أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نبراس جعفر اللامي - بين التحرّش ومحاولة الإنقاذ: كيف نقرأ مشاهد الازدحام بعدل ومسؤولية؟














المزيد.....

بين التحرّش ومحاولة الإنقاذ: كيف نقرأ مشاهد الازدحام بعدل ومسؤولية؟


نبراس جعفر اللامي

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 08:14
المحور: قضايا ثقافية
    


المحامية نبراس جعفر اللامي
بروكسل / بلجيكا
في زمن السرعة الإعلامية وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الحدث يُفهم بعمقه، بل يُحاكم غالبًا من خلال مقطع قصير أو صورة مبتورة، تُسقَط عليها تفسيرات جاهزة قبل اكتمال أي تحقيق رسمي. ومن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا السياق هو إطلاق توصيفات جسيمة، كـ«التحرّش الجماعي»، دون قراءة المشهد في سياقه الواقعي والإنساني، ودون فهم علمي لطبيعة الازدحام البشري وما يخلّفه من سلوكيات اضطرارية.
هذا المقال لا يسعى إلى تبرير التحرّش أو التقليل من خطورته، كما لا يهدف إلى تبرئة مذنب إن وُجد، لكنه في المقابل يرفض الظلم المعنوي، ويدعو إلى التمييز بين الجريمة المقصودة ومحاولات النجاة التي قد تبدو فوضوية أو قاسية عند إخراجها من سياقها.
في حالات الازدحام الشديد، يدخل الإنسان في ما يُعرف علميًا بحالة “الازدحام الخطر”، حيث يفقد الفرد السيطرة الكاملة على حركته، ويتحوّل الجمع إلى كتلة بشرية ضاغطة لا تتحرك بإرادة أفرادها. في هذه اللحظات، يضيق النفس، ويختل التوازن، وقد يُرفع الشخص عن الأرض دون قصد، ويصبح الصراخ رد فعل غريزي ناتج عن الخوف والاختناق، لا عن التعرّض بالضرورة لاعتداء متعمّد. هذه حقائق موثّقة في علم السلامة الجماهيرية، وليست افتراضات نظرية.
من هنا، يصبح من الضروري التمييز بين التحرّش بوصفه فعلًا قائمًا على القصد والاعتداء، وبين سلوكيات تنشأ في لحظات الفوضى بهدف النجاة أو إنقاذ الآخرين. التحرّش يتجلّى في اللمس المتعمّد غير الضروري، أو استغلال حالة الازدحام لإيذاء جسدي أو جنسي، أو الإصرار على السلوك رغم مقاومة الضحية، أو غياب أي محاولة لتقليل الخطر. أما محاولات الإنقاذ، فتظهر عادة في السعي إلى رفع الأشخاص ضعيفي البنية فوق مستوى الأرجل، أو سحبهم من الإبطين أو الذراعين لإخراجهم من الكتلة البشرية، أو فتح فراغ حولهم ولو بشكل غير منظم. هذه الأفعال قد تبدو صادمة بصريًا، لكنها في جوهرها محاولات نجاة، وقد تفشل بسبب كثافة الازدحام لا بسبب سوء النية.
التاريخ القريب يقدّم لنا شواهد قاسية على خطورة الازدحام وحده، دون أي نية إجرامية. ففي Hillsborough Disaster وهو ملعب في إنجلترا عام 1989، توفي 96 مشجعًا نتيجة الاختناق والضغط الشديد داخل المدرجات، وأثبتت التحقيقات لاحقًا أن السبب لم يكن عنفًا أو شغبًا، بل سوء تنظيم واكتظاظ قاتل. مشاهد كثيرة من تلك الكارثة أظهرت محاولات يائسة لرفع المصابين فوق الحشود، وهي مشاهد تشبه كثيرًا ما يُساء تفسيره اليوم. الأمر ذاته تكرر في حوادث أخرى، ككارثة ملعب أكرا في غانا عام 2001، وحادثة ملعب كانجوروهان في إندونيسيا عام 2022، حيث حصد الازدحام أرواح العشرات دون وجود اعتداء متعمّد من أفراد بعينهم.
المشكلة لا تقف عند حدود سوء الفهم، بل تتفاقم مع انتشار الأخبار المضلّلة. فعناوين صادمة بلا تحقق، ومقاطع مبتورة، وتناقل غير مهني للمعلومات، كلها عوامل تصنع رأيًا عامًا متسرّعًا قد يظلم أبرياء، ويسيء إلى سمعة مدن ومجتمعات كاملة، ويضع الأجهزة الأمنية تحت ضغط شعبي وإعلامي يربك عملها بدل أن يساعدها في الوصول إلى الحقيقة. التحقق المهني يقتضي انتظار البيانات الرسمية، ومقارنة المصادر، والاستماع إلى شهادة الضحية نفسها إن أمكن، والفصل الواضح بين الرأي الشخصي والخبر المؤكّد.
إن حماية النساء والفتيات واجب أخلاقي وقانوني لا يقبل النقاش، ومحاسبة المتحرّشين ضرورة لا تسقط بالتقادم ولا بالظروف. لكن العدالة الحقيقية لا تُبنى على الانفعال ولا على التعميم، بل على الفهم الدقيق للسياق، والتمييز بين النية والنتيجة، وبين الجريمة والفوضى. فليس كل صراخ دليل اعتداء، وليس كل لمس في زحام جريمة، كما أنه ليس كل ازدحام بريئًا بالضرورة. الحكم العادل هو ذاك الذي يرى الصورة كاملة، لا جزءًا منها.
في النهاية، يبقى الوعي هو خط الدفاع الأول عن المجتمع والضحايا في آن واحد. وعي يرفض التبرير كما يرفض الظلم، ويساند الحقيقة بدل أن يطارد الإثارة. بهذا الوعي فقط، نحمي الإنسان، ونصون العدالة، ونمنح الحقيقة فرصة أن تُقال كاملة.



#نبراس_جعفر_اللامي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين التحرّش ومحاولة الإنقاذ: كيف نقرأ مشاهد الازدحام بعدل وم ...


المزيد.....




- لليوم الثالث على التوالي.. الحوثيون يستهدفون مطارات سعودية و ...
- السفارة الأمريكية لدى إسرائيل ودول الشرق الأوسط تحذر رعاياها ...
- -العين بالعين-.. طيار مصري يثير رعب الإسرائيليين ويرد بتهديد ...
- بـ -محمد- و-الجهاد-.. ترمب يجدد هجومه على عبدول السيد
- 3 سنوات من حرب غزة.. انتفاضة الشارع والجامعات تعمّق عزلة إسر ...
- اليمن مباشر.. سقوط شظايا اعتراضية بالرياض وأنباء عن انفجارات ...
- إيران مباشر.. طهران تتمسك بالتفاوض وترمب يستبعد استئناف العم ...
- مقتل ضابط إسرائيلي وإصابة 5 جنود في حادثين بجنوب لبنان
- نيويورك تايمز: دبلوماسي أمريكي يحجب تقارير تنتقد إسرائيل ويع ...
- لجنة عقوبات اليمن تناقش غداً التقرير النهائي لفريق الخبراء ت ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - نبراس جعفر اللامي - بين التحرّش ومحاولة الإنقاذ: كيف نقرأ مشاهد الازدحام بعدل ومسؤولية؟