى التعميم. الصين لا تروج لايديولوجيا كونية من هذا النوع. نهجها اكثر براغماتية وانتقائية: لا تصدير لايديولوجيا صريحة. لا اشتراطات للسيطرة السياسية على الدول المتلقية. تركيز على الربح الاقتصادي المتبادل لا على مهمة اخلاقية. هذا يجعل فهم الصين كجزء مدمج من نظام Empire امرا صعبا، لان Empire يتسم بطابعه المعياري العالمي.
3. الصين تقف جزئيا خارج مؤسسات Empire المركزية مع ان الصين تشارك في مؤسسات عالمية كثيرة، فهي كثيرا ما تكون في مواجهة هياكل يهيمن عليها الغرب كما يصفها مفهوم Empire: انشأت الصين مؤسساتها مثل AIIB وBRI بدل اتباع مسار IMF والبنك الدولي. تتحدى الهيمنة الغربية على القواعد العالمية بدل اعادة انتاجها. نموذجها الاقتصادي يعمل كبديل للنيوليبرالية، لا كمدير لها. وفق مفهوم نيغري وهاردت يمكن القول ان الصين تقف خارج نظام Empire او في مواجهته. فهي لا تعمل كجزء مدمج من شبكة لا مركزية، بل كدولة لها اجندتها الخاصة وسلطتها المركزية، دون طموح للاندراج في نظام معياري عالمي كما تمثله Empire.
### استنتاج جزئي
طبقنا ثلاثة تعريفات مختلفة للامبريالية، ووفق هذه التعريفات لا يمكن اعتبار الصين دولة امبريالية.
## ما هي الصين؟
الماركسيون الغربيون، بحكم وجودهم في مجتمعات رأسمالية متقدمة، انشغلوا بدرجة اقل بكيفية تطوير الاشتراكية عمليا في المجتمعات ما بعد الاستعمار. في المقابل خصص الماركسيون السوفييت جهدا كبيرا لتنظير طريق الدول ما بعد الاستعمار للخروج من الرأسمالية.
"طريق النمو غير الرأسمالي" نظرية ماركسية طورت في الاتحاد السوفييتي في ثلاثينيات وستينيات القرن العشرين، وترتبط خصوصا بمفكرين مثل نيكيتا ايفانوفيتش اولينوفسكي.
تؤكد هذه النظريات ان تلك البلدان تحتاج الى مرحلة وسطية تبني فيها المؤسسات الصناعية التي تشكل اساس المجتمع الاشتراكي، وفي الوقت نفسه تطور المؤسسات الاجتماعية الثقافية والسياسية التي يمكن ان تنمي وعيا انسانيا جديدا. هذه المرحلة الوسطية تتكون من مزيج من عناصر رأسمالية واشتراكية. يمكن وصفها كنوع من NEP طويلة الامد، السياسة الاقتصادية الجديدة، التي تقبل في مرحلة الانتقال بعض آليات السوق قبل قيام اقتصاد اشتراكي مكتمل.
اولينوفسكي لم يكن اقتصاديا فقط، بل مفكرا سياسيا ايضا. انتقد نماذج النمو الرأسمالية التقليدية واقترح حلولا بديلة يمكن تطبيقها في البلدان ما بعد الاستعمار التي لا تريد السير في طرق التطور الرأسمالية القائمة. وفق الماركسية الكلاسيكية يفترض ان تمر المجتمعات بمرحلة رأسمالية لبناء قوى الانتاج قبل الوصول للاشتراكية. اولينوفسكي جادل بان دول العالم الاستعماري والهامشي يمكنها تجاوز المرحلة الرأسمالية عبر تلقي دعم تقني واقتصادي من دول اشتراكية قائمة مثل الاتحاد السوفييتي.
يمكن تلخيص عناصر نظريته الرئيسية كما يلي:
1. الاستقلال عن الاقتصاد العالمي الرأسمالي: رأى اولينوفسكي ان دول العالم الثالث لا يجب ان تتبع بالضرورة نموذج التطور الرأسمالي. يمكنها ايجاد طريقها الخاص الذي لا يعتمد على الصادرات الرأسمالية والاسواق الرأسمالية.
2. دور الدولة في الاقتصاد: شدد اولينوفسكي على اهمية دولة قوية تستطيع توجيه الاقتصاد وتخطيطه بما ينسجم مع اهداف البلد بعيدة المدى ومصالحه. دعا الى رقابة مركزية اكبر على الاقتصاد.
3. توجه اشتراكي: اقترح نموذجا يستفيد من بعض الاليات الرأسمالية، لكنه ينطلق من مبادئ اشتراكية تركز على المساواة الاجتماعية والملكية الجماعية لوسائل الانتاج.
4. التحول الثقافي والاجتماعي: جزء مهم من نظريته كان التأكيد على ضرورة التغيير الاجتماعي والثقافي كجزء من عملية التطور. النمو الاقتصادي لا يتحقق دون تغييرات عميقة في بنية المجتمع وقيمه.
بشكل عام كانت نظرية اولينوفسكي محاولة للبحث عن بدائل للرأسمالية، وتعزيز نموذج تطور اقتصادي ملائم للظروف الفريدة في البلدان التي لا تستطيع او لا تريد اتباع مسارات التطور الرأسمالية المعروفة. افكاره كانت ذات صلة خاصة بمجتمعات ما بعد الاستعمار التي سعت لطريق مستقل ومستدام للنمو.
وفقا لهذا النموذج تزداد فرص نجاح طريق النمو غير الرأسمالي عندما تتركز السلطة السياسية لدى الطبقة العاملة وطليعتها، الحزب الشيوعي. هذا التركيز يضمن ان التطور يسير وفق مبادئ اشتراكية ولا ينحرف نحو انتكاسات رأسمالية او اقطاعية.
تؤكد النظرية ان حزبا شيوعيا قويا ومنضبطا ضروري من اجل:
1. تعبئة السكان وراء التصنيع والتحول الاشتراكي. 2. مواجهة النزعات الرأسمالية التي قد تظهر خلال المرحلة الانتقالية. 3. تنسيق التخطيط الاقتصادي دون فوضى السوق وعدم كفاءته. 4. ضمان ان يخدم التطور مصالح الشعب لا مصالح نخبة جديدة.
هذا النهج يختلف عن الاصلاحية الاجتماعية الديمقراطية وعن نظريات الثورة العفوية، لانه يصر على ان المجتمع لا يتجنب افخاخ الرأسمالية ولا يحقق تطورا اشتراكيا حقيقيا الا عبر عملية واعية يقودها الحزب.
النموذج الصيني والفيتنامي للاشتراكية يجرب اصلاحات اقتصادية اكثر ضبطا تشبه افكار اولينوفسكي.
## دور اليسار وسوء التحليل في النقاش الراهن
كتب ماركس في "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت" (1852): "احداث التاريخ الكبرى وشخصياته تقع، كما لو كان، مرتين... المرة الاولى كمأساة، والمرة الثانية كمهزلة."
في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين طور جزء من اليسار الراديكالي نظرية تقول ان الاتحاد السوفييتي كان "امبرياليا اشتراكيا"، اي دولة اشتراكية تعمل عمليا كقوة امبريالية. مفهوم الامبريالية الاشتراكية كانت له عواقب مأساوية على النضال المناهض للامبريالية عالميا، وقوض الدولية الاشتراكية الحقيقية للاتحاد السوفييتي، ومنها دعمه لفيتنام وكوبا وحركات التحرر في افريقيا، ومقاومته للامبريالية. هذا الادعاء لم يكن خاطئا فقط، بل كان ضارا بشكل فعال بالنضال المناهض للامبريالية على مستوى العالم. الاتحاد السوفييتي دعم حركات التحرر والانظمة التقدمية في العالم كله:
* افريقيا: ANC في جنوب افريقيا، MPLA في انغولا، FRELIMO في موزمبيق. * اميركا اللاتينية: كوبا، الساندينيون في نيكاراغوا، مجموعات ثورية في السلفادور. * اسيا: فيتنام خلال الحرب، منظمة التحرير الفلسطينية PLO، حكومات تقدمية في الهند والشرق الاوسط. * مناهضة الاستعمار: ضغط الاتحاد السوفييتي على الامم المتحدة لادانة الفصل العنصري والقوى الاستعمارية.
كل هذا تم دون دافع ربحي. الدعم السوفييتي جاء عبر السلاح والمساعدات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي، لا عبر الاستغلال.
عندما اتهم البعض الاتحاد السوفييتي بانه امبريالي مثل الولايات المتحدة:
* جرى التقليل من التهديد الامبريالي الحقيقي القادم من الغرب الذي هيمن فعلا عبر الحروب والحصارات والضغط النيوليبرالي. * ضعفت التضامنات مع حركات التحرر التي اعتمدت على الدعم السوفييتي. * خدم ذلك لعبة الولايات المتحدة عبر خلق التباس حول من هو العدو الحقيقي.
اليوم يبدو تكرار هذه القصة اقرب الى مهزلة. عندما يسمي بعضهم الصين اليوم امبريالية فهم يكررون خطأ السبعينيات.
جزء كبير من اليسار الاوروبي يتبنى غالبا مقاربة انتقائية لمفهوم الامبريالية، حيث تقدم انتقادات القوى الغربية مثل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي بطريقة تقلل احيانا من نفوذها العالمي الحقيقي. في الوقت نفسه، بينما تحتفي هذه الاحزاب بمفهوم "multitude" عند نيغري كقوة مضادة لاستغلال الشركات متعددة الجنسيات، تميل الى التقليل من الممارسات الامبريالية المباشرة التي تمارسها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي عبر التدخل العسكري والهيمنة الاقتصادية والتدخل السياسي.
عندما يتعلق الامر بالصين وروسيا تستخدم هذه القوى تعريفا اكثر كلاسيكية، حيث ترتبط الامبريالية بالغزو العسكري او الاقتصادي. على سبيل المثال توصف الافعال العسكرية الروسية في اوكرانيا بالامبريالية، وعندما توسع الصين علاقاتها الاقتصادية مع افريقيا ينظر الى الصين ايضا كقوة امبريالية.
عندما يساوي بعض اليسار الاوروبي بين الصين والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي دون نقد، فهم يخاطرون بدعم اجندة الامبريالية الغربية. الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي كانا خلال عقود اكبر قوتين وراء العسكرة والاستغلال والتدخلات في الجنوب العالمي. الصين كانت في المقابل ثقلا موازنا لهذه الهيمنة عبر دعم التعددية القطبية ومسارات تطور سيادية ومواجهة الهيمنة الغربية.
اليسار الغربي يجب ان يوجه اهتمامه بدل ذلك الى مقاومة توسع الناتو والعدوانية العسكرية للاتحاد الاوروبي. في الوقت نفسه يجب الاعتراف بان بناء الصين لمنظمات تجارة بديلة وبنوك وتعاونات امنية، حتى اذا لم تكن مناهضة للامبريالية بحد ذاتها، يقدم لبلدان الجنوب العالمي بدائل فعلية عن الهيمنة الغربية والتبعية.
وهنا لمحة قصيرة عن كيفية اختلاف بريكس وبنك التنمية الجديد NDB ومنظمة شنغهاي للتعاون SCO جذريا عن مؤسسات غربية مثل البنك الدولي والاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي:
تعاون بريكس الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب افريقيا وعددا من الاعضاء الجدد، يهدف اساسا الى خلق ثقل متعدد الاطراف مقابل مجموعة السبع والنظام العالمي الغربي الاوسع. بريكس يركز خصوصا على تعاون الجنوب مع الجنوب، وزيادة التجارة بالعملات المحلية، وتطوير قنوات تمويل بديلة لتقليل الاعتماد على الدولار الاميركي.
بنك التنمية الجديد، وغالبا يسمى بنك بريكس، انشئ لتمويل البنية التحتية والتنمية المستدامة في الدول الاعضاء والجنوب العالمي. وهو يختلف بوضوح عن البنك الدولي وصندوق النقد عبر: تجنب الشروط السياسية وعدم فرض اصلاحات نيوليبرالية على المقترضين. تقديم قروض بالعملات المحلية لتقليل هيمنة الدولار. ضمان مساواة نسبية في حق التصويت بين الدول الاعضاء، بخلاف صندوق النقد والبنك الدولي حيث تمتلك الدول الغربية نفوذا غير متناسب عبر حق النقض.
منظمة شنغهاي للتعاون SCO منظمة اقليمية تجمع دولا مثل الصين وروسيا والهند وايران حول اهداف مشتركة للتعاون الامني والاقتصادي في المجال الاوراسي. بخلاف الناتو والاتحاد الاوروبي ف انها: ليست تحالفا عسكريا، وتركز على مكافحة الارهاب والتهديدات السيبرانية وامن الطاقة. تعارض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، اشارة واضحة ضد التدخلية الغربية. تهتم بالتكامل الاقتصادي دون اشتراط اتحاد سياسي كما في الاتحاد الاوروبي. مع ان هذه المؤسسات ليست فوق النقد، فهي تمثل بديلا نظاميا فعليا للنظام العالمي الغربي.
## خاتمة
بعد مراجعة معايير لينين الخمسة للامبريالية ومقارنة انخراط الصين العالمي بالاستعمار الكلاسيكي وبمفهوم "الامبراطورية" لدى نيغري وهاردت، تكون الخلاصة واضحة: الصين لا تحقق تعريف القوة الامبريالية. مع ان الصين تمارس نفوذا اقتصاديا وجيوسياسيا متزايدا، يحدث ذلك عبر نموذج موجه من الدولة ويركز على التعاون، لا عبر الاستغلال او التوسع العسكري او رأس المال الاحتكاري الخاص.
من المشروع انتقاد سياسات الصين في مجالات مختلفة، لكن وضعها في الفئة نفسها مع القوى الامبريالية الغربية تحليل ضعيف، وخطأ يخدم في النهاية القوى التي يفترض باليسار مقاومتها.
وصف الصين بالامبريالية يتجاهل الفروق الاساسية بين الهيمنة الرأسمالية الغربية ودور الصين كثقل موازن للنظام النيوليبرالي العالمي. بالنسبة لليسار المناهض للامبريالية من الضروري التمييز بين قوى امبريالية فعلية، الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، وبين دول مثل الصين تقدم بدائل للهيمنة الغربية. فقط عبر فهم دقيق لتوازنات القوة العالمية يمكننا محاربة الامبريالية بصورة مبدئية.
## قائمة المراجع
### المراجع الاولية
لينين، ف. ا. (1917). الامبريالية، اعلى مراحل الرأسمالية. هوبسون، ج. ا. (1902). Imperialism: A Study. نيغري، ا. وهاردت، م. (2000). Empire. اولينوفسكي، ن. ا. (ستينيات القرن العشرين). نظريات عن التطور غير الرأسمالي.
### المراجع الثانوية
امين، س. (2013). The Implosion of Contemporary Capitalism. اريغي، ج. (2007). Adam Smith in Beijing: Lineages of the Twenty-First Century. لي، م. (2008). The Rise of China and the Demise of the Capitalist World Economy. فان دير بايل، ك. (2006). Global Rivalries: From the Cold War to Iraq. هوي، و. (2016). China’s Twentieth Century: Revolution, Retreat and the Road to Equality. هارفي، د. (2003). The New Imperialism.
### مصادر اخرى
البنك الدولي وصندوق النقد الدولي (2020-2024). بيانات عن الاستثمارات العالمية والديون. SIPRI Yearbook (2024). الانفاق العسكري وصادرات السلاح. China Africa Research Initiative (CARI) (2023). مشاريع الحزام والطريق في افريقيا. وزارة الدفاع الاميركية (2023). التقرير السنوي عن القوة العسكرية الصينية. اعمال نقدية حول الامبريالية الغربية. تشومسكي، ن. (1999). The New Military Humanism: Lessons from Kosovo. بارينتي، م. (1995). Against Empire. Monthly Review (2023). "Is China Imperialist?" مائدة مستديرة. Jacobin Magazine (2022). "The Left’s China Debate: Anti-Imperialism´-or-Critical Support?" ************* https://arbejderen.dk/teori/er-kina-et-imperialistisk-land/
#علي_هانسن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هل الصين دولة امبريالية؟
المزيد.....
-
تقرير حول أشغال المجلس الإقليمي لفرع حزب التقدم والاشتراكية
...
-
نداء الحرية والكرامة لقطاع المحاماة لحزب التقدم والاشتراكية
...
-
مصادر: ترامب يدرس توجيه ضربات عسكرية لإيران لتحفيز الاحتجاجا
...
-
العمال ويناير.. الجانب المهمل من السردية
-
Water, Power, and Soil
-
Crossing the Border . . . Into Sanity
-
Sabotage in Aleppo: Liquidation? Or a Democratic Solution?
-
TACO Time or Wartime? Examining Trump’s Latest Threats
-
Venezuela and Iran: Oil and Survival
-
فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب يتقدم بمقترح لتطوير قان
...
المزيد.....
-
هل الصين دولة امبريالية؟
/ علي هانسن
-
كراسات شيوعية (الصراع الطبقي والدورة الاقتصادية) [Manual no:
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
موضوعات اللجنة المركزية المقدمة الى الموتمر 22 للحزب الشيوعي
...
/ الحزب الشيوعي اليوناني
-
الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو
/ غابرييل هيتلاند
-
فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم
...
/ مايكل جون-هوبكنز
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
-
روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية
/ إلين آغرسكوف
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
/ رزكار عقراوي
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
/ رياض الشرايطي
-
التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع
...
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|