أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر على الرابط البديل
https://www.ahewar.net/debat/show.art.asp?aid=775100

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جون ماروت - إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية















المزيد.....

إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية


جون ماروت

الحوار المتمدن-العدد: 7440 - 2022 / 11 / 22 - 00:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الكاتب: جون ماروت

نشر المقال باللغة الإنكليزية في موقع Tempest Mag بتاريخ 28 أيلول/سبتمبر 2022

مراجعة كتاب الاشتراكية الديمقراطية الثورية: سياسات الطبقة العاملة عبر الامبراطورية الروسية (1882-1917)

يعتبر إريك بلان أن ماركسية الأممية الثانية في سنواتها الكلاسيكية (1889-1914) ما زالت أحدث وأعلى مراحل النظرية السياسية الماركسية، والتي تمثلها أعمال كارل كاوتسكي (1854-1938). في المقابل، كانت ماركسية الأممية الثالثة في سنواتها الكلاسيكية (1919-1924)، إلى حد كبير، غريبة، ومستوردة “بنكهة روسية” بحتة، بلشفيتها متجذرة في النضالات السياسية وتتناسب فقط مع العصور القديمة أو الإقطاعية أو مجتمعات شبه إقطاعية تحكمها أنظمة “استبدادية”. يستنتج بلان، بشكل منطقي، أن الاستراتيجية اللينينية في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة في الدول البرجوازية الديمقراطية كانت- وما زالت- غير ذات صلة لأنها غير قابلة للتطبيق. أي محاولة لتطبيق التجربة الروسية، أو استعمالها كأنموذج، لن تؤدي إلا إلى كارثة. هذه هي أطروحة بلان المركزية. كما كانت كذلك عند كاوتسكي. في آخر 20 سنة من حياته، تخلى كاوتسكي (بشكل ظاهري) عن سياسته “القدرية” و”الحتمية” لصالح حملة شعواء ضد ما سماه الخطر الأحمر.



وبالنتيجة، فإن بلان ككاوتسكي، غير قادر أو غير راغب تماماً في معالجة قيود الاستراتيجية السياسية للأممية الثانية التي كشفتها تجربة الثورة الروسية (في بدايتها) عام 1917، من جهة، والفشل المؤلم والمأساوي للثورة الاشتراكية في الغرب بين عامي 1918-1923، من جهة أخرى. لأن الحقيقة هي أن “الاشتراكية الديمقراطية الثورية”- مرادف بلان للكاوتسكية- حافظت على هيمنتها المعادية للثورة بين صفوف الطبقة العاملة في كل مكان بدول الغرب الرأسمالية المتقدمة- المنطقة التي كان من المفترض أن تنتصر فيها استراتيجية كاوتسكي السياسية. لم تكن أسباب الهيمنة بديهية وتتطلب تحليلاً. قدّم أفضل ممثلين للشيوعية، في الفترة السابقة للستالينية بديلاً عن الاشتراكية الديمقراطية- فلاديمير لينين وروزا لوكسمبورغ وليون تروتسكي- مثل هذا التحليل، ولكن بلان لم يسمع أي منها.

عنوان كتاب بلان خاطئ. يوضح بلان، في الفصل 10، بشكل امبريقي، أن الاشتراكية الديمقراطية في الامبراطورية الروسية التي تستحق أن تسمى ثورية- ليس فقط في الأقوال ولكن في الأفعال، وليس في الأزمنة الثورية ولكن في الأوقات غير الثورية كذلك- كان الحزب العمالي الاشتراكي الديمقراطي الروسي. الحزب تأسس واقعياً عام 1902. حيث لم يظهر التكتل البلشفي، بقيادة لينين، إلا عام 1903.

وحدهم أنصار لينين وأولئك الراغبون في اتباع خطاهم أثبتوا أنهم ثوريون حقاً، وملتزمون تحقيق النصر، في كل الأماكن والأزمنة. ومن لم يفعل ذلك، أي الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية التي بقيت مخلصة للأرثوذكسية الكاوتسكية لفترة ما قبل الـ 1914، تبين أنها معادية للثورة. يظهر بلان أن هذا هو الحال في كل مكان في النظام القيصري. هذه الإشارة هي ميزة في كتابه. ويستحق الكتاب الانتشار لهذا السبب لوحده.

في الوقت عينه، يدمر بلان من دون قصد حجته: يثبت أن “الاشتراكية الديمقراطية الثورية” لفترة ما قبل الـ 1914، كانت فعلياً في الممارسة العملية معادية للثورة. إنه تناقض يكمن في صلب كتابه. لحسن الحظ، أن التناقض موجود في رأس بلان، بشكل ذاتي، بسبب تحليله غير المتماسك. مع ذلك، لا يمكن استخراج أساس الحقيقة من كتاب بلان إلا من خلال التحليل المادي التاريخي. ولكن بلان يمتنع عن استعمال المقولات الماركسية المعاصرة للتحليل لأن العديد منها جرى تطويرها وتحسينها- بعض الأوقات أنشئت من الصفر- فقط بعد العام 1914 وخاصة بعد العام 1917. ظهرت هذه الأشكال للفهم من الحاجة إلى دراسة الإبداع “الخارق” لحركة الطبقة العاملة الأممية بين عامي 1917-1922، وبحسب قول لينين، ليس بالمعنى التأليهي، ولكن بمعنى أن الإمكانات “الطبيعية” للإبداع العمالي كانت أكبر وأغنى ومتعددة الأوجه من لينين وتروتسكي ولوكسمبورغ وبقية الماركسيين الذين اعتقدوا أن الأمر ممكن. بالنسبة لهم، إن لم يكن بالنسبة لبلان، كان هناك شيء جديد تحت الشمس.

ما هي الثورة “البرجوازية الديمقراطية”؟ وما هي الثورة الاشتراكية؟

لا تظهر مقولة “الثورة الديمقراطية البرجوازية” إلا في كتاب بلان. عادة ما تظهر في كتابات أخرى تحت اسم “الثورة الديمقراطية”. يستخلص هذا المصطلح الفرق بين الديمقراطية البرجوازية والثورة الاشتراكية، والتي وحدها دراسة نقدية للثورة تكشفها إلى جانب أشكال المنظمات الحزبية السياسية والاستراتيجيات المحددة لكل منها. عندما يستخلص بلان، كأستاذه لارس لي، هذه الخصائص بتحليله عبر استعمال “الثورة الديمقراطية”، فمن المستحيل تحديد نوع الثورة التي يتحدث عنها.



يعتبر بلان، من جديد متبعاً خطى لارس، أن استراتيجية كاوتسكي السياسية يمكن بكل بساطة تعديلها حتى تتلاءم مع الظروف الروسية بحيث يمكن انتشار “الاشتراكية الديمقراطية الثورية” لتدمير الإقطاعية أو النظام القيصري شبه الإقطاعي واستبدالها بدولة رأسمالية. “بالمجمل، عكست مقاربات الراديكاليين في روسيا الامبريالية تطبيقاً وتطويراً لأرثوذكسية ماركسية الأممية الثانية بعيداً عن الانفصال عنها. تكمن جذور [ثورة] 1917 بقوة في الاشتراكية الديمقراطية الثورية”. (ص. 11)

ولكن كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ هل استراتيجية كاوتسكي لا تلبي إلا الظروف الغربية للصراع السياسي، كما يصر بلان، أو هل تشمل كذلك الظروف غير الغربية، وبذلك يصبح كاوتسكي “مهندس” ثورة أكتوبر، حيث استعمل بلاشفة لينين كتابات كاوتسكي السياسية كدليل لهم؟ يجب أن تكون إحدى الحالتين وليس الاثنين معاً. لأنه لا يوجد اشتراكي ديمقراطي قد تصور استراتيجية كاوتسكي بهذا التوسع والتجرد بحيث تشمل كل روسيا الإقطاعية أو شبه الإقطاعية والغرب الرأسمالي. فكّر كاوتسكي ولينين وتروتسكي ولوكسمبورغ، وكل اشتراكي ديمقراطي في فترة ما قبل العام 1917، بشكل ملموس أكثر بكثير، مدركين الاختلافات النوعية بين الاثنين، في حين يضيع تفسير بلان، كـ لارس، في التجريد.

بالنسبة للاشتراكيين الديمقراطيين الثوريين في حقبة ما قبل العام 1917- مثل كاوتسكي ولينين ولوكسمبورغ وتروتسكي- لا يمكن استنتاج خصوصيات المجتمع الروسي ودولته الاستبدادية من تحليل المجتمع الرأسمالي والدولة الرأسمالية. فذلك يتطلب دراسة جديدة. كان كاوتسكي من دون شك المنظّر الأجنبي الأكثر قراءة بين الاشتراكيين الديمقراطيين الروس، ولكن لم يكن لديه الكثير لقوله عن روسيا أبعد من التقييمات الاجتماعية العامة. كان غورغي بليخانوف الماركسي الروسي الأكثر قراءة بين الاشتراكيين الديمقراطيين الروس. ولكن بلان يتجاهل مساهمته في التحليل الماركسي لروسيا القيصرية، الذي تطور بشكل متعارض مع البديل الشعبوي الذي هيمن على الفكر الثوري الروسي في الـ 1880ات والـ 1890ات.

حدد بليخانوف الخطوط الأساسية، التي تبناها كاوتسكي لاحقاً. في روسيا القيصرية، كانت “الثورة الديمقراطية” مناهضة للإقطاع، بينما كانت في الغرب مناهضة للرأسمالية. لذلك، في الغرب، كانت الثورة الديمقراطية شيئاً مختلفاً تماماً: فهي تعني مباشرة ثورة اشتراكية وبناء الاشتراكية، في حين عنت مباشرة في روسيا القيصرية ثورة برجوازية ديمقراطية بهدف إسقاط الدولة الإقطاعية، وإقامة دولة رأسمالية، جمهورية ديمقراطية بشكل مثالي، وبذلك تقدم للطبقة العاملة أفضل الظروف السياسية الممكنة التي في ظلها تتقدم وتدافع عن مصالحها الطبقية ضد مصالح الطبقة الرأسمالية الناشئة في روسيا. وهكذا فهم كل الاشتراكيين الديمقراطيين الأمور؛ كان ذلك المفتاح لفهم ما كان يفعله الاشتراكيون الديمقراطيون، أو ما اعتقدوا أنهم يفعلونه.

لقد أوضح كاوتسكي، أو ما يسمى ببابا ماركسية الأممية الثانية، في العديد من كتبه ومنشوراته ومقالاته كيف يمكن للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية في الغرب استعمال الدولة الرأسمالية القائمة، وخاصة ذراعها التشريعية، بأشكالها المتعددة- البرلمان، مجلس الشيوخ- لإيصال الطبقة العاملة إلى السلطة من خلال الفوز بالأغلبية في هذه الهيئات. بالتالي يمكن للحزب تمرير التشريع لمصادرة أملاك الرأسماليين وأشركة الانتاج.


لكن في روسيا القيصرية، لم يكن هناك دولة رأسمالية ولا طريق برلماني لإقامته. بداية، لأنه لم يكن هناك الدوما إلا حتى عام 1906. حتى وقتها، وبعد عام 1906 ونظراً لاستمرار الحكم الاستبدادي ، انقسم الحزب الاشتراكي الديمقراطي حول إذا كان الدوما شكلاً برلمانياً حقيقياً، كما اعتقد المناشفة، أو شكلاً وهمياً كما اعتقد البلاشفة. مع ذلك، متحدياً كل الأدلة، فإن “ثورة بلان الديمقراطية” هي، على ما يبدو، ثورة ضد “الرأسمالية” في الغرب والنظام القيصري الروسي. من جديد، كيف يمكن أن يحصل ذلك؟

من بين 17 حزباً، وتيارات وملل صغيرة “اشتراكية ديمقراطية ثورية” التي ازدهرت بين عامي 1882 و1905 (ص. 3)، دعا حزب واحد لم يعمر طويلاً، هو الحزب البروليتاري، بشكل غامض إلى الثورة الاشتراكية ضد الرأسمالية عام 1882. من السهل فهم لماذا لم تتبنَ البقية نفس الموقف. اعتقد الاشتراكيون الديمقراطيون الثوريون أن الأسس المادية للاشتراكية، وبالتالي، للثورة الاشتراكية، كانت حاضرة فقط في الغرب “المتقدم” وليس في روسيا “المتأخرة”. وتبع ذلك عدم وجود منظمات ثورية تقريباً، أو حتى منظمات ديمقراطية غير اشتراكية- بالتأكيد تلك التي لديها علاقات قوية مع حركة الطبقة العاملة المنظمة ومؤثرة فيها- قد تبنت هدفاً برنامجياً اشتراكياً لثورة ديمقراطية (“مناهضاً للرأسمالية”)، كما فعل بلان. على العكس من ذلك، ستكون موالية بشكل موضوعي للرأسمالية. بكلمات أخرى، ستسمح الثورة الديمقراطية البرجوازية بـ”التحديث” ثم بالتطور في روسيا الامبريالية- وهو ما يعتبره بلان تحدياً رأسمالياً، كما لو كان بديهياً وغير مشكوك فيه من الناحية المفاهيمية- أن يتطور بشكل كامل وحر، بدون الإقطاع أو النظام شبه الإقطاعي القيصري الذي يعرقل الطريق. باختصار، كان على روسيا أن تمر، وتكمل بـ”مرحلة” رأسمالية من التطور الاقتصادي والاجتماعي.

مع ذلك، في عامي 1917-1919، سلك الفلاحون والعمال طريق الثورة الدائمة في روسيا والمناطق الحدودية، مهددين بالقضاء على الإقطاعية، كما على الملكية الخاصة، بمواجهة هذه الحركة المناهضة للرأسمالية، وقفت كل المنظمات الاشتراكية الديمقراطية الثورية، التي لم تنفصل عن الاشتراكية الديمقراطية وفق نهج ما قبل عام 1914، في طريقها، وسحقتها حيث أمكن. لقد عقلنوا موقفهم المعادي للثورة ليس بما يخالف العقيدة الاشتراكية الديمقراطية الثورية المعتمدة على نهج ما قبل عام 1914، أو الكاوتسكية، كما يؤكد بلان، إنما على توافق تام معها. بالنسبة للاشتراكيين الديمقراطيين الأرثوذكس، كان كاوتسكي قبل كل شيء يعتقد أن كل المكونات القومية للامبراطورية القيصرية لم تكن “ناضجة” للاشتراكية، وبالتالي لثورة الطبقة العاملة والاشتراكية المناهضة للرأسمالية.

اتفق كل الاشتراكيين الديمقراطيين على أن الأسس المادية الاشتراكية كانت مفقودة في روسيا. ما هي الجذور التحليلية للمفهوم الخاطئ لبلان؟

يذكر بلان تبايناً سياسياً بحتاً بين الدولة القيصرية والدولة الرأسمالية، ويقسم الدول إلى دول تتمتع بالحرية السياسية، وبرلمان وحريات مدنية، وأخرى لا تتمتع بالحرية السياسية- أي واقعة بين الدول الغربية غير الاستبدادية والدولة القيصرية الاستبدادية. لا يسع بلان إلا أن يفعل ذلك لأنه يستخلص من العلاقات الطبقية والملكية التي سيطرت في الغرب وفي روسيا القيصرية، إلى جانب الدول المختلفة المسيطرة في كل منها- اختلاف في النوع، كما اعتبر البلاشفة، وليس في الدرجة، كما أصر المناشفة. بهذا المعنى، ارتكب بلان خطأ كبيراً بحق كاوتسكي وماركسية الأممية الثانية.


لقد فهم كاوتسكي ألفباء الاقتصاد السياسي للماركسية أكثر بكثير من بلان. وكالعديد من الاشتراكيين الديمقراطيين، ثوريين أو لا، حدد كاوتسكي “نضج” المجتمع للاشتراكية وفق تطوره الاقتصادي-الاجتماعي، وليس عبر نظامه السياسي المنعزل عن الطبقة وعلاقات الملكية الكامنة خلفها. ولكن بلان قلما استعمل التحليل الطبقي في تحليله. وقد كان واضحاً في ذلك: “التحليل المنهجي للتفاعل بين البنى الاجتماعية والتوجه السياسي هو خارج نطاق هذا الكتاب” (ص. 19). وقد كان صادقاً في ذلك.

مسار الثورة الروسية عام 1917

يعيد بلان إنتاج رواية لارس لي للثورة الروسية ودور الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي بشكل حرفي تقريباً. لقد رديتُ على لارس في ورقة أخرى، وأهمها: “الاشتراكية الديمقراطية الأممية والطريق إلى الاشتراكية، 1905-1917: الاقتراع والشارع والدولة“، ولن أكرر التحليل ههنا. سيقتصر تحليلي على كشف التناقض في تحليل بلان الذي يضيّع تاريخياً سياسات مداخلته.

على الرغم من أن بلان يعدد مجموعة من الكتب في لائحة مراجعه، إلا أن أحداً لا يتفق مع فكرة لارس الفريدة بأن كاوتسكي كان مهندس ثورة أكتوبر، وأن لينين والبلاشفة قد اعتمدوا استراتيجية كاوتسكي الإرفورتية، ليس فقط قبل العام 1914 إنما كذلك بعد العام 1917، ما أدى ظاهرياً إلى تأسيس استمرارية للسياسة البلشفية لما يقارب الـ 15 سنة. ومن الأكيد، أن كون التنظيم أقلية لا يبطل التفسير. ولكن على المرء على الأقل التصالح مع البدائل المنافسة. لارس لا يفعل أي شيء من هذا القبيل- ولا حتى بلان. يقبل بلان بكل ما يقوله لارس، من دون تفكير نقدي، إنه يؤمن بكلامه.

يشيد بلان باستراتيجية كاوتسكي الإرفورتية باعتبارها مناسبة بشكل مثالي للعمل في ظروف الحرية السياسية وليس في الأماكن التي تكون فيها هذه الشروط غائبة، كما في روسيا الاستبدادية. ولكن ثورة شباط/فبراير هدمت الأخيرة. خلق العمال، والجنود من أصل عمالي وفلاحي، أكثر الظروف حرية وديمقراطية للعمل السياسي في العالم- أكثر حرية وديمقراطية من الدول الرأسمالية الأكثر حرية وديمقراطية. على الأقل، ستحصل الاشتراكية الديمقراطية الثورية بالنسبة لبلان على فرصة أخيراً لإظهار ما يمكن أن تفعله في مثل هذه الظروف المثالية. بشكل نسبي، سيظهر أن البلشفية ستجد نفسها خارج عناصرها تماماً، وغير قادرة على العمل بحرية، ومتسمة بسياسة غير ذات صلة في الظروف غير الاستبدادية الجديدة.

لكن لم يحصل أي شيء من ذلك. استفاد البلاشفة بشكل كامل من الحريات التي نشأت تلقائياً عن طريق الثورة الشعبية في شباط/فبراير. البلاشفة حصلوا على دعم الطبقة العاملة، باستعمال آلية الدولة الجديدة، السوفيات؛ والبلاشفة وحدهم من دعا إلى نقل “كل السلطة إلى السوفيتات” بشكل دائم وليس مؤقتاً، كما فعل أي شخص آخر، وكان لينين من قاد الثورة الديمقراطية إلى النصر، مقيماً دولة عمالية.


خلال ذلك، شرح بلان بالتفصيل كيف أن ممثلي الاشتراكية الديمقراطية الثورية- المناشفة، قد فعلوا كل ما في وسعهم لمنع هذه النتيجة. وبالتالي، يوضح بلان، على الرغم من نفسه، أن البلشفية يمكن أن تعمل في كل من الظروف الاستبدادية وغير الاستبدادية، حيث توجد الحريات وحيث لا توجد، في دول برلمانية وفي دول خالية منها.

الكاوتسكية من دون كاوتسكي

لقد تجاوزت استراتيجية كاوتسكي كاوتسكي نفسه، كما أظهرت الأمثلة الحديثة، مثل سيريزا وبودموس واليسار الكوربيني في حزب العمال. مع ذلك، إن كتابات كاوتسكي السياسية، كما يقال لنا، لها صلة بالاشتراكية اليوم بطرق لا يمكن أن يحقق فيها لينين والطريق البلشفي، “غير الاشتراكي الديمقراطي الثوري”، الاشتراكية من خلال ثورة أكتوبر. وكدليل على ذلك، يتذرع النقاد بنتيجة الثورة الروسية، أي وصول الستالينية، والتي نتجت بشكل ظاهري عن الطليعة اللينينية وتجاهل مصالح العمال. لكن هذه النتيجة لا تثبت شيئاً من هذا القبيل.

تحدث كاوتسكي باسم كل الاشتراكيين الديمقراطيين- بغض النظر عن النزعة السياسية، سواء كان تحريفياً أو أرثوذكسياً، إصلاحياً أو ثورياً- عندما رأى أن حركة الطبقة العاملة مهيأة للاشتراكية في الغرب فقط لأن نمط الانتاج الرأسمالي سيطر هناك. ورغم ذلك، شكلت روسيا القيصرية فئة مختلفة. وعلى العكس من الغرب، لم يكن نمط الانتاج الرأسمالي هو المهيمن هناك. وبالنتيجة، كان هناك القليل من الأساس المادي الثمين للاشتراكية- بغض النظر عن نوع النظام السياسي المهيمن، سواء كان ديكتاتورية أو جمهورية برلمانية أو ملكية دستورية أو رايشتاغ أو أوتوقراطية.

لفهم الخطأ الذي حصل في روسيا في مرحلة ما بعد عام 1917 بسرعة وبشكل مباشر، يجب على الإنسان تذكر ضخامة الطبقة الفلاحية البالغ عددها 100 مليون نسمة، مقابل البروليتاريا البالغ عددها 3 مليون نسمة، فإن البلد الذي أنتج السوفيتات لم يكن ناضجاً بعد لبناء الاشتراكية. هذا يجب أن يكون نقطة البداية لكل النقاشات الجادة حول المصير النهائي لثورة تشرين/أكتوبر، وليس اعتبار ذلك مجرد “عجز” بلشفي في “النظرية السياسية الديمقراطية” كما فعل صامويل فاربر في كتابه، والحل ليس كما أكد ميكائيل لوي مقتبساً من روزا لوكسمبورغ “ديمقراطية لامحدودة“، كبديل للأساس المادي المفقود للاشتراكية، في التغلب على كل المشاكل. مثل هذه التفسيرات تعيد صياغة كاوتسكي المتحجر في حقبة ما بعد 1917، كما فعل بلان في الكتاب الذي أراجعه هنا.



#جون_ماروت (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع المفكر العراقي ضياء الشكرجي حول العلمانية والدين والاحزاب الاسلامية في العراق والشرق الاوسط
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية


المزيد.....




- واشنطن تعلن معارضتها رفع ملف مقتل شيرين أبو عاقلة إلى -الجنا ...
- اختتام تدريبات مشتركة للقوات الجوية الإسرائيلية والفرنسية
- ماكرون ينتقد -سيناريوهات الخوف- من انقطاع الكهرباء في بلاده ...
- واشنطن: نعارض أي هجوم تركي على الشمال السوري
- تظاهرات في عدة مدن يونانية إحياء لذكرى فتى قتل برصاص الشرطة ...
- باتيلي والجرندي يبحثان سبل تشجيع الأطراف الليبية على الحوار ...
- محكمة إسرائيلية تؤجل البت في ترحيل صلاح الحموري إلى فرنسا
- زيلينسكي على الجبهة والكرملين يناقش خطر المسيرات الأوكرانية ...
- العملية العسكرية التركية في الشمال السوري.. هل تنفذها أنقرة ...
- استهداف المطارات الروسية.. مقتل 3 في قاعدة قرب موسكو ومسؤولو ...


المزيد.....

- أسرار الكلمات / محمد عبد الكريم يوسف
- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جون ماروت - إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية