حسان الشيخ علي
الحوار المتمدن-العدد: 8539 - 2025 / 11 / 27 - 00:39
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تاريخيا نصب الاسلاميون العداء للشيوعيين، وتبعهم القوميون. وتعرض الشيوعيون في العالم العربي لشتى ضروب التعذيب الجسدي والنفسي، ونصبت لهم بعض الأنظمة "القومية" المشانق، بينما أذابت أنظمة أخرى أجسادهم في أحواض الأسيد. وفي السجون الحربية نهشت الكلاب أجسادهم.
مع ذلك كله، واصل الشيوعيون نضالهم ومارسوا على الأرض فكرهم وقناعاتهم بأهمية العمل ضمن الجبهات الوطنية وبأهمية العمل حتى في " البرلمانات الأشد رجعية".
والى أمد قريب ، إمتاز الشيوعيون العرب بنظافة اليد والنزاهة والصدق، دون أن ننكر إنحراف البعض منهم والركض وراء الماديات ... لكن ظل ذلك في إطار الحالات الفردية وليس الظواهر العامة.
إمتاز الشيوعيون بالمنهج الجدلي العلمي في التحليل، وكانوا ينطلقون في تحليلاتهم حول أي حدث مفصلي في تاريخ حركات التحرر من إستعراض للوضع الدولي ومعادلاته وتعقيداته وموازين القوى الدولية، ثم الوضع الإقليمي، ثم الوضع المحلي للبلد.
في الحالة الفلسطينية مثلا، كان الشيوعيون يحللون ويبدون وجهة نظرهم إزاء القضية الفلسطينية أو أي من محاطاتها المفصلية إنطلاقا من الوضع الدولي فالإقليمي فالفلسطيني ويقولون كلمتهم التي تلقى إتهامات وإنتقادات حادة وصلت في بعضها الى مرحلة التخوين أو ترديد المقولة المشهورة " إن أمطرت في موسكو ... تحملوا شماسي هنا" في إشارة الى تبعية الموقف الشيوعي لاملاءات "موسكو" إبان حقبة الإتحاد السوفياتي ودول المنظومة الإشتراكية.
بخصوص قرار تقسيم فلسطين وهو القرار رقم (181) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني / نوفمبر 1947 فقد أيدته "عصبة التحرر الوطني الفلسطيني" بوصفه " أفضل أسوأ الحلول" ذلك أن رفاق العصبة آنذاك إنطلقوا من تحليلهم للوضع الدولي والعربي والفلسطيني وجميعها لم تكن في صالح الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة، رغم الادراك والوعي التامين للشيوعيين في العصبة أن القرار يعطي ما نسبته (55%) من الأرض للكيان الغاصب.
لقد تم تخوين رفاق العصبة بسبب موقفهم هذا. لكننا لو تمعنا الى ما آلت اليه الأمور بالنسبة للقضية الفلسطينية الان ... فإننا نتحسر لأننا لم نقبل قرار التقسيم بل وحتى إتفاقيات "كامب ديفيد" . مع الإشارة الى هذا الكم من الدراسات التي صدرت والتي تهاجم عصبة التحرر الوطني الفلسطيني والشيوعيين الفلسطينيين وبضمنها دراسة الكاتب سميح سمارة " العمل الشيوعي في فلسطين " ودراسته بعنوان " موقف الحزب الشيوعي من قيام إسرائيل" وكذلك كتاب " التبعية للاتحاد السوفياتي" و كتاب " موقف الحزب من المقاومة" بالإضافة الى كتاب الباحث صبري جريس بعنوان " العرب في إسرائيل" وكتاب عبد القادر ياسين " الحركة الشيوعية في فلسطين – نقد التجربة" وغيرهم الكثير.
وليس من باب الوقوف على الأطلال أو التحسر على الماضي التليد، فقد إستمر الشيوعيون الفلسطينيون ( رغم تشتتهم في أكثر من حزب أو تنظيم) في نضالهم والتعبير عن مواقفهم وفقا للمعطيات الدولية والاقليمية والعربية، حتى أن أحدهم في يومنا هذا يعد من أبرز الشخصيات التي تتزاحم عليها الفضائيات تماما كما تتزاحم " الدبابير على سدر الهريسة".
والغريب أن الجميع، من أقصى اليسار وحتى أقصى اليمين، كانوا وما زالوا يترقبون معرفة موقف الشيوعيين وينتظرونه ربما لتحديد موقفهم وفقا له وأيضا وفي ذات الوقت كي ينتقدونه ويهاجمونه.
وكي لا نبتعد كثيرا ويظن البعض أن الحديث يدور عن الماضي التليد ولا يشير الى الوضع الراهن حيث يطفو على السطح " التلوث المالي" عند بعض الشيوعيين القياديين ويعتمد بعض رموز الحزب سياسة "الباب الموارب" أو " موقف اللاموقف" جراء هذا التلوث والارتهان المالي ما يؤدي الى إنحراف البوصلة .. لا بد من الإشارة الى أن رؤيا الشيوعيين ما زالت تتسم بالموضوعية وإنطلاقها من تقدير سليم الى حد بعيد للظروف الذاتية والموضوعية.
في تاريخ الثورة الفلسطينية الحديث ... وخاصة بعد حرب الأيام الستة عام 1967 حيث إحتلت دولة الإحتلال كامل التراب الوطني الفلسطيني ... إعتبر الشيوعيون الفلسطينيون أن الأرض المحتلة هي الساحة الرئيسية للنضال، في الوقت الذي إعتبرت فيه باقي الفصائل أن التحرير يأتي من الخارج. كما وإعتبر الشيوعيون أن النضال الوطني يجب أن يرتكز على النضال الجماهيري وإتباع كافة أساليب النضال وبضمنها النضال السياسي وأرقى أشكاله الكفاح المسلح .. لكن دون إعتباره الاداة النضالية والكفاحية الوحيدة ... فهو وسيلة لتحقيق هدف ... لكنه ليس هدفا بحد ذاته.
وعندما كان لا بد من توظيف الكفاح المسلح كأداه نضالية بغية حماية الشعب أو الدفاع عن منجزاته أو المساهمة مع فصائل العمل الوطني في لبنان مثلا في النضال .. مارس الشيوعيون الكفاح المسلح وفقا للظروف الموضوعية والذاتية آنذاك. فشكل الشيوعيون الآردنيون والفلسطينيون قوات الأنصار بعد حرب عام 1967 التي ساهمت في النضال الفدائي الفلسطيني ضد الإحتلال، لكنها أوقفت نشاطها بعد أحداث أيلول عام 1970 في الأردن ذلك لأنها كان تعارض التدخل في الشؤون الداخلية للبلد. وقاد الرفيق الشهيد عمر عوض الله الجناح العسكري للجبهة الوطنية في قطاع غزة مطلع سبعينات القرن المنصرم، وشارك رفاق الحزب في صد العدوان الإسرائيلي على لبنان في الأعوام 1978 و 1980 و 1982 ( بغض النظر أكانت المشاركة ضمن تشكيلات الحزب الشيوعي الفلسطيني الثوري بقيادة الرفيق عربي عواد، أو التنظيم الشيوعي الفلسطيني في الضفة الغربية والحزب الشيوعي الأردني).
إبان الإنتفاضة الأولى، شارك حزب الشعب في القيادة الوطنية الموّحدة للانتفاضة وفي كافة فعالياتها، ودعا بوضوح وعلانية الى تجنب " عسكرة الإنتفاضة" والحفاظ على طابعها السلمي " المتمثل في إنتفاضة الحجارة" ما أكسبها زخما عالميا.
في كافة هذه المحطات، كان الشيوعيون يدركون أن معادلات الوضع الدولي والعربي والفلسطيني الداخلي لا تسمح وليست في صالح القضية الفلسطينية ما يلزم تطبيق المثل الشعبي القائل " قيس قبل ما تغيص".
لا يعني ذلك مطلقا دعوة للاستكانة وإنما إستخلاصا للعبر والنتائج وبلورة رؤيا وبرنامج وطني نضالي تحرري يتسم بطول النفس خاصة بعد تداعيات الوضع الراهن.
#حسان_الشيخ_علي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟