سعيدة الرغيوي
الحوار المتمدن-العدد: 7998 - 2024 / 6 / 4 - 20:14
المحور:
الادب والفن
نور الدين ضرار؛ صوت شعري قادم من زمن حالمٍ ليزين البياضَ بزخات إبداعية؛ وسمها ب: " زخات من المطر الأخير فصوص بنُكهة السوشي".
ومضات شعرية ترسمُها الذّات الشّاعرة بلغةٍ شعرية أنيقة موشاة بمفردات ممتاحة من الطبيعة بسهلها وجبالها،مروجها ووديانها وكائناتها الوديعة.
يلتقطُ صوره ااشعرية المنضوية تحت مظلة شعر الهايكو؛ كما يلتقطُ الصيادُ سمكة بخفةٍ ورشاقةٍ.
تحتاجُ لِتُمسكَ لهايكواته / زخاته الممطرة لقراءة بصرية حسية..فالقصيدة القلقة تبدُو من خلالِ تصوره عمارةً مُتأرجحة لا تستقرُّ على حالٍ..فهي في قلقها وارتدادها ننْمازُ بحركيتها وهذا ما يستشف من قوله :
قصيدة قلقة
كعمارة متأرجحة
بوتيرة كرسي هزاز
يرسم الشاعر دهشته الشّعرية بعين مصور مفتتن بجمالية الصور ..
غريق يائس
في نزعه الأخير
يتعلق بالماء في الماء
فالماء هنا؛ رمز للنّجاة ورمز للغرق؛ فالغريقُ يحتمي من الماء بالماء؛ وكأن الصُّورة تعكسُ التشبت بالحياة؛ فالماءُ مصدر الانبعاث يتحول في هذا المشهد إلى منتزِعٍ للحياة.
نسر مهيضٌ
في سقوطه الحر
يتشبَّتُ بما تبقّى من سماء،ص 78.
يشتغل على الوصف وتتحركُ الصور النّائمة في حضن البياضِ إلى صُورٍ متموجة مُتحركة ..وهذا مرجعهُ بالأساس إلى قُدرة المبدع على التقاط أدق التفاصيل ..
يرسمُ موعد لقاء الحبيبة؛ فيتسلل إلى تفاصيلها وتضاريسها : ( العين / عينك)، ص 50؛ فيجعلُ المشهد ممطرا؛ بتوظيفه لمفردة الغيمة ..يومئُ بشكلٍ غير صريحٍ للمكانة التي تنزلها الحبيبة بتوسله مفردة ( الأعالي.السّماء).
تفاصيلُ لقاء الحبيبة ..الرسائل المرسلة إليها بطعم الشّتاء ص 27.
ها رسائلي إليها
في صُندوق بريدها
داهمها شتاء آخر
وهنا إشارة دائما إلى عدم تحقُّقِ الوصل بالحبيبةِ التي لم تعبأْ برسائلهِ؛ وهذا ما يُستفاد من خلال عبارة : ( داهمها شتاء آخر)،ص 27. من الفصل الموسوم ب: " رسائل متقادمة.
إن المبدع " نور الدين ضرار" لصيق بقضايا الأمة والمجتمع فلا تخلو هذي الزَّخات من صور العرب وخنوعهم ..إذ يعري تخاذلهم وصمتهم يقول في ص ٧٦ :
أيها العرب
رجاء سكوت
دعوا الأرض بصمتكم تموت
وفي النصوص التي جعل لها عنوان : " صولة الريح" ؛ من ص ٦٥ إلى ص ٧٨؛ يصور حفيف الفراغ وهُبوب النّوارس وهدير الرّمل..روح الله تهدهد الأرض،ظلال مارقة،عويل وبكاء.
هي الريح كل هذي الصُّور؛ ينصتُ بعمقٍ ليقتلعَ صولة الريح ..فهي كل هذا الزّخم،وهذهِ المشاهد والانفعالات المتباينة؛ فالريح إيقاعات مختلفة،عزفٌ، صراخٌ،هديرٌ وهسيسٌ...الخ.
وبانتقالنا إلى الشذرات المعنونة ب: " أحزان إفريقية"؛ يقتفي أثر هذه القارة العجوز التي ينبتُ فيها الْحُزنُ والشّجنُ والرِّق والاستعمار والحياة؛ هي قارة المتناقضات.
النّيلُ
واهبُ الخلود
نكاية بسالبي الحياة
ففي هاته القارة كما أسلفت الإشارة تجتمعُ كل الصور والمفارقات
[الحياة# الموت]/ [ العبودية# الحرية]
وهذا ما يتبدى من الصورة الآتية ص ١٧.
يا للمُفارقة..
نيل من الحياة
خلف أغال من المدافن
كما يقبضُ على صُورِ الحياةِ الآسِرةِ الْمُفضية للاستغراق في التّأمل؛ ص ١٨.
على رِسْلها
تُعلِّمني الجنادلُ
غواية التّرحال
وينقل لنا أيضا ما تزخرُ بهِ هاته العجوز الْمُمعنة في الحلكة المصمخة بنشيدِ وصور الأصفاد والسلاسل
إفريقيا
لطخة من حُلكة العالم،
ونشيدٌ من صليل السلاسل
ص ١٤
قارةٌ زاخرةٌ بالثروات والأطماع ..المنهوبة من قبل القراصنة.
فراءُ فُهود
وأنياب فيلة،
وسواحل مكتظة بالقراصنة
ص ١٥.
هي إفريقيا الفاتنة بأدغالها المُمطرة..بيْدَ أنّ وجهها الآخر عُبودية ورق وتبعية.
أدغالٌ مطرية
فيضٌ من غدرانٍ
وتاريخٌ من قربان ص / ١٥.
استنتاج :
- تنويعٌ تيماتي :
- ما بين الذّاتي والموضوعي والرؤيا للعالم والوجود والمرأة والحياة ..تلويناتٌ وأصباغٌ مشهدية تنكتبُ بحِبر الدهشةِ حينا وفرط حساسية وبحبر التّعرية حيناً آخر.
وعودة للفصل المعنوان ب: " أحوال" ..
نجدهُ يستنكرُ خنوع العُرب ويتوسلهم السكوت ..
أيها العرب
رجاء سكوت
دعوا الأرض بصمتكم تموت
فهو مُوقنٌ موت العرب وجبنهم ..لذلك يتوجّهُ إليهم برجائه: [ رجاء سكوت / ص ٧٦].
هي أحوالُ المجتمع والشعوب والأفراد تستفزُّهُ ؛ فيستنطقُهَا ويُعريها: ص ٧٦٠٧٧.٧٨
تيمة السقوط والموت والغرق ؛ أحوال للفرد الذي بات يُصارعُ من أجل البقاء :
غريق يائس
في نزعه الأخير
يتعلق بالماء في الماء ص ٧٨.
...الخ.
لا تحسُّ بالتنافر وأنت تتلقى الومصات الشعرية (( الهايكوات))؛ فقد بناها الشاعر / الهايكيست وَفق جرس مموسقٍ يستوقفُ كل متلقٍ.
فلك أنت تقرأها من أسفل إلى أعلى :
غواية الترحال
تعلمتي الجنادلُ
على رسلها / ص ١٨.
وكغيرهِ من المبدعين لم تمر الجائحة الكورونية " كورونا" دون أن تتركَ أثرها؛ توجسها في نفسية الشاعر ؛ فأفرد لها ومضات عنونها ب: " توجسات كورونية " من ص ٣٣ إلى ص ٤١.
زخاتٌ من المطرِ الأخيرِ فُصُوصٌ بِنُكهة السُّوشِي يصَدِّرُها الشَّاعر / الهايكيست " نور الدين ضرار" ب:
من يكونُ هذا ال " باشو"؟
ساحِرٌ يبثُّ الشِّعر في الْحَجرِ والشّجَر
أم شَاعِرٌ بهايكو عن قصيدته اعْتذر؟
إنَّهُ الشِّعرُ حِينَمَا يَسْتَنْطِقُ كل ذرة في الكَوْنِ يَرْتسِمُ لوَحاتٍ آسِرةٍ تُغرِي بالْمُتابعةِ والنّبْشِ.
للمرأة في ومضَاتِه الْمَشهدية نصيب؛ لذلك خاصّها بأوراقٍ جعل لها عنوان : " زَهْوُ امرأة" من ص ٤٣ إلى ٤٨.
فهو العاشقُ المُتَيّمُ والمعْشُوقُ، الذي تَغَارُ مِنهُ الْمَرَايا؛ الصّادقُ في تجارب الحُبِّ.
تحَارُ الصّبَايا
تغارُ المرايا
تصِيرُ لوجهي عاشقة
من أعجب غرائبي
كلّ تجاربي
في الْحُبِّ صادقة
مُرتبكةُ الملامح، قفراء..وجهها تعكسهُ النّاقلات المُهترئة والنُّعُوشُ التي تجُوبُ الأحياء ص ٥٧.
المدينةُ قفراء
ناقلاتُها المُهترئة
نُعُوشْ تجوبُ الأحياء.
..كل مَا فِي المدينة يُعلنُ عن شُحُوبٍ ..خَوْفٍ.
الشَّاعر يُصَوِّرُ كل تفاصيلها : ( الأرصفة،عابرة اللّيل،الرجل الوحيدُ بالمقهى،الطّرق السّيارة، زجاج النّافذة، الشّوارع،مدارات المدينة،وَضْع الحارس في مدخل الْحَانة ...الخ)/ ص ٦٤.
عنْد مدخل الحانة،
حَارسٌ يتثاءبُ
بمنامة قِدِّيسٍ مُنَيْشَنة.
قريبٌ هو من نبضها ( المدينة) ..ومن تفاصيلها وكائناتها اللَّيلية؛ إذْ يعمدُ إلى التقاطِ أنفاس الشّجَرِ والْحَجَرِ لتنهض دفاتر المدينة من حالة الكُمُون التِي تكُون عليها؛ إلى حالة التَّعرِّي والانكشاف.
إن الهايكيست " نور الدين ضرار" يَتَسَلَّلُ إلى التَّفَاصيل ويتوَغَّلُ في كل صور المدينة؛ فَيُعَرِّي ملامحها وقَسَماتِها؛ لذلك فهو لَمْ يُخْطِئْ عندما خَصّ " باشُو" بومضته ص ٥ من الكتاب.
من يكون هذا ال " باشو "؟
ساحِرٌ يبثُّ الشِّعْر في الْحَجَرِ والشَّجَر
أم شَاعرٌ بهايكو عن قصيدته اعتذر؟
الشَّاعر لا يَصْمُتُ إلاّ ليتكلّمَ ويستنطق صُورا ومشاهد لأفضية وأشخَاص وكائنات :( إنسان،طبيعة حية وجامدة..).
فَهُوَ الأقدَرُ على نقْلِ صُور الوَاقعِ بكل تموجاتهِ وتناقضاتهِ؛ بشحُوبِهِ وزُهُورِه.
قرص مغشي في الآفاق
ونُورٌ مُنسَاب بِعَيْني
يَتَسَرَّبُ فِي الأعْمَاق
....هو الْمَطرُ والْماءُ واشْتِعالُ / الهايكو في حَضْرة شَاعِرٍ يُمَوسِقُ كلماته،يُبَدّدُ ظلمة السّديم بِأمَلٍ ..بِبَصِيصٍ من القلب؛ ص ٢٣ من المجموعة الشعرية.
بَصِيصٌ من القلب
يَكفِي ليُبدِّد
ظلمة السّديم
هي فصوص الشّعر بنُكهة ومضات معجونةٍ بِحِسّ شاعرٍ يرتحلُ بين الغيمة والسّماء وعيْنا الحبيبة ومَدّ الحُقولِ وصُنْدُوق الْبرِيد...الخ.
نُزْهة شِعْرِية سَمَاؤُها ممطرة رغم موت الأغاني القديمة؛ ص٥١:
السّماء تُمْطِرُ بِبَيتي
لا الأصصُ تُزهرُ بالشُّرفة
ولا أغْنياتي القديمة
هي حانةُ الرّوح ملاذُهُ عند الغرقِ ؛ لذلك جعلها كسفينة نوح،ص ٦٦ من الكتاب:
حانة الرُّوح
ملاذُ الرّيح في كنفِ العاصفة
أو سفينة نوح في غرقِ الأزمنة
في الظّلام والعَتمَة يُشْرِعُ الشاعر " نور الدين ضرار" نافذةً للحياةِ، يترَاشقُ مع الْحبيبةِ بالكلماتِ.
سطرٌ منْكِ،
سطرٌ مِنِّي،
ويُزهرُ الثالثُ بقلبي
ص ٢٦ من " رسائل متقادمة".
إنَّ المبْدِعَ " نور الدّين ضرار" ؛ يجعل من القلب والرُّوح ودائرة الضَّوء مسارب للكتابة والإبداع والتّلذُّذِ.
يقول :
مغمورة بدائرة الضّوء،
أتلذَّذُ عُرْيَها الْمُشِعّ
فِي القاعةِ الْمُعْتِمَة
الهايكيست " نور الدين ضرار" وزّعَ هَذهِ الأنْفَاس الشِّعْرية عبر عناوين رئِيسَة؛ ثُمَّ ضَمَّنَ هذه العناوين عناوينَ خاصَّة بكل هايكو/ ومضة شِعرية.
وفي ختام هذه الورقة أقول :
_ ماذا عَسَاهُ يَكُونُ الشّعر؛ إنْ لم يخترق العتمات ويُمْطر زخّات بفُصُوصٍ دَاعَبَت روح / قلب الشّاعِر / المُبْدع فجعلته يمطر بوحاً،اعترافاً،كشفاً ومُكاشَفةً.
وَهُنَا يَكُونُ قد أضاء السُّؤال الَّذِي انطلق منه حول هُوية ال " باشو" ..
من يكون هذا ال " باشو"؟
.............
- نور الدين ضِرار،شاعر ومترجم ومؤلف موسيقي مغربي.
- باشو ماسو: رائد شعر " الهايكو" الياباني.
- زخات من المطر الأخير فصوص بنُكهة السُّوشي،شعر، ط.الأولى ٢٠٢٣.
#سعيدة_الرغيوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟