|
|
السمات العامة لنظرية ما بعد الحداثة
د أشرف إبراهيم زيدان
الحوار المتمدن-العدد: 8542 - 2025 / 11 / 30 - 15:40
المحور:
الادب والفن
رئيس قسم اللغة الإنجليزية-جامعة بور سعيد
ما بعد الحداثة حركة فلسفية وثقافية ظهرت في منتصف القرن العشرين، وتحدت مبادئ وافتراضات الحداثة، وكان لها تأثير كبير في مجالات مختلفة، بما في ذلك الفلسفة والأدب والفن وعلم الاجتماع، ومن أهم خصائصها: الاضطراب الزمني (Temporal Disorder): تعرض روايات ما بعد الحداثة الاضطراب الزمني من خلال التلاعب بالوقت، بما في ذلك عناصر مثل التاريخ الملفق (apocryphal history)، والمفارقة التاريخية (anachronism)، ومزج العناصر التاريخية والخيالية. وفي حين أن مصطلح "الاضطراب الزمني" قد لا يستخدم بشكل شائع في النقد الأدبي، فإن مفهوم اللعب بالمفاهيم التقليدية للوقت أو تعطيلها موضوع سائد في روايات ما بعد الحداثة، وغالبًا ما يتحدى أدب ما بعد الحداثة الهياكل السردية التقليدية والتوقيتات الزمنية الخطية، ويمكن أن يتخذ الاضطراب الزمني في روايات ما بعد الحداثة أشكالًا مختلفة، بما في ذلك السرد غير الخطي (nonlinear narratives)، والتوقيت الزمني المجزأ (fragmented timelines)، والخلط بين الماضي والحاضر والمستقبل (blurring)، وتستخدم روايات ما بعد الحداثة في كثير من الأحيان السرد غير الخطي، حيث لا يتم عرض الأحداث بترتيب زمني. وبدلا من ذلك، قد يقفز السرد ذهابًا وإيابًا في الوقت المناسب؛ مما يخلق فسيفساء من التجارب، وتتحدى هذه التقنية التوقعات التقليدية للقارئ، وتتطلب مشاركة نشطة لتجميع التوقيت الزمني للقصة، والمثال الكلاسيكي هو رواية "المسلخ الخامس" لكورت فونيجت (Kurt Vonnegut)، حيث يصبح بطل الرواية منفصلًا عن الزمن، ويمارس ويختبر أحداثًا خارج التسلسل الزمني. ويمكن أن يظهر الاضطراب الزمني في أدب ما بعد الحداثة من خلال توقيت زمني مجزأ. وقد يقدم المؤلفون القصة من خلال مجموعة من المشاهد أو الحلقات المفككة، مما يجبر القارئ على بناء فهمه للنظام الزمني، ويعكس هذا التشرذم الطبيعة المجزأة للحياة المعاصرة، وانهيار الهياكل التقليدية. كما تستكشف بعض روايات ما بعد الحداثة تشويه الزمن نفسه، وقد يتضمن ذلك تجربة الشخصيات للوقت بمعدلات مختلفة أو بطرق غير تقليدية. ويُعرف كتاب "قوس قزح الجاذبية" لتوماس بينشون ببنيته السردية المعقدة وتشوهاته الزمنية، مما يتحدى القراء للتنقل في عالم لا يكون فيه الزمن تقدمًا خطيًا مباشرًا. وغالبًا ما يلفت مؤلفو ما بعد الحداثة الانتباه إلى فعل رواية القصص في حد ذاته، وقد تعطل تدفق السرد للتعليق على اصطناع القصة وعدم واقعيتها، مع التركيز على دور المؤلف أو القارئ في بناء المعنى، ويمكن أن يساهم هذا الوعي الذاتي في الشعور بالاضطراب الزمني؛ حيث يصبح السرد انعكاسًا لطبيعة الوقت وسرد القصص، وكثيرًا ما تتعامل روايات ما بعد الحداثة مع التاريخ بطرق غير تقليدية، وقد يمزج المؤلفون الفترات أو الشخصيات أو الأحداث التاريخية؛ مما يخلق مزيجًا يتحدى الرؤية الخطية والحتمية للتاريخ. وتُعد رواية "أطفال منتصف الليل" لسلمان رشدي مثالًا على الرواية التي تعيد تصور الأحداث التاريخية، وتطمس الخط الفاصل بين الواقع والخيال. باختصار: يعكس الاضطراب الزمني في روايات ما بعد الحداثة تحديًا أوسع للسرد القصصي التقليدي والأعراف الزمنية، وتدعو هذه الروايات القراء إلى التشكيك في افتراضاتهم حول الوقت، والسببية، وطبيعة السرد نفسه من خلال تعطيل التوقيت الزمني الخطي، ويتماشى هذا الاختيار الأسلوبي مع رفض ما بعد الحداثة للسرديات الكبرى واحتضان التعددية والغموض والطبيعة الذاتية للتجربة. القص واللصق (الباستيش): يتضمن الباستيش (Pastiche) في روايات ما بعد الحداثة الجمع بين أنواع مختلفة ودمج ما وراء القص والتشويه الزمني، ولا يستطيع فنانو ما بعد الحداثة أن يخترعوا وجهات نظر جديدة وأساليب جديدة للتعبير؛ بدلاً من ذلك، يعملون كالعمال اليدويين (Bricoleurs)؛ حيث يقومون بإعادة تدوير الأعمال والأساليب السابقة، على سبيل المثال، تستمد روايات توماس بينشون (Pynchon) من الخيال البوليسي والخيال العلمي، وتتضمن إشارات إلى الثقافة الشعبية وشخصيات من الحياة الواقعية، وفي سياق روايات ما بعد الحداثة، يشير مصطلح "الباستيش" إلى تقنية أدبية تتضمن استعارة وتقليد عناصر من أنماط أو أنواع أو أعمال أدبية مختلفة، ويعد القص واللصق في أدب ما بعد الحداثة شكلاً من أشكال التكريم أو المحاكاة الساخرة (parody) أو التقليد المرح الذي يطمس الحدود بين الثقافة الرفيعة والشعبية، مما يؤدي غالبًا إلى سرد معقد ومتعدد الطبقات، وكثيرًا ما يستمد مؤلفو ما بعد الحداثة مبدأ الانتقائية (Eclecticism)؛ حيث يعتمدون على مجموعة واسعة من المصادر، بما في ذلك الأدب والسينما والفن والثقافة الشعبية والأحداث التاريخية، ويسمح الباستيش للكتاب بنسج عناصر متنوعة معًا، مما يخلق قصة عبارة عن مجموعة من الأساليب والمراجع الثقافية المختلفة، وغالبًا ما يتضمن الباستيش تقليدًا مرحًا أو محاكاة ساخرة للأنواع الراسخة أو الاتفاقيات الأدبية، وقد يستعير مؤلفو ما بعد الحداثة النغمة أو الأسلوب أو البنى السردية للأعمال السابقة، إما للإشادة بها (وهذا يطلق عليه باستيش)، أو لتخريب وتفكيك الأشكال التقليدية، وهذا النوع يطلق عليه (parody). على سبيل المثال، في رواية "امرأة الملازم الفرنسي" للكاتب (جون فاولز) يستخدم المؤلف هذا التكنيك لاستكشاف التقاليد السردية الفيكتورية والتشكيك فيها. ويرتبط مفهوم الباستيش ارتباطًا وثيقًا بمفهوم التناص، الذي يشير إلى الطريقة التي تشير بها النصوص إلى النصوص الأخرى وتتفاعل معها، وكثيرا ما تنخرط روايات ما بعد الحداثة في علاقات نصية؛ حيث تتضمن أجزاء أو إشارات إلى أعمال أخرى، وهذا يخلق شبكة من المراجع التي تثري تجربة القراءة، وتدعو القراء للتعرف على هذه الروابط النصية وتفسيرها. إن القص واللصق في روايات ما بعد الحداثة ليس مجرد خيار أسلوبي؛ لأنه غالبًا ما يكون بمثابة وسيلة للنقد الثقافي. ومن خلال الاستيلاء على عناصر من مصادر ثقافية مختلفة وإعادة وضعها في سياقها، يمكن للمؤلفين التعليق على الطبيعة السائلة والمترابطة للثقافة المعاصرة، ويمكن أن يشمل ذلك أيضًا استكشاف قضايا الهوية والنزعة الاستهلاكية وتأثير وسائل الإعلام، كما يساهم الباستيش في أدب ما بعد الحداثة في عدم وضوح الفروق بين الثقافة الرفيعة والشعبية، ومن خلال دمج عناصر من المصادر التقليدية والشعبية، تتحدى هذه الروايات الفروق الهرمية في الأدب، وتؤكد على سيولة وذاتية القيمة الثقافية، وغالبًا ما يتضمن الباستيش درجة من السخرية والوعي الذاتي (self-awareness). وقد يلعب المؤلفون بالعناصر المستعارة بطريقة تشير للقارئ إلى الطبيعة المبنية/المصطنعة للسرد، ويساهم هذا الوعي الذاتي في تأكيد ما بعد الحداثة على اصطناع اللغة وسرد القصص، مثال على رواية ما بعد الحداثة التي تستخدم التقليد هي "الاعترافات" بقلم ويليام جاديس (Gaddis)، حيث ينسج المؤلف إشارات إلى الفن والأدب والدين معًا؛ مما يخلق نسيجًا كثيفًا ومعقدًا من التلميحات الثقافية، باختصار: يعد القص واللصق في روايات ما بعد الحداثة مزيجًا إبداعيًا واعيًا بذاته من عناصر ثقافية متنوعة، ويعمل كوسيلة للتكريم أو النقد، إنه يعكس رفض ما بعد الحداثة للحدود العامة الصارمة، ويعتنق فكرة أن المعنى يتم بناؤه من خلال التفاعل بين المراجع الثقافية والأدبية المختلفة. التشظي (fragmentation): يحتضن أدب ما بعد الحداثة التجزئة والافتقار إلى الكمال أو الاكتمال؛ فقد قام بعض المؤلفين مثل فاولز بتعطيل تدفق السرد التقليدي من خلال استخدام تكتيكات حرب العصابات، أو تقديم صور مجزأة، أو تفكيك النص إلى أقسام أقصر، وغالبًا ما يتركون نهاية القصة مفتوحة وغير حاسمة، وتعد التجزئة سمة أساسية لروايات ما بعد الحداثة؛ مما يعكس الابتعاد عن الهياكل السردية التقليدية، والتحرك نحو رواية القصص الممزقة وغير الخطية، وغالبًا ما يستخدم مؤلفو ما بعد الحداثة التجزئة لتحدي فكرة الواقع الموحد والمستقر، ويقدمون روايات تعكس الطبيعة المجزأة للتجربة المعاصرة، وفيما يلي بعض جوانب التجزئة في روايات ما بعد الحداثة مع الأمثلة: روايات ما بعد الحداثة كثيرًا ما تعطل التوقيت الزمني الخطي، وتقدم الأحداث خارج الترتيب الزمني، ويمكن لهذا النهج غير الخطي أن يخلق إحساسًا بالارتباك، ويتحدى القراء للتفاعل بشكل فعال مع النص، ومن أمثلة ذلك رواية "نصف مجهول" للمصري جمال الجزيري؛ حيث يصبح بطل الرواية غير عالق في الوقت المناسب، ويختبر أحداثًا من نقاط مختلفة في حياته. وغالبًا ما تمتد التجزئة والتشظي في روايات ما بعد الحداثة إلى وجهات النظر التي يتم من خلالها سرد القصة، ويساهم تعدد الرواة، ووجهات النظر المتغيرة، والرواة غير الموثوقين في تمثيل واقع ممزق ومتعدد الأوجه، على سبيل المثال، في رواية ويليام فوكنر "الصخب والعنف"، ينقسم السرد إلى أقسام، يُعرض كل منها من منظور شخصية مختلفة، ويكشف عن وجهات نظر وتصورات مجزأة. كما يستخدم مؤلفو ما بعد الحداثة تقنيات الكولاج والمونتاج لبناء روايات من مجموعة متنوعة من الأجزاء، ويمكن أن تتضمن هذه الأجزاء مقتطفات من النصوص والصور والمراجع الثقافية. وفي رواية "الضوضاء البيضاء" لدون ديليلو، يستخدم المؤلف مجموعة من وسائل الإعلام والإعلانات وثقافة المستهلك لخلق صورة مجزأة للمجتمع المعاصر، وتتكون بعض روايات ما بعد الحداثة من قصص مترابطة أو مقالات قصيرة بدلاً من سرد واحد مستمر، ويؤكد هذا النهج على الترابط بين العناصر السردية المختلفة، ويتحدى فكرة الحبكة المفردة والمتماسكة. وتعد رواية "شوط أول" (2018) لـــ جمال الجزيري مثالًا على الرواية ذات البنية المتداخلة؛ حيث تتكون من ست روايات قصيرة مترابطة تغطي أنواعًا وفترات زمنية مختلفة، وغالبًا ما تتشابك التجزئة مع عناصر ما وراء القصية (metafictional) في روايات ما بعد الحداثة. وقد يلفت المؤلفون الانتباه إلى اصطناعية السرد، ويكسرون وهم القصة السلسة؛ ففي رواية إيتالو كالفينو "إذا كان مسافر في ليلة شتاء"، تم عرض الرواية على شكل سلسلة من القصص غير المكتملة، مع تسليط الضوء على فعل القراءة وبناء المعنى. كما أن روايات ما بعد الحداثة غالبًا ما تنخرط في التجريب والتفكيك اللغوي؛ مما يؤدي إلى تحطيم التقاليد اللغوية، ويمكن أن يشمل ذلك التلاعب بالألفاظ، والتورية، وتعطيل المعايير اللغوية؛ ففي رواية "قوس قزح الجاذبية" لتوماس بينشون، يستخدم المؤلف أسلوبًا نثريًا كثيفًا وصعبًا يساهم في الإحساس العام بالتشرذم في الرواية. وباختصار: تُعدُّ التجزئة/التشظي في روايات ما بعد الحداثة استراتيجية سردية متعمدة تتحدى التقاليد التقليدية لسرد القصص، ويهدف مؤلفو ما بعد الحداثة إلى لفت نظر القراء إلى أن العالم المعاصر يتميز بــعدم اليقين والتعقيد من خلال تحطيم الهياكل الخطية، وتوظيف وجهات نظر متعددة، وكذلك من خلال التورية. وتوضح الأمثلة المذكورة الطرق المتنوعة التي يتم بها استخدام التجزئة في أدب ما بعد الحداثة لنقل الطبيعة الممزقة للتجربة والمعنى. رخاوة الارتباط (Looseness of Association): يشير رخاوة الارتباط إلى إنشاء نصوص مفككة تتضمن عناصر مفاجئة، وبالتالي تتحدى توقعات القراء بشأن بنية سردية متماسكة، ويشير مفهوم "رخاوة الارتباط" في روايات ما بعد الحداثة إلى أسلوب سرد تكون فيه الروابط بين الأفكار أو الأحداث أو الشخصيات غامضة أو مجزأة أو غير خطية (عن عمد)، ويعكس هذا النهج رفض ما بعد الحداثة للسرد الخطي التقليدي لصالح استكشاف أكثر انفتاحًا وذاتيًا للمعنى، وغالبًا ما تتجنب روايات ما بعد الحداثة هياكل الحبكة المباشرة التي تعتمد على السبب والنتيجة، وبدلاً من ذلك، قد يعرض المؤلفون الأحداث بطريقة غير زمنية أو مفككة؛ مما يخلق سردًا لا تكون فيه الروابط بين العناصر المختلفة واضحة تماما، وتعد رواية "بكاء القطعة 49" لتوماس بينشون مثالًا على الرواية ذات البنية الحبكة غير الخطية؛ حيث يتزامن بحث البطل عن المعنى بأحداث غامضة وغير متصلة بشكل فضفاض، ويمكن تحقيق رخاوة الارتباط من خلال استخدام سرد تيار الوعي؛ حيث تتدفق أفكار الشخصية وتصوراتها بحرية ودون بنية منطقية صارمة، غالبًا ما تطمس هذه التقنية الحدود بين الواقع الداخلي والخارجي، وتُعد رواية "يوليسيس" لجيمس جويس مثالًا كلاسيكيًا للرواية التي تستخدم تيار الوعي لخلق سرد كثيف ومترابط. وقد تتميز روايات ما بعد الحداثة بشخصيات تكون ارتباطاتها مع بعضها البعض غامضة أو متعددة الأوجه، وقد تكون العلاقات بين الشخصيات غير واضحة، ويمكن أن تكون الحدود بين البطل والخصم، أو حتى بين الشخصيات المختلفة، مرنة؛ ففي رواية سلمان رشدي "أطفال منتصف الليل"، ترتبط الشخصيات من خلال الأحداث التاريخية والواقعية السحرية؛ مما يساهم في الشعور بالرخاوة في ارتباطاتها. كما يمكن أيضًا التعبير عن رخاوة الارتباط من خلال الاستخدام المكثف للتناص والإشارات الأدبية؛ فقد يشير مؤلفو ما بعد الحداثة إلى مجموعة واسعة من النصوص الثقافية أو التاريخية أو الأدبية دون ربطها بشكل صريح؛ مما يترك للقارئ فهم الصلة بين هذه المراجع، وغالبًا ما تنخرط روايات جمال الجزيري في تلميحات أدبية متقنة وألعاب ما وراء القص التي تتحدى تماسك السرد التقليدي. كما تقدم روايات ما بعد الحداثة في كثير من الأحيان وجهات نظر متعددة حول الأحداث؛ مما يؤدي إلى طمس الحدود بين الحقائق الموضوعية والذاتية؛ فقد ترى الشخصيات المختلفة نفس الأحداث بطرق متضاربة، وقد يتحول السرد بين وجهات نظر مختلفة؛ ففي رواية "ببغاء فلوبير" لجوليان بارنز (Julian Barnes)، تنسج الرواية وجهات نظر متعددة حول غوستاف فلوبير؛ مما يخلق رؤية متغيرة لحياة المؤلف وعمله. وغالبًا ما ينعكس فقدان الارتباط في اللغة نفسها؛ حيث يتلاعب مؤلفو ما بعد الحداثة بالغموض اللغوي، والتلاعب بالألفاظ، وتعدد المعاني، وتجسد قصص (دونالد بارثيلمي) القصيرة، مثل تلك الموجودة في "ستون قصة"، هذا النهج من خلال استخدام اللغة بطرق غير تقليدية ومرحة، مما يساهم في الشعور بالرخاوة في الارتباطات بين الكلمات والأفكار. وباختصار: إن فقدان الارتباط/الترابط في روايات ما بعد الحداثة حيلة سردية تؤكد على الغموض والتعددية والتفسير المفتوح، ويسعى مؤلفو ما بعد الحداثة إلى عكس تعقيد وذاتية العالم الذي يصورونه من خلال تعطيل الأنساق التقليدية وتشجيع القراء على إقامة علاقاتهم الخاصة، وتوضح الأمثلة المقدمة كيفية تجلي هذه التقنية في أشكال مختلفة في عالم أدب ما بعد الحداثة. الشعور بالاضطهاد والمراقبة/جنون العظمة/الانفصام (paranoia): يعاني أبطال روايات ما بعد الحداثة في كثير من الأحيان من الشعور بالاضطهاد، الذي يتميز بالخوف من أن حياتهم تسيطر عليها قوى خارجية والشعور بالسيطرة المحدودة على وجودهم. إن الشعور بالاضطهاد/جنون العظمة موضوع متكرر في روايات ما بعد الحداثة، ويعكس المخاوف الثقافية والاجتماعية في ذلك الوقت، وغالبًا ما يستكشف مؤلفو ما بعد الحداثة انهيار الهياكل التقليدية، والشعور بعدم اليقين الذي يميز العالم الحديث، ويمكن أن يظهر الشعور بالاضطهاد في هذه الروايات بطرق مختلفة، بما في ذلك نظريات المؤامرة، والرواة غير الموثوقين، وانعدام الثقة العام في المؤسسات القائمة، وكثيرا ما تتعمق روايات ما بعد الحداثة في نظريات المؤامرة والمؤامرات السرية، مما يعكس شعورًا سائدًا بعدم الثقة في الروايات الرسمية، وتدور أحداث رواية "بكاء القطعة 49" لتوماس بينشون حول بطل الرواية الذي يصادف مؤامرة واسعة النطاق تتضمن نظامًا بريديًا سريًا، ويُعرف عمل بينشون بشكل عام باستكشافه للشعور بالاضطهاد ومكائد السلطة الخفية. وغالبًا ما تصور روايات ما بعد الحداثة شخصيات تشكك وتقاوم شخصيات السلطة ومؤسساتها. وتستكشف رواية "الضوضاء البيضاء" للمخرج دون ديليلو الشعور بالاضطهاد الناجم عن الوجود الشامل لوسائل الإعلام وعدم اليقين المرتبط بالتقدم التكنولوجي، تتصارع الشخصيات في الرواية مع الشعور بالارتباك وعدم الثقة في المعلومات المقدمة من المصادر الموثوقة. وكثيرًا ما يتم تصوير الشعور بالاضطهاد في أدب ما بعد الحداثة من خلال استخدام رواة غير موثوقين؛ فالرواة الذين يشككون في تصوراتهم أو يتلاعبون بالسرد يساهمون في الشعور بعدم اليقين والشك، ففي رواية "أمريكي مرتبك" لبريت إيستون إليس، يخلق الراوي غير الموثوق به (باتريك بيتمان) قصة؛ حيث يصبح من الصعب تدريجيًا تمييز الواقع من منظور بطل الرواية المشوه. وغالبًا ما تتعامل روايات ما بعد الحداثة مع موضوع المراقبة وتآكل الخصوصية؛ ففي رواية جورج أورويل الكلاسيكية "1984"، تخلق دولة المراقبة المنتشرة في كل مكان جوًّا من الشعور بالاضطهاد؛ حيث تتم مراقبة الأفراد بشكل مستمر، ويتم قمع المعارضة بسرعة، في حين أن "1984" تسبق ظهور مصطلح "ما بعد الحداثة"، إلا أنها كان لها تأثير كبير على فكر ما بعد الحداثة. كما يساهم تجزئة الواقع في روايات ما بعد الحداثة في الشعور بجنون العظمة أو الشعور بالاضطهاد. إن عدم وضوح الحدود بين الخيال والواقع، واستخدام ما وراء القص، والتلاعب بالهياكل السردية، كلها تعمل على خلق جو من عدم اليقين، ففي رواية "مدينة من زجاج" لبول أوستر يصبح سعي البطل وراء شخصية غامضة متشابكًا مع أسئلة الهوية والواقع؛ مما يؤدي إلى تجربة مذعورة ومربكة لكل من الشخصية والقارئ؛ وغالبًا ما يرتبط جنون العظمة في روايات ما بعد الحداثة بمخاوف ثقافية أوسع، وتستكشف رواية "العالم السفلي" لــ دون ديليلو الشعور بالاضطهاد الجماعي المحيط بالحرب الباردة والخوف من الإبادة النووية، كما تنسج الرواية شخصيات وأحداث مختلفة معًا لتصوير القلق السائد في ذلك الوقت. وباختصار: يعكس الشعور بالاضطهاد في روايات ما بعد الحداثة شعورًا بعدم الارتياح والشك في الاستجابة لتعقيدات وشكوك العالم الحديث، سواء من خلال نظريات المؤامرة، أو السرد غير الموثوق، أو عدم الثقة العام في السلطة، ويستخدم مؤلفو ما بعد الحداثة الشعور بالاضطهاد كعدسة موضوعية لاستكشاف الأبعاد النفسية والاجتماعية للوجود المعاصر، وتوضح الأمثلة المقدمة الطرق المتنوعة التي يتجلى بها جنون العظمة أو الشعور بالاضطهاد في أدب ما بعد الحداثة. الحلقات المفرغة (Vicious Circles): تعمل روايات ما بعد الحداثة على طمس الحدود بين النص والعالم الحقيقي؛ مما يخلق حلقات مفرغة قد يدخل فيها المؤلفون إلى السرد أو تظهر الشخصيات التاريخية بوصفها شخصيات خيالية، مما يمحو التمييز بين الواقع وعالم النص. إن الحلقات المفرغة، أو الأنماط المتكررة، موضوع متكرر في روايات ما بعد الحداثة، ويشير هذا المفهوم إلى المواقف أو الروايات التي تديم فيها الأحداث أو الأفكار أو الأفعال نفسها في حلقة ذاتية التعزيز؛ مما يؤدي غالبًا إلى شعور بالعبثية أو السخرية أو الارتباك الوجودي. يستخدم جمال الجزيري في "نصف مجهول" (2020) الحلقات المفرغة كأداة سردية لاستكشاف تعقيد الحياة المعاصرة وتحدي المفاهيم التقليدية عن السبب والنتيجة. وغالبًا ما تشتمل روايات ما بعد الحداثة على عناصر ما وراء القص؛ مما يخلق حلقات حيث ينعكس السرد على نفسه، هذا الانعكاس الذاتي يمكن أن يأخذ شكل إدراك الشخصيات أنهم في عمل خيالي؛ مما يؤدي إلى طمس الحدود بين العالم الخيالي وواقع القارئ. في رواية إيتالو كالفينو "إذا كان مسافر في ليلة شتاء"، تقاطع الرواية نفسها باستمرار بالتعليق على فعل القراءة؛ مما يخلق بنية متكررة. ويمكن أن تظهر الحلقات المفرغة في روايات ما بعد الحداثة على شكل شخصيات تشرع في مهام أو رحلات تقودهم إلى حلقات دون حل واضح، ويستكشف كتاب "مكتبة بابل" لخورخي لويس بورخيس فكرة المكتبة اللانهائية التي تحتوي على جميع الكتب الممكنة؛ مما يرمز إلى عدم جدوى البحث عن المعنى النهائي في بحر لا نهاية له من المعلومات. وغالبًا ما يستخدم مؤلفو ما بعد الحداثة المفارقات والتناقضات لإنشاء روايات تتحدى المنطق التقليدي؛ ففي رواية "أليس في بلاد العجائب" لـــ لويس كارول، تواجه البطلة العديد من المواقف المتناقضة، مثل النمو والتقلص في الحجم؛ مما يعكس سخافة العالم الذي تعيش فيه وطبيعته غير المنطقية. وقد تنطوي الحلقات المفرغة على فهم دوري للوقت، حيث يبدو أن الأحداث تتكرر في حلقة لا تنتهي أبدًا؛ في رواية "نصف مجهول" لـــ الجزيري، يعيش بطل الرواية لحظات من حياته خارج التسلسل؛ مما يخلق بنية سردية تتحدى الزمن الخطي، وتؤكد على الطبيعة الدورية للتاريخ البشري. وقد تستكشف روايات ما بعد الحداثة فكرة التكرار والنسخ؛ حيث تتكرر الشخصيات أو الأحداث بأشكال مختلفة؛ ففي رواية "الضوضاء البيضاء" لدون ديليلو، تتجلى فكرة التكرار في القصف المستمر للرسائل الإعلامية والتصرفات الروتينية للشخصيات؛ مما يعكس رتابة الحياة المعاصرة وصناعتها. كما أن الحلقات المفرغة في روايات ما بعد الحداثة غالبا ما تساهم في خلق شعور بالسخرية والعبثية؛ فرواية "الخدعة-22" لجوزيف هيلر تستكشف عبثية الحرب من خلال محاولات بطل الرواية للهروب من مهمات خطيرة، فقط ليواجه الخدعة الرمزية: يجب عليه أن يطلب إعفاءه من القيام بمهام خطرة، ولكن القيام بذلك من شأنه أن يدل على الحرص على سلامته وبالتالي عدم أهليته للإعفاء. وقد تصور روايات ما بعد الحداثة شخصيات عالقة في أنظمة أو هياكل لا مفر منها والتي تخلد نفسها؛ ففي رواية "المحاكمة" لفرانز كافكا، يجد بطل الرواية (جوزيف ك.) نفسه متورطًا في نظام قانوني مرعب يبدو أنه يعمل وفقًا لقواعده غير المنطقية، مما يؤدي إلى الشعور بالعجز والعبث. وباختصار: تعد الحلقات المفرغة في روايات ما بعد الحداثة بمثابة استراتيجية سردية لاستكشاف التعقيد والغموض والطبيعة العبثية في كثير من الأحيان للوجود المعاصر، ويقوم مؤلفو ما بعد الحداثة بإشراك القراء في التفكير في الطبيعة الدورية والمترابطة والمراوغة للمعنى والواقع من خلال تحدي الهياكل الخطية واحتضان الأنماط المتكررة. مفهوم المعرفة: عند مناقشة مفهوم المعرفة في سياق ما بعد الحداثة، تظهر العديد من الأفكار والانتقادات الرئيسة؛ فترفض ما بعد الحداثة فكرة السرديات الكبرى والشاملة التي تدعي تفسير التاريخ البشري أو المجتمع بأكمله، وغالبًا ما اعتمدت وجهات النظر التقليدية للمعرفة على مثل هذه الروايات الكبرى، سواء كانت دينية أو سياسية أو علمية، ويرى مفكرو ما بعد الحداثة أن هذه الروايات بناءً اجتماعيًا غالبًا ما تخدم مصالح من هم في السلطة، مثال: في عالم التاريخ، قد يكون السرد الكبير هو فكرة التقدم؛ حيث يُنظر إلى التاريخ على أنه مسيرة خطية نحو التحسين والتنوير، وقد يشكك مؤرخو ما بعد الحداثة في هذه الرواية، ويسلطون الضوء على التجارب ووجهات النظر المتنوعة التي غالبًا ما يتم تهميشها في مثل هذا الفهم الخطي للتاريخ، وتتحدى ما بعد الحداثة استقرار وحياد اللغة، وتناقش بأن اللغة ليست وسيلة شفافة لنقل الحقائق الموضوعية، ولكنها بدلاً من ذلك نظام تشكله عوامل ثقافية وتاريخية واجتماعية؛ وبالتالي فإن المعرفة تصبح مشروطة باللغة، ومعاني الكلمات تخضع للتأويل. مثال: قد يركز تحليل ما بعد الحداثة للنص القانوني على كيفية استخدام اللغة لتأسيس ديناميكيات السلطة، ويمكن أن يتأثر تفسير القوانين بالتحيزات الثقافية، وقد يشكك ما بعد الحداثيين في الموضوعية المفترضة للغة القانونية، وتؤكد ما بعد الحداثة على وجود حقائق ووجهات نظر متعددة ومتضاربة في كثير من الأحيان، وتشير إلى أن المعرفة ليست عالمية، ولكنها تتشكل من خلال السياقات المحلية والتجارب الفردية، وهذا يتحدى فكرة وجود حقيقة موضوعية واحدة. مثال: في الأنثروبولوجيا، قد يتضمن نهج ما بعد الحداثة الاعتراف بأن الثقافات المختلفة لها طرقها الفريدة في فهم العالم، وبدلاً من فرض إطار عالمي، قد يسعى علماء الأنثروبولوجيا إلى فهم وتقدير تنوع أنظمة المعرفة المحلية، وتقدم ما بعد الحداثة فكرة الواقع الفائق (Hyperreality and Simulation)؛ حيث يصبح التمييز بين الواقع والتمثيل غير واضح، وفي عالم مشبع بالصور والمحاكاة، غالبًا يكون ما نعتبره حقيقيًا تمثيلًا مؤلفًا مبنيًا، وهذا يتحدى المفاهيم التقليدية للمعرفة المباشرة غير الوسيطة. مثال: إن انتشار الوسائط الرقمية وتجارب الواقع الافتراضي يتحدى فهمنا التقليدي للواقع. وقد يستكشف ما بعد الحداثيين كيف تؤثر هذه المحاكاة على تصوراتنا وتشكك في صحة تجاربنا في بيئة واقعية للغاية. وباختصار: تتحدى ما بعد الحداثة المفاهيم التقليدية للمعرفة من خلال التشكيك في السرديات الكبرى، وتفكيك اللغة، والتأكيد على التعددية، وتسليط الضوء على تأثير الواقع المفرط، ويشجع ذلك على فهم أكثر دقة ويعتمد على السياق للمعرفة، مع الاعتراف بأنها مبنيةٌ اجتماعيًا وتخضع لتفسيرات متنوعة. ثقافة الاستهلاك: في سياق ما بعد الحداثة، غالبًا ما يتم تحليل النزعة الاستهلاكية باعتبارها ظاهرة ثقافية واقتصادية تشكل وتتشكل من خلال حالة ما بعد الحداثة، وتتحدى ما بعد الحداثة وجهات النظر التقليدية للمجتمع والثقافة والهوية، وتلعب النزعة الاستهلاكية دورًا مهمًا في هذا السياق، كما تشير ما بعد الحداثة إلى أنه في المجتمع الذي يقوده المستهلك، تصبح المنتجات والخبرات الثقافية سلعًا، وهذا يعني أن جوانب الثقافة، مثل الفن والموسيقى وحتى الهوية الشخصية، يتم التعامل معها على أنها سلع قابلة للتسويق، وفي عالم ما بعد الحداثة، غالبًا ما يتم تحديد القيمة الثقافية من خلال جاذبيتها في السوق. مثال: إن الاستيلاء على فن الشارع في الإعلانات السائدة أو استخدام الرموز الثقافية في المنتجات التجارية يوضح كيف يتم تحويل العناصر الثقافية إلى سلعة للاستهلاك، لقد تم إعادة إنتاج أعمال بانكسي، وهو فنان شارع مشهور، على العديد من المنتجات التجارية، مما أثار تساؤلات حول تسويق الفن. كما تقدم ما بعد الحداثة مفهوم الواقع الفائق؛ حيث يصبح التمييز بين الواقع والتمثيل غير واضح، ويلعب الإعلان دورًا حاسمًا في إنشاء بيئات واقعية للغاية، وتقديم إصدارات مثالية من المنتجات وأنماط الحياة التي قد لا تتوافق مع التجارب الفعلية. على سبيل المثال: غالبًا ما تصور إعلانات السلع الفاخرة أنماط حياة طموحة منفصلة عن الواقع اليومي، وتساهم الصور المعروضة في هذه الإعلانات في خلق تصور واقعي للغاية للمنتجات؛ مما يغري المستهلكين بخيال مبني بدلاً من التمثيل المباشر لفائدة المنتج، وقد قدم مُنظِّر ما بعد الحداثة جان بودريار مفهوم المحاكاة (simulacra)، والذي يشير إلى نسخ بدون أصل، وفي المجتمع الاستهلاكي تصبح العلامات التجارية والشعارات رموزًا قوية لا تمثل المنتجات التي تبيعها فحسب، تصبح العلامة التجارية نفسها صورة وهمية، منفصلة عن أي منتج ملموس. على سبيل المثال: يعد شعار (نيكي) أو شعار (آبل) من الرموز المميزة التي تحمل أهمية ثقافية تتجاوز المنتجات التي تمثلها، تصبح العلامة التجارية نفسها علامة على القيم والهوية وأسلوب الحياة؛ مما يخلق ارتباطًا حقيقيًا يتجاوز الوظيفة المادية للمنتجات، وتؤكد ما بعد الحداثة على تجزئة وسيولة الهوية. وفي الثقافة التي يقودها المستهلك، غالبًا ما يقوم الأفراد ببناء هوياتهم من خلال المنتجات التي يستهلكونها، ويصبح الاستهلاك وسيلة للتعبير عن الفردية وخلق الروايات الشخصية. على سبيل المثال: تعد منصات وسائل التواصل الاجتماعي ساحات يقوم فيها الأفراد بتنظيم وعرض خياراتهم الاستهلاكية كجزء من علامتهم التجارية الشخصية، ويشارك الأشخاص صورًا لخيارات طعامهم وأزيائهم وأسلوب حياتهم؛ مما يساهم في بناء هوية شخصية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتفضيلات المستهلك، وتعترف ما بعد الحداثة بتأثير العولمة على ثقافة المستهلك. وبينما يوجد تنوع في المنتجات المتاحة، هناك أيضًا ميل نحو التجانس الثقافي؛ حيث تشكل العلامات التجارية والاتجاهات العالمية تفضيلات الناس وأنماط حياتهم في جميع أنحاء العالم. مثال: يوضح انتشار سلاسل الوجبات السريعة مثل (ماك دونالز) في مختلف أنحاء العالم كيف يمكن للعلامات التجارية العالمية أن تؤثر على الثقافات المحلية، ويساهم انتشار بعض المنتجات والعلامات التجارية في كل مكان في الشعور بالتشابه الثقافي في أجزاء مختلفة من العالم. يقدم جيمسون في كتابه "ما بعد الحداثة والمجتمع الاستهلاكي" تحليلات من ثلاث مراحل لتطور الرأسمالية، حيث يربط كل نظام اقتصادي جديد بـ ظهور نوع جديد من الحياة الاجتماعية وظهور سمات شكلية جديدة في الثقافة، المرحلة الأولى: رأسمالية السوق، تتميز بالنمو الصناعي الذي يخلق السلع للأسواق الوطنية، يمثل هذا العصر الكلاسيكي للرأسمالية "ذروة الأسرة النووية" وصعود البرجوازية، وكلاهما ينعكس في الشكل الجمالي السائد للواقعية. المرحلة الثانية: الرأسمالية الاحتكارية، تتوافق مع عصر الإمبريالية وتتميز بإنشاء أسواق عالمية منظمة حول الدول القومية؛ في هذه المرحلة "الثقافة المهيمنة" هي الحداثة. المرحلة الثالثة والأخيرة: مرحلة الرأسمالية متعددة الجنسيات، والتي تتميز بتطور الأسواق العالمية وتقويض الحدود الوطنية. ويرى جيمسون أن العصر الحالي للرأسمالية المتعددة الجنسيات يتميز بصعود البيروقراطية؛ مما يشير إلى زوال الفرد البرجوازي الخاضع للعصر الكلاسيكي. والثقافة المهيمنة هي ما بعد الحداثة، والتي ينظر إليها على أنها رد فعل ضد أشكال الفن الحداثي. وباختصار: في إطار ما بعد الحداثة، يُنظر إلى النزعة الاستهلاكية على أنها قوة معقدة ومؤثرة تشكل الإنتاج الثقافي، وبناء الهوية، والتجربة الشاملة للمجتمع المعاصر، وتدعو عدسة ما بعد الحداثة إلى إجراء فحص نقدي لكيفية مساهمة ثقافة المستهلك في بناء المعنى وتشكيل الهويات الفردية والجماعية. تداخل الأنواع الأدبية: إن ما بعد الحداثة حركة معقدة ومتعددة الأوجه تتحدى الحدود والأعراف التقليدية بما في ذلك الأنواع الأدبية، وإحدى خصائص أدب ما بعد الحداثة هي الميل إلى طمس الأنواع أو تداخلها؛ مما يؤدي إلى إنشاء أعمال تقاوم التصنيف المتعارف عليه، وفي رواية "الأشياء التي حملوها" لتيم أوبراين، يطمس المؤلف الخطوط الفاصلة بين الخيال والواقعية، وينسج مجموعة من القصص حول حرب فيتنام معًا، ولا يستكشف العمل الآثار النفسية للحرب فحسب؛ بل يعكس أيضًا طبيعة رواية القصص وبناء الروايات التاريخية. مثال: تجمع رواية "تحطم الثلج" لنيل ستيفنسون بين عناصر السايبربانك والهجاء والخيال العلمي، ويستكشف النص عالم المستقبل القريب؛ حيث تتشابك الحقائق الافتراضية والمادية؛ مما يعكس مخاوف ما بعد الحداثة حول تأثير التكنولوجيا على المجتمع وسيولة الهوية، وعلى الرغم من ارتباط رواية "مئة عام من العزلة" لجابرييل جارسيا ماركيزز الواضح بالتقاليد الأدبية في أمريكا اللاتينية، إلا أن الواقعية السحرية نوع يطمس الحدود بين الواقعي والسحري؛ حيث يدمج ماركيز في الرواية عناصر خيالية في ملحمة عائلية؛ مما يخلق قصة تتحدى الزمن الخطي والواقع التقليدي. مثال: تدور أحداث رواية "مايسون وديكسون" لتوماس بينشون في القرن الثامن عشر، ولكنها تتضمن لغة عفا عليها الزمن وتقنيات السرد ما بعد الحداثة؛ إنه يتلاعب بالأحداث والشخصيات التاريخية، ويمزج بين الحقيقة والخيال لإنشاء عمل يتحدى تصنيف الخيال التاريخي التقليدي. ورواية إيتالو كالفينو "إذا كان في ليلة شتاء مسافر" استكشاف واعي لفعل القراءة، وهي تتألف من روايات متشابكة تعلق على عملية سرد القصص وتفاعل القارئ مع الخيال، إن العمل ليس مجرد قصة؛ بل هو انعكاس لطبيعة القصص نفسها. تتضمن "بيت الأوراق" لمارك ز. دانيلفسكي عناصر الرعب، وما وراء القص، والهياكل السردية غير التقليدية؛ إنها قصة متاهة عن تجربة عائلة مع منزل غامض يتحدى قوانين الفيزياء، يتم فيها تقديم السرد من خلال طبقات متعددة، بما في ذلك الحواشي السفلية والخطوط المختلفة والعناصر المرئية؛ مما يخلق تجربة قراءة مقلقة وغامرة. توضح هذه الأمثلة كيف أن ما بعد الحداثة غالبا ما تنطوي على مزيج من الأنواع، وتحدي الفروق التقليدية ودفع حدود التعبير الأدبي. ويتعامل مؤلفو ما بعد الحداثة مع أنواع متعددة في وقت واحد لاستكشاف التعقيدات والشكوك في الحياة المعاصرة، ودعوة القراء إلى التشكيك في معايير السرد الراسخة وإعادة النظر فيها. شاعرية الرواية: هناك تأكيد على أن ما بعد الحداثة الأدبية تتمحور في الغالب على الخيال السردي، على عكس أشكال الكتابة الأخرى مثل الشعر، يؤكد عمل (ليندا هاتشيون) شاعرية ما بعد الحداثة ورواية ما بعد الحداثة لــــ (بريان ماكهيل) على أهمية رواية ما بعد الحداثة في سياق ما بعد الحداثة، وكلاهما نصان مؤثران على الحداثة الأدبية، وغالبًا ما تكون الحدود التقليدية بين الشعر والرواية غير واضحة، مما يؤدي إلى إعادة تعريف أدوارهما، وإحدى طرق التعبير عن هذا التحول هي فكرة أن الشعر في ما بعد الحداثة يأخذ وظيفة توثيقية أكثر، مع التركيز على الارتباط المباشر بالواقع، بينما تصبح الرواية أكثر شاعرية، وتتضمن عناصر خيالية وجمالية مرتبطة تقليديًا بالشعر. "الأرض الخراب" بقلم تي. إس. إليوت قصيدة حداثية تتنبأ ببعض اتجاهات ما بعد الحداثة، إنها تشتمل على مجموعة واسعة من المراجع الثقافية والتلميحات التاريخية واللغة المجزأة لتصوير خيبة الأمل والتفتت في حقبة ما بعد الحرب العالمية الأولى، ويمكن النظر إلى القصيدة على أنها رواية وثائقية عن المشهد الثقافي والنفسي في عصرها، وذلك باستخدام الشعر كوسيلة لتصوير تعقيد وفوضى العالم الحديث. "إذا كان مسافر في ليلة شتاء" لإيتالو كالفينو عمل معقد وانعكاسي ذاتي يتحدى الهياكل السردية التقليدية، ويتألف من روايات متعددة متشابكة؛ مما يخلق شبكة معقدة من القصص داخل القصص، ويمكن اعتبار تلاعب الرواية باللغة والأشكال السردية والعلاقة بين المؤلف والقارئ شاعريًا، ويستخدم كالفينو الرواية كوسيلة لاستكشاف جمال اللغة والإمكانيات الخيالية لسرد القصص؛ مما يطمس الخطوط الفاصلة بين الخيال والشعر. "عواء" لألين جينسبيرج قصيدة ما بعد الحداثة تعمل بمثابة قصة وثائقية عن تجارب الثقافة المضادة لجيل الـــ بيت جِنِريشان Beat Generation. يستخدم اللغة العامية والصور الحية لتصوير النضالات والإحباطات والتطلعات في ذلك الوقت، ويعكس أسلوب القصيدة منهجًا وثائقيًا للشعر؛ حيث يقدم صورة غير مصفاة للواقع الاجتماعي والثقافي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتشتهر رواية "المسلخ الخامس" للكاتب كيرت فونيغوت ببنيتها غير التقليدية وسردها عبر الزمن، وتمزج الرواية بين عناصر الخيال العلمي والسيرة الذاتية والخيال التاريخي بطريقة يمكن اعتبارها شاعرية، كما يساهم استخدام فونيغوت لسرد القصص المجزأ والبنية غير الخطية في الجودة الشاعرية للرواية؛ مما يتحدى المفاهيم التقليدية حول كيفية ظهور السرد. وفي هذه الأمثلة، يأخذ الشعر دورًا وثائقيًا من خلال التعامل مباشرة مع حقائق العالم، وغالبًا ما يستخدم اللغة اليومية والمراجع الثقافية، ومن ناحية أخرى، تتبنى الرواية موقفًا أكثر شاعرية؛ حيث تتضمن عناصر خيالية وتجريبية تتجاوز السرد القصصي التقليدي. إن عدم وضوح الحدود سمة مميزة لأدب ما بعد الحداثة؛ حيث يصبح التمييز بين الأشكال الأدبية المختلفة سلسًا ومفتوحًا لإعادة التفسير.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الأكاديميون الجدد والإباحية الجنسية
المزيد.....
-
كولوسيوم الجم التونسية.. تحفة معمارية تجسد عبقرية العمارة ال
...
-
الفيلم المصري -الست- عن حياة أم كلثوم محور حديث رواد مواقع ا
...
-
بعد مشاهدته في عرض خاص.. تركي آل الشيخ يشيد بفيلم -الست-
-
كيف أسهم أدب الرحلة في توثيق العادات والتقاليد عبر العصور؟
-
التعلم العاطفي والاجتماعي: بين مهارة المعلم وثقافة المؤسسة
...
-
تونس.. فلسطين حاضرة في اختتام الدورة الـ26 لأيام قرطاج المسر
...
-
وفاة الكاتب المسرحي الأسطوري السير توم ستوبارد
-
في يومه الثاني.. مهرجان مراكش يكرم -العظيمة- جودي فوستر
-
ممزّق .. كهذا الوطن
-
تكريم النجم المصري حسين فهمي في افتتاح مهرجان مراكش للفيلم ا
...
المزيد.....
-
خرائط العراقيين الغريبة
/ ملهم الملائكة
-
مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال
...
/ السيد حافظ
-
ركن هادئ للبنفسج
/ د. خالد زغريت
-
حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني
/ السيد حافظ
-
رواية "سفر الأمهات الثلاث"
/ رانية مرجية
-
الذين باركوا القتل رواية
...
/ رانية مرجية
-
المسرواية عند توفيق الحكيم والسيد حافظ. دراسة في نقاء الفنون
...
/ د. محمود محمد حمزة
-
مداخل أوليّة إلى عوالم السيد حافظ السرديّة. الطبعة الثانية
/ د. أمل درويش
-
مشروع مسرحيات مونودراما للسيد حافظ. اكسبريو.الخادمة والعجوز.
...
/ السيد حافظ
المزيد.....
|