أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد شعاع نعمة الحسن - لماذا ينزلق الإنسان إلى الوحشية دون اكتراث بضحاياه؟














المزيد.....

لماذا ينزلق الإنسان إلى الوحشية دون اكتراث بضحاياه؟


محمد شعاع نعمة الحسن

الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 18:49
المحور: قضايا ثقافية
    


جذور الوحشية في النفس البشرية.
تكشف نظرية فرويد في بنية النفس البشرية عن مدخل جوهري لفهم هذا الانحدار.
فالنفس، وفق فرويد، تتكون من:
(الهو) بوصفه المستودع البدائي للغرائز والرغبات الحيوانية الساعية إلى الإشباع الفوري دون اعتبار للأخلاق.
ومن (الأنا) الذي يوازن بين هذه الرغبات وواقع العالم.
ومن (الأنا الأعلى) الذي يمثل الضمير الأخلاقي والقيم التي يكتسبها الفرد من المجتمع. في حالة التحرش الجماعي، يحدث انهيار شبه كامل لدور الأنا الأعلى، فيُقمع صوت الضمير، ويُفسح المجال للهو الحيواني كي يتصدر المشهد.
وجود الجماعة يوفر غطاءً نفسيًا قويًا للفرد، فيُسكت صوته الداخلي، ويقنع نفسه بأن المسؤولية موزعة، وأن الذنب لا يقع عليه وحده، فتتحلل القيود التي كانت تكبح السلوك الفردي.

هذا الانهيار يتعزز بآلية نفسية خطيرة تُعرف بنزع الإنسانية، وهي من أكثر المفاهيم التي درسها علم النفس الاجتماعي، لا سيما في أعمال ألبرت باندورا حول (الانفصال الأخلاقي) فالمتحرش يحول الفضيحة ذهنيًا إلى شيء أو موضوع للإشباع.
ومع هذا التحول، تبدأ سلسلة من التبريرات: تشتيت المسؤولية عبر فكرة “الجميع يفعل ذلك" والتبرير الأخلاقي بادعاءات من قبيل “هي استفزتنا"
أو “كانت في المكان الخطأ”، ثم إلقاء اللوم الكامل على الضحية نفسها.

وقد أظهرت دراسة Kteily وBruneau عام 2017 أن نزع الإنسانية يجعل العنف أسهل نفسيًا، لأن الضحية تُدرَك على أنها أقل من إنسان، وبالتالي أقل استحقاقًا للتعاطف.
ولا يمكن إغفال أن بعض مرتكبي الجرائم الجنسية يحملون سمات اضطرابات شخصية واضحة، كما بينت دراسة Porter وزملائه عام 2009، حيث لوحظت لديهم درجات مرتفعة من السيكوباتية، تتجلى في غياب التعاطف، والسطحية العاطفية، والاندفاعية، والقدرة على التلاعب بالآخرين.
غير أن الأخطر من وجود أفراد مختلين هو تأثير الجماعة نفسها، إذ إن الفرد العادي قد يتحول إلى فاعل عنف حين يذوب داخل الحشد.
عالم الاجتماع الجليل (غوستاف لوبون) وصف منذ نهاية القرن التاسع عشر كيف يفقد الفرد في الجماعة عقلانيته وهويته الفردية، وتصبح السلوكيات المتطرفة أكثر تطرفًا، وتنتقل الانفعالات كعدوى. وأيضاً حتى تجربة فيليب زيمباردو في سجن ستانفورد قدمت دليلًا صادمًا على أن أشخاصًا عاديين يمكن أن يتحولوا إلى معذبين قساة عندما يُمنحون سلطة ويعملون ضمن مجموعة.
ويضاف إلى ذلك خلل عميق في بنية المشاعر الأخلاقية، كما توضح نظرية العار والذنب التي طورتها June Tangney.
فالذنب يرتبط بالشعور بأن الفعل كان خاطئًا، ويدفع إلى الإصلاح، بينما العار يرتبط بالشعور بأن الذات كلها سيئة، فيؤدي إلى الدفاع والإنكار. كثير من المتحرشين لا يملكون آلية ذنب ناضجة، أو يحولون العار إلى عدوان موجّه نحو الضحية بدل مواجهته داخليًا.

فلسفياً:
غير أن هذا التفكك النفسي لا يكتمل دون انهيار فلسفي أعمق في العقل الأخلاقي. (إيمانويل كانط) في تأسيسه للأمر المطلق الأخلاقي، شدد على أن الإنسان يجب أن يُعامل دائمًا كغاية في ذاته لا كوسيلة.
التحرش الجماعي يمثل انتهاكًا صارخًا لهذا المبدأ، إذ تُختزل الضحية إلى مجرد أداة لإشباع الرغبة، وتُسلب إنسانيتها وكرامتها بالكامل.
بالنسبة لكانط، الكرامة الإنسانية مطلقة وغير قابلة للتبرير أو المساومة، ولا ظرف يمكن أن يبرر معاملة إنسان كشيء.
جان بول سارتر يذهب أبعد حين يربط هذا السقوط بمسؤولية الحرية. فالإنسان، عنده، محكوم عليه أن يكون حرًا، ومسؤولًا عن كل ما يفعله. لا الغرائز، ولا الضغوط الاجتماعية، ولا الجماعة تعفيه من المسؤولية.
كل محاولة للتنصل هي سوء نية، وخداع للذات، وإنكار للحرية.
الإنسان يختار دائمًا كيف يستجيب لدوافعه، حتى في أقسى الظروف.
وتتلاقى هذه الرؤية مع تحليل (هانا آرنت) لما سمّته تفاهة الشر.
فالشر العظيم، في نظرها، لا يُرتكب دائمًا بدافع شيطاني واعٍ، بل كثيرًا ما ينتج عن توقف الإنسان عن التفكير.
المتحرش الجماعي مثال على هذا الشر التافه: شخص عادي أوقف تفكيره الأخلاقي، وتحول إلى أداة تنفذ ما تمليه الغريزة والجماعة. التفكير، عند آرنت، هو الحصن الأخير للأخلاق، ومن يتخلى عنه يسقط بسهولة في الهاوية.

بينما إيمانويل ليفيناس يعمّق هذا البعد حين يجعل وجه الآخر أساس الأخلاق. وجه الإنسان الآخر ينادينا قبل أي قانون، ويطالبنا بالمسؤولية. حين يُنكر هذا الوجه، وحين يُمحى حضور الآخر بوصفه كائنًا لا نهائيًا، يتحقق جوهر الانحطاط الأخلاقي.
الفيلسوف الألماني نيتشه، الذي تحدث عن إرادة القوة، فيميز بين قوة نبيلة تخلق وتبني دون إنكار الآخر، وقوة منحطة لا تشعر بذاتها إلا عبر إذلال الغير.
التحرش الجماعي، في هذا المعنى تعبيراً عن ضعف وجودي وجبن، إذ يحتاج الفرد إلى جماعة ليجرؤ على الاعتداء.
أرسطو يعتبر السلوك العدائي فشلًا في تربية الفضيلة، التي تُكتسب بالممارسة.
الثقافة الذكورية السامة، كما أظهرت دراسة في دورية The Lancet، تُعزز الهيمنة والعنف.
نظرية باندورا تشير إلى أن العنف يتعلم عبر النمذجة وغياب العقاب.
التحرش يظهر في بيئة تفتقر إلى الضوابط الاجتماعية، وتصنّف النساء لتبرير الاعتداء.
الأعصاب توضح كيف يفقد المعتدي التعاطف ويُفعّل مراكز المكافأة داخل الجماعة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الولاء المزدوج: هل يمكن بناء دولة في ظل ميليشيات عابرة للحدو ...


المزيد.....




- طائرات مقاتلة أردنية تشارك بضرب أهداف داعش في سوريا السبت
- غارات إسرائيلية في غزة والاحتلال يعترف بقتل 3 فلسطينيين
- الجزيرة نت ترصد تفاصيل -مرعبة- لحياة الغزّيين عند -الخط الأص ...
- شاهد.. محتج ينزع العلم الإيراني ويرفع علم ما قبل الثورة بمبن ...
- هذه تفاصيلها.. ترامب يصدر أمرا لإعداد خطة -غزو غرينلاند-
- -كنت أظنّ أنني الأم الوحيدة التي تبحث عن صغيرها، حتى أدركتُ ...
- مع سعي ترامب لاستثمارات بـ 100 مليار دولار، رئيس -إكسون- يصف ...
- ترامب: -إيران تتطلع للحرية... نحن متأهبون للمساعدة-
- بنغلاديش تسعى للانضمام إلى القوة الدولية المقترح نشرها في غز ...
- نيويورك تايمز: لهذا التزم بوتين الصمت عندما تحداه ترامب بالت ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد شعاع نعمة الحسن - لماذا ينزلق الإنسان إلى الوحشية دون اكتراث بضحاياه؟