أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسيب شحادة - كتابات أقفال الحبّ على الجسر الأحمر الجديد














المزيد.....

كتابات أقفال الحبّ على الجسر الأحمر الجديد


حسيب شحادة

الحوار المتمدن-العدد: 7379 - 2022 / 9 / 22 - 00:32
المحور: المجتمع المدني
    


ِكتاباتُ أقفالِ الحبّ على الجسرِ الأحمرِ الجديد
جامعة هلسنكي


مررتُ بشخصين مُسنّين، رجل وزوجته، واقفيْن في شارع فرعيّ قُبالةَ بيت قريب من بيتي. سألاني وأمارات العجب مرتسمة على محيّاهما: يبدو أن هذا البيت مهجور، لون ستائر النوافذ ووضعيّتها ثابتان لا يتبدّلان، الحديقة أضحت غير حديقة، الأعشاب البريّة تنمو وتنمو ولا أحد يقصّها، أغصان كثيرة في أشجار التفّاح يابسة وأُخرى هاوية تلامس الأرض. أجبتهما بنعم، صاحب هذا البيت القديم، الذي شُيّد في خمسينيّات القرن الفائت، من أقدم البيوت في هذا الحيّ، قدِ ٱنتقل من هذه الفانية إلى دار الحقّ، منذ بضعة أعوام. قضى صاحب البيت سنواتِه الأخيرة أرملَ. مخلّفًا بنتًا واحدة فقط، وهي تسعى لبيعه مع هذه الأرض قُرابة الدونمين .

أذكر هنا أنّ صداقة ربطتني بالمرحوم الجار الذي كان يملك هذا العَقار، ولنسمه هنا عيسى، فمعه تسنّى لي تحسين قدرتي التعبيريّة في اللغة الفنلنديّة. إنّ إقامةَ علاقة صداقة حقيقيّة ليست بالأمر السهل أبدًا بشكل عامّ، وفي بلاد الشمال بنحو ٱستثنائيّ بٱمتياز. قد يعيش المرء الأجنبيّ، أو المحلّيّ عُقودًا من السنين، بدون أيّة عَلاقة تذكر مع الجيران، اللهمّ سوى مرحبا، مرحبا، وحديث عابر عن أحوال الطقس المتقلّبة بٱستمرار. من علامات نضوج المرحلة المديدة لإرساء دعائم الصداقة، دعوة الواحد للآخر لحمّام الساونا الفنلنديّ الشهير.

إنّ ٱجتيازي لخمسة مستويات اللغة، المتوفّرة في جامعة هلسنكي، لم يكن، في تقديري، كافيًا وناجعًا لامتلاك ناصية هذه اللغة الخاصّة في صرفها ونحوها، ففيها خمس عشرة صيغة إعرابيّة (cases). أقول ذلك بالرغم من نجاحي في ٱمتحان اللغة الرسميّ الموسّع للحصول على الجنسيّة. من المعروف، أنّ معرفة قواعد اللغة لوحدها غير كافية، ولا تؤدّي بالضرورة إلى التمكّن من مهاراتها الأساسيّة الثلاث: الحديث، القراءة والكتابة (أسمى المهارات: التفكير باللغة وليس الترجمة إليها من لغة أخرى) وأصعبها بلا ريبَ الكتابة. برهان ساطع لهذه الظاهرة هو مثلًا، حالة معظم أساتذة/بروفيسوريّة اللغة العربيّة في الجامعات الغربيّة، فهم عاجزون عن التحدّث ولو بجُمل قليلة بالعربيّة المعياريّة السليمة أو بإحدى اللهجات العربيّة الحديثة؛ وقُلِ الأمر ذاتَه بخصوص الكتابة، أمّا القراءة فحدِّث عنها ولا حرج، فالحال يغدو خالا والتين طينًا والجزر شجرًا وتاب طاب وصبّ سبّ وقسا كسا وأسيل أصيلا إلخ.

لقدِ ٱستفدت من المرحوم عيسى كثيرًا في عمليّة اكتساب لغة المحادثة، لا سيّما لأنّه لم يكن يعرِف أيّة لغة أخرى ليتعكّز عليها وقت الحاجة لشرح ما استغلق عليّ. أرى أنّ هذه الحالة من أفضل الحالات لاكتساب لغة جديدة بالرغم من الشعور بالإحباط والتخبّط والريبة في البدايات .

في هذا اللقاء العابر، أخبرني الزوجان أنّهما عادا من مِشْوارهما لقراءة كتابات أقفال الجسر الأحمر، الذي أُقيم في الآونة الأخيرة. سمعتُ ولم أستفسر عن قصدهما، ودّعتهما وطفقت متّجهًا إلى الجسر الذي زرته غير مرّة. وصلت الجسر بعد ثماني أو عشر دقائقَ، مسافة ألف وأربعمائة خُطوة. أوّل ما ٱسترعى انتباهي، وجود أقفال كثيرة بأحجام وأشكال وألوان متنوّعة، معلّقة على حاجزَي جانبَي الجسر. في الوهلة الأولى، دُهشت إذ أنّ مثل هذا المنظر للأقفال يكون مُصاحبًا لجنازير تُربط بدرّاجات ناريّة، تُرْكن هناك لفترة ما لتفادي السرقات، ريثما يعود أصحابُها فيستقلّونها عائدين إلى منازلهم. أعدتُ النظر عن كثب، وإذا بكلمات قصيرة على جانبي الأقفال أو على لوحة الحاجز تعبّر عن الحبّ والإخلاص بين هذا وهذه، ذاك وتلك وشكل القلب باللون الأحمر يحتضن المكتوب. اسما العاشقين الشخصيّان مذكوران إذا كان حجم القفل يسمح بذلك، وإلا فالحرف الأوّل فقط من كلّ اسم شخصيّ (لا أقول الاسم الأوّل!!). يُذكر أنّ هناك موقعًا إلكترونيًا في فنلندا يحمل الاسم ”أقفال الحبّ“.

إبرام هذه العَلاقة الحميمة بين الطرفين، قد تمّ وخُتِم، ومِفتاح كلّ قُفْل لدى صاحبيه! هذه العادة الفنلنديّة حديثة العهد، حوالي عَقْد من السنين أو أكثر بقليل.

عدتُ لزيارة ذلك الجسر، بعد مرور عام تقريبًا، وتبيّن لي بجَلاء أنّ عددَ الأقفال قد قلّ بنحوٍ ملحوظ!



()



#حسيب_شحادة (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- امي أخذت
- عربية السامِرة في ليتورجيا كاولي- أمثلة
- قصص أبي جلال المجنون من نزبلة عكّا
- لئلا تُجرح أقدامُ الكلاب
- ماذا كتب المطران السريانيّ قبل قرن ونصف عن اللهجات الآراميّة ...
- نتفة عن الراهب الفرنسيّ والعربيّة الفلسطينيّة
- جواب كما ينبغي
- عيّنة من عبريّة الجيش العامّيّة
- طرائف مختارج (ب)
- طرائف مختارة (أ)
- شرحُ رسالةُ القِدّيس يوحنّا الرَّسول الأولى
- ماذا تمخّّض عن ”لِمْطاءَشِه والشََّّرْشُوح“ ؟
- حليمة الفنلنديّة
- -لغة الأمّ- باختصار شديد
- إطلالة على المِنْدائيّين ( القسم ث)
- إطلالة على المِنْدائيّين (ت ١)
- إطلالة على المِنْدائيّين (ب)
- إطلالة على المِنْدائيّين (أ)
- نظرات مقارنة بين لهجة لبنانيّة ولهجة فلسطينيّة، بِكفيا -كفري ...
- بعض الأفكار اللغوية عند محمود تيمور


المزيد.....




- عقب اعتقال محتجين على وفاة مهسا أميني.. مظاهرات مناهضة وأخرى ...
- هيئة الإعلام والاتصالات العراقية تؤكد دعم حرية التعبير في ال ...
- مبعوثة الأمم المتحدة الخاصة للعراق تحذر: الوضع في البلاد -مت ...
- بعثة روسيا لدى الأمم المتحدة: الغرب بات شريكا في جرائم الحرب ...
- مواجهات مع الاحتلال..اعتقال شابين وإصابة العشرات بمناطق مختل ...
- الأمم المتحدة: عدم تمديد الهدنة في اليمن مخيب للآمال
- اللاجئون السوريون في تركيا: ارتفاع نبرة -العنصرية- مع اقتراب ...
- فرنسا تدعو أذربيجان إلى إطلاق سراح الأسرى الأرمن
- الأمم المتحدة: النظام السياسي العراقي ومنظومة الحكم يتجاهلان ...
- ناصر كنعاني: على المغرب تحديد مصير شعب الصحراء الغربية وفقا ...


المزيد.....

- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله
- من أجل السلام الدائم، عمونيال كانط / زهير الخويلدي
- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسيب شحادة - كتابات أقفال الحبّ على الجسر الأحمر الجديد