أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد الفهري - مدخل إلى الديدكتيك















المزيد.....


مدخل إلى الديدكتيك


محمد الفهري
أستاذ باحث


الحوار المتمدن-العدد: 7407 - 2022 / 10 / 20 - 18:27
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    



 إنجاز: د. محمد الفهري
 
مفهوم الديداكتيك:
   ليس هناك تعريف مسبق للديداكتيك، لأنها ممارسة أكثر منها جهاز مفاهيمي نظري، وقد أشار إلى هذا MARTIANT  J. -L. بقوله: "غالبا ما نطالب المختصين في ديداكتيك المواد بتحديد مسبق لتخصصهم، وذلك في - نظري- خطأ، فكما أن الرياضيات والبيولوجيا لم تبدأ بتعريف، بل بممارسة، فإن ديداكتيك المواد لا تنطلق من تعريف مُسبق بموضوعها. إنها موجودة، بصفتها ممارسة علمية، ووجودها لم ينبنِ على فراغ، بل على أنقاض البيداغوجيا الخاصة"[1].
  وتسعى الديداكتيك إلى أن تكون - دائما- تنظيما إجرائيا لكل العمليات التي يقوم بها المشتغلون بالتدريس، ولذلك فإن آلياتها تدخل في صميم عملهم اليومي، بحيث إنهم يسعون من خلالها إلى تفكيك العملية التعليمية - التعلمية، وتقديم وصف مدقق، وتفسير مفصل لكل عنصر من عناصرها سواء ذلك الذي يتعلق بالمدرس، أو التلميذ، أو المحتويات، أو الوسائل، أو طرق التدريس. ولأجل تطوير أنماط التعلمات، ووضعيات التعليم، ومكونات الهرم التعليمي (المدرس – المتعلم – المادة)، فإنهم مطالبون بالتفكير – دوما - في الكيفية الناجعة، وذلك بالانفتاح على النماذج الرائدة والناجحة، ووضع مجموعة من الفرضيات وتجريبها ودراستها، ثم التأكد من مدى صلاحيتها وملاءمتها، وبهذا المنظور تصبح الديداكتيك بحثا تجريبيا قابلا - بشكل مستمر- للتطوير.
 
لمـــــــــاذا الـــديـــداكـــتــــــيـــك؟
   لعل ثمة جملة من المطالب تنتصب وراء حاجتنا إلى الديداكتيك:
-         المطلب الأول: تنمو الديداكتيك وتتطور لأن المعارف تتطور وتتراكم، ومسألة تحصيلها تظل أساسية[2].
   وفي هذا السياق فإن المعرفة الأدبية واللسانية في تطور مستمر، لذا نحتاج إلى إدماج هاته المعارف الجديدة في البرامج المدرسية، وتنظيمها بكيفية يسهل على المتعلم اكتسابها والاستفادة منها.
-         المطلب الثاني: تقدم الديداكتيك للمدرسين المعارف والآليات التي تسهل عليهم مهمة التدريس والإقراء. وقد " أصبح المدرسون أقل نفورا من الديداكتيك لاعتقادهم بأنهم يمتلكون المحتويات المعرفية التي يقومون بتدريسها، كما أنها أصبحت بتداولهم غير بعيدة عن اهتماماتهم اليومية "[3]، فهي تساعدهم من خلال مجموعة من الإواليات على ضبط عناصر العملية التعليمية - التعلمية.
-         المطلب الثالث: نلاحظ أن ثمة مجموعة من العلوم تسعى إلى تفسير النشاط التعليمي "وتبرز الديداكتيك كإشكالية داخل حقل التربية قبل أن تتوزع علوم التربية إلى عدة ميادين، كل ميدان يدعي مشروعية النشاط التعليمي في شموليته"[4].
 إن الديداكتيك تهتم بالتعليم والتحصيل المتعلقين بكل مادة، وكل نظرية في الديداكتيك تضع في اعتبارها مختلف الميادين المرتبطة بعلوم التربية على أساس أنها تساهم في تحليل سيرورة التحصيل والتعليم، وذلك على المستوى المعرفي والسيكولوجي، بالإضافة إلى نظريات التحصيل والنماذج التعليمية.
 
   إن مجال الديداكتيك يتحدد أساسا في هاته المكونات التي تربط بمجموعة من العلاقات على أساس أن فاعلية كل عنصر تتحدد من خلال فاعلية العنصر الآخر.
  إن تموضع هاته المكونات داخل إطار الهرم التعليمي يجعلنا نستحضرها بصيغة خاصة مرتبطة ببنية تحيل على الفضاء المُؤسساتي والاجتماعي أيضا وذلك لكون فاعليتها ليست مستقلة، فهي لا تنشط بمعزل عن المحددات الرسمية والتوجهات الاجتماعية العامة لارتباطها بها وانعكاسها في البرامج والمقررات الرسمية ورغبة المجتمع وتصوره لنوعية التعليم والتكوين.
  إن الهرم التعليمي محدد ومنظم على المستوى العلمي داخل سياق اجتماعي مُعطى يرتبط تاريخيا بنوع الثقافة السائدة، وهو يكتسي بعدا مهما في تشكيل الوعي الاجتماعي، وعي تحديد الرؤية للعالم، وفق فلسفة تساهم في تحديد أهداف التعليم ومقاصده.
 
·       أقطاب المثلث الديدكتيكي:
    تتنازع مجموعة من العلوم في تفسير النشاط التعليمي، و" تبرز الديدكتيك كإشكالية داخل حقل التربية قبل أن تتوزع علوم التربية إلى عدة ميادين، كل ميدان فيها يدعي مشروعية مرجعيةٍ في تفسير النشاط التعليمي في شموليته"[5].
هذا ويستلزم النشاط الديدكتيكي ثلاثة مكونات أساسية هي:
1)    المدرس: باعتباره ملقنا ومربيا ومنشطا،
2)    التلميذ (المتعلم): ويعتبر عنصرا مشاركا في العملية التعلمية،
3)    المحتوى الديدكتيكي: هو مجموع المعارف وأنشطة التحصيل والتعليم.
وتؤطر هذه المكونات الثلاثة شبكة من العلاقات، وهي:
§        علاقة إخبار ونقل وتحويل وتكوين، وتجمع بين المدرس والمحتوى الديدكتيكي.
§        علاقة إخبار وتربية وتنشئة وتجمع بين المدرس والتلاميذ.
§        علاقة إخبار وتكوين وتجمع بين التلاميذ والمحتوى الديدكتيكي.
 
الهرم الديدكتيكي:
     إن الديدكتيك يتحدد أساسا في مكونات العملية التعليمية- التعلمية: أستاذ – مادة – متعلم،
وهذه المكونات ترتبط ببعضها البعض بمجموعة من العلاقات على أساس أن فاعلية كل عنصر تتحدد من خلال فاعلية العنصر الآخر.
v    المدرس/ المربي/ الأستاذ/ المعلم...
للمدرس حضور قوي وبارز في العملية التعليمية لأنه يمثل نوعا من السلطة تستمد قيمتها من المعرفة. وقد ركز كثير من المربيين على هذه المسألة لأن هذا الدور لا يزال مهيمنا ومنتشرا في الأوساط التعليمية إلى اليوم. إلا أن هذا المركز لم يعد هو الوحيد المستحوذ عليه؛ لكون محاور هرم التعلم الأخرى أصبحت تتقاسم معه هذا الدور. ولذلك فإن "الدور الذي كان يؤديه فيما سبق والمتمثل في تقديم الدروس وتوصيل المعارف قد أصبح اليوم محل نقاش ونقد؛ إنه يلعب فعلا هاته الأدوار في بعض الأحوال، إلا أن هذا الدور وحده لا يكفي نهائيا في حضرة تلاميذ يتجاوزون مراحل نموهم الأساسية"[6].           وعلى هذا الأساس فإن دور امتلاك المعرفة مازال متوفرا وممكنا لدى المدرس. وقد حافظت عليه الديدكتيك وعملت على تعديله وتقويمه عن طريق تغير صيغة تقديم الدروس ببنائها عن طريق مشاركة المتعلم. وهذه الصيغة تتجلى بوضوح في تنظيم عمل المدرس ونشاطه وفق مفهوم العقد الديدكتيكي، بحيث لم يعد المدرس يتوفر على الحرية الكاملة في التصرف، حسب رؤيته وطريقته، بل أصبح ملزما باستحضار مكونات العقد الديدكتيكي  في عمله ويعني هذا العقد "العلاقة التي تحدد بصيغة صريحة أحيانا وضمنيا أحيانا أخرى مسؤولية الأستاذ والمتعلم تجاه كل منهما، وعليه فإن نظام الإلزام هذا بمثابة عقد بينهما"[7].
     إن هذا العقد يكتسي صيغة إلزامية لكل أطراف العملية التعليمية، ومن هنا نفهم أن حرية المدرس تتقلص لكي تخضع لوثيرة التعليم لدى التلميذ، بمعنى أن كل خروج عن هذا المعيار (أستاذ ₌ تعليم / تلميذ ₌ تعلم) يعد نقضا لهذا العقد.
    والصيغة الضمنية للعقد الديدكتيكي تسود عندما يلتزم كل الأفراد بالمسؤوليات المحددة، وحينما يشذ التعليم عن مجراه ينتصب هذا العقد بصيغة صريحة، ويلزم الأطراف بتعديل مسار النظام.
    يعكس العقد الديدكتيكي وظائف اجتماعية داخل الفصل، الذي يشكل بنية اجتماعية دقيقة، بحيث إن كل عنصر فيها يرتبط بالعنصر الآخر ضمن نظام متناسق ومحدد الأدوار في إطار علائقي وتفاعلي، وعلى هذا الأساس فإنه على المدرس أن يستحضر ضمن العقد الديدكتيكي ثلاث صيغ:
1)    يجب على الأستاذ أن يوظف سلوك التلميذ لبناء الدرس، وإلا فإنه سيحرمه من الشروط الأساسية في التعلم، بمعنى أن الأستاذ لن يحصل على ما يريد بمعزل عن إشراك التلميذ معه. وانطلاقا من كون العقد شريعة المتعاقدين فإن الأستاذ ملزم بأخذ مكونات الدرس بعين الاعتبار، فالدرس عبارة عن خطاب موجه إلى متلقي ألا وهو التلميذ، لذا وجب الاعتماد على استجاباته وردود أفعاله، لأن السلوكات التي تصدر عن المتعلم أثناء بناء الدرس هي في عمقها عبارة عن مواقف مستمدة من طبيعة الخطاب السائد داخل الفصل.
2)    لضبط وضعيات التعلم يجب على المدرس أن يجمع أثناء تدريسه بين المعطيات الرسمية والمعطيات التي قد تبدو خاطئة، ثم يقوم بدمجها في المسار الصحيح بعد نزع الخطأ من ثناياها"[8]. إن المعطيات الرسمية هنا هي التي تحيل على المعرفة المعدَّة للتدريس والمتمثلة أساسا في المقررات والبرامج.
3)    النزعة المسرحية التي يجب أن يتقمصها الأستاذ، فكلما تقمص الأستاذ الأدوار التي يريد تقديمها إلا واستطاع المتعلمون تقمصها معه، حيث يتحول الأستاذ من ممثل إلى متفرج، والتلميذ من متفرج إلى ممثل، وبذلك تتوحد الرؤى، ويتم الوصول إلى الهدف"[9].
ولقد دلت الدراسات الوظيفية والميكرو سوسيولوجية وخصوصا في أعمال Michel Crouzier أن الإنسان داخل بنية اجتماعية منظمة يشغل دور وظيفة ممثل، وقد تم استثمار هذه الدراسات داخل الحقل التعليمي في صيغته المسرحية الجادة على أساس أن هذه العناصر المسرحية ومكوناتها تتوفر في العملية التعليمية، ونلمس من هذه الصورة نجاعة مفهوم مسرح التعلم، على اعتبار أن الأدوار الموزعة بين الأطراف في إطار العقد الديدكتيكي يلزم الجميع القيام بها بدقة وإتقان.
إن الحقل التعليمي عبارة عن مسرح ملتزم ومنظم، والأدوار فيه مفتوحة على بعضها البعض، يتم تبادلها بين المدرس والمتعلم، وهي تتكامل فيما بينها.
 
v    القطب الثاني: المتعلم
      نستهدف في معالجتنا فئة معينة من المتعلمين، وهي التي تنتمي إلى التعليم الثانوي، وهذه الفئة تتميز حسب الفترة العمرية التي تكون قد بلغتها بمجموعة من المواصفات والسلوكات، حيث يكون نتيجة نموه العقلي والمعرفي قد أصبح مؤهلا ليقوم بمجموعة من العمليات العقلية كالتحليل والمقارنة والموازنة والبناء والتركيب. (انظر مواصفات التلميذ في السلك الثانوي).
     وإذا كانت التربية الحديثة قد أضافت للمتعلم مواصفات جديدة، حيث أصبح طرفا فاعلا في مجال العقد الديدكتيكي، فإن الديدكتيك أصبحت هي الأخرى تحث المدرس على التعرف على قدرات المتعلم والتواصل الدائم معه ومحاولة فهم تمثلاته للمفاهيم والأفكار. وتأسيسا على هذا ينبغي على المدرس أن ينصب انشغاله على أمور ثلاث:
1.     فهم التمثلات
2.     ضبط مصادر التمثلات
3.     استثمار التمثلات في توجيه التعلم.
 
أولا: فهم التمثلات: تعتبر التمثلات صيغة من المعارف ذات منحى واقعي – إجرائي – لكونها مستقاة من الواقع والمحيط الاجتماعي.
     ويتم تشغيلها في إطار وضعيات محددة بهدف بناء حقيقة داخل مجموعة معينة. والمتعلم يعمل بواسطة تمثلات على تحويل الطابع المادي للواقع إلى قوالب ذهنية وصور فعلية وذلك حسب الطاقة التأويلية لديه.
ثانيا: ضبط مصادر التمثلات: إن إدراك المتعلم للمفاهيم والمعارف لا يتأتى فقط من خلال الدروس المقدمة داخل الفصل الدراسي، وإنما يتحقق من خلال نشاطه الذهني والفعل التمثيلي، ومن هنا تأتي ضرورة الاهتمام بهذا الفعل وذلك بإشراك التلميذ في عملية إنجاز الدرس، وتتبع المدرس لتمثلات المتعلمين تصحيحا وتقويما، لأن استحضار هذه التمثلات داخل واقع مباشر يساعد على تنشيط الجهاز العقلي والمفاهيمي والتمثلي.
     ويرتبط ضبط مصادر التمثلات التي يمتلكها المتعلم أساسا بمدى نموه العقلي وتشكل الذكاء لديه. ويشير ميشيل ديفولاي Michel Develay  إلى أن هذه المصادر "تتعلق بتوجيه السيكولوجيا التكوينية ومن هذا المنطلق فهي ترتبط – حسب بياجيه – بمستوى تطور الذكاء ونموه عند المتعلم، وذلك في علاقته بنوع من التمثلات المحددة ضمن سياق المحيط، والتي تصدر عن سياق تاريخي يتوفر عليه المتعلم مسبقا باعتبارها تتقاطع مع تمثلات خاصة عن مفاهيم أُثبِت للتاريخ عدم صحتها، وتصدر أيضا عن مجال سوسيولوجي متنوع، وتندرج في سياق تحليل نفسي يحيل على تحديد وتصور غرائبي"[10]. ومما لا شك فيه أن المدرس قد يجد صعوبة كبيرة في تعديل التمثلات لدى جميع التلاميذ، لا سيما إذا كانت تصوراتهم التي ينقلونها أثناء الدرس تتميز بالغرائبية أو تبتعد عن الفهم الصحيح.
ü     ثالثا: استثمار التمثلات: ينبغي على المدرس أثناء استثمار التمثلات وتوظيفها في توجيه التعلم أن يقوم بإقصاء كل التمثلات الخاصة أو الخاطئة لدى المتعلمين، واستبدالها بأخرى تنبني على تصورات علمية وعقلانية.
وعموما فإن المدرس يقف من مسألة التمثلات كما يذهب ديفولاي Develay موقفين:
-         الموقف الأول: يعتبر التمثلات أخطاء يجب إقصاؤها، وبالتالي لا حاجة للتعليم أن يهتم بها.
-         الموقف الثاني: يعتمدها إطارا تفسيريا للموضوع المطروح للفهم والتحليل، كما يعدها عوائق أو نقط ارتكاز بهدف مقاربة المفهوم، وهنا تعتبر التمثلات أساسية داخل مجال التحصيل بحيث يصبح التعليم أداة فعالة تساهم في تغيير التمثلات أو تعديلها"[11].
 
v    القطب الثالث: المحتوى / المادة
     تشكل المادة عنصرا أساسيا من عناصر الهرم التعليمي، بحيث ينصب عليها اهتمام المدرس والمتعلم؛ لأنها تمثل بؤرة العملية التعليمية إذ تسهم في توطيد العلاقة الجامعة بينها في مجال العقد الديدكتيكي.
     بعد هذا سوف ننتقل للحديث عن مفهوم النقل الديدكتيكي الذي أصبح شائعا ضمن ديدكتيك المواد وذلك لأهميته في تفسير سيرورة المضامين التعليمية وفاعليتها.
      استعمل هذا المفهوم في أول الأمر في الرياضيات من لدن Yeves Chevaly ثم استمر بعد ذلك في بقية المواد الأخرى، ويعني النقل تغيير الموقع أي التحول من جانب إلى جانب، وبهذه الصيغة يصبح مفهوم النقل الديدكتيكي هو : "مجموعة التحولات التي تطرأ على معرفة معينة في مجالها العالم من أجل تحويلها إلى معرفة تعليمية قابلة للتدريس"[12]. إننا نلمس في هذا الجانب وجود نوعين من المعرفة: معرفة عالمة ومعرفة تعليمية والمعرفة التعليمية هي نتاج المعرفة العالمة، بمعنى أن المضامين أو المادة التعليمية التي ننقلها إلى التلاميذ هي معرفة منتقاة ومنتخبة انطلاقا من بعض الشروط والمقاييس الخاصة. إن هذه الحقيقة ظلت كامنة لفترة طويلة في الفعل التعليمي، وغير مصرح بها لأنه في "الحقل التعليمي تكون ظاهرة النقل الديدكتيكي أحيانا مضمرة إما لأن المضامين التعليمية هي محددة مسبقا، أو لأن المسافة التي تفصل بين المعرفة العالمة والمعرفة المعدة للتدريس متجاهلة"[13].
     وعلى هذا الأساس إن مفهوم النقل الديدكتيكي هو عبارة عن عمل أو نشاط وصفي لطريقة تحويل المعرفة من مجالها العالم تبعا لبنائها الطبيعي إلى مجال التعليم في سياقه الصناعي والعلمي.
    إن هذا المفهوم يهدف إلى إنتاج صيغة مناسبة للتعليم "ويجب أن نشير إلى أن هذه التحولات والتبعات المرتبطة بها تهدف إلى جعل المعرفة عامة، وفي متناول الجميع، أو على الأقل في متناول التلاميذ والمهتمين"[14].
    إن أهمية النقل الديدكتيكي ومشروعيته تكتسي بعدا ضمنيا، بينما تقتضي المعرفة العلمية في مجال الديدكتيك أن تكون صريحة، بحيث يجب أن تكون جميع أقطاب العملية التعلمية على بينة منها. لذلك فإنه من أجل تدريس مادة من المواد يجب أن نقوم بعملية النقل، أي تحويل المعرفة من مجالها العالم إلى مجالها المعرفي إذ لا يمكن تقديم هذا الركام الكبير من المعارف لمتعلم كما يوجد في وضعه الأصلي، لذلك فإننا نختار وننتقي ما ندرسه لتلامذتنا وهو عمل موجود في مقرراتنا وعملنا، وتمر عملية النقل الديدكتيكي عبر طريقة معينة للتدريس، وذلك انطلاقا من خطة واستراتيجية تعليمية مركزة ودقيقة، وعلى هذا الأساس "فإنه بالنسبة للمفاهيم المراد نقلها ديدكتيكيا نطرح الأسئلة التالية:
·        ماهي التغيرات التي تتقدم بها المعرفة العالمة؟
·        ماذا تقول المعرفة المدرسة؟
·        كيف يمكن أن نضبط خصائص الانتقال من المعرفة العالمة إلى المعرفة المدرسة؟"[15].
    إن هذه الأسئلة هي التي تفسر العمل الذي يتوزع حسب نشاط الباحث ونشاط المدرس ونشاط التلميذ، حيث إن عملية النقل الديدكتيكي تبتدئ من المعرفة العالمة وتمر عبر عمل الباحث الذي يقوم باختيار المضامين المعدة للتدريس؛ لتنتقل بعد ذلك إلى المدرس الذي يمارس المعرفة المدرسة التي تنقل إلى التلميذ من خلال مجموعة من الآليات والمواصفات.
بعد هذا يتحدد عمل الباحث الذي  ينصب على إعداد المناهج التي ستعتمد كخطة رسمية في التدريس، وهو يعد طرفا مسؤولا عن عملية النقل الديدكتيكي، بحيث إنه يصبح مطالبا بإنتاج معرفة تكون صالحة للتدريس، أي إعداد أنشطة تعليمية مبررة إبستمولوجيا وتربويا وديدكتيكيا حتى لا تشكل - لاحقا- عوائق تعرقل النشاط التعليمي للمتعلمين.
    إن عمل الباحث في مجال النقل الديدكتيكي ينصب على الإحاطة بخصائص المعرفة العالمة، وخصائص المعرفة المدرسة، وعليه أن يقوم باختيار المضامين المعرفية التي يجب أن تدرس للمتعلمين.
 
Ø     خصائص المعرفة العالمة
1)    كل معرفة عالمة هي عبارة عن أسئلة مطروحة او معطاة، إن هذه الأسئلة أحيانا تكون عويصة أو معقدة[16].
2)    إن المعرفة لا تجيب أحيانا إلا على جانب معين من الأسئلة الأصلية أو تكون إجابة عن أسئلة جديدة متفرعة عن الأسئلة الأصلية"[17].
3)    كل معرفة عالمة هي نتيجة لبحث معين مستمر ومتتابع داخل مجال محدد وفترة معينة"[18].
4)    إن تطور المعرفة العالمة مرتبط ومحكوم بتسلسل المشاكل والقضايا المعروفة الحلول، الواحدة تلو الأخرى، بمعنى أن هذه المشاكل هي المحددة للتطور والتقدم"[19].
 
 
Ø     خصائص المادة المدرسة
     من البَدَهِي أن تكون للمادة المدرسة كذلك خصائص تتميز بها عن خصائص المعرفة العالمة، لأن المعرفة المدرسة هي التي نقدمها للتلاميذ مع مراعاة الشروط المتوفرة فيه. ونشير فيما يأتي إلى أهم الخصائص التي تتميز بها المعرفة المدرسة على المستوى الديدكتيكي.
1)    "المعرفة المدرسة منظمة وموجهة ضمن تطور الزمن، ونقصد بالتطور داخل الزمن الوقت الأساسي للتعليم والتحصيل. وإذا لم يتحقق التعلم المحدد لسن معينة، فنستنتج إما فشل التلميذ أو المدرس أو بصيغة قصوى فشل النظام التربوي"[20].
2)    المعرفة المدرسة تقدم بوساطة المدرس باعتبارها جديدة على مستوى معارف التلاميذ، إنها ستشكل وضعية جديدة للتحصيل، وشيئا فشيئا يوضح المدرس أن الموضوع الجديد يمكن ربطه بالمعارف المحصلة، بمعنى أن هناك حدودا، ولكن هناك أيضا استمرارية"[21].
3)    إن هذه الصيغة تدفعنا إلى نوع من التحديد لمعرفة واختيار المعرفة العالمة التي تعتبر بنيتها صعبة ومغايرة للبنية الخطية للمعرفة التي يجب أن تدرس، بمعنى أن هناك أشياء يجب أن تدرس وأشياء أخرى تبقى من اختصاص الباحثين "[22].
4)    إن إنتاج الأهداف هنا (في المجال التربوي التعليمي المباشر) مسألة حيوية لأنها تعمل على إيجاد مواضيع مفضلة من أجل الاستفادة منها في تمارين التقويم في جميع أنواعه"[23].
 
 


[1] -Quelque remarques sur les didactiques de désciplines, Les sciences de l’éducation.  n° 1-2. Caen. 1987.)
[2] - Develay.Michel : De l apprentissage à l’enseignement est éditeur.  Paris-1992 p :7
[3] - Ibid , p :72 
[4] - Ibid,  pp : 72- 73 
[5]- Develay Michel : De l’apprentissage à l’enseignements. ESF editeur. Paris. P.72-73 .
[6] - رشيد بناني، من البيداغوجية إلى الديدكتيك، الحوار الأكاديمي والجامعي، الدار البيضاء، 1991، ص77- 78.
[7] - Broussou Gay. Fondemant et méthode des didactiques. Grenoble. 1981.p :59.
[8] - Ibid : p 66.
[9] - Ibid : p 66.
[10] - Michel Develay : De l’aprentissage à l’enseignements. ESF editeur. Paris p :76-77
[11] - Ibid : p79
[12] - Arac Gelbert : La transposition en Mathematiques. Cours du dea. University de lyon et grenoble 1987 p : 88.
[13]- Ibid : p 3- 4
[14] - Ibid : p 6
[15] - Develay Michel: Transposition en sciences biologiques, Cours du dea, Universités de Lyon et Grenoble, 1987/88 . P6.
[16] - Develay.Michel : De l apprentissage à l’enseignement est éditeur.  Paris-1992 p : 21
[17] - ibid : p 21
[18] - ibid : p21
[19] - ibid : p 21
[20] - ibid : p  14-15.
[21] - ibid. p 15.
[22] - ibid : p 17.
[23] - ibid : p 19.



#محمد_الفهري (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مشاكل القراءة داخل المدرسة والمجتمع


المزيد.....




- -اصطدام تلو آخر-.. شاهد تفاصيل حادث مروري بين عشرات المركبات ...
- بعد الغريبي.. اختفاء مواطن سعودي في ولاية أوهايو الأمريكية ( ...
- وزيرة مصرية سابقة تتحدث عن نجلها بعد ارتكابه جريمة مروعة في ...
- لبنان: هل يفقد أهالي ضحايا انفجار المرفأ الثقة في دولة القان ...
- فيديو: سعوديات يقدن قطار الحرمين السريع بين مكة والمدينة
- تعيين جاسم البديوي سفير الكويت في واشنطن أمينا عاما لمجلس ال ...
- -فضيحة ضريبية-... إقالة ناظم الزهاوي من رئاسة حزب المحافظين ...
- لماذا يعارض ناميبيون اتفاق اعتراف ألمانيا بارتكاب إبادة جماع ...
- قطر وإيران تؤكدان ضرورة الحوار الإقليمي والمفاوضات لأمن المن ...
- نتنياهو يعلن عن سلسلة إجراءات ضد الفلسطينيين بعد عمليتي القد ...


المزيد.....

- مدخل إلى الديدكتيك / محمد الفهري
- مشاكل القراءة داخل المدرسة والمجتمع / محمد الفهري
- أساسيات اللغة الإنكليزية في قطاع نقل النفط Qr Code أساسيات ا ... / محمد عبد الكريم يوسف
- سيبويه في شرح المرادي المسمى توضيح المقاصد والمسالك بشرح ألف ... / سجاد حسن عواد
- خطوات البحث العلمي / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- أزمة التعليم في الجامعات الفلسطينية / غازي الصوراني
- المغرب النووي / منشورات okdriss
- المكان وقيمة المناقشة في الممارسات الجديدة ذات الهدف الفلسفي / حبطيش وعلي
- الذكاء البصري المكاني Visual spatial intelligence / محمد عبد الكريم يوسف
- أوجد الصور المخفية Find The Hidden Pictures / محمد عبد الكريم يوسف


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد الفهري - مدخل إلى الديدكتيك