أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمزه حمزه الكاتب - حين توقفت الساعة في القاهرة














المزيد.....

حين توقفت الساعة في القاهرة


حمزه حمزه الكاتب

الحوار المتمدن-العدد: 8450 - 2025 / 8 / 30 - 11:17
المحور: الادب والفن
    


لم يكن شيئًا غير عادي حين جلستُ في ذلك المقهى العتيق، المطلّ على شارعٍ تتشابك فيه الوجوه كأحجار فسيفساء لا يكتمل شكلها أبدًا. لكن الغريب أنّ عقارب الساعة المعلّقة فوق رأسي كانت تتحرك بلا توقف، بينما الشارع بدا ثابتًا، كأن الزمن فقد شهيته فجأة، أو كأن القاهرة قررت أن تعلن عصيانها على قوانين الكون.

رفعتُ رأسي إلى تلك الساعة، ثم إلى النيل البعيد، فوجدتُ أن الماء نفسه لا يجري كما اعتدت أن أراه، بل كأنه يكرر الموجة ذاتها مرارًا، كأنني عالق في لحظة واحدة إلى الأبد. تساءلتُ: أهذا هو الزمن في مصر؟ لا يسير… بل يلتف حول نفسه؟

جاء النادل بملامحه التي يصعب أن تُحدِّد عمرها، فقد يكون شابًا في العشرين، أو شيخًا تجاوز السبعين. وضع فنجان القهوة أمامي وهمس:
– "أول مرة في القاهرة؟"
هززتُ رأسي بالإيجاب. ابتسم ابتسامة غامضة، وقال كمن يقرأ أفكاري:
– "هنا يا سيدي… لا تنتظر أن يتحرك الزمن كما في بلادكم."

ابتلعتُ الصمت. كنت أريد أن أقول له إنني أشعر أنني لست في مكان محدد، بل في طبقات من الزمن. فجأة، لمحتُ من نافذة المقهى مبنى حديثًا يجاور بيتًا عثمانيًا عتيقًا، وخلفهما مئذنة مملوكية، وفي الأفق ظلّ هرمٍ يطل كعين قديمة على مدينة متعبة. كيف يمكن لمدينة أن تسكن كل الأزمنة في جسدٍ واحد؟

أخرجتُ دفتري، وكتبت:
"في مصر، عقارب الساعة تدور… لكنها لا تقطع الزمن، بل تخيطه في دوائر."

حوار داخلي مع القاهرة

حين خرجتُ إلى الشارع، شعرت أن القاهرة تراقبني. لم يكن الناس هم الذين يثيرون دهشتي، بل الأرصفة التي تحتفظ بآثار أقدام ملايين من قبلي، والهواء الذي يحمل بقايا أصوات لا أعرف متى نُطقت. كانت القاهرة تهمس لي:
"أنا لستُ مدينة يا غريب… أنا الذاكرة ذاتها. أنا الماضي الذي لم يرحل، والحاضر الذي يرفض الاستقرار، والمستقبل الذي يولد قبل أوانه."

تساءلتُ في سري: هل نحن الذين نعيش في مصر، أم مصر هي التي تعيش فينا؟ أيمكن أن تكون مجرد وطن؟ لا… إنّها فكرة، فكرة أزلية، لا يمكن أن تُختصر في تراب وحدود. إنّها عقلٌ كامل يكتب التاريخ بأصابعه، ثم يمحو ويكتب من جديد.

تجليات الزمن المصري

وأنا أسير، رأيت مشهدًا اختصر كل شيء:
بائع فول على ناصية الشارع، يغلي في قدرٍ أسود يشبه قدر الفراعنة، وإلى جواره شاب يطلب طعامه عبر تطبيق ذكي. في اللحظة ذاتها، كان صوت أذان من مسجد مملوكي يتداخل مع موسيقى صاخبة تخرج من سيارة حديثة. ضحكتُ في داخلي: ما هذا؟ أهو تناقض أم تناغم؟ أم أن مصر جمعت بين الأضداد لأنها وحدها تستطيع؟

رأيت امرأة عجوزًا تحمل على رأسها سلة كما لو خرجت من لوحة قديمة، ثم عبر بجانبها شاب ببدلة أوروبية، هاتفه يضيء ككوكب صغير في يده. قلتُ لنفسي:
"في بلاد أخرى، الأزمنة تتعاقب… أما هنا فهي تتعايش."

لحظة الكشف

عند جسر قصر النيل، توقفتُ. كانت القاهرة أمامي كاملةً، بأضوائها وضوضائها وصمتها العميق الذي لا يسمعه إلا من يرهف القلب. شعرت أنني أقف في قلب مفارقة كبرى: كيف لمدينة أن تعيش آلاف السنين ولا تموت؟
ربما لأنها لم تكن يومًا مدينة عادية، بل كانت دائمًا فكرة. والفكرة لا تموت.

فكرت في هذه الحقيقة وأنا أكتب الجملة الأخيرة في دفتري:
"لو اجتمعت كل حضارات العالم في مناظرة، لجلست مصر في الوسط، لا لأنها الأقدم، بل لأنها الوحيدة التي تملك سرّ الزمن."

ثم أغلقتُ دفتري، وغادرتُ المقهى. لكنني أدركت في اللحظة نفسها أنني لم أغادر مصر… لأنّها لم تكن مكانًا أبدًا، كانت زمنًا يتكرر بلا نهاية.



#حمزه_حمزه_الكاتب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحت جلود المصريين


المزيد.....




- غزة سينما مفتوحة تحت سماء إسطنبول + فيديو
- ذاكرة الاستقلال والخرسانة الوحشية.. تونس تودّع -نزل البحيرة- ...
- حماس تدعو لترجمة إدانة دول أوروبية للعدوان على غزة إلى خطوات ...
- موعدي مع الليل
- اللغة الفارسية تغزو قلوب الأميركيين في جامعة برينستون
- ألبرت لوثولي.. تحقيق في وفاة زعيم جنوب أفريقيا ينكأ جراح الف ...
- خبير عسكري: ما جرى بحي الزيتون ترجمة واقعية لما قاله أبو عبي ...
- تاريخ فرعوني وإسلامي يجعل من إسنا المصرية مقصدا سياحيا فريدا ...
- ما لا يرى شاعرٌ في امرأة
- البرتغال تلغي مهرجاناً موسيقياً إسرائيلياً عقب احتجاجات وحمل ...


المزيد.....

- الثريا في ليالينا نائمة / د. خالد زغريت
- حوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الأول / السيد حافظ
- يوميات رجل غير مهزوم. عما يشبه الشعر / السيد حافظ
- نقوش على الجدار الحزين / مأمون أحمد مصطفى زيدان
- مسرحة التراث في التجارب المسرحية العربية - قراءة في مسرح الس ... / ريمة بن عيسى
- يوميات رجل مهزوم - عما يشبه الشعر - رواية شعرية مكثفة - ج1-ط ... / السيد حافظ
- . السيد حافظيوميات رجل مهزوم عما يشبه الشعر رواية شعرية مك ... / السيد حافظ
- ملامح أدب الحداثة في ديوان - أكون لك سنونوة- / ريتا عودة
- رواية الخروبة في ندوة اليوم السابع / رشيد عبد الرحمن النجاب
- الصمت كفضاء وجودي: دراسة ذرائعية في البنية النفسية والجمالية ... / عبير خالد يحيي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمزه حمزه الكاتب - حين توقفت الساعة في القاهرة