|
|
من -العياش- إلى -الزلايجي- تحولات الوطنية في المغرب المعاصر.
محمد واكنيم
الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 07:51
المحور:
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
تمثل التحولات السوسيو-سياسية والنمذجة الهوياتية في المغرب المعاصر مختبراً غنياً لدراسة كيفية تشكل الوعي الجمعي من خلال اللغة الرقمية والمصطلحات الاحتجاجية. إن بروز مصطلحي "العياش" و"الزلايجي" ليس مجرد ظاهرة لغوية عابرة في منصات التواصل الاجتماعي، بل هو تجلٍ لعملية "زحزحة تكتونية" في بنية القومية المغربية والولاء السياسي. يعكس هذان المصطلحان صراعاً عميقاً بين النزعة المحافظة المدافعة عن الاستقرار والمؤسسات، وبين النزعات الاحتجاجية الساعية للتغيير، وفي الوقت نفسه، يجسدان انتقال الصراع من الميدان السياسي التقليدي إلى الفضاء السيبراني وحروب الهوية العابرة للحدود. شهد الخطاب العمومي في المغرب خلال العقدين الأخيرين بروز مفاهيم وتوصيفات جديدة، وُلدت في الفضاء الاجتماعي والسياسي قبل أن تستقر في التداول الرقمي اليومي. ومن بين هذه المفاهيم، يبرز مصطلحا "العياش" و"الزلايجي" بوصفهما أكثر من مجرد نعوت دارجة أو أدوات للتجريح المتبادل، بل باعتبارهما مؤشرين سوسيولوجيين على تحولات عميقة في أنماط التعبير عن الوطنية والولاء والانتماء في المغرب المعاصر. ففي سياق ما بعد 2011، ومع تصاعد الاحتجاجات الاجتماعية وتراجع الثقة في الوسائط السياسية الكلاسيكية، ظهر مفهوم "العياش" كآلية خطابية لوصم نمط من الوطنية المؤسساتية التي تقوم على تقديس الاستقرار ونزع الشرعية عن النقد. غير أن التحولات الإقليمية، وصعود المنصات الرقمية، واحتدام ما يمكن تسميته بـ"حروب الذاكرة" مع الجوار، والاعتراف الثقافي، أفرزت خلال السنوات الأخيرة نمطًا جديدًا من الوطنية، تجسده شخصية “الزلايجي”، التي لا تكتفي بالدفاع عن الدولة، بل تنخرط في معارك رمزية وهوياتية لإعادة بناء السردية الوطنية وفرضها في الفضاء الرقمي العابر للحدود. أنطلق في نصي هذا من فرضية أساسية مفادها أن الانتقال من "العياش" إلى "الزلايجي" لا يعكس مجرد تطور لغوي أو تبدل في أدوات التعبير، بل يكشف عن تحول بنيوي في تصور الوطنية ذاتها؛ من وطنية ترتكز على منطق الولاء المؤسساتي والخوف من الفوضى، إلى قومية هوياتية رقمية تحركها هواجس الاعتراف والسيادة الرمزية. وعليه، أسعى إلى تحليل هذين المفهومين في سياقهما التاريخي والسوسيولوجي، ومساءلة طبيعة العلاقة بينهما: هل نحن أمام قطيعة حقيقية، أم أمام إعادة تشكّل للولاء التقليدي في لباس رقمي جديد؟ 1- العياش: الوطنية المؤسساتية وسوسيولوجيا الولاء: يرتبط مفهوم "العياش" في التداول العمومي المغربي بنمط خاص من التعبير عن الوطنية، يمكن توصيفه بما يُسمّى الوطنية المؤسساتية، أي تلك التي تستمد مشروعيتها أساسًا من شرعية الدولة واستمراريتها، وتضع الاستقرار في مرتبة أعلى من النقد والمساءلة. ورغم الطابع التهكمي الذي اكتسبه المصطلح في الخطاب الاحتجاجي، فإن تحليله سوسيولوجيًا يكشف عن بنية ولاء أعمق وأكثر تعقيدًا من مجرد "التأييد الأعمى للسلطة". لغويًا، يُشتق مصطلح "العياش" من عبارة "عاش الملك"، وهي صيغة هتاف تاريخية ارتبطت بالمناسبات الوطنية وبطقوس التعبير عن الانتماء والولاء للسلطة المركزية. وقد شكّل هذا الهتاف، لعقود طويلة، فعلًا جماعيًا ذا دلالة توحيدية، يعكس ما يمكن تسميته بـالإجماع الرمزي حول الدولة بوصفها ضامنًا للاستقرار والوحدة. غير أن التحول المفصلي الذي عرفه المغرب مع حراك 2011 (20 فبراير)، وما رافقه من تصاعد الخطاب الاحتجاجي، أدى إلى ما يسميه علم الاجتماع الثقافي بـإعادة الدلالة (Resignification). حيث كان المحتجون يواجهون تظاهرات مضادة ترفع صور الملك وتهتف بحياته. في تلك اللحظة، بدأ الربط بين "العياش" في المغرب وبين مفاهيم مثل "البلطجية" في مصر أو "الشبيحة" في سوريا. كان الغرض من إطلاق هذا الوصف هو "نزع الشرعية" عن الخصم السياسي وتصويره كأداة بيد السلطة (المخزن) للبطش بالمحتجين وعرقلة مسار التغيير. ففي هذا السياق، انتقل "العياش" من كونه تعبيرًا إيجابيًا عن الوطنية إلى كونه وصمًا اجتماعياً (Stigma) يُطلق على الأفراد الذين يُنظر إليهم باعتبارهم غير قادرين أو غير راغبين في ممارسة النقد السياسي. انتقل المصطلح من الفضاء العام في المدن الكبرى إلى سياق أكثر خصوصية وتوتراً في إقليم الحسيمة خلال "حراك الريف". هنا، لم يعد "العياش" مجرد موالٍ سياسي، بل أصبح يُنظر إليه كطرف في مواجهة ميدانية مباشرة. يروي ناشطون سياسيون تجاربهم مع "العياشة" الذين كانوا يتدخلون لفض الوقفات التضامنية مع الحراك، وأحياناً ما كان ذلك يتم بإيعاز أو بتنسيق مع رجال السلطة. لقد أدى هذا الاستقطاب إلى تعميق الهوة بين خطاب "الحق في الكرامة والعدالة الاجتماعية" وبين خطاب "الدفاع عن الثوابت والاستقرار". ومع ذلك، حدث تحول مثير للاهتمام عندما حاول بعض الموالين للنظام "استرداد" المصطلح وتحويله من تهمة إلى وسام فخر، وانتشر وسم "#عياش_وأفتخر" كرد فعل دفاعي يؤكد أن الولاء للملك هو ضمانة بقاء الدولة. هكذا، لم يعد المصطلح يصف فعلًا، بل أصبح يحيل إلى هوية رمزية سلبية داخل الصراع الخطابي. الأمر الذي يجعل من الممكن رصد عدد من السمات البنيوية التي تميز هذا النمط من الوطنية وخطابه: أولًا، الرؤية الأبوية للدولة: إذ يُنظر إلى الدولة باعتبارها كيانًا أبويًا، لا يُنكر وجود اختلالات داخله، لكن يُفترض التعامل معها بالصمت أو المعالجة الداخلية، لا بالنقد العلني. في هذا الإطار، يُعاد تأطير الاحتجاج لا بوصفه حقًا سياسيًا، بل كخطر محتمل على السلم الاجتماعي. ثانيًا، منطق المقايضة بين الأمن والحرية: يقوم خطاب "العياش" على معادلة ضمنية مفادها أن الحفاظ على الاستقرار يبرر القبول بنقص الحريات أو تأجيل الإصلاحات. وهي معادلة تتقاطع مع ما وصفه ماكس فيبر بالشرعية التقليدية، حيث يُقبل النظام السياسي ليس لأنه عادل بالضرورة، بل لأنه مألوف ويضمن الاستمرارية. ثالثًا، نزع الشرعية عن الفاعل الاحتجاجي: لا يواجه "العياش" الخطاب المعارض بالحجج السياسية بقدر ما يواجهه أخلاقيًا، عبر اتهامه بإثارة الفتنة أو خدمة أجندات خارجية. وهنا يتحول الولاء إلى أداة للعنف الرمزي، بالمعنى البورديوني، حيث يُفرض تصور معين للوطنية بوصفه التصور "الطبيعي" أو "العقلاني". من هذا المنظور، لا يمكن اختزال "العياش" في كونه مجرد فرد أو فئة اجتماعية، بل ينبغي فهمه كـموقع خطابي داخل الحقل السياسي المغربي. فهو يمثل آلية دفاع اجتماعي في لحظات القلق الجماعي، حيث يصبح الخوف من الانهيار أو الفوضى دافعًا لتفضيل الصمت والاستمرارية على التغيير والمخاطرة. غير أن هذا النمط من الوطنية، رغم قوته الرمزية، يحمل في داخله حدودًا بنيوية، إذ إنه يفقد قدرته على الإقناع كلما انتقل الصراع من المجال الداخلي إلى مجالات جديدة، خصوصًا تلك المرتبطة بالهوية والاعتراف والتمثيل الرمزي، وهي المجالات التي ستُفرز لاحقًا نموذجًا مغايرًا للوطنية، يتمثل في شخصية "الزلايجي". يطرح الصحفي والمحلل عبد الله ترابي فكرة مثيرة للاهتمام حول ما يسميه "تغير تكتوني" في الوعي المغربي مع بداية القرن الحادي عشر (تاريخياً) وما تلاه من تمثلات حديثة، وهي بروز "فكرة الإمبراطورية". هذه الفكرة تعني بناء كيان له طموح لتوحيد البلاد سياسياً ومذهبياً وثقافياً حول رموز مركزية وقوية. فإن "العياش" و"الزلايجي" هما في الحقيقة تجليات لهذه "القومية الإمبراطورية" الجديدة. فبينما يركز "العياش" على البعد السياسي والولاء للعرش كعماد للإمبراطورية، يركز "الزلايجي" على البعد الثقافي والتراثي الذي يميز هذه الإمبراطورية عن جيرانها. 2- الزلايجي: القومية الرقمية وحروب الذاكرة يشير حسن رشيق في دراساته حول "المغرب القروي" إلى تحول جذري في بنية الأسرة المغربية من "وحدة إنتاجية" تعتمد على العمل الجماعي والأرض (نظام الإخماسن) إلى "وحدة استهلاكية" تعتمد على الأجور والخدمات. هذا الانتقال أضعف الروابط الاجتماعية التقليدية وخلق فراغاً هوياتياً ملأته "القومية الرقمية" الجديدة. فالفرد الذي فقد ارتباطه بالأرض أو بالقبيلة كمصدر للإنتاج، أصبح يبحث عن "هوية بديلة" يجدها في الانتماء لـ "الإمبراطورية المغربية" المتخيلة أو الواقعية. ومن هنا، يصبح "الزليج" أو "القفطان" أو "شعار عاش الملك" بمثابة "روابط رمزية" تعوض فقدان الروابط المادية التقليدية، وهذا ربما يوضح و بقوة ما سوف يغرف بـ "زلايجي". يمثل مفهوم "الزلايجي" مرحلة جديدة في تطور أنماط الوطنية في المغرب، تتجاوز منطق الولاء المؤسساتي نحو ما يمكن تسميته بـالقومية الهوياتية الرقمية؛ فالجيل الجديد من القوميين المغاربة الذين لا يكتفون بالولاء السياسي، بل يمتد نضالهم إلى الدفاع عن "الهوية البصرية" للمغرب من القفطان إلى الزليج وصولاً إلى الطبخ و المعمار. يرى بعض النقاد في هذا التوجه نوعاً من "السطحية الثقافية" التي تختزل حضارة عريقة في مظاهر فلكلورية. ومع ذلك، يرى فيه المدافعون "غيرة وطنية" ضرورية لمواجهة عمليات "السطو" المنظمة على التاريخ المغربي الذي يمتد لأكثر من 12 قرناً. فبعكس "العياش"، الذي يتحدد موقعه داخل الصراع السياسي الداخلي، يتشكل "الزلايجي" في فضاء رقمي عابر للحدود، حيث لم يعد الرهان الأساسي هو الاستقرار السياسي، بل السيادة الرمزية والاعتراف الثقافي. إن "الزلايجي" إذن يعكس حالة من "الانغلاق الهوياتي" الدفاعي الناتج عن الشعور بالتهديد الخارجي. ويشير محللون إلى أن هذا المصطلح استخدم أولاً من قبل الإعلام الجزائري كسبّة في حق المغاربة بعد حادثة قمصان الفريق الوطني الجزائري، قبل أن يتم تبنيه محلياً كعنوان للمقاومة الثقافية. ظهر مصطلح "الزلايجي" في سياق رقمي خاص، اتسم بتصاعد النزاعات حول الملكية الثقافية والتاريخية في الفضاء المغاربي والإقليمي. فقد انتقل الصراع من حدود الدولة الجغرافية إلى ما يمكن تسميته بـالحدود الرمزية، حيث أصبحت عناصر مثل القفطان، الزليج، الطبخ التقليدي، وحتى الفترات التاريخية، موضوعًا لتنازع حاد حول النسب والشرعية. في هذا السياق، لم يعد الدفاع عن الوطن يمر عبر المؤسسات أو الخطاب السياسي الكلاسيكي، بل عبر المشاركة المكثفة في المنصات الرقمية، حيث يتشكل الرأي العام بسرعة، وتُنتَج السرديات في شكل صور، ورسوم، ومقاطع قصيرة. هكذا، برز "الزلايجي" بوصفه فاعلًا رقميًا يتقن منطق الخوارزميات، ويدرك أن الانتصار في المعركة الرمزية يمر عبر الانتشار والتأثير لا عبر العمق التحليلي. بالتالي الخطاب الوطني يتحول من الوطنية الدفاعية إلى القومية الهجومية؛ إذا كانت الوطنية المؤسساتية، كما يجسدها "العياش"، تقوم على منطق الدفاع عن القائم، فإن "الزلايجي" يمثل انتقالًا نحو وطنية هجومية، لا تكتفي بردّ الفعل، بل تسعى إلى إعادة بناء السردية التاريخية والثقافية المغربية وفرضها في الفضاء الرقمي الدولي. يتجلى ذلك في ثلاث سمات أساسية: أولًا، مركزية السيادة الثقافية: فالثقافة، في خطاب "الزلايجي"، ليست مجالًا للتبادل أو التفاعل، بل رصيدًا سياديًا يجب حمايته من "السطو" أو "التشويه". وهو تصور يضع الهوية في موقع الدفاع الوجودي، ويحوّل أي نقاش ثقافي إلى معركة صفرية. ثانيًا، الاستثناء المغربي: يقوم هذا الخطاب على تصور للمغرب بوصفه حضارة قائمة بذاتها، لا يمكن اختزالها في أصل أمازيغي أو انتماء عربي أو إفريقي أو متوسطي أوسع. ورغم أن هذا التصور يجد بعض جذوره في الكتابات التاريخية، إلا أنه يتحول في الخطاب الرقمي إلى أداة إقصائية تُستخدم لنفي شرعية السرديات المنافسة. ثالثًا، التماهي مع الدولة دون وساطة: فـ "الزلايجي" لا ينتظر خطابًا رسميًا كي يدافع عن الوطن، بل يمارس نوعًا من التمثيل الذاتي للدولة في الفضاء الرقمي، أحيانًا بتشدّد يفوق الخطاب المؤسساتي نفسه. وهنا، تنتقل الوطنية من كونها علاقة عمودية مع الدولة إلى علاقة أفقية مع جماعة رقمية متخيلة. فمن منظور نظري، يمكن فهم "الزلايجي" في إطار ما يُعرف بـالقومية الرقمية (Cyber-Nationalism)، حيث تتشكل الهوية الوطنية عبر التفاعل الشبكي، لا عبر المؤسسات التعليمية أو الخطاب الرسمي فقط. فالجماعة الوطنية هنا تُعاد صياغتها باستمرار من خلال التفاعل، الصدام، وإعادة إنتاج السرديات في الزمن الحقيقي. غير أن هذا الشكل من القومية، رغم ديناميته، يحمل توترات داخلية واضحة. فمن جهة، يمنح فئات واسعة من الشباب شعورًا بالتمكين والمشاركة في الدفاع عن الهوية الوطنية؛ ومن جهة أخرى، يميل إلى الراديكالية الهوياتية، حيث يُختزل النقاش في ثنائيات حادة (نحن/هم، أصيل/مزوّر، وطني/عدو). هنا تكمن المفارقة الأساسية في خطاب "الزلايجي" في كونه يوسّع دائرة الوطنية من حيث الانتشار والتأثير، لكنه يضيّقها من حيث القبول والاختلاف. فحين تتحول الهوية إلى معيار وحيد للشرعية، يصبح أي صوت نقدي أو مقاربة أكاديمية مختلفة عرضة للتخوين أو الإقصاء، حتى وإن صدرت من داخل الحقل الوطني نفسه. وعليه، فإن "الزلايجي" لا يمثل فقط تحوّلًا في أدوات التعبير عن الوطنية، بل يكشف عن توتر بنيوي بين الهوية والنقد، وهو توتر سيغدو أكثر وضوحًا عند مقارنة هذا النموذج بنموذج "العياش"، في إطار سؤال الاستمرارية أو القطيعة بينهما. 3- من “العياش” إلى “الزلايجي”: القطيعة أم إعادة التشكّل؟ يطرح الانتقال من نموذج "العياش" إلى نموذج "الزلايجي" سؤالًا سوسيولوجيًا مركزيًا حول طبيعة التحولات التي عرفتها الوطنية في المغرب المعاصر: هل نحن أمام قطيعة بنيوية بين نمطين متعارضين من الولاء، أم أمام إعادة تشكّل للمنطق نفسه في سياق اجتماعي ورقمي جديد؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من تجاوز المقاربة الانطباعية، واعتماد تحليل مقارن يأخذ بعين الاعتبار الفضاء، والخطاب، ووظيفة كل نموذج داخل الحقل الاجتماعي. أ- اختلاف الفضاء: من المجال الداخلي إلى المجال العابر للحدود: يتحدد "العياش" أساسًا داخل الفضاء السياسي الداخلي، حيث يكون الرهان هو الحفاظ على الاستقرار ومواجهة التوترات الاجتماعية والسياسية ذات الطابع المحلي. أما "الزلايجي"، فيتشكل داخل فضاء رقمي عابر للحدود، لا تعود فيه الدولة الوطنية هي الإطار الوحيد للصراع، بل تصبح جزءًا من شبكة أوسع من السرديات المتنافسة. هذا الانتقال من الداخل إلى الخارج يعكس تحوّلًا في طبيعة القلق الجماعي: لدى "العياش"، يتمحور القلق حول الخوف من الفوضى والانهيار. لدى "الزلايجي"، يتمحور القلق حول الخوف من المحو الرمزي وفقدان الاعتراف. ب- اختلاف الخطاب: من الطاعة إلى السردية على مستوى الخطاب، يقوم نموذج "العياش" على منطق الطاعة الضمنية وتفويض الدولة في احتكار تعريف الوطنية. فالخطاب هنا دفاعي، يُعرّف ذاته أساسًا من خلال نفي الآخر المحلي الاحتجاجي وتجريده من الشرعية. في المقابل، يعتمد "الزلايجي" على منطق إنتاج السردية. فهو لا يكتفي بترديد خطاب جاهز، بل ينخرط في إعادة كتابة التاريخ، وإعادة تأويل الرموز، وبناء روايات مختصرة وقابلة للتداول الرقمي. وهنا، تتحول الوطنية من موقف إلى مشروع سردي، ومن قناعة صامتة إلى أداء علني دائم. ج- اختلاف الخصم: من المعارض الداخلي إلى الآخر الخارجي يُعرّف "العياش" ذاته في مواجهة الخصم الداخلي: المحتج، الناشط، أو صاحب الخطاب النقدي. أما "الزلايجي"، فيُعرّف ذاته أساسًا في مواجهة خصم خارجي، سواء كان دولة، جماعة، أو سردية تاريخية منافسة. هذا التحول في تعريف "الخصم" يساهم في إعادة ترتيب خريطة الانتماء، حيث يصبح الصراع حول الهوية وسيلة لإعادة إنتاج الإجماع الوطني، لكن على أسس جديدة، أقل ارتباطًا بالمؤسسات وأكثر ارتباطًا بالجماعة الرقمية المتخيلة. يمكن إذن، انطلاقًا مما سبق، صياغة ثلاث فرضيات تفسيرية لطبيعة العلاقة بين المفهومين: الفرضية الأولى "القطيعة": ترى هذه المقاربة أن "الزلايجي" يمثل تجاوزًا لنموذج "العياش"، وأننا أمام وطنية جديدة كليًا، هجومية، رقمية، ومتمركزة حول الهوية بدل الاستقرار. الفرضية الثانية "الاستمرارية": وفق هذا التصور، لا يعدو الزلايجي" كونه إعادة إنتاج لـ"العياش" بأدوات رقمية، حيث يستمر منطق الولاء غير النقدي نفسه، لكن في فضاء مختلف وبخطاب أكثر حدة. الفرضية الثالثة "إعادة التشكّل": و التي تفترض أن "العياش" و"الزلايجي" ليسا في علاقة تعارض، بل في علاقة تحوّل بنيوي. فالمنطق العميق للولاء للدولة لم يختفِ، لكنه أعيد تشكيله ليناسب سياقًا رقميًا، وصراعًا رمزيًا، واحتياجات جديدة للتمثيل والاعتراف. في هذا الإطار، يمكن النظر إلى النموذجين باعتبارهما استجابتين اجتماعيتين لأزمتين مختلفتين؛ أزمة الشرعية السياسية (العياش)، و أزمة الاعتراف والتمثيل الرمزي (الزلايجي). وبذلك، لا يعكس التحول بينهما مسار تطور خطي، بل يكشف عن قدرة الخطاب الوطني على إعادة التشكل وفق طبيعة التهديدات المتصورة في كل مرحلة تاريخية. ختاما، حاولت من خلال هذا المقال تفكيك دلالات مفهومي "العياش" و"الزلايجي" بوصفهما تعبيرين سوسيولوجيين عن تحولات عميقة في أنماط الوطنية في المغرب المعاصر. وقد بيّن التحليل أن هذين المفهومين لا يمكن اختزالهما في كونهما نعوتًا دارجة أو أدوات للتجريح الخطابي، بل يمثلان بنيتين رمزيتين تعكسان استجابات اجتماعية مختلفة لتحولات سياسية وثقافية ورقمية متسارعة. ففي حين يجسد "العياش" وطنية مؤسساتية تقوم على شرعية الاستقرار والخوف من الفوضى (نوليو بحال سوريا)، يعكس "الزلايجي" انتقال الوطنية إلى مجال الهوية والاعتراف، حيث تصبح السيادة الرمزية وحماية السردية الوطنية رهانات مركزية (معرفوناش حنا خطار). ولا يدل هذا الانتقال بالضرورة على قطيعة تامة بين النموذجين، بقدر ما يكشف عن إعادة تشكّل للولاء الوطني في سياق جديد، تتحول فيه أدوات التعبير من الصمت والطاعة إلى الخطاب الرقمي والمواجهة الرمزية. غير أن هذا التحول يطرح بدوره إشكالات جديدة، خصوصًا حين تتحول الهوية إلى معيار وحيد للشرعية، بما قد يؤدي إلى تضييق مجال النقاش النقدي وإقصاء المقاربات الأكاديمية أو الثقافية التي لا تنسجم مع السردية السائدة. فالوطنية، حين تفقد قدرتها على استيعاب الاختلاف، تخاطر بالتحول من إطار جامع إلى أداة ضبط رمزي. وعليه، جل ما أحاوله من خلال هذه الأسطر هو فتح أفقًا بحثيًا أوسع لمساءلة العلاقة بين الدولة، والهوية، والفضاء الرقمي في المغرب، ودعوة إلى التفكير في مستقبل الوطنية في ظل تصاعد القوميات الرقمية وتراجع الوسائط التقليدية للتمثيل السياسي. فالسؤال لم يعد فقط: كيف نُعرّف الوطنية؟ بل: كيف يمكن بناء وطنية قادرة على التوفيق بين الاستقرار، والاعتراف، وحق الاختلاف؟
#محمد_واكنيم (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الجسد الذي يكتب نفسه
المزيد.....
-
ساعة يوم القيامة 2026: العلماء يحددون وقتاً جديداً
-
بعد مرور نحو عام.. تفاصيل جديدة عن اصطدام مروحية عسكرية بطائ
...
-
السعودية.. فيديو ادعاء تحرش والأمن يكشف تفاصيل
-
تصاعد التهديدات ضد طهران مع وصول حاملة طائرات أمريكية إلى مي
...
-
واشنطن تفرج عن أموال فنزويلية وتقارير استخباراتية تشكك في رو
...
-
لعرقلة إعادة انتخابه.. فخاخ نصبها آدامز لخلفه ممداني
-
الديمقراطيون يدفعون لإقالة وزيرة الأمن بعد أحداث مينيسوتا وي
...
-
توماس فريدمان: أمريكا على وشك الانفجار
-
في تصريحات لـCNN.. أول تعليق للنائبة إلهان عمر بعد الهجوم عل
...
-
ترامب يعلق على تقرير بشأن -احتجاز طفل عمره 5 سنوات-
المزيد.....
-
اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون
/ سعيد العليمى
-
الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية
/ نجم الدين فارس
-
ايزيدية شنكال-سنجار
/ ممتاز حسين سليمان خلو
-
في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية
/ عبد الحسين شعبان
-
موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية
/ سعيد العليمى
-
كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق
/ كاظم حبيب
-
التطبيع يسري في دمك
/ د. عادل سمارة
-
كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟
/ تاج السر عثمان
-
كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان
/ تاج السر عثمان
-
تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و
...
/ المنصور جعفر
المزيد.....
|