أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - الأساليب الفنية في نصوص عبد القادر الطويهري السردية(*)















المزيد.....


الأساليب الفنية في نصوص عبد القادر الطويهري السردية(*)


فتحي البوكاري
كاتب

(Boukari Fethi)


الحوار المتمدن-العدد: 7164 - 2022 / 2 / 16 - 12:11
المحور: الادب والفن
    


إشارات ضروريّة:

سأحاول في هذه الورقة تغطية كامل نصوص عبد القادر الطويهري السردية التالية:
"الأرض البائسة"، مجموعة قصصية، نشرها الكاتب، سنة 1988، على نفقته الخاصّة وضمّت القصص التالية: الأرض البائسة، المعطف والدرب الطويل. وهي مجموعة صادرة في 64 صفحة من الحجم الصغير.
"القطيع"، قصّة طويلة نشرها الكاتب، سنة 1989، على نفقته الخاصّة. تشغل 102 صفحة.
"العودة إلى الجنوب"، مجموعة قصصية نشرها الكاتب، سنة 2011، على نفقته الخاصة وضمّت العناوين التالية: كبّة الصوف، ليلة الفزع الأكبر، الصدى الأخير، العودة إلى الجنوب، عالم آخر غريب ... رهيب ... مجموعة صادرة في 103 صفحات من الحجم الصغير.
وهو ما يعني أن المنهج النقدي المعتمد سيأخذ منحى انطباعيا يقوم على الذوق الخاص وعلى المنهج الموضوعي دون أن يركن إلى أصول وقواعد عقلية أو يُعنى بالحكم والمفاضلة.
و رغم أن المنحى العام في المباحث الحديثة للأدب تزاوج بين السياقين الإبداعي والتاريخي وتسعى إلى توظيف كل ما من شأنه أن يضيء النصّ(1)، إلاّ أنّ هذه المداخلة قد تجنّبت تناول الجوانب الخارجة عن نصوص الكاتب كعلاقة النصّ بصاحبها، رغم أهميتها لتكامل الموضوع، وذلك نظرا لعدم معاشرة المتدخّل للكاتب ومعرفتِه بملابسات تكوينه وتحوّلات مراحل حياته، وإن كانت ملامح بعضِها ستلوح على استحياء، خاصّة في ما تعلّق بعلاقة النصّ بالمجتمع.
كما أنّه من أجل التوسّع في معرفة مكانة نصوص المؤلّف في المدوّنة السردية التونسيّة، ستقوم المداخلة بمقارنة بين أساليب الطويهري الفنية وأساليب كتّاب تونسيين معاصرين، في المواضيع المماثلة، لأنّ القضايا عموما مشتركة بين الكتّاب في كلّ حقبة سردية ولكن ما يميّز الابتكار والتجديد عن المحاكاة والتقليد الاختلاف والفروق في طريقة عرض الموضوعات والتقنيات الموظّفة في النصوص.
ولكي لا أشكل على القارئ الواعي وأشوّش عليه مكتسباته من المفاهيم والمصطلحات النقدية، أنبّهه منذ البداية أنّني، في هذه الورقة، لم أقم بالتمييز بين مقاطع الحوار والأصوات السردية.

الأصوات السردية وإشكالية الجنس الأدبي في كتابات الطويهري:

بقيت القصّة في تونس، رغم تطوّرها ونموّها الحثيث كمّا وكيفا، حبيسة اتجاهين متمايزين: اتجاه الكتابة الحداثية (التجريبية)، واتجاه الكتابة التقليديّة. حتّى إنّ كاتبا غزير الانتاج مثل الناصر التومي حين يتحدّث عن تجربته الإبداعية يذكر باعتزاز أنّه ينتصر لمدرسة البشير خريف التقليدية لأنّها تؤمن بنصّ ممتع مسلّ لا تعقيد فيه ولا غموض. يقول في توطئة كتابه "قول في القصّ": "لقد وعيت مع جيلي على مدرستين أدبيتين، واحدة اعتمدت التراث، والاشتغال على اللغة العصيّة، وغريب القول والفعل، والرمز المكثّف وهي مدرسة محمود المسعدي (...)، أمّا المدرسة الثانية فكانت لشيخي البشير خريف، وهي مدرسة نابعة من الحياة العامة للناس، في رؤاهم وسلوكهم، في رجاحة أفكارهم ونزواتهم"(2). وقد نتّفق كلّيا مع الأديب الناصر التومي وقد نختلف معه في توصيفه للمعيار الصحيح للقصّ الناجح والإبداع الحقّ في كونه ذاك "الذي يفهمه كلّ القرّاء دون استثناء" و "يمكن استغلاله مسرحيا وسينمائيا وتلفزيا"، إلاّ أنّه ما من أحد سينكر أنّ الخلق يُمنَى الأدب والنقد يسراه، على حدّ تعبير توفيق الحكيم. وهو القائل أيضا: "ليس الابتكار في الأدب أن تطرق موضوعا لم يسبقك إليه سابق ولا أن تعثر على فكرة لم تخطر على بال غيرك. إنّما الابتكار الأدبي والفنّي هو أن تتناول الفكرة التي قد تكون مألوفة للناس، فتسكب فيها من أدبك وفنّك ما يجعلها تنقلب خلقا جديدا .. أو أن تعالج الموضوع الذي كاد يبلى بين أصابع السابقين فإذا هو يضيء بين يديك، بروح من عندك"((3
شعلة الروح التي تحدّث عنها توفيق الحكيم هي ما سمّته الشكلانية بالأدبيّة. وهي تلك الطريقة التي تُسرد بها قصّة ما. الفكرة نفسها عبّر عنها الدكتور حميد لحَمداني بصياغة جديدة في مقولته: "ذلك أنّ قصّة واحدة يمكن أن تُحكى بطرق متعدّدة"(4). ثمّ يضيف: "ولهذا السبب فإنّ السرد هو الذي يعتمد عليه في تمييز أنماط الحكي بشكل أساسي"(5). بمعنى آخر، "ليس من المهم فقط أن يعرف القاصّ المجتمع الذي يحياه بأشيائه وناسه وأحداثه وظواهره ومختلف حياته وإنّما الأهم هو كيفية توظيف هذه المعرفة بأشكال قصصيّة تمنح الإنتاج الفكري صفة الفن القصصي"(6) وتبعده عن سائر أشكال التعبير الأدبية الأخرى كفنّ المقال وغيره.
إذًا، كل نصّ سرديّ يقوم بالأساس على عنصرين متلازمين ومتكاملين، "هما الحكاية والخطاب"(7.
والطويهري، ككلّ كتّاب السرد في تونس، عَكَس في متنه الحكائي ومضامين نصوصه السرديّة وموضوعاتها نبضَ بيئته الريفية المتوتّرة والمتشظّية، ولامس قضايا مجتمعِه، وعبّر عن آلام وآمال الإنسان في وطنه عموما وفي أرياف جهته، جندوبة، بالخصوص، بلغة فصيحة نقيّة صافية وأسلوب سلس خالٍ من التعقيد وغير موغلة في الترميز والغموض، اجتهد الكاتب في انتقاء ألفاظه ملتزما بالقالب المعروف للجملة العربية. وإن كانت تنطوي على بعض التكلّف في فقرات قليلة من مدوّنته السردية.
أمّا نصوصُه المتعددة فهي شديدةُ الارتباط بالواقع الحياتي العام في روح مضامينها وأهدافِها، مجنّحةٌ في الخيال في نسيج بناء أغلبها، خاصّ في النصوص التأمليّة الإيقاظيّة التي تسعى للتنبيه إلى المظاهر الاجتماعية المختلّة.
وظّف الكاتب نماذج متنوّعة من المنبوذين والمهمّشين لتصوير واقع البؤس والفقر الذي يعيشه هؤلاء التعساء في مناطقهم المهمّشة. فمثلا في قصّة "كبّة الصوف" صوّر الكاتب كدح الفقراء وهمومهَم من أجل تأمين قوت يومهم، حيث يضطرّون إلى التفويت في مستقبلهم المعلّقة في سماء علم الغيب ورهنه من أجل احتياجاتهم البسيطة لعيش حاضرهم. يقول الراوي: "ولم يكد قرص الشمس يطلّ على الكون حتّى بلغ السوق وبعد أن طوّف به وليس في جيبه مليم واحد سعى إلى تاجر يعرفه فاشترى منه القليل ممّا أوصت به زوجته ورجاه أن يؤجّل له الثمن إلى ما بعد موسم الحصاد"(8). وإذا كان المبدعون عادة يميلون إلى طرح الإشكاليات وتحليلها لإبراز الأسباب والمسببات، كما هو شأن الأديب محمد رشّاد الحمزاوي، أفضل من صوّر أوضاع صغار الفلاّحين التونسيين في منجزه السردي خاصّة في قصّة "شارب النهر" و"دجاجة عمّتي"، فإنّ الطويهري قلّما عكف على إبراز أسباب المشكلات التي طرحها في مضمون النصّ نفسِه بل كان يبثّها في وقائع نصّ آخر. و لبيان هذه الفكرة لا بدّ أن نقف عند المتن الحكائي لقصّة "ليلة الفزع الأكبر" ونبادل شخوصها بشخوص "كبّة الصوف". بالتأكيد لن يشعر أبو الأعز أنّه ولج بيتا غير بيته. سيجد الحالةَ البائسةَ نفسَها، والزوجةَ القنوعةَ نفسهَا، وسيناديها باسمِها المألوفِ لديه (خديجة)، وسيجد أيضا الأتانَ نفسَها مركوبَهُ في رحلة السوق، وما زاد على ذلك كالماعز فهو ما أخفاه الظلام عن عيني السارد وغيّبته زاوية الرؤيا المجاورة. يكفي أن نبادل الأسماء كي نعثر على بعض الأسباب الخفيّة التي زادت في تدهور أوضاع الفلاّحين، أبرَزَها المؤلف وأشار إليها بكل وضوح في نصّه ذاك، ألا وهي ظاهرة تفشّي سرقة المواشي، أرزاق الفلاّحين ودافعهم القويّ إلى الصبر على الكسب الحلال. نتيجة لذلك ضعفت الهمّة والاهتمام بالأرض، وفضّل الفقراء منهم الاغتراب والهجرة إلى الخارج بحثا عن مستوى عيش أرفع، وحظّ قليل من الحياة. وقصّة "العودة إلى الجنوب" تعرض هذه القضيّة، وإلى جانبها تُضاف مسألةُ الانقطاع المبكّر عن الدراسة وكذلك موضوع الزواج بالأجنبيات. وقصص تونسيّة كثيرة عالجت هكذا مواضيع. فقد تناول أبو بكر العيّادي في مجموعتيه "الضفّة الأخرى" (2001) و "حقائب الترحال" (2009) "واقع الهجرة ومكابدات المواطن المغترب في بلد غريب له مقوّمات حضارية مغايرة، هي حضارة الآخر الذي نقف منه موقف شدّ وجذب"(9) الغربة وهموم المغتربين. كما تناولت آمنة مصطفى في قصّتها "سرّ خديجة" موضوع الزواج بالأجنبيات.
كما أنّ الطويهري في قصّة "الصدى الأخير" استهدف وعيَ القارئ العربي مباشرة لتذكيره بقضيّة القدس المغتصبة.
وفي قصّة "القطيع" غامر المؤلّف بالكشف عن المعتقدات الفاسدة المتجذّرة لدى شريحة كبرى من المجتمع القروي الذين اتخذوا القبور مزارا، ونسجوا من الوهم خوفا ممن لا يملك الضرّ ولا النفع.
وبما أنّ هذه الورقة ينحصر اهتمامها أساسا في النظر إلى الشكل لا إلى المضمون، فإنني أكتفي بما قدّمته على مستوى الموضوعات التي عالجتْها نصوص عبد القادر الطويهري، على سبيل المثال، لأطرح السؤال التالي: ما هي الأوعية التي جرى فيها تقديم مجمل هذه المضامين إلى القارئ؟ وأقصد بالأوعية العناصر المتضافرة التي ساهمت في تشكيل المتن الحكائي لتحقيق البعد الجمالي المميز له. إذ أنّ "ممارسة أسلوب ما في الكتابة تعبير عن رؤية جمالية وفكريّة واجتماعيّة معا"(10).
وللإجابة على هذا السؤال علينا أن نقوم أوّلا بدراسة مظاهر حضور الرواة في الحكي وهو ما يستوجب الغوص في معمار نصوص الطويهري وطبقاتها المتداخلة لاقتفاء أثر أصوات الساردين فيها.
أ‌- السارد:
يشغل السارد، في الدراسات السردية الحديثة، وظيفة الوسيط الوحيد بين الكاتب والمتلقّي. يبتعد عن المؤلف ولكن يحمل رؤاه وأفكاره داخل مكوّنات النسيج السردي ويأخذ على عاتقه سرد الحوادث وتقديم الشخصيات.
وظّف عبد القادر الطويهري نمطين من الحكي للتواصل مع القارئ المرويّ له وتبليغ رسالته. خيّر في بعض النصوص استعمال تقنية الراوي المحايد، المهيمن، العالم بكلّ شيء، حتّى "الأفكار السرية للأبطال"(11) وأحاسيس الحيوانات ولغتها. يتدخل في كل نواحي السرد يطيله أو يوجزه أو يقطعه، و يستحضر الشخوص كما شاء و يغيّبها متى شاء. وفضّل في نصوص أخرى أنّ يقدّم الأحداث للقارئ من زاوية نظر الراوي واعتقاده.
إلاّ أنّ ما يلاحظه الدارس لنصوص الطويهري أنّ أغلب قصصه بنيت على تعدد الرواة بضمير المتكلّم يتناوبون رواية الوقائع لا من أجل توليد زوايا الرؤيا وتعدّد وجهات النظر حول قضيّة مفصلية في النصّ، أي ما يسمّى "بالحكي داخل الحكي"(12)، وإنّما بغرض التعبير عن قضايا اجتماعية وقيم فكرية تعبّر عن رغبة المؤلّف ولا تعبّر عن رغبات الشخوص وميولاتهم.
• الراوي العليم:
ينظر الراوي من خلف الشخصيات الحكائيّة جميعِها حتّى الناقرة منها وذات الحوافر ويستأثر بالسرد والمعرفة من بداية النصّ إلى نهايته. كما يتجلّى ذلك وبكلّ وضوح في قصّة "كبّة الصوف" و"ليلةُ الفزع الأكبر"، إذ يقول متحدّثا عن عثمان، إحدى شخصيات "ليلةُ الفزع الأكبر": "وإذا رنا إلى أتانه وهي تقضم الكلأ (...) غمرته سعادة ليس بعدها سعادة"(13)، ويقول في موضع آخر "تُعِيرُ (العنزة) لَفْتةً إلى جديِها (...) وتدعوه في حَدْبٍ وعطف فيأتيها مسرعا"(14).
أمّا في "كبّة الصوف" فإنّ الراوي يطالع في صفحات ذهن أبي الأعزّ بطل القصّة: "غدا يوم السوق وأبو الأعزّ عاقد العزم، كلّ العزم، على أن يذهب إليه مع الذاهبين"(15)، ويلج قلب زوجة أبي الأعزّ دون خشية أو حياء : "آوت خديجة إلى مخدعها والبهجة تملأ نفسها والأمل يداعبها"(16)، وينفذ بسهولة ويسر إلى شعور كلاب الحيّ: "نَبَحَت كلاب الحيّ عندما أحسّت أن أشباحا بدأت تتحرّك"(17)، وهو بصير عليم بفهم الأتان وإدراكها: "بلغة تفهمها الحمير"(18).
• المتكلّم في الحكي:
لكن في الجانب الآخر، تماهى الراوي، محدود المعرفة، مع الشخصية الحكائية والتصق بها التصاق الدم بالوريد وتلبّسها حتّى جعلها ترى بنور عينيه وتتكلّم بشفتيه ويشحذ ذاكرتها بالتفاسير والاستنتاجات نَفْسِها. إنّهما روح واحدة لبست جسدين. اختار لهما الكاتب صوتا سرديا واحدا ينطق بضمير الأول المتكلّم لينبّت المعرفة لحظة الخلق والاستكشاف.
• تعدد الرواة:
ويبدو الراوي، في القصة الحوارية "الصدى الأخير" متنوّعا، غير مقيّد براو واحد، ومقيّدا بضمير المتكلّم المشارك في الأحداث، فهم رواة شخوص، يقودُنا تناوبُهُم في الحكي وتوزيع الحوار بينهم إلى طرح إشكال يتعلّق بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه، والذي يقوم خطابه على فكرةٍ ذهنية تُعَدّ حصيلةَ ثقافة المؤلّف. وحيث أنّ النصّ انبنى على نظام الترميز بشفرة سريّة مكشوفة للقارئ، وتَشكّل كلّيا بالتبادلات القولية للشخصيات على طول صفحات القصّة، فإنّه لن يكون إلاّ نصّا مسرحيا خلا من التوجيهات بكيفية أداء الشخوص المتحاورة ونبرة أصواتهم. فهو نصّ مقروء ومنظور قابل للتمثيل والتشخيص المسرحي. وشبيهه في مدوّنة السرد التونسيّة نصّ الأديب محمد العروسي المطوي "طريق المعصرة" الذي أقحم فيه بعض الجمل القصيرة في ثلاث مواضع فقط وهي: "وطال بهما الصمت لو لم يقطعه هذا الحوار:"(19) في بداية النصّ الحواري، و"ران عليهما ارتطام فراشة بالزجاجة الأماميّة فتنهّدت مستأنفة"(20) في وسط النصّ و "وعبرت السيّارة شارع محمد الخامس وصفّر شرطيّ المرور ... كانت السيّارة في حاجة إلى الأضواء"(21) في الخاتمة. جمل كـهذه شوّش بها الراوي الخارجي، كلّيُ المعرفة، على الدارس تصنيف النصّ.
وعلى عكس ذلك، تخلل الحوار، في قصّة "الأرض البائسة"، صوتُ الراوي العليم ممّا ساعد على انزياح النصّ من فضاء السرد المسرحي إلى فضاء السرد القصصي. لقد خلط الكاتب السرد الذاتي بالموضوعي فانصهر النص المسرحي في الجنس القصصي واندمج فيه للتطعيم.
وقد سمح الكاتب للجماد بالنطق والحديث عن نفسه ووصف مشاعره وأحاسيسه. قدّمه كشخصية رمزية مشاركة في النصين "الصدى الأخير" و"الأرض البائسة". يقوم "الموقع" (بيت المقدس) في النصّ الأول بتقديم نفسه ويمضي في سرد ماضيه ويبدأ بدفع عجلة التاريخ من ليلة المعراج متخيّلا حوارا جرى بين الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم وموسى عليه السلام. استنكر فيه موسى على النبي قولَه: "علماء أمتّي كأنبياء بني إسرائيل" فهداه إلى عالمِ من أمّته ليثبت له بالدليل المقنع صحّة ذلك. وفي الأثناء يتدخّل الكاتب بعنف ويقطع السرد ويوجّهه وجهة أخرى، دون سبب مقنع. حيث يبدو الحكيم، الذي بهر موسى بذكائه وعلمه في مشهد سابق، كتلميذ بليد أمام معلّمه لا يعرف تاريخ القدس أولى القبلتين. هذه الرغبة القويّة في إيصال المعلومة إلى القارئ جعلت الكاتب يتعسّف بشدّة على شخصية الحكيم ويحدث نشازا في النصّ.
وهنا لا بدّ أن أهمس في أذن الذين تصوّروا أن الكاتب في نصّه هذا يرمز بالدرّة إلى محمد الدرّة بأن لا يحمّلوا النصّ أكثر ممّا يحتمل.
وفي أغلب النصوص يتبادل الراويان الحكي: الراوي التقليدي مطلق الحضور والراوي المتكلّم. خاصّة عندما يتحوّل السرد من جهة الموضوعي إلى الذاتي، أو العكس، للكشف عن الاضطرابات والحوارات الباطنية للشخصيات القصصية. مع تغليب الراوي الخارجي على الداخلي.
التجأ المؤلّف في قصّة "القطيع" إلى القطع، وهي التقنية الشائعة في النصوص السردية التقليدية للقفز على الأحداث وطيّ ثنايا الزمن ، كما هو الشأن في المثالين التاليين: "لم يكد صالح الرضيع يتخطّى عامَه الأوّل"(22) أو "بعد أن مضت ستةُ أشهر على موت صالح"(23). وانتصب أحيانا، بصورة فجّة، لتقديم التعاليق والشروح اللازمة بأسلوب تقريري عام، كتدخله مثلا في السرد، على اثر قول الراوي: "وطبخت طعام النفساء."، "وطعام النفساء هو تمر مقليّ في الزيت مع التوابل والبصل والسكر"(24). وطابق الخطّ الزمني لأحداث نصوصه السردية الخطّ الزمني الكلاسيكي لبنائها فلا استرجاع لأحداث ماضية أو استباق لها. لم يتلاعب بالنظام الزمني لتوليد المفارقات السردية فبرزت روح وأسلوب المدرسة الفنية التقليدية وتأثّره العميق بها حتّى إنّ بعض الألفاظ المشرقيّة التي اختزنها عقله ووجدانه انعكست في "الأرض البائسة" حين يقول في أوّل صفحة من النصّ: "في يوم من أيّام نيسان". كما كان تأثّره كبيرا بكتب التراث ويظهر ذلك جليّا في قصّته "ليلة الفزع الأكبر" المستوحاة من حكاية أوردها ابن قتيبة الدينوري في كتابه "عيون الأخبار"(26) . ولا يمكن تفسير هذا التشابه بأنّه محض مصادفة ومن باب وقوع الحافر على الحافر بل من الواضح أنّه يدلّ على أنّ النصّ القديم ظلّ عالقا بذاكرة الطويهري مترسّبا فيه، ولكن الصبغة الاجتماعية التي صبغ بها الكاتب نصّه تظهر مقدار ابتعاده وخروجه على النصّ القديم.
وفي الختام، أخلص إلى القول، إنّ جلّ اهتمام الكاتب من خلال ما يكتب التعليم والتوجيه فهي قصص أفكار لا تتحدّى القارئ بالرموز المستعصية مما يجعل القارئ يلجأ إلى التأويل لفكّ شفرة مدلول الرمز ولا ينحدر في الغموض والإبهام. يقول عنها الدكتور أحمد ممّو : "تلك التي تحمل بين المواقف التي تتحرّك من خلالها الشخصيات أفكارا تبدو مناطة بعهدة تلك الشخصية لكي تَبْلغ عن طريق أفكارها إلى القارئ ويكون الكاتب وتفكيره واضحا من ورائها من خلال مواقف خطابية أو استطرادات يمكن الاستغناء عنها"(27). يخفق في بعض الأحيان في تقديم المبرّر المقنع كما هو الشأن في حوار جانيت مع صديقتها سيمون حيث يخبر السارد المتكلّم على لسان جانيت أن كمالا هو الابن الوحيد في أسرته بينما هو في بداية القصّة قد تحدّث عن أخيه سعيدا. ولكنّه ينجح في شدّ القارئ ببليغ كلماته وسلامة لغته.
_______
(*) ورقة خاصة بملتقى عبد القادر الطويهري للقصّة في دورته الأولى، جندوبة 17 و 18 أفريل 2015 تحت عنوان: القصّة والقضايا الوطنية من خلال أدب الطويهري.
(1) منصف الوهايبي: "مباحث في الأدب التونسي المعاصر" بين سلطة النصّ وسلطة القراءة، مجلة المسار العدد التاسع ربيع 1991 ص. 47.
(2) الناصر التومي: قول في القصّ، المطبعة العصرية ط1 جوان 2010 ، ص.8و9.
(3) توفيق الحكيم: فنّ الأدب، دار مصر للطباعة، ص.11.
(4) د. أحمد الحميداني: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع ط1 آب 1991 ص. 45.
(5) المرجع السابق (ص.45)
(6) جاسم كريم حبيب: ملاحظات أوّلية وتطبيقيّة حول الأدب القصصي التونسي المعاصر، مجلة قصص العدد المزدوج 103- 104 جانفي- جوان 1994 ص.117.
(7) د. مرسل العجمي: تجليات الخطاب السردي: الرواية الكويتية نموذجا، بحث شارك به مؤلفه في أعمال ندوة مهرجان القرين الثقافي الحادي عشر، ديسمبر 2004 ونشر في كتاب الرواية العربية ... "ممكنات السرد"، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ج1، نوفمبر 2008. ص.69.
(8) عبد القادر الطويهري: العودة إلى الجنوب، مجموعة قصصية، 2001 (ص. 15).
(9) حديث أبي بكر العيّادي مع الوسلاتي أورده خالد الغريبي في الإحالة عدد 12 من دراسته قراءة في النصّ الأقصوصي المهاجر تجربة أبي بكر العيّادي أنموذجا، مجلّة قصص العدد 152، أفريل-جوان 2010.
(10) د. سعيد يقطين: أساليب السرد الروائي العربي (مقال في التركيب)، بحث شارك به مؤلفه في أعمال ندوة مهرجان القرين الثقافي الحادي عشر، ديسمبر 2004 ونشر في كتاب الرواية العربية ... "ممكنات السرد"، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ج2، جانفي 2009. ص.134.
(11) د. أحمد الحميداني: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع ط1 آب 1991 ص. 46.
(12) المرجع السابق (ص.49)
(13) عبد القادر الطويهري: العودة إلى الجنوب، مجموعة قصصية، 2001 (ص. 19).
(14) المرجع السابق (ص. 19).
(15) المرجع السابق (ص. 7).
(16) المرجع السابق (ص. 8).
(17) المرجع السابق (ص. 8-9).
(18) المرجع السابق (ص. 9)
(19) محمد العروسي المطوي: طريق المعصرة، مجلة قصص، العدد الأوّل، سبتمبر 1966 ص.5.
(20) المرجع السابق (ص.8)
(21) المرجع السابق (ص.10)
(22) عبد القادر الطويهري: القطيع، 1989، ص.14.
(23) المرجع السابق (ص.16)
(24) المرجع السابق (ص.13)
(25) تقول القصّة كما وردت في عيون الأخبار:"كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له عروة بن مرثد ويكنى أبا الأغرّ ينزل ببني أخت له في سكة بني مازن، وبنو أخته من قريش، فخرج رجالهم إلى ضياعهم في شهر رمضان وخرج النساء يصلين في مسجدهم فلم يبق في الدار إلا الإماء فدخل كلب يعتسّ فرأى بيتاً فدخله وانصفق الباب فسمع الحركة بعض الإماء فظنوا أن لصاً دخل الدار فذهبت إحداهنّ إلى أبي الأغر فأخبرته، فقال أبو الأغر: ما يبتغي اللص؟ ثم أخذ عصاه وجاء. فوقف على باب البيت وقال: إيه يا ملأمان، أما واللّه إنك بي لعارف فهل أنت إلا من لصوص بني مازن شربت حامضاً خبيثاً حتى إذا دارت القروح في رأسك منّتكن نفسك الأماني وقلت: أطرق ديار بني عمرو والرجال خلوف والنساء يصلين في مسجدهم فأسرقهم. سوءةً لك، واللّه ما يفعل هذا ولد الأحرار، وآيم اللّه لتخرجن أو لأهتفنّ هتفة مشؤومة يلتقي فيهم الحيّان عمرو وحنظلة وتجيء سعدٌ بعدد الحصى ويسيل عليك الرجال من هم هنا ومن هم هنا ولئن فعلت لتكوننّ أشأم مولود. فلما رأى أنه لا يجيبه أحد أخذ باللين فقال: اخرج بأبي وأمي، أنت مستور، إني واللّه ما أراك تعرفني ولو عرفتني لقنعت بقولي واطمأننت إليّ. أنا - فديتكن - أبو الأغر النّهشلي، وأنا خال القوم وجلّدة بين أعينهم لا يعصونني، ولن تضارّ الليلة فآخرج فأنت في ذمتي وعندي قوصرّتان أهداهما إليّ ابن أختي البارّ الوصول فخذ إحداهما فانتبذهم حلالاً من اللّه ورسوله. وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق وإذا سكت وثب يريغ المخرج، فتهم فت أبو الأغرّ ثم تضاحك وقال: يا ألأم الناس وأوضعهم، لا أرى إلا أني لك الليلة في واد وأنت لي في واد، أقلّب السوداء والبيضاء فتصيخ وتطرق، وإذا سكتّ عنك وثبت تريغ المخرج، واللّه لتخرجنّ أو لألجنّ عليك البيت. فلما طال وقوفه جاءت إحدى الإماء فقالت: أعرابي مجنون، واللّه ما أرى في البيت شيئاً. فدفعت الباب فخرج الكلب شدّاً وحاد عنه أبو الأغر ساقطاً على قفاه، ثم قال: يا اللّه ما رأيت كالليلة! واللّه ما أراه إلا كلباً، أما واللّه لو علمت بحاله لولجت عليه."
(26) أحمد ممو: التصنيف النوعي للرواية الأدبية التونسيّة، مجلة قصص العدد 61، جويلية 1983. ص.29.



#فتحي_البوكاري (هاشتاغ)       Boukari_Fethi#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- جدل وتساؤلات بشأن اسباب تكريم “محمد رمضان ” في “الأقصر السين ...
- لقاء الخميسي تنضم للجان تحكيم مهرجان الأقصر للسينما الأفريقي ...
- واشنطن بوست: ثقافة سرية المعلومات خرجت عن السيطرة
- تعبئة ثقافية بمرسوم رئاسي في روسيا.. ما علاقتها بالصراع مع ا ...
- وفاة الأديب والشاعر السوري نذير العظمة عن عمر ناهز 93 عاما
- الفنان الأردني منذر رياحنة يرد على المطالبين بسحب جنسيته
- افتتاح مهرجان -أيام تشيخوف- في بطرسبورغ
- لوحة لبيكاسو -بيعت من أجل الفرار من النازيين- تثير نزاعا قضا ...
- برايم فيديو: حذاري من عودة رجل المارينز العجوز الأعمى في فيل ...
- -قصص عن الوطن والحب والخير- لمحمود سمير النشاشقي


المزيد.....

- كناس الكلام / كامل فرحان صالح
- مقالات الحوار المتمدن / ياسر جابر الجمَّال
- الشعر والدين : فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي / كامل فرحان صالح
- (تنهيدة الكامل (مشى في أرضٍ لا زرع فيها / كامل فرحان صالح
- نجيب محفوظ وأحلام فترة النقاهة دراسة بين المؤثرات النفسية وا ... / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة (ب) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(ج) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(أ) / ياسر جابر الجمَّال
- يُوسُفِيّاتُ سَعْد الشّلَاه بَيْنَ الأدَبِ وَالأنثرُوبُولوجْ ... / أسماء غريب
- المرأة في الشعر السكندري في النصف الثاني من القرن العشرين / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فتحي البوكاري - الأساليب الفنية في نصوص عبد القادر الطويهري السردية(*)