أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مراد التقي - الدولة الشيعية الأولى: دولة المختار بن أبي عبيد الثقفي (66ه-67ه)















المزيد.....


الدولة الشيعية الأولى: دولة المختار بن أبي عبيد الثقفي (66ه-67ه)


مراد التقي

الحوار المتمدن-العدد: 7978 - 2024 / 5 / 15 - 01:05
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


البدايات
الشيعة فرقة من الفرق الإسلامية، التي أثرت ومازالت تؤثر في تاريخ العالم الإسلامي، ويحيط بها غموض وجدل كبير، بعضه راجع إلى التطور الداخلي والخصائص النابعة من الأصول والفروع المكونة للمذهب الشيعي، والبعض الآخر متصل بنظرة السنة المشوبة أحيانا بالريبة والحذر والأحكام المسبقة...التي زاد من حدتها ذوبان وانصهار بعض الفرق المعادية لآل البيت وشيعتهم، كالعثمانية والنواصب في أهل السنة. وهذا بالتأكيد زاد من الهوة و الخلاف وربما حتى العداء بين الطرفين. ولكن على سبيل الإجمال والتبسيط يمكن القول إن الشيعة في اللغة الأنصار والأتباع وفي الاصطلاح فرقة ومذهب عقدي وفقهي يرى أن الخلافة حق لعلي وبنيه، وأن الإمام معصوم من الكبائر والصغائر . ونحن في هذا المقال لن نخوض في هذه الخصائص إلا عرضا، وإنما سنغوص في التطور التاريخي لهذه الفرقة، ونخوض غمار تجربتها الأولى في الوصول إلى الحكم، تحت إمرة المختار الثقفي، لتتبدى لنا كثير من المقومات الدينية و السياسية و الاجتماعية وحتى النفسية، التي تقوم عليها دولة الشيعة وتشكل بنيتها العميقة التي تفسر وجودها وبقاءها.
كان أول ظهور للمختار، كرجل من رجالات الشيعة، عندما توفي معاوية بن أبي سفيان سنة 60ه وورث الخلافة لابنه يزيد، ملغيا بذلك مبدأ الشورى. فكان أن عارض ذلك بعض كبار الصحابة آنذاك ومنهم الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي دعاه الشيعة بالكوفة فأرسل ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إليهم لأخذ البيعة له، فكان أن نزل دار المختار وبايعه المختار فيمن بايعه وكانت داره على الأرجح في الجهة الشمالية الشرقية من صحن الكوفة، أي بعيدة عن القصر. إلا أنه لما خرج مسلم بن عقيل في الكوفة، كان المختار غائبا لأن خروجه كان قبل الميعاد. ومع هذا لما بلغه أمره جاء إلى الكوفة مع أتباعه لينصره، فجر عليه ذلك غضب والي العراقين ليزيد، عبيد الله بن زياد، الذي ضربه حتى شتر عينه وسجنه إلى أن شفع فيه ابن عمر، وكان زوجا لأخته، فأطلقه ابن زياد بشرط الخروج من الكوفة. وذلك بعد مقتل الحسين . فقصد مكة سنة 61ه وابن الزبير بها ممتنع عن الأمويين، فعرض عليه البيعة وأن يعطيه ما يرضيه، فلما لم يجبه تركه وغادر مكة لسنة، زار فيها الطائف وبها قومه من ثقيف، فبدأ يزعم هناك أنه صاحب الغضب ومبير الجبارين. ثم عاد إلى مكة فبايع ابن الزبير بشروط، ومكث معه حتى شهد حصار مكة الأول سنة 64ه وقاتل في جيش الزبيريين وأظهر بطولة وشجاعة أمام جيش الأمويين. وهو أمر مهم في العقل الباطن للشيعة لأنه يذكر بإقدام الإمام علي، الإمام والخليفة المثالي عند الشيعة. وأقام المختار مع ابن الزبير بضعة أشهر فلما رآه لا يستعمله فارقه إلى الكوفة وكان قبل ذلك يسأل عن أحوالها وأحوال أهلها بعدما خضعت لابن الزبير، فلما تيقن أن أمرها غير مستتب للزبيريين تحمس للعودة إليها ولا شك أن فكرة التغلب عليها كانت واضحة في ذهنه. فقد أتى قبل خروجه إلى الكوفة ابن الحنفية وهو محمد بن علي بن أبي طالب، فعرض عليه الطلب بدماء آل البيت والانتصار لهم فسكت، فرأى سكوته إذنا له
العودة إلى الكوفة والدعوة السرية
قدم المختار الكوفة في رمضان سنة 64ه، فجعل يدعو الشيعة إليه، ويظهر لبعضهم أن ابن الحنفية بعثه أمينا ووزيرا ومنتخبا وأميرا، وأمره بقتال المحلين والطلب بدماء أهل بيته والدفع عن الضعفاء ملتزما في ذلك بالدعوة سرا، وهو أمر لصيق بدول الشيعة، اتبعه العباسيون والفاطميون من بعده. ولعل مرده إلى الاضطهاد الذي ترسخ لدى الشيعة، وإلى الدهاء في السياسة أيضا وكان لثقيف نصيب كبير منه. ومع هذا فالطريق نحو إمامة الشيعة و قصر الإمارة لم يكن سالكا أمام المختار، فمن جهة، كانت الكوفة خاضعة للزبيريين وهم في عنفوان قوتهم، ومن جهة أخرى كان معظم الشيعة ملتفين حين مقدمه حول إمام آخر وهو سليمان بن صرد الخزاعي، الذي قاد حركة التوابين، وهم الشيعة الذين ندموا على خذلان الحسين فأرادوا التكفير عن ذنبهم بالثأر له من ابن زياد. فلم يكن أمام المختار إلا أن يثبط الناس عنه ويخطئ رأيه ويظهر ضعفه، حتى أنه لما خرج لم يكن في جيشه سوى أربعة آلاف من ستة عشر ألفا بايعوه. فواجه بهم جيش الشام الذي أرسله مروان و بلغ ستين ألفا بقيادة ابن زياد في معركة عين الوردة سنة 65ه . حيث انهزم التوابون هناك بعد قتال شديد، وقتل زعماؤهم ومنهم ابن صرد، واضطر الناجون منهم إلى الرجوع نحو الكوفة، فوجدوا المختار مسجونا وذلك أن أشراف الكوفة أشاروا على عاملها عبد الله بن يزيد أن يسجنه وأنه أخطر عليه من سليمان وهذا دليل على أنه كان معروفا عندهم بالشجاعة والدهاء والتجربة وهي الخصائص التي افتقدها الشيعة في قيادتهم منذ مقتل علي بن أبي طالب. و حتى وهو سجين لم يتوقف عن الدعوة إلى أمره، حيث كتب إلى رفاعة بن شداد قائد التوابين، وإلى أصحابه فاجتمعت عليه الشيعة. ثم ما لبث أن خرج من السجن بشفاعة ابن عمر له للمرة الثانية، عند عاملي الكوفة وهما عبد الله بن يزيد وكان على الصلاة والحرب، وإبراهيم بن طلحة بن عبيد الله وكان على الخراج.
فلما خرج من السجن صار يلتقي بالشيعة وتؤخذ له البيعة سرا، يأخذها له خمسة من وجوه الشيعة وهم: السائب بن مالك الأشعري، و يزيد بن أنس الأسدي، وأحمر بن شميط الأحمسي، و رفاعة بن شداد البجلي، وعبد الله بن شداد الجشمي فصار أمره يقوى ويشتد. فلما جاء عبد الله بن مطيع واليا لابن الزبير في رمضان عام 65ه وجد المختار قد تمكن وزاد خطره على الزبيريين، فحاول سجنه لكنه لم يفلح. فلما واتت الظروف المختار عزم على الثورة في محرم عام 66ه إلا أن ارتياب بعض رؤوس الشيعة في أمره وعلاقته بابن الحنفية أخره ولا غرو فقد كان تأخره ذلك لأمر آخر، وهو استمالة أحد قادة الكوفة الكبار إبراهيم بن الأشتر النخعي المذحجي، الذي لم ينضم إليه حتى أتاه بكتاب مثير للجدل، والشكوك تحوم حول صحته من ابن الحنفية، يدعوه فيه إلى مناصرة المختار .
الثورة بالكوفة والوصول إلى الإمارة
بعد أن اجتمع الرجلان القويان اتفقا على موعد محدد للخروج. وكانا يلتقيان بشكل مستمر للاستعداد والتخطيط، فحاول ابن مطيع لما تبين له الخطر الشيعي الداهم منع الأمر، وذلك بتشديد المراقبة على طرق وسكك الكوفة، فبعث عبد الرحمان بن سعيد الهمداني إلى جبانة السبيع، وكعب بن أبي كعب الخثعمي إلى جبانة بشر، وزحر بن قيس الجعفي إلى جبانة كندة، وشمر بن ذي الجوشن العامري إلى جبانة سالم، وعبد الرحمان بن مخنف الأزدي إلى جبانة الصائديين، ويزيد بن الحارث الشيباني إلى جبانة مراد. وكان صاحب الشرطة إياس بن مضارب العجلي، قد بعث ابنه راشدا إلى الكناسة. فأرغمت هذه الإجراءات الصارمة المختار على الخروج قبل الموعد أي ليلة الخميس 14 ربيع الأول، وذلك أن إبراهيم لما خرج كعادته للقاء المختار ليلا وجد في طريقه صاحب الشرطة فقتله لما حاول منعه وتفرق أصحابه، فأعلن المختار الثورة و بدأت الحرب بين جيشه وجيش ابن مطيع في ليلة الأربعاء 13 ربيع الأول سنة 66ه، حيث أرسل إبراهيم إلى قومه مذحج ليلحقوا بالمختار، فهزم إبراهيم بمن اجتمع إليه من قومه من لقيه في الجنوب، ثم عاد إلى المختار وكان محاصرا بجيش شبث بن ربعي التميمي القادم من السبخة، وجيش حجار بن أبجر العجلي من الجنوب، ففك عنه الحصار، وبدأ الشيعة يلتحقون بالمختار. ثم انتقل المختار من معسكره بشمال شرق صحن الكوفة قرب داره إلى السبخة، ولحقت به هناك أفواج أخرى من الشيعة من شاكر(همدان) وخثعم وشبام (همدان) فتجمع له حوالي ثلاثة آلاف وثمانمائة من اثني عشر ألفا كانوا بايعوه فعبى جنوده قبل الفجر في معسكره، الذي كان على ما يبدو شمال السبخة، لأنهم سمعوا أصوات الجيش الذي بعثه ابن مطيع بقيادة شبث بين خطة سليم وسكة البريد، وكانوا ثلاثة آلاف، كما علموا بالجيش، الذي أرسله إلى جبانة مراد وكانوا أربعة الاف من الشرط بقيادة راشد بن إياس العجلي. ولا ندري هنا، على وجه التحقيق، لم قسم ابن مطيع قواته، إلا أن يكون حاول بذلك منع مذحج وغيرها من قبائل جنوب الكوفة من اللحاق بالمختار، أو لمنع المختار نفسه من دخول الكوفة من الجنوب الغربي ومحاصرة القصر. ولعل ما يعزز هذا الاحتمال الأخير، أنه أرسل أيضا ألفين مع يزيد بن الحارث بن رؤيم الشيباني من قبل سكة لحام جرير فوقفوا في أفواه السكك. ولا معنى لهذا إلا منع جيش المختار من دخول الكوفة من الشمال الشرقي. وهذا يعطينا فكرة عن المداخل الرئيسة للكوفة في زمن المختار وكيفية الدفاع عنها. أيا كان السبب فتقسيمه لقواته أضعفه دون شك على مستوى التخطيط والقيادة، وعلى المستوى المعنوي والمادي، أمام رجلين حنكتهما التجارب ولهما من الشجاعة والدهاء ما يكفي. و هذا باد للعيان في اختيارهما الليل كوقت للخروج والقيام، وهو أمر سابق يدل على الاستفادة من أخطاء الماضي.
استغل المختار وإبراهيم إذن هذا التشتت، واستطاعا معا هزم القوتين كليهما، والمدد الذي أرسله ابن مطيع بعد ذلك. ولم تنفع محاولات ابن مطيع لتدارك الأمر، إذ بعد الانتصار في معركة السبخة ضد جيش شبث، حاول المختار دخول الكوفة فمنعته قوة الرماة من فوق البيوت في جيش يزيد بن الحارث، فترك المدخل الشمالي الشرقي وصعد في اتجاه الشمال فتوقف عند منازل مزينة وأحمس وبارق. ثم واصل السير بإشارة إبراهيم قاصدا قصر الإمارة، فاتجه غربا وقدم إبراهيم أمامه، ثم انعطفا نحو الجنوب. ولم تفلح محاولات ابن مطيع لإيقافهم من خطة همدان ولا من الغرب والجنوب الغربي. حيث أمر المختار إبراهيم أن يمضي حتى يدخل الكوفة من الكناسة. ويبدو أن الطريق كان سالكا أمامه بعد أن أقنعت الهزائم المتتالية ابن مطيع وأشراف الكوفة بدخول القصر والاستعداد للحصار. و هذا ما تم فعلا حين قام جيش المختار بحصار القصر ثلاثة أيام فدب الفشل إلى ابن مطيع ومن معه ولاسيما بعد انضمام ستة آلاف من الشيعة إلى المختار، عقب محاصرته للقصر. فلم يكن أمامه سوى أن خرج من القصر سرا، وفتح أصحابه الباب بعد أن أعطي لهم الأمان.
دخل المختار القصر وبات فيه. وفي الصباح خرج فصعد المنبر وخطب الناس خطبة ختمها بقوله " ألا فادخلوا أيها الناس، فبايعوا بيعة هدى، فلا والذي جعل السماء سقفا مكفوفا، والأرض فجاجا سبلا، ما بايعتم بعد بيعة علي بن أبي طالب وآل علي أهدى منها"
لا يخفى ما في هذه الخطبة وهذا الكلام من تشيع وقوة ومضاء، وما فيه من تنكيث وتقليل من الأمويين والزبيريين والخوارج. و كل طائفة من هؤلاء كانت لها دولة معاصرة لدولة المختار، وتدعي أن الحق في الخلافة وإمارة المؤمنين لها وحدها، إلا أنها لم تكن لها تلك الشرعية التي تمسك بها، ألا وهي الالتفاف حول آل البيت والثأر لدمائهم. ولعل هذا ما يفسر اتفاقها على عدائه وطمس شرعيته بالقدح في دينه، كما سنرى في خاتمة هذا المقال. وفي هذه الخطبة أيضا ما يرد على بعض الروايات، التي ترى أنه إنما ولاه ابن الزبير فانقلب عليه وهو أمر ضعيف ترده وقائع المختار بجيش ابن مطيع، والسياسة التي نهجها منذ توليه الحكم بالكوفة.
سياسة المختار وطلبه بدماء آل البيت
حرص المختار منذ تقلده الإمارة على استقبال الناس بالخير، فمناهم العدل وحسن السيرة، حتى أنه جلس للقضاء بنفسه في الأيام الأولى للحكم، متشبها في ذلك بالأئمة الراشدين. وأدنى الأشراف فكانوا جلساءه، وعين على شرطته عبد الله بن كامل الشاكري الهمداني، وعلى حرسه أبا عمرة كيسان مولى عرينة، وبعث عماله على أعمال الكوفة كأذربيجان وأرمينية والموصل وحلوان...وولى على القضاء شريحا فلما رأى الشيعة تذمه، ولى غيره. و فرق ما وجد في بيت المال على جنوده وفضل الأوائل على الأواخر. وأعطى للموالي من العجم مكانة مساوية للعرب. وهو أمر بقدر ما قوى دولته واستفاد منه دعاة الشيعة فيما بعد. بقدر ما صنع متاعب جمة للمختار ودولته، حيث أثار غضب أشراف العرب ووجوههم، الذين أنفوا من مزاحمة العجم لهم في العطاء وركوب الخيل وحمل السلاح، فثاروا ضده مستغلين حالة الاضطراب والإرجاف التي وقعت بالكوفة وفراغ الجند منها، وذلك أن المختار لما علم بسيطرة ابن زياد على الموصل أرسل يزيد بن أنس الأسدي في ثلاثة آلاف أواخر سنة 66ه لاستردادها، فتمكن هذا الجيش من الانتصار على جيش ابن زياد مرتين، إلا أن موت قائده فرض عليه الانسحاب. فظن أهل الكوفة أنهم انهزموا وأن يزيد قتل، فأرسل المختار إبراهيم بن الأشتر في سبعة آلاف، وأمره أن يرد جيش يزيد وأن يسير إلى العدو. فاستغل الأشراف ذلك وثاروا ضده. فلم يسعه سوى أن يكايدهم ويماطلهم وأرسل إلى إبراهيم أن يعود من فوره، فلما عاد حاربهم فانتصر عليهم فتفرقوا بين قتيل وأسير وهرب وبعضهم. و أما الأسرى فقتل منهم من شهد قتل الحسين. ونادى مناديه: إنه من أغلق بابه فهو آمن، إلا رجلا شرك في دم آل محمد (ص) فكانت تلك بداية تشميره لقتلة الحسين بكربلاء، حيث تتبعهم بالقتل واحدا تلو الآخر وهدم دورهم ، فقتل عمر بن سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي أمير الجيش الذي قتل الحسين، وابنه حفص بن عمر، وشمر بن ذي الجوشن العامري، وحكيم بن طفيل الطائي، وخولي بن يزيد الأصبحي...ولم ينج منهم سوى عدد قليل فر إلى البصرة.
وفي هذه السنة الأولى لحكمه، أي 66ه بدأت تظهر نواياه التوسعية، فلم يكن مثله ليقنع بالكوفة وحدها. فحاول ضم البصرة ودعا له بها المثنى بن مخربة العبدي فحاربه عاملها القباع فانصرف إلى المختار، وأرسل ثلاثة آلاف من الجند لضم المدينة، معظمهم من الموالي، إلا أنهم انهزموا وقتل قائدهم أمام جيش ابن الزبير. وفيها أيضا أرسل أربعة آلاف من الجند يقودهم أبو عبد الله الجدلي لإنقاذ ابن الحنفية ومن معه، وكان ابن الزبير حبسهم في مكة وأكرههم على البيعة، فكتب ابن الحنفية إلى المختار يستغيثه فدخلوا مكة بالعصي كراهة أن يجردوا السيوف في الحرم فسموا لذلك بالخشبية، فأخرجوا ابن الحنفية وأصحابه وخافهم ابن الزبير فلم يعرض لهم. ووقفت لذلك بموسم الحج تلك السنة ثلاث فرق: وقف نجدة بن عامر الخارجي بأصحابه، ووقف محمد بن الحنفية بأصحابه، وابن الزبير بجماعة الناس
ولثمان بقين من ذي الحجة سنة 66ه أرسل المختار إبراهيم بن الأشتر لحرب ابن زياد، وكان في ثلاثين ألفا جلهم من الفرس الحمراء فجعل إبراهيم يعجل السير ليلقى عدوه قبل دخول العراق، فوغل في أرض الموصل والتقى بجيش الشام سنة 67ه بمعركة الخازر، التي كانت نصرا مؤزرا للشيعة ومقبرة للأمويين، حيث قتل فيها كبار قادتهم كعبيد الله بن زياد، والحصين بن نمير السكوني، وشرحبيل بن ذي الكلاع، ودخل إبراهيم الموصل وبعث عماله عليها.
والعجيب في دولة المختار، أنه بدلا من أن يرسخ هذا النصر العظيم دولة الشيعة، كان نذيرا بزوالها، وذلك أنه في طياته حمل بذور خرابها ماديا ومعنويا، فعلى المستوى المادي، اضطر المختار إلى قسمة قوته إلى نصفين نصف معه في مواجهة الزبيريين بالبصرة، ونصف مع إبراهيم في الجزيرة لمواجهة أهل الشام والأمويين، وعلى المستوى المعنوي كان مقتل ابن زياد إيذانا بسقوط الشرعية المبنية على الثأر، واستهلاك الطاقة المحفزة للشيعة على القتال بشراسة واستماتة من أجل هذا الحق...
كان مصعب بن الزبير أخو عبد الله بن الزبير عاملا على البصرة، حين وفد عليه بعض أشراف الكوفة فارين بدمائهم من سيوف المختار و الشيعة مثل شبث بن ربعي التميمي و محمد بن الأشعث الكندي، فصاروا يستحثونه ويطلبون منه النصر على المختار، ويبدو أن ذلك وافق هوى في نفسه أيضا، فالزبيريون لم ينسوا أنه أخذ منهم الكوفة وأخرج عاملهم ابن مطيع، بل حاول أن يأخذ منهم البصرة نفسها والحجاز. فتجهز مصعب لذلك وخرج بجيش كثيف معه كبار القادة كالمهلب بن أبي صفرة الأزدي، وعباد بن الحصين التميمي... فلما بلغ ذلك المختار، أرسل إليهم بجيش كثيف يقوده أحمر بن شميط وهو لاشك من كبار شيعة المختار، إلا أنه لم يكن في مستوى دهاء وتجربة مصعب وقادته، ولا هو الرجل المناسب لهذه الحرب، فالتقوا بالمذار، وهو بين البصرة وواسط سنة 67ه فكانت الهزيمة من نصيب جيش المختار، وقتل في المعركة أفضل أصحاب وأعوان المختار كأحمر بن شميط وعبد الله بن كامل، فلما وصل نبأ الهزيمة إليه وطن نفسه على القتال إلى الموت وعندما فشلت محاولته لإعاقة تقدم جيش مصعب، خرج إلى حروراء لملاقاتهم بنفسه ومنعهم من دخول الكوفة، بعد أن حصن القصر والمسجد وأدخل في القصر عدة الحصار. وشهدت حروراء قتالا شديدا بين الطرفين إلا أن سقوط عدد كبير من رجاله قتلى، و انصراف جل من بقي عنه، أرغمه على الرجوع إلى القصر والتحصن به. و سار مصعب بجيشه إلى السبخة فقطع عنهم الماء والمادة، وفرق قادته على مداخل الكوفة لمحاصرتها. وظل المختار وأصحابه أثناء الحصار يقاتلون قتالا ضعيفا، والمختار يحثهم على القتال وهم لا يزدادون إلا ضعفا وعجزا، فلما رأى ذلك منهم قال لهم كلمته المشهورة: أما أنا فوالله لا أعطي بيدي ولا أحكمهم في نفسي. ولما أزمع على الخروج اغتسل وتحنط ووضع الطيب على رأسه ولحيته وخرج في عدد قليل فقاتل حتى قتل وذلك في رمضان سنة 67ه. و في الغد خرج أصحابه من القصر على الحكم فقتلهم مصعب. وكان المختار قد نهاهم قبل خروجه عن ذلك فعصوا رأيه
المختار داعية ثائر أم متنبئ كذاب
بمقتل المختار وأتباعه، انتهت قصة بناء الدولة الشيعية الأولى، التي اختلفت الآراء والروايات حول حقيقة مؤسسها. فقد كان المختار بن أبي عبيد الثقفي بحق من أكثر أعلام التاريخ الإسلامي المبكر إثارة للجدل. وهذا أمر طبيعي فهو صاحب الدولة الشيعية الأولى، التي ظهرت في أوج الفتنة الثانية، ووسط انقسامات سياسية ومذهبية وطائفية قوية، داخل الدولة والمجتمع الإسلاميين، وهي بعد هذا كله اتفق الجميع على عدائها، والتوجس منها من أمويين وزبيريين وخوارج وعثمانية...
كان المختار عند الشيعة، أو لنقل عند معظمم، إماما معصوما وناسكا وبطلا وشهيدا، وعند خصوم الشيعة كذابا بل متنبئا، حتى أن كثيرا من السنة يرونه المقصود بالكذاب الذي يخرج من ثقيف في حديث للرسول (ص) وهذا أمر لا دليل عليه ولاسيما أن حديث ادعائه للنبوة ضعيف. و لكن التأمل بموضوعية في سيرة الرجل، يكذب ما قيل عنه من خصومه، الذين فتشوا ما وسعهم ذلك عن نقيصة فيه فوجدوه ناسكا شجاعا مقارعا للأبطال داهية في السياسة... فلم يبق إلا أن يتهموه في دينه بالكذب. يروي اليعقوبي أنه كان عبيد الله بن علي بن أبي طالب مع مصعب بن الزبير فجعل مصعب يقول: يا أيها الناس المختار كذاب وإنما يغركم بأنه يطلب بدم آل محمد. وهذا ولي الثأر يعني عبيد الله بن علي يزعم انه مبطل فيما يقول و أمر آخر وهو التغطية على المجزرة التي لحقت بأتباعه بعد استسلامهم، وتبريرها، حيث تشير بعض المصار صراحة أن مصعبا أعطاهم الأمان فغدر بهم وكانوا سبعة آلاف بل إن إحدى زوجتيه لم تسلم أيضا من القتل لشهادتها له بالصلاح. فكانت أول امرأة تقتل صبرا في الإسلام. يروي الطبري أنه بعث مصعب إلى زوجتي المختار: أم ثابت بنت سمرة، وعمرة بنت النعمان، فقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أم ثابت: ما عسينا أن نقول. ما نقول فيه إلا ما تقولون فيه أنتم، فقالوا لها اذهبي، وأما عمرة فقالت: رحمة الله عليه. إنه كان عبدا من عباد الله الصالحين. فسجنها مصعب وكتب فيها الى ابن الزبير إنها تزعم انه نبي، فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها. فأخرجها وقتلها هذا مبدأ الأمر ومنتهاه ، وأصل الأكذوبة والإشاعة، التي أشيعت عن المختار على يد الزبيريين للتغطية على قتل أتباع المختار وزوجته. مع العلم أن نعت الخصوم باطلا بالكذب للتنقيص منهم كان رائجا عند العرب في تلك الحقبة، فقد نعت به الأمويون وأشياعهم من غلاة العثمانية النواصب من هم خير وافضل منه، إلا أن رواياتهم ظلت مندسة في كتب السنة، التي جمعت الغث والسمين، حتى انخدع المتأخرون من علمائهم بها، وظنوها، وهما منهم أوغفلة، شيئا ثابتا. فلا عجب أن نجد بصيغة اليقين كل ما يعادي الشيعة ويرفع من الأمويين، مبثوثا ومنقولا في كتب ابن تيمية والذهبي وابن كثير ومحب الدين الخطيب وغيرهم. وهي إلى مثل روايات وأخبار، لا يلتفت إليها ولا وزن لها، حتى تخضع نصوصها للنقد العلمي.
ولعل ما يؤيد براءة الرجل مما نسب إليه، أن ابن الحنفية نفسه لم يتبرأ منه، بل قبل معونته العسكرية والمالية. وإنما حذر في كتابه إلى أهل الكوفة من غلاة الشيعة (كهند الناعطية وليلى المزنية وأبي الأحراس المرادي والبطين الليثي وأبي الحارث الكندي) ونعتهم بالكذابين ولو كان المختار منهم لسماه. والذي صح عن الرجل أنه كان يميل إلى السجع في خطبه وأقواله، التي نحى فيها منحى الملاحم والحدثان، وأنه كان يبشر أتباعه بالنصر على الأعداء. وهي أمور كان يتلبس بها إما الكهان والدجالون، وإما أهل الكرامات من الأولياء. وأما أمر الكرسي، الذي كان يستنصر به، فقد قيل له فيه إنه كرسي كان جعدة بن هبيرة، وهو ابن أخت الإمام علي، يجلس عليه كأنه يرى أن فيه أثرة من علم. إلا أنه لما رأى الناس فتنوا به بعد مقتل ابن زياد وأهل الشام في الخازر غُيب فلم يُر وفي هذا ما يشير إلى حرصه على سلامة عقيدة الناس، وسد باب الفتنة في الدين ما وسعه ذلك.



#مراد_التقي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- فرنسا: مخاوف من تحول توتال الفرنسية إلى شركة أمريكية.. كيف ي ...
- بوتين في لقائه مع لوكاشينكو: ليس لدى روسيا مشكلات لم يتم حله ...
- ماكرون يبحث مع وزراء خارجية 4 دول عربية الوضع في غزة
- كاليدونيا الجديدة: مقتل شخص برصاص الشرطة مع استمرار الاحتجاج ...
- -جزيرة الأحلام- تتحول إلى كابوس للسياح.. قتلى وجرحى بانهيار ...
- الاتحاد الأوروبي يدافع عن الاعتراف بدولة فلسطينية: ليس هدية ...
- مصادر: بوتين مستعد لوقف حرب أوكرانيا بشرط القبول بالوضع الرا ...
- خبير: هنغاريا قد تضطر لتعليق عضويتها في -الناتو- إن استمر في ...
- موسكو تستدعي السفير الروسي لدى أرمينيا للتشاور
- وفاة مواطن إيراني إثر سماع نبأ تحطم مروحية رئيسي ورفاقه


المزيد.....

- تاريخ البشرية القديم / مالك ابوعليا
- تراث بحزاني النسخة الاخيرة / ممتاز حسين خلو
- فى الأسطورة العرقية اليهودية / سعيد العليمى
- غورباتشوف والانهيار السوفيتي / دلير زنكنة
- الكيمياء الصوفيّة وصناعة الدُّعاة / نايف سلوم
- الشعر البدوي في مصر قراءة تأويلية / زينب محمد عبد الرحيم
- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص
- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مراد التقي - الدولة الشيعية الأولى: دولة المختار بن أبي عبيد الثقفي (66ه-67ه)