أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مجدي عبد الحافظ صالح - ثقافة الهوية بين التشرنق والانفتاح: مدخل فلسفي















المزيد.....



ثقافة الهوية بين التشرنق والانفتاح: مدخل فلسفي


مجدي عبد الحافظ صالح
كاتب وأكاديمي ومترجم

(Magdi Abdelhafez Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 7324 - 2022 / 7 / 29 - 15:05
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


أ.د مجدي عبدالحافظ صالح
توطئة:
إن تنوع الثقافات والهويات يعتبر الضامن الأكبر للإبداع الانساني الخلاق، إذ يصون بانتقاداته ورؤاه ونزوعه، إلى احترام الاختلافات والتنوع لتصحيح مسار عولمة القوى المهيمنة على عالمنا اليوم، والمندمجة في خدمة مصالح اقتصادية للشركات متعدية الجنسية.
ولعل الهويات الثقافية تتعرض في عالمنا المعاصر، سواء على الصعيد الخارجي أم على الصعيد الداخلي، إلى مجموعة كبيرة من التهديدات، فعلى الصعيد الخارجي نرصد العولمة الثقافية، التي تعمل على تبديل الاذواق وتنميط الرغبات، والطموحات وحتى الاحلام، بما تبثه من منتوجات ثقافية معممة، ساهمت في عملية توحيد انعكست على الملبس والمأكل والمشرب، وتغلغلت في فنون وثقافة وآداب الشعوب. ويتمثل تهديد آخر على الصعيد الداخلي للهوية في معاداة الحداثة، والنزوع للنقاء اللغوي والثقافي، وإلغاء ورفض الآخر المختلف ووضعه في خانة الغزو والشرور، مع رفض الاختلاف والتنوع، والاصرار على احتكار الحقيقة، والتمسك بذاتية متعالية فوق التاريخ. لا تسلم الهويات الثقافية من كلا التهديدين معا، بحيث يعملا عملهما في تراجع وانحسار، بل وفي تشويه هذه الهويات ذاتها.
إن افكار غربية اليوم من قبيل "إخضاع مفهوم الهوية لعملية عقلنة Rationalisation، للانتقال من هوية الانتماء الطبيعي إلى هوية الانتساب الاختياري المفكر فيه" (Mattelart، 1998)، أو الدعوة إلى ضرورة إعادة التفكير في الهوية، بعد أن تسببت الحروب والهجرات الجماعية، في صنع مفاهيم من قبيل الاقامة الثابتة والانتماء موضع الشك، بحيث نُدعى إلى تأمل فكرة Diaspora (الوطن في الشتات)، ومن ثم الدعوة إلى ما يُطلق عليه "الهويات الديناميكية والمرنة" (Yves Michaud)، أو "الكوزموبوليتانية" (Kwame Anthony Appiah)، إن هذه الدعوات التي تدعي انفتاحها، في مقابل دعوات التشرنق داخل الذات المحلية ذات الخصوصيات الضيقة، تمثل خطرا على الهويات الثقافية التي تعصف بها.
من هنا نحاول التعرض في هذا البحث بالدراسة والتحليل لهذه الدعوات والتهديدات تفصيلا، علَّنا نصل في النهاية إلى آلية ما مغايرة لإعادة التفكير في الهوية، آلية ربما تمكننا من الخروج من مأزق ثنائية التشرنق في الذات الذي يخنق الهوية، والانفتاح المطلق الذي ينسفها ويشوهها بل وربما يلغيها.
الهوية اشتقاقا ومعنى:
من الناحية الاشتقاقية تعني الهوية Identité بالفرنسية، أو Idem اللاتينية، التي ستعني بالفرنسية أيضا même ، أي "نفس الشيء"، وهي تعنى هنا طابع ما هو مشابه تماما لشيء ما، أو لما يظل هو نفسه، أي طبق الأصل لذاته نفسها عبر الزمان. ولا يخلط الاوربيون بين الهوية والتشابه، لإيمانهم بامتناع المطابقة التامة إذ ثمة تمايزات تظل رغم كل شيء، فالمتشابهات تختلف دائما في بعض النقاط، وهو ما أطلق عليه الفيلسوف الالماني ليبنتز Leibniz (1646-1716) مبدأ اللامتمايزات Desindiscernables، كما لا يخلطون أيضا بين الهوية والمساواة، فإذا كانت المساواة تفترض إمكانية معاملة الافراد بنفس الطريقة، فإنها في الوقت نفسه لا تفترض التطابق ( ).
والمصطلح شديد الصعوبة في اللغة الفرنسية خاصة في استعمالاته الفلسفية، بينما يُشكِّل في الأنثروبولوجيا ما يلمس هوية الأشخاص أو الجماعات، وبخاصة عندما يتعرف شخص أو جماعة على ذاته أو ذاتها بعلامة مميزة أو بتعريف مشترك، وهنا سيبدو إشكال الهوية غير منفصل عن إشكال الفردية Individuation بمعنى الاختلافات بين الطبقات أو الأفراد، إذ حتى يتماهى موجود ما أو عدد كبير من الموجودات، بآخرين سينبغي التمييز بينهم في كل شيء من الأشياء التي لا يكونونها، وعلى العكس لكي ندرك موجود فردي ما سينبغي تصوُّر هويته التاريخية.
من هنا تصبح الهوية Identité: طابع لما يتطابق مع شيء ما أو يظل هو هو (أي مطابق لذاته) على مر الزمان. ولا ينبغي أن نخلط بين الهوية والتشابه. أو بين الهوية والمساواة. كما أننا سنجد أن سؤال الهوية يحيل إلى سؤالين فلسفيين محددين: يتلخص الأول في أنه إذا ما كانت الوقائع الموجودة مطابقة لذاتها، فكيف سيمكننا أن نشرح ما يعتريها من تغيرات؟ خاصة إذا تأملنا حال أحد الشيوخ ممن يعيشون بيننا اليوم مقارنة بحاله أثناء شبابه. ويتلخص السؤال الثاني في الكيفية التي يمكن أن ننسب بها للأشياء أو للموجودات خصائص لا تخصهم وحدهم، عندما أقول على سبيل المثال أن مُحمَّد عربي، فصفة عربي لا تخص مُحمَّد وحده، ولكنها تخص آخرين غيره. لقد قادت هذه الحيرة الفلاسفة وبخاصة أفلاطون (٤٢٧ - ٣٤٧ ق.م)، الذي حاول إنقاذ إمكانية الحكم المنسوب إلى الأشياء والموجودات، بحيث أسست هذه الحيرة إلى جانب مفهوم الهوية لمفهوم آخر هو "الغيرية"( ).
وقدم لنا الأسكولائيون مصطلح الهوية منسوباً إلى ارسطو (۳٨٤ - ۳۲۲ق.م)، وبخاصة فيما أسماه بالهوية الرقمية Numerique والهوية الخاصة Specifique أو الكيفية Qualificative ، كما يقدم لنا لالاند حوالي سبع وعشرين نوعاً من الهوية منسوبة إلى توما الإكويني (۱۲۲٥م ۔ ۱۲۷٤م)، منها الحد والجنس والنوع والعدد والمماثلة . . الخ. كما اهتم كل من ليبنتز (١٦٤٦م - ۱۷۱٦م) في المحاولات الجديدة Nouveaux Essais، ولوك (۱٦۳۲م - ١٧٠٤م) في محاولاته Essais بتعبيري الهوية الفردية، والهوية الشخصية. وعمل لوك على التمييز بين الهوية الفيزيقية والواقعية، التي تربطنا بالحيوانات وتؤسس لاستمرارية أرواحها، وبين الهوية المعنوية Morale المؤسسة على الوعي أو الشعور بالأنا، وهو الأمر الذي يجعلنا قادرين على الإحساس بالتوبيخ أو بالمكافأة، وهو الأمر نفسه الذي يؤسس لخلود النفس الإنسانية.
ويقدم لنا كانط (۱۷٢٤م - ۱۸۰٤م) في كتابه العقل المحض Raison Pure، الهوية المؤقتة Temporelle والهوية القضائية Juridique، وهو نفس ما أسميناه لدى ليبنتز بالهوية المعنوية. كما يبرز في الفكر الغربي أيضا ما يسمى بهوية اللامتمايزات، والهوية الجزئية، وهو ما استعاره أججير Agger في محاولته النفسية في الحكم سنة ۱۸۹۳م، إضافة إلى مبدأ الهوية بالمعنى المنطقي.
إن نقاشات الهوية ومعناها عند هيوم (۱۷۱۱م – ۱۷۷٦م) وارتباطها بالتجريب لديه قد اثارت سؤال الوجود في الزمن وفي التعدد، والكيفية التي يمكن أن تحدد بها الاستمرارية رغم التغير بل ومن خلال التغير ذاته. والمعروف أن شيلنج Schelling(١٧٧٥م-١٨٥٤م) قد أسس مذهبه الفلسفي على الهوية الأصلية Originelle للطبيعة والعقل، من المثال والواقع، وهو ما أسماه بنفسه "علم اللاختلاف" أو " الهوية "( ).
مفهوم الهوية في الغرب في ظل التحديات المعاصرة
انطلاقا من النزعة العرقية الاوربية، وتسيُّد القيم والمناهج والأفكار والثقافة والفنون والآداب، وانتشار عادات المأكل والمشرب والملبس الغربية، حيث ساهمت ظاهرة العولمة في الدفع بها إلى آفاق غير مسبوقة لتسود العالم غربه وشرقه، وكأن ثمة حل كوني يملكه الغرب قادر على حل مشكلات العالم المحلية، هذا "الحل الكوني" الذي يعتبره ماتيلار Mattelart "وهم يوكل للشرطي إعادة تنظيم العالم رافضا لمجتمع المواطنين الحق في تخيل طرق جديدة نحو الاندماج متعدي الوطنية، ووعي كوني يكون على مستوى رهان الحضارة التي تمثل اللحظة التاريخية" ( ).
مع ذلك لا يرفض ماتيلار الاندماج في العالم، ولكن يقبل الاندماج وفقا لشروطه وفي ظل عولمة حقيقية، تتيح للمواطنين التعبير عن أنفسهم ومصالحهم وحريتهم، في تخيل الوسائل الكفيلة باندماجهم الفاعل والإيجابي في هذا الوعي الكوني الجديد، الذي يتشكل رافضا عمليات الدمج المفروضة بالهيمنة. ولهذا يطالب ماتيلار بإخضاع مفهوم الهوية لعملية ترشيد أو عقلنة Rationalisation، إذ يرى ضرورة تغيير مفهوم الهوية بالانتقال من هوية الانتماء الطبيعي إلى هوية الانتساب الاختياري المفكر فيه، وهكذا تتحدد الهوية -لديه- تبعاً لإرادة الإنسان ونتيجة لتأمله، وليس تبعا لتراث تاريخي أو قدر عرقي.
وفي نفس السياق يؤصِّل إيف ميشو Yves Michaud لنفس الفكرة، إذ يرى أن مستقبل الإنسانية سوف يتسم بالهجرات والاتصالات، وأن تنقل الشعوب بسبب الحروب والاضطهادات والهجرات الجماعية والسعي وراء العمل، سيجعل من السياحة والتنقل بمثابة الصناعة الأولى في العالم، خاصة إذا علمنا أن حوالي خمسمائة مليون فرد ينتقلون اليوم من أجل السياحة، سيصلون إلى مليار في عام ۲۰۱۰م، مما سيضع مفاهيم مثل الإقامة الثابتة والانتماء موضع الشك، بل وسيدفع إلى ضرورة إعادة التفكير في الهوية. ويدفع بمقولة عالم الأنثروبولوجيا جيمس كليفورد James Clifford : "الإقامة الثابتة المتحددة في السفر" إلى الصدارة، حيث يضع رجال الأعمال والتجار والجوالين والسائحين والصحفيين و المهاجرين واصحاب المعاشات من المغرمين بالتنقل على نفس المستوى من الانتماء - في الوقت نفسه - إلى عديد من الأماكن و العوالم، ومن هنا يدعو إلى التأمل في ظاهرة جديدة هي ما يسميها بالشتات Diaspora، وهي تعني "فكرة الوطن في الشتات" باعتبارها وسيلة توحيد و تجميع لهم - بالرغم من العقبات - على قاعدة حنين الذكريات (نوستالجيا)، ويترتب على حركة تنقل البشر والأموال والأملاك و المعلومات ازدواجية الانتماء، مما يجلب علاقات مرنة وقابلة لتغيير انتماء الجماعات، بحيث يحتفظون أو يتخلون عما يريدونه من انتماءاتهم الطبيعية الاثنية. ويرى ميشو أن فكرته الجديدة (الوطن في الشتات) من جهة تعتبر تحدي لتشدد وتعصب الدول القومية، ومن جهة أخرى تنزع سمة المحلية عما هو محلي لتفتح الباب لعملية عولمة Mondialisation "من أسفل" كما يسميها، لكي توازن عملية العولمة "من أعلى" التي تمارسها جماعات الإنتاج والحكومات. لذا يطالبنا ميشو بإعادة تحديد مفهومنا عن الهوية، حيث مازلنا نعيش بشكل كبير على فكرة هوية مكتملة البناء وثابتة، مبنية على معالم ثابتة كاللغة والتقاليد والقيم المشتركة، إضافة إلى العائلة والطائفة والوسط الجغرافي، زاعما في هذه النقطة أن فكرة الاندماج L intégration، التي ينتهجها السياسيون المؤمنون بالجمهورية (الدولة الأمة الديمقراطية)، تقيم بشكل أساسي عملية عقلنة Rationalisation لهذه الرؤية بفعل التقاليد والطبيعة، بحيث تبدل الانتماء التلقائي اللاإرادي إلى انتساب اختياري مفكر فيه. إذ أن التطورات الأخيرة - كما يرى - لابد "وأن تقودنا إلى التفكير ليس بمصطلحات بلوغ الهويات والثقافات الثابتة، ولكن بالتسويات والتفاوضات التي تصل إلى هويات ديناميكية ومرنة". ويُعلي ميشو من شأن ساحات التقاء الأفراد في حالة الانتقال - ويطلق عليها "مناطق الاتصال" Zones de Communication - التي يقيمون فيها علاقات مختلفة (ديزني والجيزة ومدينة العلم لافييت بباريس) باعتبارها أماكن سياحية كبرى، بل وأماكن ترفيه. ويشبِّه المراكز الحضرية والمراكز التجارية والمتاحف بمواقع الاتصال الالكتروني.
كما يؤمن ميشو بأن وضع الدولة القومية في ظل هذه التطورات هو وضع مؤقت، وهو هنا لا يقر بوجهة نظر الدول القومية، في اعتبار هذه التطورات تهديدات ستعمل على تهشيش وضع الهويات، وستضع مبدأ نقاء الثقافات موضع اتهام، وهو يصف خطاب الدول القومية هذا بأنه خطاب مذعور ينتابه الخوف الشديد من الكوكبية، بل ويشبهه بخطاب الدفاع الأصولي عن الهويات التراثية أو الوطنية، ويتساءل ميشو إذا ما كانت الهويات الثابتة والمندمجة التي بُنيت حول اللغة والأرض والعقائد المشتركة والعرق هي مجرد أوهام. إذ يرى أن الناس في الماضي رغم علاقاتهم المعقدة مع جيرانهم لم يكونوا في حاجة للإعلان عن هوياتهم أو حتى صياغة هذه العلاقات في مصطلحي الهوية أو الثقافة.
ويقدم ميشو هويات معاصرة بديلة، يكمن سر قوتها في تميزها بالتغير والقابلية للتبدل والمرونة بحيث تصبح هويات ديناميكية. فيرى أن الهويات تستند "بالفعل على الترتيب الهش غير متجانسة. فهي موضوع للتفاوض، ونتيجة مؤقتة للقاء الأطراف في عمليات تماهي تدوم أكثر أو أقل معا. ولهذا السبب فإن أي هوية هي بالضرورة إشكالية، لأن هناك صراعات وتفاعلات عصابية - تفوق تحديد الهوية أو تتجاوز الوصول إليها - مستمرة ومتصلة بين صورة الأب، ولغة الأم، والأرض التي تنتمي إليها من ناحية، وبين المجموعات التي تدخلها بقدر أو بآخر بإرادتنا، واللقاءات التي لا تتوقف من ناحية أخرى “.
ويعوِّل ميشو على التغيرات الأخيرة في حياة الإنسان مثل ارتفاع معدلات العمر، وأثر هذا على العقل والجسم، إضافة إلى السلطة ذات النتائج المأساوية التي اكتسبناها على جسدنا وأفكارنا بفعل التقنيات الطبية والعلمية وغيرها (العقاقير، والمخدرات، والأنظمة، وجراحات التجميل والأجهزة المختلفة . . . الخ). إضافة إلى الحركة المكانية التي يسرتها وسائل المواصلات الحديثة، والحركة الاتصالية عن طريق خطوط الاتصال والصور والقنوات. يعوِّل ميشو على كل هذا، ليستنتج أنه "ليست هوياتنا فقط - كمحتوى - هي التي تتغير، ولكنها -كمفهوم - هي التي سوف تتغاير أكثر فأكثر مع حدها "حيث يؤمن بأن مزيد من الحرية والإبداعية يؤدي أيضا لمزيد من الشك، وأن مزيد من الفرص يؤدي إلى الإحساس بأننا مهددين بالاندثار وبالتشظي وبفك التمفصل. ويختتم رؤيته تلك بأن يضع على عاتقنا مهمة يراها ذات أولوية تتمثل في أن نكون على مستوى هذه التحديات، وأن نعمل على الإجابة عليها.
في السياق نفسه وعلى الرغم من أن كوامي أنطوني أبياه Kwame Anthony Appiah، يقر بحاجة الانسان إلى الهوية، التي يعترف من عدم تمكنه من تقديم تعريف واضح لها، مع ذلك فالفرد -في رأيه- لا يمكنه التخلي عن الهوية بشكل كامل. في الوقت الذي يرى فيه أن الهوية تضع البشر في قوالب موروثة ومغلقة ومحددة سلفا، من قبل العائلة والمجتمع، إذ تتخللها -حسبما يرى- الأكاذيب والخرافات والاعتقادات التي لا برهان عليها -رغم أنها تجمع بينهم -، كما يرى أن الافراد لم يتدخلوا في اختيار هذه القوالب، ومن ثم يجدون أنفسهم منقسمين تبعا لما يجمعهم من خصائص دينية كانت أو وطنية.. الخ ( ).
واعتمادا على ستة عناصر أساسية يقوم أبياه بتشريح مفهوم الهوية ليبرز ما اعتراه من تعسف عبر العصور التاريخية:
1- التصنيف: تصنيف الناس في صور نمطية، استمدت أسسها من الثقافات المجتمعية والعقائد، وبمعزل عن أية دلائل علمية أو معرفية، واستمرار هذه الصور في التداول عبر العصور، يبين هشاشة الهوية القائمة على التصنيف.
2- العقيدة: يبين هنا أبياه محلية الأديان رغم ما تعلنه عن نفسها من عالمية، وانقسام الدين الواحد إلى عديد من الطوائف، بحيث تُفسَّر النصوص وتُمارس العبادات بأشكال مختلفة، تتراوح بين التشدد والتساهل، مما يجعل الهوية الدينية للدين الواحد غير مؤكدة، وبالتالي لابد من أن ينظر المرء إلى انتمائه وتقاليده الدينية بشيء من المرونة وعدم التشدد.
3- الدولة: يبرهن أبياه على أن الهويات الوطنية والقومية، وهي حديثة النشأة، ليس لها دور كبير في قيام الدولة التي يعتبرها اختراعا بشريا، لأن الهويات يمكن قيامها بعيدا عن الدولة، ومن ثم فالسلالة المشتركة -يراها- مجرد اعتقاد كاذب، علاوة على ما جلبته القومية من كوارث عبر التاريخ، كما أن الحدود السياسية للدول تتغير باستمرار، مما يخلق حالة المواطن أو الأجنبي، الامر الذي يجلب التعصب والتمييز العنصري تجاه الأجنبي، وهو ما يدفع أبياه إلى تفضيل أن ينتمي الفرد للإنسانية.
4- اللون: يرفض أبياه مقولة "العرق النقي"، أو التمايز بين الأعراق لانعدام العلمية فيها، واستنادها إلى المجتمعات والثقافات، ويندد بما أرتُكب تاريخيا باسم التمييز العنصري ضد أصحاب البشرة السوداء، أو ضد الأعراق الأخرى، معتبرا أن اللون المختلف للبشرة ليس إلا اختلاف في الشكل، ومن ثم يدعو إلى التعامل بين البشر من منطلق انساني بحت.
5- الطبقية: يقر أبياه بدور الطبقة الاجتماعية في صبغ الفرد بطابع ما، في جميع مستويات وجوده الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، رافضا أن يكون ثمة صفات فطرية تتوارثها الطبقات الاجتماعية والاقتصادية وتورثها لأبنائها، لأن افتراض كهذا يمكن أن يؤدي إلى الظلم، عندما يهدد المبدأ الحداثي في الجدارة والاستحقاق.
6- الثقافة: تستمر الثقافة باعتبارها هوية جماعية عبر الأجيال، تتراكم في طياتها عبر العصور مفاهيم وعادات وتقاليد تعمل على تجديد الثقافة وتطويرها. كما تتأثر بالثقافات الأخرى وبخاصة في ظل حركة العولمة والشبكة العنكبوتية، مما يجعل الانكفاء على الذات والتقوقع داخلها أمر بالغ الصعوبة، ففي مقابل أهمية وعي الأجيال وتثقيفها بهويتها وانتماءاتها وفرديتها، ثمة مسؤولية تقع على عاتق النخبة بنشرها مفاهيم المواطنة الكونية.
في ظل ما اعتبره أبياه الاكاذيب الست السابقة، التي حلل وشرَّح من خلالها مفهوم الهوية، وهي اكاذيب تجمع بين البشر في كل مكان، وبموجبها يطالبنا بإعادة النظر في مفهوم الهوية، على أساس أنها تؤثر بشكل حاسم على هوية الافراد والجماعات، يقترح أبياه علينا في مقابل الهوية الثابتة، مفهومه عن الهوية الكوزموبوليتانية Cosmopolitanism، بمعنى فلسفة للعيش في عالم ما للأجانب. وهو عالم يحمل قيما كونية مثل كرم الضيافة، والاريحية، والفضول والإنصاف، مع الاعتراف بأن الكائنات الإنسانية تنحسر في تنوعات ربما لا تنتهي ولا يمكنها دائما ممارسة نفس الفضائل بنفس الطريقة. وأبياه هنا لا يدعو إلى تسامح ما أو إلى نزعة نسبية غير نهائية. إذ في نظره أن صاحب الهوية الكوزموبوليتانية يحترم ويقدر الاختلاف، مع الاعتراف بأن "أي اخلاص محلي لا يمكن أبدا أن يبرر نسيان، أن كل كائن انساني عليه مسؤوليات تجاه الآخر"
الهوية في التراث العربي:
لم يكن العرب خلال القرون الأولى لانتشار الإسلام، وهم الذين حققوا تواجدهم وسيادتهم على الأرض، بحاجة إلى تأكيد ما هو مؤكد، لقد أضحت الإمبراطورية العربية الإسلامية واقع معيش، عندما أصبح البحر الأحمر والأبيض بحيرة عربية، يجوب بهما اساطيلها وتمتد سلطة وسيادة الدولة إلى اقاصي العالم القديم. إذا البحث عن الهوية لم يكن إلا حاجة جديدة ومعاصرة على العرب، في ظل لحظات تراجعهم الحالي وتوقفهم عن التأثير في العالم. من هنا أصبح يطالعنا الحديث عن الهوية وكأن البحث فيها مسلمة بديهية في تراثنا العربي الإسلامي.
في مقابل هذه الدعوات المعاصرة للتمسك بالهوية والتشرنق فيها، أثبت بعض الباحثين العرب المعاصرين أن خطاب الهوية التقليدي يقوم على مرجعية غربية ( )، وهو ما ينهض هذا الخطاب ذاته لدحضه (وهذه مفارقة لا تخلو من طرافة). ذلك أن مصطلح الهوية المتواتر على كل الألسنة، والذي يمثل حجر الزاوية في كل الاجتهادات والتصورات، التي تؤكد على الأصول والخصوصية التراثية الحضارية، هو مصطلح غربي لم تعرفه لغتنا العربية إلا حديثا، فلم يكن العرب المسلمين -كما أسلفنا- بحاجة إلى التأكيد على هوية، كانت مؤكدة بالفعل على أرض الواقع، عندما تسيِّدوا العالم بالفتوحات والحضارة التي أعلت من شأنهم، فالسؤال عن الهوية لا يغدو مُلحاً إلا عندما تتهدد هذه الهوية بتخلف وتراجع أصحابها.
إن البحث المتأني في معاجمنا يشير بما لا يدع مجالا لأي شك، إلى غياب مصطلح الهوية بمعناه الحضاري ووجوده بمفاهيم فلسفية أخرى: فالمصباح المنير والقاموس المحيط، ولسان العرب وغيرها من المعاجم لا تشتمل على هذا المفهوم الحديث للمصطلح، إذا لا يعدو الشرح عن أن تكون "الهوية" مستقاة من الفعل "هوى" أي سقط من عل، أو أن يكون معناها البئر البعيدة القعر، وإذا أحتج البعض( ) بأن تعريف المصطلح بالتعريفات للجرجاني على أوضح ما يكون، وذلك بالاعتماد على اجتزاء من نص له يقول: أن الهوية هي "الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في غياب مطلق"، فإن إكمال النص على النحو التالي: "والهوية السارية في جميع الموجودات ما إذا (أخذت) حقيقة الوجود لا بشرط شيء"( )، يجعلنا نفهم أن النص يعبر عن الحقيقة المطلقة الموجودة في عالم الغيب، وليس لها أدني علاقة بالمفهوم الذي نعرفه اليوم، إلا إذا قمنا بعمليات تأويل تلوي عنق المعاني لتنسجم مع ما نريد نحن منها الآن.
لعل التعريف الوحيد للهوية الذي عرفته الثقافة العربية الإسلامية هو التعريف المنطقي لها، إذ فهمها الفارابي على أنها "من الموجودات وليس من جملة المقولات؛ فهي من العوارض اللازمة وليست من جملة اللواحق التي تكون بعد الماهية "كما حدد هوية الشيء بأنها" عينيته ووحدته وتشخصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له كل واحد. وقولنا إنه "هو" إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك ( )، "كما أن ابن رشد قد عرف أيضا الهوية في هذا الإطار المنطقي والذي على ما يبدو قد نقل عن اليونانية كما نفهم من نص ابن رشد نفسه، الذي يرى أن الهوية "تقال بالترادف على المعنى الذي يطلق عليه اسم الموجود، وهي مشتقة من الهو كما تُشتق الإنسانية من الإنسان، وإنما فعل ذلك بعض المترجمين لأنهم رأوا أنها أقل تغليظاً من اسم الوجود إذا كان شكله شكل اسم مشتق"( ).
يبدو أن مفهوم الهوية قد تسرب إلى الفكر العربي على الأخص في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، في غمار الترجمات التي بدأت تتراكم، ونقول قد تسرب، لأننا في الحقيقة لا نجده صراحة ضمن المصطلحات المترجمة في هذه الفترة، وهي: الحرية، والأمة، والقومية، والمساواة، والوطن، والوطنية، والثورة.. الخ. وربما يكون مصطلح "الجامعة الوطنية" لدى اديب أسحق الذي استخدمه في معرض الحديث عن الثورة دون تعريف، هو أقرب هذه المصطلحات معنى إلى مصطلح الهوية. وهناك مصطلحات اخرى استخدمت بنفس هذا المعنى للهوية لدى الحركات القومية العربية، ومنها على سبيل المثال: مصطلح "النفسانية" أو "الشخصية" لدى انطون سعادة، للتعبير عن روح الشعب والشخصية القومية. ولعل من أوائل من استخدم مصطلح الهوية هو سلامه موسى نقلاً عن إبراهيم اليازجي، ومن هنا يمكن القول إن مصطلح الهوية قد وفد إلينا ضمن منظومة المصطلحات السابقة، والتي شارك سلامه موسى في التعريف بها، إذ كانت تعبر عن دينامية الحراك الاجتماعي في الغرب، وحركة الصعود المجتمعي غير المسبوقة خاصة بعد ظهور الدول القومية، والحدود السياسية الفاصلة بين الدول.
والجدير بالذكر أن مصطلح الهوية غير موجود بكتاب المصطلح الفلسفي عند العرب لعبد الأمير الأعسم رغم أحاطته وشموله، وهو ما يؤكد ما وصلنا إليه. وعلى الرغم من استخدام المصطلح وبخاصة في المشاريع الفكرية الكبرى لمفكرينا من العرب والتشرنق فيه، فإنه من النادر أن نجد تعريفا له رغم استخدامه آلاف المرات داخل سياق هذه المشاريع، وكأن المصطلح ليس في حاجة إلى تعريف كما يمكن ان يتبادر إلى الأذهان. إذ على الرغم مما يبدو ظاهرياً بأن الجميع متفق على هذا المفهوم، إلا أن الاختلافات تظهر حالما تُقدَّم تلك التعريفات.
في ندوة عُقدت بالقاهرة حول الهوية والتراث في عام ۱۹۸٤، جاءت تعريفات المتداخلين للهوية شديدة التنوع والتوزع على الخصائص النفسية والحضارية والاجتماعية والسياسية، فاعتبرها البعض "الإدراك الحضاري المتميز للمجتمع الذي يتبلور في الشعور بالانتماء وفي التعبير عن هذا الشعور سياسياً، ورأى البعض الثاني أنها تجسيد للسمات النفسية والاجتماعية والحضارية، واعتقد البعض الثالث أنها السمات التي ترتبط بالفرد نتيجة لانتمائه للمجتمع، وركز البعض الرابع على السمات المميزة لدولة قومية، والتي تعبر عن الواقع الاجتماعي والاقتصادي لتاريخ المجتمع. . الخ، كما اختلفت الآراء حول استخدام مصطلح الهوية بمعنى الشخصية أو الطابع القومي أو الطابع الاجتماعي أو الطابع الحضاري"( ). وخرج المجتمعون وكلهم من كبار المفكرين والمثقفين في العالم العربي، يحملون سيلا من الأسئلة أكثر مما دخلوا به، وهي أسئلة تخص مفهوم الهوية ذلك المفهوم العصي ولا إجابات عليها، حيث جاء بتقرير الندوة عدد كبير من الأسئلة فعلى سبيل المثال ( ):
* هل الهوية صورة مؤلفة من أكثر السمات شيوعا في المجتمع؟
* هل الهوية ثابتة ضمن سياق اجتماعي معين أم أنها متغيرة ضمن السياق الاجتماعي؟
* هل الهوية تعني الخصائص النفسية فقط أم أنها تحوي خصائص ومفهوماً سياسياً واجتماعياً وحضاريا؟
* ما مدى علاقة الهوية بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي التاريخي للمجتمع؟
* ما هي مقومات الهوية؟
لعلنا نجد نفس هذا التنوع في فهم المصطلح عندما نراجع أحد المحاور، التي اهتمت بالموضوع ذاته في إحدى الدوريات العربية ( )، فنجد أن الأستاذ محمد سبيلا يرى أن الهوية القومية هي "مجموع السمات النفسية والاجتماعية والحضارية المميزة لأمتنا عبر تاريخها الطويل "( ).
ويعتبرها د. محيي الدين صابر الاسم السياسي للشخصية التاريخية أو الشخصية الثقافية أو الكيان الحضاري لمجموعة من الناس في مكان معين. وهي تمثل الخصائص الحضارية التي ابتدعتها المجموعة التي تنتمي إليها، من اللغة والدين، والقيم الجمالية والأخلاقية، وأنماط العلاقات الاجتماعية، والمهارات التقنية، وفلسفة الحياة والموت ( )، ويرى د. عفيف بهنسي أن الهوية القومية تتحقق "بفعل العوامل المتراكمة والمتنوعة التي تتحدد في مجموعة بشرية ذات خصائص تاريخية وجغرافية وإنسانية مشتركة. والانتماء القومي لهذه المجموعة يذكي ويغنى الهوية، ولكنه لا يتحكم في تحديد خصائصها التي تتجلى بمجموعة الأفعال التي تقوم بها أمة من الأمم"( ). وهكذا نجد مدى الاختلاف في فكرنا العربي المعاصر على المصطلح الأكثر استخداما وشيوعا في حياتنا الثقافية.
لعلنا نجد أن اغلب التعريفات للمفهوم هنا، ترددت بين ثبات الهوية وتحررها عبر الزمن لتصبح نتيجة للتراكم. ولنا أن نلاحظ أن اغلب الداعين للتمسك بالهوية والتشرنق داخلها، فهموا الهوية على أنها أقنوم ثابت، والهوية الثابتة التي اختاروها لم تكن إلا هوية انتقائية تمثل لحظة تاريخية واحدة من لحظات التاريخ العربي الإسلامي، دون أي اعتبار للحظات الأخرى والتي لم تكن تقل أهمية أو تأثيرا على تشكُّل الهوية التي امتد تكوُّنها عبر عصور التاريخ المختلفة.
خلاصة:
في محاولة منا لاستخلاص بعض النتائج في نهاية هذه الورقة البحثية، سيجدر بنا طرح هذا السؤال: ما الذي يمكن الاستفادة منه على مستوى الخروج من مأزق: التشرنق من جهة والانفتاح المنفلت من جهة أخرى، وهو ما يمثل اشكاليتنا التي طرحناها منذ البداية؟ وهل يمكن أن تساعدنا في ذلك مقاربتنا التي قمنا بها على المصطلح بين الفكر الغربي والعربي، وهل ما عرضناه فيما يميز بين مفهوم الهوية في الغرب عن مثيله في الشرق أن يساعدنا في هذا المسعى؟
في سبيل هذا يمكن أن نستفيد فيما اتصل بمفهوم الهوية في الغرب، وبخاصة في الارتباط الشديد بين مفهوم الهوية ومفهوما الفرد والشخصية، وهما مفتاحا الحداثة الغربية، إضافة إلى ارتباط الهوية بتاريخ زمني يضع أمامها التحديات المستمرة والمتغيرة. وهو ما يثير فيها الهمة والحمية باستمرار. نجد أيضا تطابق الهوية مع الذات، وهو تعبير عن السلوك المباشر البعيد عن المدارة والالتواء، كما أنه تعبير عن الصحة النفسية على المستوى الفردي والجماعي. كما أن الهوية في هذا السياق الغربي لا تفهم إلا في مقابل مفهوم الغيرية بكل ما تحمله الغيرية من قيم مثل التنوع والاختلاف، والتعدد. كما أن التركيز على الهوية في سياقها الغربي ينصب على العنصر المعنوي، وهو العنصر الأساسي الفاعل في الإنسان. إضافة إلى أن الهوية ليست وجودا بمعزل عن التاريخ، أو وجود مطلق، بل وجود في الزمن يستوعب التغير الحادث عبر هذا الزمن. والهوية أيضا في سياقها هذا عملية معايشة دائمة تتم في الواقع بين العقل والطبيعة. ومن هنا يصبح الدرس الأول المستخلص هو أن الهوية تراكم امتد عبر العصور، وخضع للتغيرات المستمرة التي فُرضت عليه نتيجة المستجدات على ارض الواقع، وضرورة التفاعل معها، وحل اشكالياتها المستجدة، ومن ثم فإذا كانت مجتمعاتنا العربية الإسلامية اليوم في امس الحاجة للتطور والنمو، فلابد هنا ألا تكون هويتنا متشرنقة أو منكفأة على ذاتها، بل على العكس منفتحة على الجديد بالقدر الذي يحل مشكلاتها المعاصرة، الامر الذي من شأنه ألا يجعل الهوية في تعارض مع الحداثة أو مع العقل المنفتح.
إن سؤال الهوية الذي نطرحه على أنفسنا اليوم في العالم العربي، فنقرنه بالتراث في محاولة منا للتقليل، من وطأة حقيقة مهمة تؤكد تراجعنا بالمقارنة بالغرب، هو في الوقت نفسه محاولة لتجاوز هذه الحقيقة بالقفز عليها، وليس بمواجهتها بالشجاعة الواجبة. وفي حين أن هويتنا الانتقائية تحيلنا إلى أجدادنا كما يحلو لنا أن نتخيلهم في تراثنا، يعبر الفرنسيون عن هويتهم بلفظ يفيد معنى التعريف Identité والتخصيص Le propre de moi est de ne pas designer un autre. (ما يخصني لا يمكن أن يُشار به إلى آخر)، فنحن نربط تعريف أنفسنا بميراث الأجداد – في صورته الانتقائية - فنثبت هويتنا ونقدسها، بدلا من أن نعمل على امتلاك هذا التراث والسيطرة عليه لتجاوزه، ويحدد أحد الباحثين الاختلاف البنيوي بيننا وبين الغرب في:
أولاً: أن التراث لدى الغرب جذور مهدت لهويته المتماهية في الحداثة، أما لدينا يعتبر التراث هو الجذور والجذع والهوية في الوقت نفسه.
ثانياً: ثراء التراث لدى الغرب بتنوع مصادره واختلاف اتجاهاته، بينما يظل تراثنا وهويتنا واحدة ووحيدة، فهي انتقائية نقصرها على الهوية "العربية الإسلامية" متجاهلين ما قبلها، وما بعدها ( ).
من هذا المنطلق ولكي نستطيع الخروج من تلك الثنائية الحدية: التشرنق أو الانفتاح المنفلت، سيجب علينا العمل على أن تتخلص هويتنا من سيطرة مبدأ اللذة عند تفسيرنا للواقع، وأن نتخلص من الفكر الفصامي الذي يخلط بين التفكير العقلي والأحجبة، وكذلك أن نتخلص من الفكر الانطوائي المنغلق على أفكار وتراث الأسلاف وعبادتهم، حين يصبح التاريخ كالأساطير، وحين ينبغي على كل جديد أن يتطابق مع النموذج القديم، حتى لا يعتبر "بدعة". وسيجب علينا أيضا العمل على أن تتحرر هويتنا من هوس التقليد، الذي يتمسك بالسكنات والحركات واللباس والكلمات.. ( ).
من هنا نستطيع القول بأن الهوية - كما نفهمها – هي مجموعة القيم والعناصر والسمات، التي تجمعت عبر العيش في مكان وزمان واحد، ورسخت لحد ما بعد أن تفاعلت فيما بينها، وتفتق عنها شكل أخير وليس بنهائي، وهو ما يميز مجموعة اجتماعية ما، تشعر فيما بينها بشرف هذا الانتماء. نقول هذا لأننا نعتبر أن الموقف من الهوية موقف معاصر، موقف يرتبط بوجودنا وخياراتنا، ومصالحنا الآنية، يرتبط برغبتنا في تجاوز التراجع وبلوغ النهضة، يصبح تراجعنا إذن سلب للهوية، وتقدمنا نحو الحضارة والتقدم إثبات وتأكيد لها.
تمثل الهوية إذن كتابا مفتوحا، يُضاف إليه كل يوم العديد من الصفحات، فهي ليست معني تام أو كامل أو نهائي، إذ يعني التمام والكمال للهوية "الموت" والاندثار. كما أن الهوية -على مستوى آخر- لا تتأكد ولا تتعمق إلا في مناخ ديمقراطي، فالديمقراطية هي الأساس لتفتح الهوية، وهي الشرط اللازم لتحرر الذات وإبداعها.
في ظل الظروف والتحديات الدولية الراهنة، وبخاصة في ظل العولمة، يتدافع في العالم العربي والإسلامي، الشك في النوايا الغربية، ومن ثم الشك في العلاقات التي تربطهما بهذا الغرب، وذلك لاشتمالها على عناصر لم تكن واضحة بهذا القدر، ولاسيما حين تعمل العولمة على زعزعة المفاهيم المرتبطة بالدولة القومية، والهويات الثقافية الوطنية بفرضها أنماطا توحيدية، وكأنها تقدم حلاً كونيا لمشكلات كل واقع محلي، ومع ذلك يظل الشعور بالمواطنة الحقيقية لا يتأتى إلا في ظل هوية منفتحة على العالم وعلى التجارب الأخرى، انفتاحا غير منفلت، يستفيد من تجارب وخبرات الغير لحساب أمته ولمستقبلها.
إن الهوية تتحقق عندما ننجز مهمة الإجابة على أسئلة الواقع الحقيقية، التي نعايشها دونما نظر أو اعتبار لمصدر هذه الإجابة، سواء جاءت من التراث أو من خارجه، من هنا يصبح الحفاظ على الهوية ليس بالانغلاق والتشرنق في الذات، وليس بالرفض والابتعاد عن الآخر الغربي، ولكن بأن نأخذ عن الغرب لحساب أنفسنا، وليس لحساب آخر، نأخذ منه لتطوير بنانا الثقافية، وليس بربط هذه البنى بالغرب ولحسابه.
وفي إطار طمأنة الداعين للتشرنق، خوفا من الانفتاح على العالم للحفاظ على الهوية، نقترح توظيف وضع العولمة لصالح الانسان، بالعمل على الاحترام المتبادل للثقافات والهويات المختلفة، بهدف قيام عالم يعتمد على التوازن بين الخصوصيات والتجارب، باحترامها كتعبير عن احترام تنوع وثراء التراث البشري، من خلال هويات العالم الثقافية.



#مجدي_عبد_الحافظ_صالح (هاشتاغ)       Magdi_Abdelhafez_Saleh#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشروع الحضاري المجتمعي العملي للدكتور محمد رؤوف حامد


المزيد.....




- زاخاروفا تعلق على -هذيان- وزير خارجية فنلندا
- العراق يصدر توضيحا حول إهداء محافظة إيرانية تمثالا يعود للحق ...
- القضاء يصدر امر استقدام بحق النائب الثاني لرئيس مجلس النواب ...
- يقودها رجل باكستاني.. عصابة تسرق الاف الدولارات من معرض سيار ...
- رئيس المحكمة الاتحادية العليا : مجلس الوزراء خرق القانون بأر ...
- ريشي سوناك يقيل رئيس حزبه من الحكومة
- شولتس يتحدث عن التحقيق في تفجيرات خطوط -السيل الشمالي-
- بارتفاع 114 مترا.. تحقيق رقم قياسي احتفالا بمدينة ساو باولو ...
- إسرائيل تغلق منزل -منفذ عملية القدس-.. وتكشف خطواتها المقبلة ...
- يُسمى بـ-الصدر المثقوب-.. ما مسببات الاسترواح الهوائي الصدري ...


المزيد.....

- عبد الله العروي.. المفكر العربي المعاصر / أحمد رباص
- آراء سيبويه النحوية في شرح المكودي على ألفية ابن مالك - دراس ... / سجاد حسن عواد
- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - مجدي عبد الحافظ صالح - ثقافة الهوية بين التشرنق والانفتاح: مدخل فلسفي