أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمزه حمزه الكاتب - تحت جلود المصريين














المزيد.....

تحت جلود المصريين


حمزه حمزه الكاتب

الحوار المتمدن-العدد: 8445 - 2025 / 8 / 25 - 02:28
المحور: الادب والفن
    


لا أعرف متى كان ذلك اليوم، ولا أي ساعة انقضت من عمر الزمن حين جلست بين جدي وجدتي وأمي. لم أكن أعير الوقت اهتمامًا، فقد تعلمت منذ زمن بعيد أن الزمن، في حقيقته، وهمٌ لا يلبس إلا ليخفي عري الوجود. كانت الجلسة عادية؛ حديث متشابك، ضحكات تتسلل بين الكلمات كخيوط الضوء في غرفة معتمة.

ثم فجأة، كسرت أمي هذا النسق المعتاد بسؤال وجّهته إلى جدي:
"ما هو اللوغارتم؟"

أحيّيتها في صمت على هذا السؤال، إذ بدا لي وكأنها انتزعتنا من حدود اللحظة إلى فضاء أوسع، فضاء الأرقام التي تخبئ أسرارًا عن الكون. رفع جدي رأسه، وابتسم ابتسامة العارف بما لا نعرف، ثم شرع يحكي. لم يكن تفسيرًا جافًا كما في كتب الحساب، بل كان حكاية، أقرب إلى أسطورة علمية؛ قصة عن زمن بعيد استخدم فيه اللوغارتم ليحل معضلة، وكيف انفتح أمامه العالم حينذاك كما تنفرج الأبواب المغلقة أمام مفتاح سحري.

وأنا أنصت، شعرت بشيء غريب يسري في أعماقي، كأن حروف اللوغارتم ليست أرقامًا فقط، بل مفاتيح سرية تُدخلنا إلى عوالم الفكر البشري الممتدة عبر القرون.

انتقل جدي من قصة إلى أخرى، من الرياضيات إلى التاريخ، من الحروب إلى الفلسفة، حتى وجدت نفسي في رحلة تتجاوز حدود المكان والزمان، كأنني أعبر أروقة متحفية لحضارات شاسعة، تلتقي فيها الأرقام مع النقوش الحجرية، والفكر مع الأساطير.

ثم، فجأة، ألقى جدي جملة، جملة قالها في إحدى الندوات بالقاهرة، اقتباسًا عن الباحثة الأمريكية في الحضارات القديمة، الدكتورة كريس:

"بالرغم من الفقر والجهل الذي يسود مصر، إلا أن الحضارة تسري تحت جلود المصريين."

توقفت اللحظة. سكنت الأصوات في رأسي، ولم أعد أرى سوى هذه الكلمات. أي معنى هذا؟ كيف يمكن للحضارة أن تسري تحت الجلد؟ أليست الحضارة شيئًا ماديًا؟ قصور، معابد، تماثيل، مخطوطات؟ لكن لا... هنا تكمن الحقيقة التي لم ندركها: الحضارة ليست أبنية ولا آثارًا فحسب، بل طاقة خفية، دم يسري في الشرايين، لغة صامتة تحكي حتى وإن عجزت الألسنة.

هذه الجملة لم تكن مجرد وصف لمصر، بل كانت نافذة على سر الوجود الإنساني كله. الحضارة، حين تكون أصيلة، تتحول إلى طبع، إلى فطرة، إلى شيء يسكن خلايا الجسد. قد ينهار الاقتصاد، قد يسيطر الجهل، قد يشتد الفقر، لكن يظل في العمق شيء لا يموت، شيء يتوارثه الناس كما يتوارثون لون العيون أو شكل الملامح.

مصر، تلك الأرض التي كانت مهداً للتاريخ، لم تفقد أبداً روحها. حين تنظر إلى المصري البسيط، وهو يضحك وسط قسوة الحياة، تدرك أن تحت جلده تاريخًا يمتد آلاف السنين. في صوته بقايا نغمات فرعونية، في ملامحه آثار النقوش الحجرية، وفي حركاته اليومية ظل من أهرامات شامخة تتحدى الرياح.

حضارة مصر ليست ماضياً اندثر، بل نهر خفي يجري تحت السطح، يمد جذوره في كل جيل، حتى وإن غطته طبقات من الغبار. إنها ذاكرة لا تمحى، قوة كامنة في اللغة، في الإيماءات، في طقوس الحياة البسيطة. لهذا قال جدي الجملة بلهجة من يعرف قيمتها، ولهذا وجدتني أتساءل: كم من الشعوب تملك حضارة تسري تحت الجلد؟ كم من الأمم يمكنها أن تنهض من رمادها لأنها تحتفظ بجيناتها الحضارية؟

أدركت يومها أن الحضارة ليست مجرد ماضٍ يُحكى، بل قدر يُكتب في اللحم والدم. مصر، رغم كل ما يقال عنها، لن تزول لأنها ليست حجارة تُهدم ولا كتبًا تُحرق، بل هي فكرة متجسدة في بشر... فكرة خالدة، تتسلل مع كل نفس، وتنتظر لحظة الانبعاث.



#حمزه_حمزه_الكاتب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!
- المدرسة كمجتمع صمود إيجابي: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفع ...
- ضع في حقيبتك حجراً وقلماً ونكافة .. إلى صديقي الشاعر المتوكل ...
- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...
- محمد السيف يناوش المعارك الثقافية في -ضربة مرفق-
- دهيميش.. مقرئ ليبي قضى 90 عاما في خدمة القرآن
- -عفريتة- السينما المصرية.. رحيل -كيتي- نجمة الاستعراض في زمن ...
- 11 رمضان.. إعادة رسم الخرائط من خراسان لأسوار دمشق


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمزه حمزه الكاتب - تحت جلود المصريين