|
|
نعوم تشومسكي و علاقته بجيفري ابستين: تأملات شخص عادي
كريس غرين
الحوار المتمدن-العدد: 8574 - 2026 / 1 / 1 - 16:26
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
المصدر: نُشر في الاصل على موقع Z. لا مانع من اعادة النشر على اوسع نطاق.
ظهر نعوم تشومسكي في الاخبار اخيرا لاسباب مثيرة وغير سارة. بالنسبة لي، فان علاقته بجيفري ابستين ليست ذات اهمية كبيرة. كل ما تثبته هذه العلاقة هو ان تشومسكي، الذي يعجز حاليا عن التواصل وبالتالي عن الدفاع عن نفسه بسبب جلطة دماغية اصيب بها قبل عدة سنوات، هو في الجوهر انسان: ليس دائما صاحب حكم صائب بالكامل، ولا يخلو من التناقضات.
ربما انجذب تشومسكي الى دائرة ابستين بسبب التبرعات الضخمة التي قدمها الاخير للبحث العلمي، او سمعته كمستثمر مالي عبقري، او تسهيله وصول تشومسكي الى المعلومات من خلال علاقاته مع شخصيات مثل ايهود باراك. على اي حال، لا يوجد اي دليل يربط تشومسكي باي من الانشطة غير القانونية او الشريرة التي ارتكبها ابستين. فابستين، رغم كونه مفترسا مريضا نفسيا على نحو عميق، كان بلا شك شخصا شديد الذكاء. وربما قدم، من خلال سخريته ونظرته المتشائمة، رؤى حول الكيفية الحقيقية لعمل الطبقة الحاكمة.
لا نعرف حتى الان السياق الكامل ولا محتوى التفاعلات بين تشومسكي وابستين. وبناء على ما نعرفه حاليا، فان هذه التفاعلات تثير لدي مسألة الشرطية الاخلاقية. فجميعنا، ما لم نكن قادرين بطريقة ما على البقاء داخل منازلنا طوال الوقت واعتناق نذر الفقر لحماية عفتنا، مضطرون للارتباط بدرجة ما ببنى اقتصادية وسياسية واجتماعية، وبالاشخاص الذين يمثلونها، وهي بنى شريرة في اساسها وتفرض خيارات اخلاقية بالغة الصعوبة. في هذه المرحلة، لا ارغب في انزال مطرقة الادانة الاخلاقية المطلقة على تشومسكي.
ومع ذلك، وبوصفي شخصا، لا مثقفا مرموقا بل انسانا عاديا نسبيا، تأثر بعمق بتشومسكي، اود ان اغتنم هذه الفرصة لا للغوص في جدل ابستين، بل لتقديم بعض التأملات المتواضعة حول تفاعلي الشخصي مع بعض جوانب ارثه الفكري.
تشومسكي بوصفه مرجعا فكريا
قرأت تشومسكي لاول مرة عندما اشتريت نسخة اصلية من كتاب المثلث المشؤوم من مكتبة بوردرز في وسط مدينة سياتل في تموز 1997. كنت قد تخرجت لتوي من المدرسة الثانوية، وكان ذلك لحظة مفصلية عميقة في حياتي. بعد قراءة ذلك الكتاب، انغمست سريعا في بقية اعماله، وتعرفت على موقع ZNet، منصته الاساسية للنشر. وبفضل تأثير تشومسكي، اصبحت يساريا راديكاليا، ولا ازلت كذلك حتى اليوم.
اليوم، يبدو من الصعب نقل مدى عظمة تشومسكي بالنسبة لكثيرين ممن تشكل وعيهم السياسي، مثلي، خلال حقبة النيوليبرالية في تسعينيات القرن الماضي، ثم خلال المرحلة المظلمة بحق التي اعقبت هجمات 11 ايلول وحرب «مكافحة الارهاب». لقد كان منارة مطلقة للحقيقة والعقلانية في عالم غارق في الظلام، وهو ظلام حاضر اليوم اكثر من اي وقت مضى. وكما شهد كثيرون غيري، فقد بدأت مصادر الكثير من مظالم العالم والظواهر التي بدت غير مفهومة في السياسة الداخلية والخارجية تتضح لي من خلال قراءة تشومسكي. كان يمتلك طريقة بالغة الاقناع في عرض حججه، الى جانب انه كان يلتهم الصحف والكتب والوثائق الحكومية والدوريات بنهم شديد للحصول على معلوماته الاساسية.
وكما قال الاشتراكي الباكستاني الراحل اقبال احمد ذات مرة، فان تشومسكي كان فريدا من نوعه، وبهذا المعنى احب ان اعتقد انه اثر فيّ اكثر من اي شيء اخر، لانه نادرا جدا ما انخدع بالقشرة «التقدمية» التي تقدمها الطبقة الحاكمة الامريكية لتبرير سياساتها الامبريالية او سياساتها الداخلية الاستغلالية. وضرب احمد مثالا على ذلك بعدم انخداع تشومسكي بخطاب «حقوق الانسان» الذي رافق سياسة الرئيس جيمي كارتر الخارجية، والذي كان تشومسكي يعرفه اساسا بوصفه الرئيس الذي سرع الدعم الامريكي لابادة اندونيسيا لشعب تيمور الشرقية.
ان وصوله الى معلومات حيوية لكنها غامضة، وتحليله الرصين والواضح، جعلاه بالنسبة لشخص مثلي مرجعا فكريا حقيقيا. ما زلت اذكر جيدا في اواخر التسعينيات وبدايات الالفية كيف كنت انتظر بشغف ردود تشومسكي على اسئلة مستخدمي منتدى ZNet القديم حول الاحداث الجارية. وعلى مدى سنوات، اغرقته بعدد لا يحصى من الاسئلة، وكان يرد عليّ في الغالب اكثر مما استحق، اذ كنت احيانا مزعجا بعض الشيء.
ان استعداد تشومسكي للتفاعل بصبر مع اشخاص من خلفيات ومستويات تعليمية شديدة التنوع، حتى مع المملين المطولين مثلي، كان سمة لافتة في شخصيته. وكان واضحا انه، بخلفيته العلمية ومعتقداته الاشتراكية التحررية، يرى امكانية التقدم التعليمي والحضاري الحقيقي في كل انسان تقريبا، ويسعى الى تنميتها قدر استطاعته. وكما اقترح مؤخرا كاتب ZNet بول ستريت في تعليق على فيسبوك، فان هذا المنظور ربما كان مصدر قدر من السذاجة في علاقة تشومسكي بابستين، اذ بدا انه يرى «الخير» والامكانية الكامنة في كل انسان، حتى في شخص شرير لكنه، على نحو غريب، ذكي مثل ابستين.
تشومسكي والخمير الحمر: درس شخصي
كان تشومسكي يظهر احيانا امتعاضا عندما يُطلب منه الرد على محاولات تشويه سمعته من قبل ابواق اعلام المؤسسة، وفي احدى المرات كنت انا نفسي هدفا لانتقاده في هذا السياق. وتظهر هذه الحادثة مرة اخرى اتساع استعداده الغريب للتفاعل بصبر مع اي انسان يصادفه.
وقعت الحادثة عام 2013 عندما كرر سلافوي جيجك، الذي ليس بالطبع «بوقا من ابواق المؤسسة» رغم انه قد يستحق اوصافا سلبية مشابهة، المقولة السائدة في اعلام المؤسسة بان تشومسكي (والراحل ادوارد هيرمان) دافعا عن ابادة الخمير الحمر في اواخر سبعينيات القرن الماضي وقللا من شأنها.
في تلك الفترة، وبينما كان تشومسكي يرد بحدة على جيجك، كنت انا امر في الوقت نفسه بمرحلة قصيرة تسببت فيها قراءتي لدعاية يمينية حول مواقف تشومسكي من الخمير الحمر في بعض سوء الفهم لدي. وفي تموز 2013، كتبت في قسم التعليقات على مقال تشومسكي في ZNet، الذي كان يرد فيه على جيجك، بعض الملاحظات التي عكست ذلك سوء الفهم.
فنشر تشومسكي ردا لاذعا نسبيا على تعليقاتي، قال فيه ان ملاحظاتي تمثل عرضا لمدى عمق تأثير نظام التلقين حتى على اشخاص مثلي يحاولون رؤية ما وراء هذا النظام. وكنت، حينها كما اليوم، شخصا بلا اي اهمية تذكر في الصحافة او النشاط السياسي او الاكاديميا او اي مجال معتبر اخر. لم اكتب تعليقاتي بقصد ان يرد تشومسكي عليها. كنت مجرد رجل عاطل عن العمل، مفرط التعليم، يتقدم في العمر، يكتب تعليقات عابرة على موقع ZNet في يوم صيفي خانق من عام 2013. ومع ذلك، اخذ كلماتي على محمل الجد بما يكفي ليكتب ردا مطولا.
وبنبرة صارمة ولكن بتفصيل صبور، شرع في عرض النقاط التي كنت انا نفسي، قبل ارتباكي المؤقت في هذه المسألة، استخدمتها لسنوات في الدفاع عن تشومسكي في منتديات الدردشة على الانترنت ومنصات متواضعة مشابهة، ردا على تهمة تبرير الخمير الحمر. تناول النقاط واحدة تلو الاخرى، مثل ان هيرمان وتشومسكي لم يكونا يدافعان عن ابادة الخمير الحمر، بل كانا يقارنان بين رد فعل الاعلام الامريكي السائد على فظائع الخمير الحمر وبين صمته تجاه الابادة التي ارتكبتها اندونيسيا بدعم امريكي في تيمور الشرقية، فضلا عن تسليطه الضوء على ان القصف الامريكي لكمبوديا بين 1969 و1973 قتل مئات الالاف من سكانها، وحول البلاد الى جحيم غير قابل للحياة، مما خلق الى حد كبير الظروف التي مكنت الخمير الحمر من الوصول الى السلطة.
اعتقد ان هذا السجال يكشف خللا في تفكيري انا. فهو يظهر ان تشومسكي وانا كنا نركز على امرين مختلفين: كنت انا منشغلا بتفاصيل صغيرة تتعلق بما اذا كان هو وهيرمان دقيقين تماما في كل جزئية من تحليلهما لجرائم الخمير الحمر، بينما كان هو يوجه انتباهي الى ما كان ينبغي، بوصفي امريكيا، ان يكون محط تركيزي الاساسي: جرائم الحرب الامريكية المروعة في كمبوديا ودعم الارهاب الدولتي في العالم الثالث.
بعد سنوات، كتبت دفاعي الخاص عن مواقف تشومسكي وهيرمان بشأن الخمير الحمر لصالح مجلة كاونتر بانش.
افكار ختامية
انا ممتن جدا لتشومسكي لانه علمني التفكير النقدي فيما يتعلق بسياسات الطبقة الحاكمة الامريكية. لا اتفق معه في كل ما طرحه يوما، لكن رؤيته الاشتراكية التحررية لانسان متحرر في نهاية المطاف من القهر الاقتصادي، وقادر على ممارسة ما سماه كارل ماركس «الوجود النوعي»، اي القدرة على استخدام العقل لخلق وبناء والتواصل مع الاخرين في حرية كاملة، لا تزال مصدر الهام عميق بالنسبة لي.
ويكتسب هذا الالهام بعدا خاصا لدي بوصفي شخصا مصابا بالتوحد عالي الاداء. لطالما ربطت بين قسم من كتاب الصحفي الليبرالي الراحل ستيف سيلبرمان الصادر عام 2016 عن التوحد، بعنوان NeuroTribes، وبين رؤية تشومسكي التحررية المجيدة. ففي ذلك الكتاب، يصف سيلبرمان كيف توصل ليو كانر، احد رواد البحث في التوحد في منتصف القرن العشرين، الى رؤية اساسية مفادها ان الاشخاص المصابين بالتوحد، الذين كانوا يصنفون في طفولتهم باعتبارهم ذوي اعاقات عقلية شديدة ويحتاجون الى مؤسسات رعاية مدى الحياة، طوروا في كثير من الحالات قدرات فكرية لافتة، بل اصبح بعضهم اكاديميين مرموقين. واكتشف كانر ان هؤلاء الاشخاص تمكنوا من تحقيق ذلك عندما توفرت لهم ظروف من الحرية الواسعة للعيش والتعلم والتواصل وفقا لرغباتهم الخاصة واحتياجات انماطهم العصبية المتنوعة.
وخلاصة القول، ان نعوم تشومسكي قدم اسهاما كبيرا في تشكيل ما امتلكه من ملكة فكرية، وانا ممتن له على ذلك الى الابد. المصدر: https://znetwork.org/znetarticle/noam-chomsky-an-ordinary-persons-reflection/?utm_source=flipboard&utm_medium=flipboard_rss&utm_campaign=znetwork
#كريس_غرين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
نعوم تشومسكي و علاقته بجيفري ابستين: تأملات شخص عادي
المزيد.....
-
رئيس الأرجنتين يسعى لتشكيل تحالف مع 10 دول ضد الاشتراكية
-
الرئيس الأرجنتيني يكشف عن تحالف جديد لمواجهة -سرطان الاشتراك
...
-
خمسة دروس من العام 2025
-
رئيس بلدية نيويورك الجديد زهران ممداني يتعهد بإظهار قدرة الي
...
-
ممداني يتسلم مهامه عمدةً لنيويورك ويراهن على اليسار
-
مقتل 6 على الأقل خلال مواجهات بين متظاهرين وقوات الأمن في إي
...
-
الجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي (إ.م.ش) تتضامن مع فلاحي مولاي
...
-
الثورة الفلسطينية المعاصرة من استراتيجية التحرير الى الطريق
...
-
Seizing an Oil Tanker off Venezuela
-
“Self-Hating Jew, Kapo, What About Hamas?”
المزيد.....
-
نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و
...
/ شادي الشماوي
-
روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية
/ إلين آغرسكوف
-
بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي
...
/ رزكار عقراوي
-
الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا
...
/ رياض الشرايطي
-
التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع
...
/ شادي الشماوي
-
الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل
...
/ شادي الشماوي
-
الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ
...
/ شادي الشماوي
-
في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا
...
/ شادي الشماوي
-
كراسات شيوعية (المادية التاريخية والفنون) [Manual no: 64] جو
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
كراسات شيوعية(ماركس، كينز، هايك وأزمة الرأسمالية) [Manual no
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
المزيد.....
|