أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد الزيري - التحديات التي واجهت الهوية المغربية















المزيد.....


التحديات التي واجهت الهوية المغربية


محمد الزيري

الحوار المتمدن-العدد: 1841 - 2007 / 3 / 1 - 09:50
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


3 :التحديات التي واجهت الهوية المغربية:
جابهت الهوية المغربية في أطوار مختلفة من التاريخ، تحديات عرضتها لشتى أنواع من الفتن و الاختبارات، ولا شك أن محاولات احتلال الثغور و الأراضي، مقدمة لإحداث خلخلة في النسيج المغربي، كانت قوية و عنيفة ثم لا شك أن أشدها عنفا تلك المحاولة التي كانت في 30 ماي 1930 التي أراد بها المستعمر تقسيم المغرب إلى كيانين حتى تصبح السيطرة عليه في المتناول .فالتحدي الذي حدد الاستعمار أهدافه في استغلال ثروات المغرب و إدماج اقتصادياته و تفكيك نسيجه الاجتماعي ووحدته الوطنية و أيضا في المس بمقومات هويته و طمس معالم شخصيته العربية الإسلامية، لم يكن من اليسير أن يتحقق دون استجابة و ردود فعل تجعل المستعمر يعيد ترتيب أوراقه و تلك حقيقة مطابقة و منسجمة مع تجربة المغرب التاريخية، فالمغرب الذي استيقظ و هو مشدود إلى واقع التأخر لم يجد بديلا عن سياسة التمسك بالتراث و تعبئة مقوماته ليغدوا قادرا على التحسيس بواقع الاستعمار و الوعي بضرورة تجاوزه لذلك كان بعد الدفاع عن الهوية في صلب إستراتجية النضال التي خاضته الحركة الوطنية بكل مكوناته السياسية و المجتمعية، فالحركة الوطنية باعتبارها النقيض لواقع الاستعمار و الإطار المنظم للتعبير عن فكرة الوطنية كما عاشها المغاربة و دافعوا عن استمراريتها من بداية دخول الأجانب ارض بلادهم، قد وجدت في التحديات التي واجهت الهوية المغربية بعدا مركزيا و أساسيا لصياغة شعاراتها السياسية و قوة تعبوية على درجة عالية من الأهمية لاستنهاض شعور المغاربة و تنشيط و عيهم بالظاهرة الاستعمارية. يتأكد هنا أن الهوية التي تشكل المساس بها و بمكوناتها الاجتماعية و الثقافية و الاثنية مدخلا أساسيا ومستهدفا مركزيا في استراتيجية الاحتلال ، سيتحول مع تقدم الاستعمار و تفاقم مضاعفاته، مصدرا رئيسيا لاستنهاض الوعي الوطني وتحديد توجهاته و موضوعات معركته، وفي ذلك يكمن سر إخفاق إيديولوجيا الاحتلال و بروز فكرة المغرب المستقل على واجهة تفكير الحركة الوطنية. فالاستعمار الذي حتمت ميلاده شروط النظام الرأسمالي و ضروراته في التوسع و الاستمرارية لم يستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد و المجتمع ليغدوا قابلين للاندماج ضمن آلياته فحسب، بل حرص أيضا على اعتماد المساس بكينونة المجتمع المغربي و شخصيته التاريخية كأداة لتثبيت حركته و ترسيخ قيمه مقتنعا إن في الاجتهاد من اجل إضعاف معنويات المغاربة تنقيصا لعزائمهم بل و تكبيلا لأرادتهم في التحرر و استراد السيادة الوطنية، بهذا المعنى نظر إلى الإسلام كقيمة رمزية مفتقدة إلى قدرة التأثير في تطور الحضاري للمغرب غير فاعل في لحم مكونات شعوبه، بل و عاجز عن إسعاف هؤلاء على تملك أسس التنظيم الاجتماعي و السياسي، و بالأحرى استنهاضهم وعيا و ممارسة. و الاستعمار كوجهة من التحديات التي فرضت على الهوية المغربية، في كل لحظة من اللحظات تقدمه على طريق التوسع كان يجدد تفكيره لتوفير الأطر و الصيغ العملية التي كان يخايلها كفيلة بتثبيت وجوده و ضمان استمراريته، وقد اتخذ في أولى خطواته و هو يحاول الدخول إلى المغرب العربي ، و اتخذ من الجزائر مختبرا لتجريب مدى فاعلية نظرياته في الاحتلال و ذلك بالنظر إلى المكانة التي حظيت بها ضمن الاستراتيجية الاستعمارية العامة لفرنسا و بدافع التفاؤل المفرط في إمكانية نجاح الاستعمار و ديمومة قيمه صاغت عدة مفاهيم استهدفت بشكل مطلق التأثير في هوية الملاين من المغاربة و شخصيتهم التاريخية فاعتمدت على سياسة الإدماج بإبعادها الترابية و البشرية و حتى الحضارية مؤسسة إصرارها على القناعة بديمومة الاستعمار .
لكن و مع الإخفاقات المتتالية التي واكبت تجربة الاستعمار بالجزائر، وبعد معاهدتي الحماية في كل من تونس 1881و المغرب 1912 ستظهر مفاهيم جديدة بالسياسة الاستعمارية تجاه مستعمراتها و هي مفاهيم و إن تباينت من حيت الشكل و درجة الحدة إلا أنها ظلت تروم الوظيفة و الغرض نفسيهما، وهي طمس الهوية المغربية و التشكك في مكونات شخصيتهم، و نقصد بذلك أساسا مشاريع التجنيس بتونس و السياسة البربرية بالمغرب ، و بما أننا نتحدث عن الهوية العربية الإسلامية في المغرب خصوصا سوف نفصل بعض الشيء في السياسة البربرية الموجهة ضد المغاربة فقد حدد شارل اندريه جوليان أسس ميلاد السياسة البربرية بقوله "... بدافع المصلحة السياسية لدى البعض و باقتناع لدى آخرين و بنوع من المثالية عند بعض ضباط الشؤون الأهلية شرع يتشكل تصور عن المجتمع المغربي بقيم تعارض بين البربري الطيب و العربي الشرير ...". تلك السياسة التي بدأت باحتشام ثم أخذت صبغة علنية بالظهير 30 ماي 1930 الذي لم يكن مجرد مصادفة بل لقد ثم لتنفيذ مشروع فصل بين البربر عن العرب في المغرب هذا الفصل يدخل في صميم ضرب الهوية المغربية و ضرب الوحدة الوطنية و هذا يمكننا من إدراك طبيعة الاستراتيجية الاستعمارية التي ضمنها وجدت هذه السياسة مدخلا فعليا لإنجاز الشقاق و الفرقة تنفيذا للشعار الغربي القديم " فرق تسد"*. هذه واحدة من القناعات الكثيرة و المتنوعة، التي شكلت الأرضية النظرية و الإيديولوجية لسياسة فرنسا البربرية في المغرب، و هي السياسة التي مثل ليوطي دورا مركزيا في انتقاء و تثبيت عناصرها على امتداد مرحلة وجوده كمقيم عام بالمغرب سنة 1912الى 1925 و إذا ما بحتنا في كتب التاريخ المتعلقة بالحركة الوطنية المغربية نجد جلها مركزة على ظهير 30 ماي 1930 لكونه قد شكل مفصلا أساسيا في تطور العلاقة بين المغاربة و الاستعمار، وبالضرورة بين مشروعية نضالهم من اجل الاستقلال و استرداد السيادة الوطنية و إصرار الاحتلال على التشبث بوجوده و توسيع فضاءاته فمع الإقرار بقيمة الدلالات التي يرمز إليها الظهير في حقل استنهاض وعي المجتمع المغربي و حثه على تحديد نشاطه السياسي وجب علينا القيام بمقاربة فعلية لمضاعفات السياسة البربرية على هوية المغاربة و مقومات شخصيتهم، وجدير بالذكر أن المغرب بعد الاحتلال أصبح بقوة الواقع نقطة مركزية في جدول أعمال الاستعمار الفرنسي و أن احتلاله أضحى مسألة وقت ليس إلا ، لذا ستشكل التجربة الاستعمارية بالجزائر المرجعية الأولى و الأساسية لدخول الاحتلال لبلاد المغرب فاليوطي الذي يعد من المقيمين العامين القلائل الذين اصلوا مؤسسات الاستعمار بالمغرب الأقصى، عايش تجارب مختلفة من أقطار المغرب العربي حين كان يزاول مسؤولية القيادة العسكرية بمنطقة عين الصفراء في الحدود الجزائرية المغربية ، كان يعرف تمام المعرفة بمدى تمسك المغاربة بهويتهم الأصيلة و محافظتهم على شخصيتهم التاريخية لدى وجب عليه اعتماد سياسة التميز العرفي كمدخل لتعميق ضعف المغرب و مؤسساته كما أدرك بضرورة تملك الأداة القادرة على إنجاز مثل هذا المشروع، سيما و انه عاين كثيرا الروح الوطنية عند المغاربة فحرصه على تشخيص أسس التناقض بين العنصرين العربي و البربري داخل مجتمع واحد هو المغرب لم يأتي من فراغ و إنما لمعرفة مسبقة بالإنسان المغربي كما قلنا . وفعلا إن الإصرار على تكسير مقومات و حدة الشعب المغربي، و النيل من مؤسساته و هويته هي بكل المقاييس الخلفية السياسية الفكرية المركزية التي حكمت استراتيجية الاحتلال و حددت توجهاته في انعدام وحدة وطنية بين مكونات المجتمع المغربي و أن العنصر البربري هو المؤهل الوحيد لان يتفاعل مع الحضارة الوافدة و يندمج معها.
يبدوا واضحا إذن مدى المكانة التي احتلها المغرب في برنامج السياسة الاستعمارية أكثر مجال اعتبر منذ دخول الإسلام بلدان المغرب، الأداة التي صهرت ووحدت مكونات المجتمع المغربي و مدتها بالمشروعية التاريخية و الحضارية وهي اللغة العربية و من اجل محو بشكل نهائي هذه اللغة ستتظافر مجهودات أجهزة الاستعمار قصد إحداث ما سمي بالمدرسة الفرنسية البربرية التي عرف وحدد وضيفتها بول مارتي بقوله " إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها و حياتها ، بربرية بتلاميذها و بيئتها إذن فليس ثمة واسطة أجنبي كل تعليم عربي و كل تدخل من قبيل "الفقيه" و كل ظاهرة إسلامية يجب منعها بصرامة تامة ،فنحن نبتعد من تلقائنا عن كل مرحلة تكون مرحلة إسلامية "* وقد قفز الرقم فيما بين سنتي 1923 و 1930 إلى عشرين مدرسة و سبعمائة تلميذ و هذا إن لم يدل على شيء فقد دل على أن السياسة الاستعمارية متوغلة في تهميش اللغة العربية و نظمها التعليمية و سائرة في القضاء على الهوية العربية الإسلامية و هذا تحدي واجهته الهوية المغربية وهي تكابد جراح المستعمر.
بعد هذا الكلام عن السياسة البربرية للمستعمر داخل المغرب، هل نجح الاحتلال في تعميق شعار "فرق تسد" بين العرب و البربر؟ ام أن الأمر لم يكن أكثر من مسلسل لم يقدر صانعوه مدى الوعي الوطني لمكونات المجتمع المغربي التي مثل الإسلام احد المقومات الجوهرية لهويتها و شخصيتها التاريخية؟
إن الفشل الذي منيت به السياسة البربرية بالمغرب كان نتيجة حتمية لشعب متلاحم متشبث بأرضه ووطنه كما أن هذا الإخفاق لم يقتصر على المغرب وحده و لكن شمل كل أقطار المغربي العربي فتونس فشلت فيها سياسة التجنيس و الجزائر أجهضت فيها سياسة الإدماج، وفي ذلك دليل على فشل الاستراتيجية الاستعمارية العامة في الرهان على التفرقة بين مكونات الوحدة الوطنية لشعوب المغرب العربي، إن ارتباط البحث و نتائجه بإيديولوجية الاستعمار، و سياسته تجاه منطقة المغرب قد حتم على منظريه و أطره اعتماد مرجعية فلسفية و فكرية قلما شكلت موضوع جدل أو خلاف نظري حول مبدأ الاستعمار و ضرورات توسع حركاته. على قاعدة هذه المعادلة( نظام رأسمالي+ استعمار) تأسس خطاب الاحتلال، وتحددت الأسس الناظمة لنظريته إلى المستعمر و تاريخه و عبرها أيضا حصل التفكير في المفاهيم و الأدوات و السياسات المؤطرة لعلاقة المستعمر بالمستعمر. فهو لم يستهدف الاقتصاد و حسب بل المجتمع و الإنسان أيضا، لذا كان الهدف المساس بالهوية بمختلف مقوماتها موضوعا محوريا في سياسة فرنسا و دفاعا على هذه الهوية ستعمل الحركة الوطنية على صياغة الشخصية المغربية و المحافظة على مقوماتها عبر رفض كل سياسات التفرقة التي كانت تنهجها قوة الاحتلال و ذلك لكونها مناقضة لتقاليد الشعب بصفة مطلقة و لا تحترم العروبة و إسلام المغرب.
لعل أهم سمة اتصف بها الخطاب الوطني هي انه خطاب الهوية الذي ينحو نحو إبراز الخصوصية و إظهار الوعي الذاتي الذي نشأ عند الوطنين عندما استهدفت شخصيتهم الوطنية كما سبق و أن ذكرنا، لذلك كانت الحركة الوطنية تتحرك بموجب ميكانيزمات الدفاع عن الذات إلى درجة المغالاة و التضخم في الحديث عنها، ونجد علال الفاسي وهو احد زعماء الحركة الوطنية المغربية مشبع بالثقافة السياسية و الحقوقية نجده يتحدث عن الهوية بمسميات عديدة، تارة يدعوها الأمة المغربية ، وأخرى يلقبها بالقومية المغربية و طورا أخر يتحدث عن الهوية باعتبارها نوعا ما مرادفة للأنانية الوطنية و كل هذا من اجل دفع المواطن المغربي إلى الإحساس بكينونته و هويته و الدفاع بكل الطرق المتاحة حتى ترفع عنها كل التحديات التي كانت تعيشها . لم تتوقف الحركة الوطنية عند هذا الحد بل صارت تتسع و تنضج و تربط علاقات مع الخارج من اجل إنصاف الهوية المغربية فقام بإصدار مجلة مغربية باللغة الفرنسية وعيا منها بضرورة و جود صوت بالخارج و بفرنسا بالذات كي يفضح السياسة التي تتبعها الإدارة الفرنسية الاستعمارية بالمغرب و كانت أولى الأسباب في التفكير في إصدار مجلة و النجاح الذي لقيته الدعاية ضد السياسة البربرية في الخارج و التخوفات التي راجت وسط صفوف رجال الاستعمار من الدعاية ضد السياسة التي يتبعونها، فصدرت مجلة أخرى تحت اسم "المغرب" في شهر يوليوز 1932 و كان المسئول عليها رسميا هو السيد روبير جان لونكي و كان المشرف عليها عمليا هو الاستاد احمد بلافريج، وكان المحررون نخبة من الشباب الوطنيين الأحرار واعون كل الوعي بمدى خطورة الاستعمار على المجتمع المغربي و هويته أمثال محمد بن الحسن الوزاني و الحاج عمر بن عبد الجليل و غيرهم، إن صدور المغرب اعتبر فتحا جديدا في عالم العمل الوطني و تحديا صريحا للاستعمار الفرنسي و لعبت دورا رئيسيا في مجال التوجيه الوطني و التربية السياسة التي كان الشباب المغربي في حاجة إليها، لقد أصبح شعار الحركة الوطنية آنذاك هو الوحدة في اللغة و الهوية و كانت تدرك بمدى مسئوليتها في الحفاظ على هذه الوحدة و أدركت ان التآمر الاستعماري لا يقاوم إلا و أبناء الشعب ملتحمين .
و نجد كذلك انه من بين اخطر السياسات التي نهجها الاستعمار من اجل طمس الهوية المغربية، هي تهميش اللغة العربية أو لسان المغاربة، و هنا ينبغي التذكير بان اللغة هي عنصر أساسي و مكون ضروري من مكونات و روابط شعب من الشعوب و الهوية هنا بمعنى مجموعة من الخاصيات و الملامح التي تتكون منها الشخصية المغربية فقد دخلت العربية بدخول الذين و انتشرت بانتشاره، وبقدر ما أترث العربية في ثقافة المغرب و تكوين هويته ، اثر المغاربة أيضا في هذه اللغة .
لقد أصبحت هذه اللغة في جميع أنحاء شمال إفريقيا لغة العلم و التعلم و لغة الدين و الإدارة و السياسة و الحكم و التجارة حيث انه لم يثبت في أي مرحلة من مراحل تاريخ المغرب أن سجل نزاع سياسي أو عسكري حول اللغة منذ دخول الإسلام إلى غاية دخول الاستعمار، بدليل انه حتى في العصور التي حكمت فيها المغرب اسر و سلالات تنحدر من أصول غير عربية مثل المرينيين و الموحدين، لم يلجأ احد من الحكام إلى التدخل في الوضع اللغوي بفرض سياسة لغوية مخالفة.
دخل الاستعمار الفرنسي و الأسباني إلى المنطقة فقلب الوضع اللغوي رأسا على عقب لقد ثم فرض اللغتين الفرنسية و الأسبانية بالقوة و أصبحتا لغتا التعلم و الإدارة و السياسة والاقتصاد وتسير المقاولات، كل في منطقته التي يحتلها، وسلب من العربية دورها الأساسي الذي كانت تقوم به في هذه المجالات الرسمية كلها و لم يبقى لها إلا المجال الديني و حيز ضئيل جدا من المجال التعليمي رغم انه يتقلص شيئا فشيئا بعد أن شنت حملات كبيرة ضد المدارس الدينية، و نعتت العربية الفصحى بأبشع النعوت و وصفت بأنها متخلفة وجامدة و عقيمة و لا تصلح للتقدم و لا تواكب العصر إلى أخره من التهم التي الصقها فيها دعاة الاستعمار و منظروه. وهناك أحس المغاربة جميعا حتى الذين لا يفهمون و لا يتكلمون العربية ممن لهم حس وطني و غيرة على البلاد، بأنهم مسوا في جوهر هويتهم جميعا و أصيبوا في عمودها الفقري ألا وهو اللغة، فالعربية بالنسبة لهم لم تكن فقط وسيلة للتعبد وقراءة القرآن و إنما هي وسيلة للتواصل و التخاطب، وهي وعاء ثاراتهم و حضارتهم و رمز كرامتهم و فخرهم و استقلالهم الفكري و الثقافي و هذا الإحساس الذي قواه التحدي للاستعمار و غطرسته هو الذي خلق جوا مشحونا من التوتر و العداء للمستعمر مما أدى إلى مقاومته و مقاومة سياسته اللغوية المفروضة و لا سيما في المنطقة التي تحتلها فرنسا، فنشأت حملة مضادة للسياسة الفرنسية التي كانت تريد اختراق الهوية الثقافية للمغرب و استبدالها بعناصر جديدة مقحمة و مفروضة، كما كانت تسعى إلى فصل المغرب عن المشرق و انتزاعه من حضيرته التي كان ينتمي إليها حضاريا و ثقافيا ودينيا و تاريخيا و هي حضيرة العالم العربي21. هذه الحملة قامت بها الحركة الوطنية المغربية و هي تعي تمام الوعي أن المغرب كبقية البلدان العربية الأخرى تحيط بها عدة خصائص أولها كونه بلد يجب أن تكون له سيادته و كيانه ومقوماته الشخصية و أن هذه الخصائص لا تقبل أي مساومة مع المستعمر لدى وجب الدفاع عن استقلالية البلاد و المحافظة على هويته اللغوية و الدينية و الثقافية و غيرها هذا و يجب أن نسلم انه للوصول إلى هذه الغاية لابد من المرور من عدة محن لكون أن المستعمر مجهز بجميع أدواته التقنية و اللوجيستيكية من اجل فرض سيطرته المادية و المعنوية، و ما بناء مجموعة من المدارس و البنيات التحتية إلا دليل على أن الاستعمار كان هدفه هو البقاء فوق ارض المغرب لأمد طويل حتى يصبح قطعة من أرضه.
فمن منطلق هذا الفهم للظاهرة الاستعمارية و لمظاعفاتها على الهوية المغربية و شخصيته كان دفاع علال الفاسي عن اللغة العربية و نظمها التعليمية و الثقافية باعتبارها الأداة الوحيدة المؤهلة بكل المقاييس للمحافظة على الوحدة التاريخية للمغرب، و المقوم القادر على ربط المغاربة بتراثهم العربي لذلك كان تشديده المتواصل على صيانة اللغة العربية من مشاريع الفرنسة و الغزو الثقافي الغربي حيت يقول " تكلموا لغتكم، فكروا بلغتكم ، لا بلغتكم القومية فحسب، لكن لغة الإسلام و لغة القران، لا تخدعون للدين يدعونكم باسم التقدمية للاستعمال كلمات ليست في معجمكم ..."
هذا نموذج قليل من نماذج كثيرة و متعددة اتخدت من موضوع الدفاع عن الهوية اللغوية منطلقا مركزيا للإبراز تاريخ المغرب و الدعوة إلى الاستمرارية، و في هذا الصدد أيضا نجد احد ابرز القادة الوطنيين و هو محمد حسن الوزاني و في أوج لحظة الدفاع عن الوجود المغربي تجاه ما لحق الحركة الوطنية من أشكال القمع و التنكيل نجده يكتب "الأمة المغربية امة عز و مجد تاريخها حافل بالمفاخر، زاهر بجليل الأعمال و المحاسن غني بالأسرار و المأثر. امة المغرب قد تحملت في الماضي ومن المسؤوليات العظمى ما هو محفوظ في لوح التاريخ(...) فجاهدت فيه خير جهاد من اجل بت الدعوة العربية، في عصر كانت فيه معظم الشعوب ترسف في أغلال العبودية الاجتماعية و كان الفكر الإنساني يتخبط في الجهل(...)"
و دفاعا عن الموضوع نفسه سوف يشهد المغرب ميلاد العديد من المؤسسات التعليمية اصطلح على تسميتها " المدارس الوطنية الحرة" استهدفت بالأساس توفير شروط استمرارية التعليم المرتبط بهوية المغاربة، المحافظة على قيم شخصيتهم العربية و القيمة التاريخية للأحداث هذه المؤسسات لا تنحصر في هذا الحفاظ على مقومات الهوية و حسب بل تعددت إلى تعزيز مفهوم الوطنية و إكسابها المضمون النضالي المطلوب وقتئذ، بهذا الفهم أكدت النخبة القائدة للحركة الوطنية بالمغرب الأقصى جنوبا و شمالا على مبدأ حرية تأسيس المدارس و المعاهد. ومطلب تخويلها مضامين من شأنها أن تحفظ للمغاربة امكانات الارتباط مع تراثهم و التواصل مع تقاليدهم.إن أخصب فترة و أعمقها وقعا على نشاط الحركة الوطنية و دينامية نضالها الوطني هي تلك التي زامنت السنوات الأخيرة من الثلاثينات و الأربعينات، مرحلة غنية بالتغير الذي مس مفهوم العمل الوطني و طال بنيته التنظيمية بمختلف دول المغرب العربي كما أنها ثرية من حيث التحولات التي برزت بمشرق الوطن العربي و بالمجتمعات الأوربية و النظام الدولي من جراء مضاعفاتها المرتقبة( الاتجاه الفاشي بايطاليا، والنازي بألمانيا والحرب الأهلية بأسبانيا) وكان لهذا تأثير على العمل الوطني بحيث واجهت الحركة الوطنية مهمة صعبة و دقيقة سواء على المستوى الداخلي و الخارجي فهي وارثة لوضع فاسد يحتم عليها أن تقوم و تعمل على تحسينه، فكانت دائما تشددعلى ضرورة الحوار و التفاهم بين المستعمر ومن اجل ذلك صيغة مجموعة من المطالب ذات صبغة سياسية و اجتماعية احتلت المسألة التعليمية و إجبارية التمدرس فيها الدرجة الأولى.



#محمد_الزيري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
سلامة ابو زعيتر باحث وناشط نقابي ومجتمعي في حوار حول افاق ودور الحركة النقابية والعمالية في فلسطين
حوار مع المناضل الشيوعي الاردني سعود قبيلات حول الحرب الروسية - الاوكرانية وابعادها سياسيا واقتصاديا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهوية عند الحركة الوطنية المغربية
- المسار التاريخي للجمعية المغربية للحقوق الانسان
- مفاهيم حقوق الإنسان في جدلية الكوني والخصوصي
- العمل الجمعوي بالمغرب واقع و افاق
- العمل الجمعوي و رهانات التنمية
- الشباب المغربي و العمل السياسي


المزيد.....




- وزير الدفاع الأمريكي يعلق على لقائه بخالد بن سلمان
- وزير الدفاع الأمريكي يعلق على لقائه بخالد بن سلمان
- الآثار الجانبية الرئيسية لتخطي وجبة العشاء
- طبيب روسي يكشف أعراض داء السلمونيلات
- روسيا.. بركان كاريمسكي يقذف عمودا من الرماد ارتفاعه 3 كيلومت ...
- بلينكن يتهم روسيا خلال جلسة مجلس الأمن باستخدام الغذاء سلاحا ...
- مليار من ألمانيا.. مجموعة السبع ستقدم 18 مليار دولار لأوكران ...
- بيع سيارة مرسيدس - بنز مجنحة نادرة بسعر قياسي في مزاد
- السودان يستنكر بشدة تصريحات إثيوبية حول منطقة الفشقة
- دراسة: إنجاب أكثر من طفلين يمكن أن يكبّر الوالدين بمقدار 6.2 ...


المزيد.....

- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي
- صفحات مضيئة من انتفاضة أربيل في 6 آذار 1991 - 1-9 النص الكام ... / دلشاد خدر
- تشكُّل العربية وحركات الإعراب / محمد علي عبد الجليل
- (ما لا تقوله كتب الاقتصاد) تحرير: د.غادة موسى، أستاذ العلوم ... / محمد عادل زكى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - محمد الزيري - التحديات التي واجهت الهوية المغربية