أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أنور النعيمي - خاطرة بعد منتصف الشوق














المزيد.....

خاطرة بعد منتصف الشوق


أنور النعيمي

الحوار المتمدن-العدد: 7266 - 2022 / 6 / 1 - 17:17
المحور: الادب والفن
    


لي نَفَسٌ طويلٌ من الصَّبرِ الثَّقيلِ أمامَ الّلوحاتِ الكبيرة، والمدجَّجةِ بالضَّرَبات الفنّيةِ الغامضة، والألوان المجرورة بالسّكين بعفوية المحترف..
لي هَوَسُ الوقوفِ أمامَها، فأتأمّلُ منها مايُشبِع رغبتي غيرِ المؤدلجةِ للفنّ، ولغة اللوحات الغامضة عمومًا، فليس لي معرفةٌ في اللوحات، ولا في فنّ الرسم إلا الشّغف المجهول، لكنّني مذ وقفتُ يومئذٍ أمامَ وجهَكِ انطفأتْ كلَّ الأضواء التي تؤطّرُ معارضَ الرسمِ..
فأخالُ نفسي واقفًا وغارقًا في ملامحكِ الشهية ووجهَكِ المُندسُّ في مرايا الضوء، والمتدلّي من سقوف الزّهر.
أقفُ متأمِّلًا حديثكِ العفويُّ معي، وأرى الملائكةَ الصغارِ وهي تتقافز من فمِكِ اللذيذ، فتستيقظُ في ذلك الشريانُ المُتعَبُ أصابعُ موزارت وهي تداعبُ أزرارَ البيانو كمن يحبُّ مداعبةَ أزرارَ قميصٍ زهريٍّ في نصفِ كُمٍّ منتفخٍ تظهر فيه الساعدان الرقيقان، ويدفعكِ مكتوف اليدين من أعلى الهاوية وأنت منتشٍ.

أشعر بأنَّكِ ترهقين الحَلَق المُتدلَّي على كتفيكِ الذائبين؛ يلهثُ خلفهما منذ رأيتُهُ أوّلَ مرّةٍ؛ ليلثمَ الضَّوءَ السائلَ بلا جريانٍ فيهما.

تضحكينَ فتسقطُ بين يديَّ قطعةً من نجمةِ الفرح البعيد، وحين تسيرينَ في دروبِ العقلِ، وتمشينَ حافيةً في طرقاتِ التفكيرِ تُهلكينَ الريحَ خلفكِ فيتساقط مسحوقُ اللهفةِ من أصابعي على انحدارات شعركِ العنيد، فأظلُّ مسحورًا وذائبًا أمامَ حزمةِ السنابلِ السمراء الممدّدةَ أمامي، وفي داخلي تهرعُ نافرةٌ كلَّ تناقضاتِ الكون.
وأنا أنا أمامَ عينيكِ الضاحكتين الغاضبتين الحانيتين القاسيتين، كطفل صغير هارب خلفَ أرنبتِه الضائعة، يفتّشُ عنها بين الأحراش، وكلّما مدّ يديهِ إلى كومةٍ من أشواكٍ؛  ليتحسّسَ أرنبته يخرج ممسكًا بيديك..
فينظر فيك وترمقه حاجبيك المقطّبين ،فتختلط الشّراسة بالبراءة فكأنك طفلة نقية العينين لكنّها تحمل مِدية جارحة وقد اشتعلتْ غضبًا؛ لأنها سُرقتْ منها لعبتها الوحيدة، فتعضّين يدي الممتدة ثم تبكين فوقهما...

أنتِ امرأة حين تبسمين يورقُ الرُّخامُ فيستحيلُ إلى عوالمَ ناطقةً بالقصائدِ الشهيّة، لكنّني أرى ما لا يرون، وأقرأُ ما وراء العيون فرغمَ ابتسامتكِ البديعة أرى حزنًا متجذّرًا ومعرّشًا وسابحًا في عينيك.
وليس لي ذلك الفضول الذي تملكون يا معشر النساء الجميلات، الفضول الذي يستوطن كل مساماتِكم وخلاياكم، فأنا لن أُلِحَّ ولن أطلب أن تحدّثيني عن سببِ الحزنِ، ذلك السّببُ المخبّأ أفهمه وأعرفه..
أريد فقط أن أقول بأنَّكِ آخر حبّةٍ من كرز المدينة الضائعة، وآخرَ الفتيات اللطيفات على هذا الكوكب، وليس رجلًا من ينطق حرفًا واحدًا يؤذي شعوركِ، أو يقترب من مزاجك العالي؛ لأنّكِ معجونة بندى السيسبان، نقية، لينة، دائمة الأنوثة، وبأنَّ عينيك،
عينيكِ!
هي موطن القصائد العذراء في دمنا.
وأنَّ يديكِ هي الوسادةُ الأكثر حنوًا، والأكثر طمأنينة لرأسي المثقل بالوجع الدّفين، فتفيض على وجهي غيمة من شعركِ، فتنهريه،
وترفعيهِ، لِمَ ترفعيه عنّي؟
يزعجني.
كيف يزعجكِ شعركِ الطويل، وأصابعي العزلى هنا؟

في هذا الفراغ الأبيض، وفي هذا الوجوم الذي يملأ الكوكب ونحن غارقون في هذه الألفيّةُ الثالثة، كيف أسمح أن تكون امرأة مثلكِ تجلس وحيدةً ملولة بين أربعةِ جدران، ولا أكون أنا من يجعلها تغصُّ ضحكًا؟
كيف أسمح للحزن أن يدهمها بلا سبب، وأنا هنا أشرق في ضحكي مع الأصدقاء؟
فأنتِ لكِ الفضل أن عبّدتِ إلى قلبي طريق الّليلك، وسبحتِ في عينيَّ ألقًا دائمَ الألفةِ والفرح، فمن المُحال أن تُنسَين برغم الهُوّةِ العميقة بيننا؛ لكنَّك باقيةٌ تبرقين في ذاكرتي كلَّ لحضة، فلا تحزني..
فهذه الغمازتان مهبط الضوء الحنون على حزني الكثيف، وهذي العيون مِقلاتُنا التي يأرزُ تحتَها الفؤاد، وذاتَها شلّالُنا الأزرق في نيسان، فلا تحزني يا بنتي، فحضوركِ في هذا العالم أجمل ما في هذا العالم.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قرّر أنت، ماذا تكون غدًا


المزيد.....




- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أنور النعيمي - خاطرة بعد منتصف الشوق