أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم العثماني - المجلاّت الثّقافيّة التونسيّة بعد 14 جانفي والصّراع في سبيل البقاء















المزيد.....


المجلاّت الثّقافيّة التونسيّة بعد 14 جانفي والصّراع في سبيل البقاء


إبراهيم العثماني

الحوار المتمدن-العدد: 7280 - 2022 / 6 / 15 - 02:06
المحور: الادب والفن
    


مـقــــــدّمـة:

قد لا يختلف عاقلان في الإقرار بتصحّر الحياة الثّقافيّة في تونس منذ أكثر من عقدين وخلوّ السّاحة الثّقافيّة من المجلاّت الجادّة والقادرة على طرح قضايا تترجم الإشكالات الّتي يفرزها الواقع، وقد لا نبالغ إن قلنا إنّ الحركيّة الثّقافيّة والفكريّة الّتي ميّزت بداية ثمانينات القرن العشرين ونهايتها قُبرت منذ أحكمت السّلطة الحاكمة قبضتها على مفاصل الحياة السّياسيّة والثّقافيّة. وهكذا توقّفت مجلّة"الفكر" عن الصّدور منذ أن غادر مؤسّسها محمّد مزالي البلاد في منتصف الثّمانينات، واحتجبت مجلّتا "فضاءات مسرحيّة" و"الشّعر" بإقالة وزير الثّقافة البشير بن سلامة المدير المؤسّس لهما، ولم تصمد طويلا مجلاّت بعضها مستقلّ مثل"التقدّم" (المدير المسؤول هشام قريبع) و"الشّهريّة" ومجلّة "نساء" (المديرة المسؤولة آمنة بلحاج يحي)، وبعضها الآخر متحزّب من قبيل"الباحث"(صاحب الامتياز:إبراهيم الهرابي/ التيّار البعثي)، و" 15/21" (صاحب الامتياز حميدة النيفر/ صوت الإسلاميين التّقدّميين)، ولازمت "أطروحات" ذات التّوجّه التّقدّمي الصّمت طوعا منذ بداية التّسعينات، واستحالت"المسار" مجلّة اتّحاد الكتّاب التّونسيين بوق دعاية يمجّد إنجازات لم تُنجز، ويُثني على مشاريع لم تُنفّذ، ويغدق على حاكم تونس صفات يفتقر إليها، وتمّ التّضييق على الحرّيات الأكاديميّة في الجامعة التّونسيّة. ومن ثمّ حرمت البلاد طيلة عقدين من إسهام مثقّفيها ومفكّريها في خلق حركيّة ثقافيّة كم هي في حاجة إليها.
وبدت ثورة 14 جانفي 2011 واعدة تبشّر بصحوة ثقافيّة جديدة وإحياء لحظات قوامها الجدل الخصب والسّجال المثمر إذ حرّرت أقلاما مكبّلة، ودفعت الكثير من الكتّاب والمبدعين إلى تأسيس منابر ثقافيّة للإسهام، من مواقعهم، في الحركيّة الّتي أحدثتها ثورة الشّعب التّونسي على النّظام المتسلّط. ولكن يبدو أنّ هذه الصّحوة كانت سرابا خلّبا ولهيبا سرعان ما خمد. فما هي هذه المجلاّت؟ وما هو مصيرها الآن؟
I. في التّعريف بالمجلاّت الثّقافيّة:
صدرت منذ 14 جانفي 2011 سبع مجلاّت ثقافيّة وفكريّة وأدبيّة وجريدة ثقافيّة أسبوعيّة كابدت جميعها صعوبات كأداء ثمّ احتجبت. وهذه المجلاّت هي:

1. كلــــــــــــــــــمات:

هي مجلّة فكريّة ثقافيّة شهريّة باللّغتين. صدر العدد الأوّل منها في شهر جويلية 2011 وقد خلا من افتتاحيّة شبيهة بالافتتاحيّات المعهودة والّتي توضّح خطّ المجلّة التّحريري وأهدافها والقضايا الّتي تنوي طرحها، واكتفت آسيا نصير المديرة المؤسّس والمسؤول بالتّعبير عن سعادتها بحصولها على تأشيرة هذه المجلّة، كما أكّدت أنّها عاجزة عن التّعبير عن المشاعر الّتي انتابتها وهي تحقّق حلما راودها وأصبحت صاحبة مجلّة تتسمّى ب"كلمات" شقائق الورد. أمّا كلمة الحبيب بوعجيلة رئيس التّحرير الموسومة ب"كلمات وجبل من الأحلام " فتضمّنت إشارة مقتضبة إلى توجّه المجلّة مُفادها : "هذه كلمات نرسمها جميعا... لا خطّ للتّحرير ولا التزام غير خطّ الحرية والتزام حلم الوطن الأجمل". فهي إذن مجلّة تنشد الكلمة الحرّة المتمرّدة على كلّ قيد يحدّ من فاعليّتها. وقد زاوجت بين الدّراسة والإبداع والفكر والأدب والتّاريخ وعلم الاجتماع. و صدر منها 7 أعداد( جويلية 2011/ فيفرى- مارس 2013 )، والمطّلع على هذه الأعداد السّبعة يتبيّن ثراء مادّتها وملامستها مشاغل المثقّفين الرّاهنة والتّطرّق إلى القضايا الّتي أفرزتها التّحوّلات المجتمعيّة منذ عقود شرقا وغربا والّتي أضحت تقسّم المجتمعات العربيّة.

2. أكاديــــــــــــــــــــميا

هي المجلّة الثّانية، وهي مجلّة شهريّة تُعنى بشؤون الحياة الجامعيّة، وقد صدر العدد الأوّل منها في جانفي 2012 وظلّت تصدر بانتظام منذ ذلك التّاريخ. وكتب، في العدد الأوّل، كلمة الجامعة شكري المبخوت رئيس جامعة منّوبة مشددا على أنّ هذه المجلّة هي" على سبيل الاعتراف لشباب تونس الرّائع ومنه شبابنا الطّالبي. ولتكن أيضا هديّتنا لشبابنا الّذي تحرّر وحرّرنا جميعا ليفتح لنا آفاقا رحبة للعمل والقول والتّفكير والتّعبير."
ويعدّد الأستاذ المبخوت، في هذه الكلمة، تضحيات الشّباب ونضالاته والضّريبة الباهظة الّتي قدّمها لأنّه آمن بحريّة التّعبير والنّشاط النّقابي الطلاّبي وحقّه في السّكن، وانخرط في نضالات الشّعب التّونسي وقدّم التّضحيات الجسام ( طرد، سجن، ملاحقات، حرمان من الدّراسة...) ثمّ خصّ الجامعة التّونسيّة بفقرة تحدّث فيها عن دورها في "التّحرير والتّنوير والتّجديد والتّحديث".
وقد ظلّت مجلّة "أكاديميا" وفيّة للتّوجّه الّذي رسمه الأستاذ المبخوت وتصدر بانتظام منذ عددها الأوّل إلى أن احتجبت لأسباب غير معلومة.
وانضافت إلى هاتين المجلّتين مجلّة ثالثة تسمّت "الفكر الحرّ".

3. الفـــــــــــــــــكر الحـــــــــــــــــرّ

هي مجلّة ثقافيّة جامعة صدر العدد الأوّل منها عن دار نيرفانا للنّشر في جانفي 2012 والمدير المسؤول عنها هو حافظ بوجميل. أمّا افتتاحيّة العدد فقد كتبها رئيس التّحرير عبد الواحد إبراهم الّذي رسم من خلالها خطّها التّحريري وأهدافها. وحملت عنوان" فضاء جديد للحرّية الفكريّة والتّعبير المنطلق" وبيّنت اللّحظة التي شجّعت أصحاب المجلّة على المشاركة في هذه الحركيّة الجديدة. فهي:" مناخ الحريّة الّذي غاب طويلا ونفس الثّورة التّونسيّة المشجّع على الحوار وتبادل الرّأي". ثمّ يعدّد عبد الواحد إبراهم أهداف هذه المجلّة فيقول: إثراء الإعلام الثّقافي التّونسي/ تنمية المدارك وتنوير العقول/ إتاحة الفرصة لأصحاب الأقلام الموهوبة لبثّ الذّوق الرّفيع بالآراء المستطرفة والإبداعات المستظرفة.
ويبدو خطّ تحرير المجلّة منفتحا على العصر ومستحدثاته في العلوم والفنون بالاستقاء من منابع الفكر البشري في مختلف الثّقافات شرقا وغربا... والمجلّة حلقة جديدة تأخذ مكانها ضمن سلسلة المجلاّت الفكريّة والأدبيّة الّتي زخر بها تاريخ تونس الحديث منذ بداية القرن الماضي.
وكرّست مجلّة"الفكر الحرّ" (6 أعداد-جانفي 2012/ سبتمبر 2012) جهدها للإسهام في الحركيّة الثّقافية ا لتي عرفتها البلاد وبالخصوص المجال الأدبي
ولئن زاوجت هذه المجلّة بين الثقافي والأدبي فإنّ مجلّة "مبدأ" تخصّصت في الأدب.

4. مبــــــــــــــــــــــــدأ :

هي مجلّة فصليّة مختصّة في البحوث والدّراسات الأدبيّة صدر منها عن دار أمل للنّشر والتّوزيع بصفاقس ثلاثة أعداد ( ع 1 ربيع 2012 / ع 3 شتاء 2013 ).
وقد كتب افتتاحية العدد الأوّل الدّكتور محمّد الباردي منزّلا ظهور هذه المجلّة في ظرفيّة مخصوصة هي "المرحلة الثّوريّة الجديدة الّتي تعيد للأشياء معانيها"، ومحدّدا هدفها بقوله: "ولذلك تظهر هذه المجلة الأدبيّة المتخصّصة من أجل مبدإ، من أجل الإيمان الرّاسخ بالقيمة. وللقيمة معنى واحد سواء تعلّق الأمر بالسّياسة أو الدّين أو المجتمع... أن نكتب يعني أن نعيد للأدب معناه أي أن نبحث عن المعنى وأن نبحث عن المعنى يعني أن نتمسّك بمبدإ أو بجملة مبادئ".
إلاّ أنّ الاحتجاب السّريع لهذه المجلّة حرم القرّاء من متعة مقاربات أدبيّة لجملة من القضايا لاتزال تثير الرّأي ونقيضه سنعود إليها في موطن آخر من هذا المقال
5. البــــــــــــــــــديل:

هي مجلّة فكريّة مديرها حمّة الهمّامي ورئيس تحريرها خميس عرفاوي وتشرف عليها هيئة تحرير تتكوّن من سبعة أعضاء.
وقد رسمت افتتاحيّة العدد الأوّل الأهداف الّتي تروم تحقيقها. فهي مجلّة فكريّة جامعة تسعى إلى بعث تعدّدية مخصبة لتجاوز حالة الجمود الّتي سيطرت على السّاحة الثّقافيّة والفكرية طيلة عقدين، وتطرح للنّقاش والجدل جملة من القضايا أفرزها الواقع المعيش عربيّا وعالميّا، و"تناهض كلّ أشكال الانغلاق والتّحجّر والتّزمّت وكلّ فكر لايتوق إلى التّقدّم بالإنسان ولا يعمل على تحريره من ضروب الهيمنة والاستعباد" ( ع1/ السّداسيّة الأولى 2012).وقد طرحت من خلال أعدادها الستة قضايا على درجة كبيرة من الأهميّة في لحظة التبست فيها عديد المفاهيم. مّا المجلةّ الفكريّة الأخرى فهي " الفكريّة".

6. الفكـــــــــــــــــــريّة:

هي مجلّة قديمة/ جديدة. فقد صدر منها عددان قبل 14 جانفي تحت مسمّى كتاب دوري وبتنسيق وإشراف ناجي مرزوق. ركّز العدد الأوّل على محور كبير هو" الأزمة المالية العالميّة أزمة ظرفيّية أم أزمة هيكليّة؟( جانفي 2009). أمّا العدد الثّاني فقد تمحور حول " الهوية من منظور مختلف" (ماي 2009). وبعد14 جانفي أعاد المناضل ناجي مرزوق إحياء هذا المشروع بعد أن اختار له هيئة تحرير ومجلس تحرير وأسرة. والفكريّة مجلّة شهريّة تنويريّة مستقلّة "جاءت لتكون إسهاما تونسيّا في الحراك الفكري على المستوى العربي والإنساني بعيدا عن العاطفة والشّعبويّة من جهة والدّغمائيّة والظّلاميّة والتّحجّر من جهة ثانية" حسب السيد ناجي مرزوق كاتب الافتتاحيّة الّذي يضيف قائلا: "إنّما المحرّض الرّئيسي لإصدار الفكريّة الآن وهنا هو حالة الارتداد الّتي بدأت تطفو وتطغى على السّاحة الفكريّة والثّقافيّة."
ويأمل السيد ناجي مرزوق من هذه المجلّة أن تكون حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وبين المغرب والمشرق. يقول:"نريد من الفكريّة أن تكون وسيلة نشر الوعي ودفع الحراك الفكري كما كانت سابقاتها مثل كرّاسات تجمّع الدّراسات والعمل الاشتراكي التّونسي ومجلّة أطروحات والطّريق الجديد في تونس ومجلّة الطّريق اللّبنانيّة وقضايا فكريّة المصريّة للرّاحل محمود أمين العالم."
إلاّ أنّ هذه المجلّة احتجبت بعد أن أصدرت 38عددا (العدد38 مارس-أفريل2018).
7- الفـــــــــــــكر الجـــــــــــــــديد:
هي مجلّة ثقافيّة فصليّة ظهر العدد الأوّل منها في جانفي 2015، والمدير المسؤول هو شكري المبخوت ورئيس تحريرها هو هشام الرّيفي. وفي عنوان المجلّة أكثر من دلالة حسب افتتاحيّة رئيس التّحرير. فهو يُحيل على مجلّتين سابقتين: "الفكر" (1955-1986) و"التّجديد" (1961-1962). ويبدو أنّها توقّفت عن الصّدور منذ سنة 2018، وزاوجت بين الإبداع والنّقد، والحوار والوثيقة وتقديم الأطروحات. وخُصّص العدد11 لفقيد الجامعة الأستاذ توفيق بكّار الّذي وافته المنيّة في أفريل 2017.
وارتأى عز الدّين المدني إصدار ملحق ثقافي أسبوعي سمّاه "الأسبوع الثّقافي" (1/7/2011) لكنّه لم يعمّر طويلا إذ سرعان ما توقّف ( 5 أعداد تقريبا).
تمثّل هذه الافتتاحيّات الدّليل الّذي قاد الكتّاب والمفكّرين المساهمين في الملفّات والمواضيع الّتي طرحها المشرفون على شؤون هذه المجلاّت الّتي احتجبت جميعها، ويدرك كلّ مطّلع على ما جاء في متنها العلاقة الوثيقة بين التّوجهات الّتي حدّدها كتّاب هذه الكلمات والقضايا الّتي تمّ الخوض فيها. وبما أنّ هذه اللّحظة هي لحظة تأسيس ثقافة بديلة تقطع مع الرّداءة والتّسطيح والتّهميش، وتستشرف مستقبلا مشرقا فقد اجتهدت هذه المجلاّت جميعها للاستجابة لمتطلّبات هذه اللّحظة والتّفاعل مع المستجدّات وتوظيف طاقات الجامعيّين ومعارف الباحثين لتقديم الإضافة النّوعيّة حسب الزّاوية المعتمدة. وقد تكرّر، أحيانا، نفس الموضوع من مجلّة إلى أخرى مع اختلاف المقاربة.

II. في المؤتلف والمختلف بين هذه المجلاّت:

إنّ المتمعّن في مضامين هذه المجلاّت، على اختلاف مشاربها، يدرك أنّ عدّة قواسم مشتركة جمعت بينها، وأنّ انخراط مثقّفيها وكتّابها في الهمّ اليومي دفعهم إلى إثارة قضايا هي من صميم الواقع ومناقشة مسائل تحتاج إلى مزيد التّعميق والتّوضيح. وإنّ استعراضنا لأهمّ هذه المواضيع سيوضّح ما أشرنا إليه.
كان موضوع الثّورة التّونسيّة حاضرا في أكثر من عدد لأنّ تونس عاشت ثورة. لذا كان من الطّبيعي أن يستحوذ هذا الموضوع على اهتمام المثقّفين لتقليبه من عدّة أوجه وفهم دوافعه وحدوده وآفاقه، ومقارنته بثورات أخرى: الثّورات العربيّة إلى أين؟ (البديل ع1)، الثّورة التّونسيّة من الذّاكرة إلى الاستشراف (الفكر الحر ع1)، الثّورة التّونسيّة (كلمات ع1)، الثّورة وصياغة المشروع الوطني الجديد (كلمات ع4)
وليس من باب الصّدفة أن يُطرح موضوع الحداثة في هذه اللّحظة بالذّات. فالثّورة الّتي تعني إحداث قطيعة مع الماضي وتطرح بديلا مستقبليّا مختلفا عن السّائد أفرزت، في آن واحد، حركة ردّة موغلة في الماضويّة سعت جاهدة إلى كنس، بجرّة قلم، المكاسب الّتي حقّقها المجتمع التّونسي على درب الحداثة والتّقدّم. لذا كان من الضّروري التّذكير بأنّ التّراجع عن نمط العيش التّونسي خطّ أحمر، وبأنّ المطروح هو مزيد تدعيم هذه المكاسب. فكانت مقاربة الحداثة من زوايا مختلفة : الحداثة حداثات ( ملف ع4/5 من مجلّة البديل)، المرأة والحداثة في الرّواية العربيّة من الموضوع إلى الذّات ( الفكر الحرّ ع1)، كيف نبني الحداثة في سياق الثّقافة الإسلاميّة؟ (كلمات ع2 )، إيديولوجيّة الحداثة والأنموذج الثّقافي (كلمات ع3)، تأصيل الحداثة وتحديث الكيان (كلمات ع5).
وكان للمرأة نصيب في هذه المجلاّت لأنّ منزلتها في المجتمع التّونسي نموذج يُحتذى بالنّسبة إلى المجتمعات العربيّة الطّامحة إلى التّطوّر واللّحاق بركب الحضارة. وإسهامات المرأة التّونسيّة في نحت هذه الصّورة المشرقة ليست قليلة وتضحياتها جسيمة: المرأة والانتساب النّقابي ( البديل ع1)، قضيّة المرأة من النّصّ إلى التّاريخ (البديل ع4/5)، ملف المساواة بين المرأة والرّجل (الفكريّة ع4)، المرأة والحداثة (الفكر الحرّ ع1)، تعليم البنت التّونسيّة زمن الحماية (الفكر الحر ع2).
وبما أنّ الإسلام السّياسي وما يتفرّع عنه أصبح جزءا من الواقع المعيش وأضحى يسم الحياة اليوميّة بميسمه، ويعمل جاهدا على تغيير نمط الحياة السّائد فقد شغل هذا الموضوع بعض الكتّاب وتمّت مقاربته من عدّة زوايا مثل الحاجة إلى اختبار الإسلام السّياسي في الميدان (كلمات ع2)، الاقتصاد العالمي والماليّة السّياسيّة (كلمات ع7)، الأصوليّة والعنف (الفكريّة ع5)، الإسلام السّياسي بين الخطاب والممارسة ( الفكريّة ع10)، الماليّة الإسلاميّة ( أكاديميا ع11 ).
وقد تفاعل عديد الكتّاب مع حدث كتابة الدّستور نظرا إلى أهمّيته في تحديد مستقبل البلاد ودوره في صياغة علاقة جديدة بين السّلطة الحاكمة والشّعب لتجاوز المآسي الّتي ترتّبت على خرق حكّام تونس لدستور1959: من أجل دستور تونسي يضمن الحقّ في تنمية مستدامة (الفكر الحر ع 4)، ملف الأنظمة السّياسيّة ( البديل ع 3)، الجامعيّون والدّستور ( أكاديميا ع 10).
والملاحظ أنّ عديد المجلاّت زاوجت بين طرح القضايا واستحضار رموز الأدب و الثّقافة والفكر والسّياسة والموسيقى من قبيل مصطفى الفارسي (الفكر الحر ع 2)، محمود المسعدي (الفكر الحر ع 3)، توفيق بكّار ( أكاديميا ع 12)، الطّاهر الهمّامي (الفكريّة ع 1)، حسين مروّة ( الفكريّة ع 5)، عبد المجيد الشّرفي ( الفكريّة ع 6)، نوال السّعداوي ( الفكرية ع 4)، نور الدّين بن خذر( الفكرية ع 2)، شكري بلعيد (الفكرية ع 7)، محمّد البراهمي ( الفكريّة ع 11)، مارسيل خليفة ( الفكرية ع 2).
إنّ استعراضنا هذه القضايا وتلك الملفّات لاينسينا الحديث عن خصوصيّة كلّ مجلّة وتركيزها على محاور دون أخرى. فأعداد مجلّة "أكاديميا" حافلة بقضايا الجامعة التّونسيّة ماضيا وحاضرا، ومشاغل النخبة المدرّسة ونضالات الحركة الطلابيّة وعلاقة الجامعة بالمجتمع. أمّا مجلّة" كلمات" فقد طغى عليها توجّه إسلاميّ مطعّم بروح تحرّريّة حيث تواترت في أعدادها جملة من المسائل تتمحور حول موقع الإسلام في ظلّ الواقع المتحرّك وعواصف العولمة، فبالإضافة إلى المقالات الّتي أشرنا إليها هناك عديد المقالات الّتي تدور في هذا الفلك من قبيل " في الأدب وفي الحجاب" ( ع1)، الإسلام والحضارة الكونيّة، الهويّة لغم في بلاد العرب، المسجد والخطاب السّياسي (ع 2)، في الهوية ورهاناتها، العنف الجماعي والتّوجيه الدّيني والسّياسي (ع 3). أمّا مجلّتا "البديل" و"الفكريّة" فلا تخفيان انحيازهما إلى الفكر التقدّمي وعالم الأنوار ومناهضتهما منطق الخرافة. واقتصرت مجلّة"مبدأ" على محاور أدبيّة: الموت في الأدب العربي( ع 1) من خلال خطاب الموت في جداريّة محمود درويش ومجموعة قصصيّة للكاتب المغربي أنيس الرفاعي وشعر إدريس علّوش. أمّا محور السّيرة الذّاتيّة ( ع2) فقد ركّز على نماذج من السّيرة الذّاتيّة في بلاد الشّام وفي رواية "الحفر في تجاعيد الذّاكرة" لعبد الملك مرتاض، ورواية" حنّة" لمحمّد الباردي، وتعدّد الأنا/ تعدّد الرّؤى في السيرة الذّاتيّة. وتحدّث المحور الثّالث عن قصيدة النّثر (ع 3)، وعن جذورها وأسبابها وعن نقصها...
إلاّ أنّ هذا المشروع الواعد سرعان ما انتكس باحتجاب جميع هذه المجلاّت. فما هي الأسباب الّتي أدّت إلى هذه الانتكاسة؟
III- في أسباب الفشل:
ليست لدينا معطيات دقيقة تؤكّد الأسباب الحقيقيّة الّتي تقف وراء فشل جميع هذه المشاريع. فقد تكون الأسباب مختلفة من مجلّة إلى أخرى وقد تكون متشابهة أو متماثلة، وقد تكون العوامل ذاتيّة وموضوعيّة، وقد نجد إشارات تضمّنتها هذه المجلّة أو تلك،ومع ذلك بوسعنا أن نبدي بعض الملاحظات انطلاقا من معرفتنا لواقع المجلاّت الثّقافيّة المستقلّة في تونس قبل 14 جانفي وبعدها.
1- قد يكون العزوف عن مطالعة الكتاب بصفة عامّة والمجلّة بصفة خاصّة عائدا إلى وجود وسائط حديثة تقدّم المعلومة الجاهزة للمتقبّل بيسر وتجنّبه عناء البحث وإضاعة الوقت. وهذا الأمر استفحل في كلّ المجتمعات وقد تكون المجلّة التّونسيّة بعد 14 جانفي ضحيّة من ضحاياه.
2- هناك عامل آخر وهّن علاقة المواطن التّونسي بالثّقافة هو غياب المسألة الثّقافية عن برامج الأحزاب الموجودة في السّاحة. فالسّاحة السّياسيّة امتلأت بالضّجيج، وبالصّخب المصدّع للرّؤوس يأتيه أفراد/ أحزاب لا نجد لها جريدة حزبيّة أو مجلّة ثقافيّة بل حتّى الجرائد الّتي نشطت قبل 14 جانفي احتجبت تباعا ( الموقف، مواطنون...).وهكذا غابت البرامج الثقّافيّة للأحزاب وبدت برامجها العامّة قاصرة لا تفي بالحاجة.
3- المشاريع الّتي احتجبت مشاريع فرديّة لا تقف وراءها تجمّعات ثقافيّة ولا منظّمات محلّية أو إقليميّة ولا أحزاب سياسيّة. ومن ثمّ فإنّ إصدار مجلّة يصبح تعبيرا عن حلم شخصي يراود صاحب المجلّة ( انظر كلمة آسيا نصيرة صاحبة مجلّة"كلمات"). وفي الحقيقة ليس من اليسير توفير أسباب النّجاح لمثل هذه المشاريع ( المال والطّبع والنّشر والتّوزيع) في زمن لا يحظى فيه الكتاب بأيّ منزلة.
4- إنّ ما يلاحظ في اللّحظة الرّاهنة هو سيطرة السّياسي على الثّقافي وغياب البرامج التّلفزيّة والحوارات الإذاعيّة الّتي تُعنى بشؤون الثّقافة والفكر وتحثّ المشاهد على مطالعة الإصدارات الجديدة. لذا قلّت عناية التّونسي بالمجلّة والكتاب.
5- إنّ اشتراء المجلاّت وتوزيعها وترويجها مهمّة ملقاة على أجهزة وزارة الشّؤون الثّقافيّة، وإن قصّرت في أداء هذا الدّور تضرّرت الثّقافة وكسد سوق المجلاّت والكتب. ويبدو أنّ هذه المجلاّت تضرّرت أيّما ضرر من هذا الوضع.

خـاتــــــــــــــمة:

وفي الختام نستطيع أن نقول:سعت هذه المجلاّت إلى تقديم بدائل مختلفة لا يصل الاختلاف بينها إلى حدّ التّناقض الجذري. ويبدو أنّ احتجابها خضع لمنطلق الصّراع الطّبقي الّذي لا يرحم الضّعفاء. وبما أنّ الثّورة المضادّة تريد الالتفاف على المكاسب الدّنيا الّتي تحقّقت فقد تكون الثّقافة الجادّة أولى ضحاياها. والخشية كلّ الخشية هي العودة إلى مربّع التّصحّر والجفاف والعجز عن مقاومة جحافل الظّلام والرّدّة الزّاحفة. لذا لا عزاء لنا إلاّ العناية بالثّقافة والفكر إن رمنا خوض معركة من أشرس المعارك الفكريّة في هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخنا وتاريخ الشّعوب العربيّة.



#إبراهيم_العثماني (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المثقّف والثّقافة البديلة
- أي ثقافة نريد بعد ثورة 14 جانفي 2011؟
- غسّان كنفاني بين الغياب والحضور
- الطّاهر الهمّامي المثقّف الموسوعي
- توفيق بكار الكاتب المتفرّد
- توفيق بكّار في عيون دارسيه
- في أدب السجون: -مناضل رغم أنفه- لعبد الجبّار المدّوري نموذجً ...
- حول المسألة النّقابيّة (مقرّر المؤتمر الخامس للأمميّة الشيوع ...
- تطوّر مصر الاقتصادي وأهداف الحركة النّقابيّة المصريّة (معرّب ...
- مقاومة النّقابات الفاشيّة
- فلسطين الطبقة العاملة العربيّة وحركتها النقابيّة
- المدرسة والاستعمار
- حول المؤتمرالاستثنائي للاتحاد أو في الرّدّ على مغالطات الدّك ...
- غسّان كنفاني والريادة الروائيّة


المزيد.....




- مخرجة فيلم صاحبتي: شارك في آخر لحظة في مهرجان فينيسيا.. ومش ...
- -فنان الصراخ- في السينما.. عندما تصبح الحناجر القوية وسيلة ل ...
- الفنان العالمي البريطاني جورج روجر ووترز: أنا على -قائمة الق ...
- -كتاب الليل والنهار- لصلاح بوسريف.. قصبة ناي تجترح موسيقى ال ...
- أمينة النقاش تكتب: إحياء دور الثقافة الجماهيرية
- بعضها يتحدثها 20 شخصا وأكثر من نصفها في بلد واحد.. تعرف على ...
- مشاركة إماراتية متميزة في معرض الرياض للكتاب
- دبي: أسماء الفائزين بجوائز -منتدى الإعلام العربي-
- هل تفوز لودميلا أوليتسكايا المعارضة للكرملين بنوبل للآداب؟
- إقبال على تعلم اللغة الروسية في مدارس سوريا


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم العثماني - المجلاّت الثّقافيّة التونسيّة بعد 14 جانفي والصّراع في سبيل البقاء